أرقام دالة
هول يوم القيامة ، وعذاب الآخرة .. يأتون المقهى ليثرثروا بما يحفظون من كلام السادة أصحاب النية ، يفصلون بين القول والقول بدقات على بندير حامي .. ثم يمدون أيديهم مستعطين شي بركة من الأفقر والأحوج منهم ، فيسيل ماء وجوههم ، وترخص الحكمة ..
يا ويلتاه .. كم يوجد الفقر من كذب ، حيل ، بدع ، ضلالات .. كم يلهب من نيران لا تكتشف إلا في زمن رمادها .. وهم ينثرون الكلام المرصع من أفواههم مدعما بحركات كالتي للذين يعرفون قراءة قصائدهم ، تحسبهم حكماء حقا لا يريدون من دار الدنيا شيئا .. ثم وهم يمدون أياديهم كل المد تنقلب كل المفاهيم ..
" أعطني صدقة على والديك ..
" ثم ماذا .. ؟
" تجدها غدا يوم الحساب في ميزانك مقدرة بسبعمائة حسنة ..
" ثم ماذا .. ؟
" يغفر لك بها الله سبعمائة سيئة ..
" ثم ماذا .. ؟
تدخل جنة تجري من تحتها الأنهار ..
" ثم ماذا .. ؟
صمت . حيرة . وكرر ثالثهم السؤال : ثم ماذا .. ؟
ولا جواب .. كان المتكلم قد انصرف إلى طاولة أخرى ، وبذلك جنب نفسه ثورة ضده .. رغم ذلك ظل ثالثهم يرميه بكلام تتوزعه السخرية والجدية ..
أولهم تتوتر أعصابه كلما قوبل باعتراض عما يقول من طرف أحد جلسائه ، أو برفض تام لما يعتقده هو كتصور مبدئي يجب أن يتبنى ، أن يسود .. يطفر الغضب من بياض عينيه أحمرا ، فلا يكف عن إيجاد مبررات لكلامه ، لثرثرته ، لأفكاره المأخوذة عن صفوة الأساتذة ، المأخوذة من أمهات الكتب والمراجع على حد قوله المتكرر لدرجة الملل .. لايكف عن تبرير العدم ، نعم العدم ، حتى يلبسه رداء حقيقة مهلهلة ،
بل حتى يحصل على موافقة معارضيه ، رافضيه ، وإن كان لايرجى من وراء هذه الموافقة منهم إلا إسكاته ..
وهو .. ؟ لا تهمه الأفكار أكانت خاطئة أو صائبة ، تهمه الموافقة على ما يقول في المجالس يكسبها .. وكفى ..
حريص هو على انتقاد النشرات الإخبارية عند سماعها ، عند مشاهدتها على تلفاز المقهى ، فليس ببيته تلفاز حتى بالأبيض والأسود ، ولا كهرباء ..
وعند قراءتها عناوين مكبرة مزوقة ، مكتوبة بالخط العربي الذي باع قحاحته للتطور الصناعي ، متصدرة صفحات الجرائد والمجلات .. قد حدث له أن مزق جريدة لأنها تناولت موضوعا بالتحليل من خلفية واضحة ، من رجعية مدسوسة للقراء الأغبياء .. ومزق مجلة لأنها خصت صفحة كاملة لجسد عاري لراقصة نجمة ، وغضت القلم عن الأهم .. وحرق كم من مجلة وجريدة لأنها روجت إشهارات ضد المستهلك المكوي بالأسعار والفراغ .. والإهانة .. كم من مرة كان منه التمزيق والحرق .. ؟ الله أعلم ، إنما على كل جريدة ما يدعو لذلك ،، وعلى كل مجلة ما يدعو لأكثر من ذلك ..
أولهم . يظل يلولب رأسه نصف لولبة تعبيرا عن عدم رضاه ، وقليلات هي المرات التي يهزه فيها بالإيجاب .. لا تفوته شاذة ولا فاذة من أمور الواقع المقروء في عمر مليئ بالمحن ، هكذا يتوهم ، كأنه المسؤول عن النوق لما تعثر في طريق الصحراء ، وربما مسؤولون من هذا النوع أكثر منه خلودا إلى الراحة ، أقل منه كلاما موجبا في مواضيع السلبيات ..
يحمر وجهه كطماطم بائرة في حقولها قبل الأسواق . يصب جام سخطه على البطالة المتفشية ، وعلى العشرة الملعونين فيها .. ويضحك في سخرية ممثلة بإتقان وهو يستشهد بمقولة أحد المهتمين بها ، البطالة التي أكلت أزهار الربيع في عز ربيعها .. اعطوني يوما في النعيم ، عمرا في الكفاف ، أغفر لكم كل العذاب جرعتموه لي قطرة قطرة ..
أه .. يازمني الضائع
أه .. ياحلمي المصلوب على جدار صبر .. ومستحيل مدبر ..
ثانيهم يحكي أخر ما جد من النكت والنوادر والطرائف ، يركز في حكيه كأنه يعرض فكرة مهمة يخاف أن يحرف معناها بزيادة أو نقصان . يطيل لدرجة الملل رغم إمكانية الإختزال ، فيقتل في ذوات السامعين أخر استعداد للضحك . يستعين بالحركات السمورفية كأن أمامه أخشاب مسندة ، ويستعين بإيماءات القردة كأن أمامه عقول صخرية .. وأخيرا يضحك السامعون من النكتة قليلا ، ومن راويها كثيرا ..
ثالثهم يتكلم عن الحاج عبد الرحمان الذي ضبط بين فخذي الحاجة زينب ، وعن الحاج الطيب الذي اغتصب فتاة في عمر حفيدته ..
" والله ما يفعلها حتى شاب مراهق .. هكذا يعلق ثالثهم ..
يتكلم عن الصيد البحري في جدول أعمالهم ، والحرب المنتعشة بين العرب والفرس ، وفلسطينيون يمطرون العدو حجارة من سجيل ، ويموتون تاركين التفرجة بين وسطاهم وسبابتهم ..
يتكلم عن جائزة الكونكور التي وشحت صدر الطاهر بن جلون وأسالت لعاب كاتبة سيناريوهات .. يتكلم في كل واد ، وفي أي واد يخطب .. يستغرق في الشرح والتفسير ، والتأكيد ، وقتا ثمينا ،، فينتهي به المطاف إلى لجج لا خلاص له منها ، بعدها ، فلا هو بالمفيد ولاهم بالمستفيدين ..
رغم ذلك لا يتوقف عن الكلام ، عن الهذر أحيانا ، متطفلا على أوسع المصطلحات وأضخمها ، كأنه فيلسوف بعث من القبور اليونانية الغابرة ، حيث كانت كل العلوم فلسفة وكان للفلسفة هدف واحد نبيل ، هكذا ترى الإبستمولوجيا .. رابعهم صامت كالتمثال ، يديم صلاحية الصمت ، ويجسد مثاله في الإستدلال : الصمت حكمة .. لايتكلم إلا لضرورة لها مقياس في دفائنه ، وباختصار . لا يتكلم إلا ليدلي بحكمة تقتضيها الحاجة ، الساعة التي لا تتغير..هكذا كان رابعهم يعتقد ، وكانوا يجارونه في اعتقاده ،، يسمونه فاصل اللب عن اللغو .. وكانت تلك التسمية تنطق بلهجة استهانة لا لهجة صدق .. كانوا يعبثون في زمن عابث بهم .. فقط يعبثون ..
ساحة المقهى ملأى بالكراسي والطاولات ، والرواد المعلومين إلى يوم الدين ..كانوا جالسين فرادى ، ومثنى ، وثلاثى .. بائعان للحشيش أتيا للمدينة لحل الأزمة القائمة منذ اختفاء البائعين المحليين ، أتيا لتغطية الطلب الذي فاق العرض ، الذي أصبح بلا عرض .. يتخذان في الطرفين المتقابلين ، المتوازيين مكانيهما ، ربما استعدادا للفرار عند أول إشارة إنذار .. وربما ليحافظا على توازن عالم مفجوع في بقية تاريخه ، مهزوم قبل البدء وبعده عمرا طويلا .. راجعوا حقائقه في نصوص .. النصوص المرجعية ينام عليها ولي .. والولي الصالح يسكن ضريحا .. والضريح المبارك يقوم في وسط المدينة .. والمدينة الحائرة يكبلها منفى الجغرافيا ..
قال خامسهم لما سئل عن غشاوة الحزن المغلفة محياه :
" إن أخي الأصغر من أخي الصغير علي يئس حتى النخاع ..
" كيف وهو لازال في عامه الحادي عشر .. ؟
" ظل ينتظرني أن أحقق أملا زرعته في سري وعلني ، منذ نعومة أظافري ،، أن أكون موظفا كأقراني ، فأبتاع له حلوى ، وبالونة خضراء ، وكتابا ، وبذلة الأعياد .. ورغبة الأحلام ..
ولما اعترفت له بيأسي بعد إجرائي مائة مبارة توظيف ، عزف عن الدراسة عزوفا لا رجعة فيه ، ولبس لون الحداد في مقلتيه البريئتين على الباقي في عمره .. خطأ فادح ارتكبته غير متعمد ، كان قصدي من الإعتراف تحفيزه على مضاعفة جهوده ، فالطريق شائكة والورد قد يقطفه ذات ربيع ، أو يموت حالما به .. يا لجرمي في حقه ..
كنت قدوته في اليأس حين رزئت في معانقة الأمل الحق .. قال السامعون :
" كان الله في عونكما ..
رابعهم يدخن سيجارته المحشوة حشيشا هروبا من الواقع الموخز ، هكذا يجيب لو سئل ألف مرة ، لكن إلى أين الهروب .. ؟ إلى عالم المثل الذي ينفتح في الغيبوبة ، يتاح .. فيه البذلات المكوية ، والسيارة الرمادية ، وامرأة يفوح منها أريج الطيبوبة وعطر الجمال .. ومنزل رحب ، ومال يقي به كرامته من الخدش ، وأشياء أخرى .. فيه ما كان يجب أن يكون حقيقة ..
أجمل ما في رابعهم صمته الذي يحيطه بهالة الحكماء وأقبح ما فيه إدمانه على الحشيش صباح مساء ، لحد يصعب معه أخذ أقواله بعين الإعتبار حتى ولو كان صادقا كل الصدق .. هو أشبه بمعتوه لا يقبل إلا بواسطة ولي أمره ، هو أشبه بمحتضر في فراش موت تنقض كل وصاياه الأخيرة ، المتأخرة ..
نفث رابعهم نفسا كثيفا من الدخان المسموم صوب أولهم ، النار اشتعلت في جوفه ، إنه يحترق .. ينتحر .. استدعوا الوقاية المدنية يا ناس ، ولا وقاية إلا ما وقى ربك إنه سميع الإستعجال ..
جرده أولهم بنظرة مستنكرة . اعترض عن النظرة وعن صاحبها . قال بعد أن سعل سعالا شائخا ..
" لا تنظر إلي هكذا ، فأنت لا تعطيني شيئا ..
صرخ أولهم في وجهه كأن فرصته حانت بعد انتظار طويل :
" فق أيها الغافل من سباتك ، فق قبل أن أفجر في داخلك كل عبوات السخط ، فإني ما عدت أستحمل وضعك الإنهزامي .. إن الله يحب العبد المؤمن القوي ، فأين أنت من ذرة من إيمان ، أو قليلا من قوة .. ؟
في سقطتك الأولى ، والثانية ، والثا .. .. كنت دائما بجنبك أقاسمك كل السقطات ، ما كان رأفة مني تجاهك إنما كان مصيرا يصرعني قبل أن يصرعك ، كنت أشاطرك أحلام الظهيرة وأشاركك رهبة الكوابيس .. وكنت أظن أنك ستقوم في حركة حيوية تنم على أنك لم تفشل عن الآخر ، لم تضعف كامرأة عجوزة ،، وتواصل الصراع من أجل البقاء ، شأنك في ذلك شأن نملة الإسكندر المقدوني .. وأنك ستكون ساعدي المفتول إن ألمت بي عدوى السقوط مثلك ..
لكنك وصلت السقطة بالسقطة ، بل بقيت ساقطا .. راصخا في سقطتك الأولى .. الآن ، تجتاحني فيك الخيبة المرة ، ثم التساؤل العقيم :
أهو حل اخترته ، أم هي نهايتك أذنت قبل الأوان ، ولم تكن في الحسبان .. ؟
لا يهمني الجواب بقدر ما يهمني الحاضر .. وأنت في الحاضر ..
فق فلم أعد أملك لك المزيد من العطف الذي لا أذكر أني شعرته ، ولا المزيد من التعاطف الذي أحتاج إليه مثلك .. أو أكثر منك .. بل يوم ملكت لك أشياء مثل هذه تماديت في سباتك ، فظلمتك أيما ظلم من حيث لم أقصد .. كلنا مثلك ، تلك واحدة من علامات الحياة الراهنة التي نبكي ضدها ، وربما أثخننا جراحا وأكثرنا مشاكل لا يتعاطى الحشيش ، لا يستسلم على طريقتك ..
ألحان الريكي تنبعث من مسجلة المقهى . أغلب الرواد يطلبون سماعها ، ثم إعادة سماعها مرات .
يحتجون إن أسكتها صاحب المقهى ، أو استبدلها بأخرى .. اللهم إن كان استبدالها بشي ناس الغيوان أو .. كما قال مرة أحد الرواد الذين لا يحملون بطاقة الإنتماء المطلق لهذه المقهى .. ينصتون لها بحب كبير ، بخشوع عباد بوذا ، رغم أنهم لا يفقهون منها معنى . تصطخب الألحان ، ترقص لها خيوط الدخان .. القاتلة .. المتلاشية في الفضاء ، في الأعماق الضيقة ..
بوب مارلي يصيح :
" انهض ، اصمد في سبيل حقك ..
ولا أحد يتحرك ، فما بالك بالنهوض وصنع نهضة في عقر الزمن ،، ولا أحد يفهم البتة .. ربما لتناقض واضح بين السامع والمسموع ، وربما لإنخلاع المظاهر الزائفة أمام المرايا عن وجوه لم تعرف مخرجا من المؤخرة لكي تعرف مدخلا للحضارة .. أي فعل قد تفعله كلمات راسطامانية في أذان الكلال .. ؟ سلوا التراث . تزداد الألحان اصطخابا ، فتتمايل لها الأجساد المنخورة ، ذاك هو كل ما في الوسع .. أما العقول فشاخصة بصائرها ، غائبة أفكارها ، أسيرة أوهام مألوفة .. وهروب لا يجدي ..
بوب مارلي يكفكف دمعتين من على خدين أذلهما الضعف :
" لا يا امرأة ، لا تبكي ..
علق ثالثهم :
" شاهدته ، بوب مارلي ، في فيلم بقاعة سينما . يظهر وفرقته منهمكين في لف السجائر المحششة وتدخينها بإثارة ، قبل العرض وبعده ، وفوق المنصة .. وجمهوره في الفيلم كما في قاعة السينما على حد سواء منهمكين في تقليدهم له : يلفون السجائر ويدخنون بإنتشاء ، ويدوخون كما تقول جدتي .. كان بحق درسا في تعاطي الحشيش ، تلقته الأذهان بسرعة مذهلة ، وأبانت عن تلك السرعة في التلقي في عين المكان .. حيث تحول فضاء القاعة السينمائية إلى سحابة كثيفة تقطر الإختناق ، تغشى الأبصار والعقول ، تدمع العيون ، وتمطر الموت المتعمد .. فيغيب الكل في لحظات احتضار ..
تمر سارة على الرصيف الآخر للشارع حيث توجد المقهى ، ويوجد في ساحة المقهى أشباح المأساة يخلصون لجلساتهم الزوالية .. ومن الزوال يبدأ سفر جديد إلى ذروة الأحلام في ذروة الفراغ ،
حتى ما بعد منتصف الليل ، حتى أذان الفجر المسموع من مسجد في الشارع الذي يفضي إليه هذا الشارع من جهة اليمين لا اليسار .. حتى .. ويعودون إلى أفرشتهم الباردة ليناموا على واقع ، لكي يفيقوا غير مبكرين .. باصقين على اليسار ، لاعنين الشيطان ، داعين الله أن يقلب الدنيا .. أو لا يفيقوا ..
تتأنى سارة في مشيتها كحرة . تعزف بنعليها الأبيضين إيقاعا متزنا يوحي باعتدادها بنفسها ، معتدة بنفسها والله ، فهي لم تنزلق على الرصيف المبلل بمطر هطل خفيفا منذ لحظة وكف ،، جو عجيب : الشمس ساطعة والمطر هطل ، السماء صاحية والدمع نزل .. يسمون هذه الطارئة الجلية متناقضاتها عرس الذئب .. حسب قاموس لغة متداولة خارج قواعد اللغة ، والمنطق ، والمنهاج .. ولم تنزلق سارة ليشمت بها عدو ويأسف لها إنسان ، لم تنزلق رغم أن كل العيون استقبلتها على بعد مسافة بعيدة تستعصي على منظار جد متطور ،، وستلاحقها كل العيون حتى تصير حلما أو سرابا .. الله ينجيها من عين بني أدم ، كما يقولون ولو في صمتهم ..
تشد إليها كل عيون الرواد كأنها غريبة عنهم ، أو أتية إليهم من كوكب مجهول .. وليست بهذه أو تلك ، سوى أن العيون لا تشبع من صورتها الجذابة ، كانت ملاكا يمشي على التراب .. أقوى عنصر إغراء وإثارة في سارة شئ لا تعيه عامة الناس ، لا تعيه هي نفسها .. لو وعته لاستخدمته لصالحها . تستبد . تعلو فوق الرقاب المتطلعة إلى غد ، وتشمخ فوق السطوح الواطئة .. تظلم ما في ذلك شك . تأمر فتطاع بانحناءات .. بسقطات ..
لا لشئ إلا لأنها تملك زمام العقول ، والنفوس ، والقلوب ، والذوات .. ماذا يبقى لإنسان منه بعد أن تأخذه سارة من جراء نظرة .. ؟ يبدأ التوق لقبلة ، والقبلة كذبة لا تدرك إلا من أبوابها اللاشرعية ، لكن ولا أحد يرضيه إيذاء سارة لأنها منهم جميعا ، وليست ولولواحد منهم .. إنهم يحلمون فقط ، إنهم لا يؤذون ..
سارة مغرية كالحرام
مثيرة كالشيطان
ممتنعة كالأمل في أكف الضعفاء ..
لو وعت سارة السر في فتنتها لابتعدت عن العيون المستأنسة بها ، لدرجة يصعب معها مدحها أو ذمها وجها لوجه .. وتظل تحصل على ذلك همسا أو
إشارة ، وهي على علم بالمصادر والأسباب ،، لكنها لا تحرك ساكنا .. لا تزيد على تكديس ما يبعث إليها من كلام ، عبر البريد وعبر براءة الأطفال ، في الأركان الأربعة حيث الهراء يلخصه ، والغبار يعلوه ، والنسيان يمحوه
بسرعة ..
كل هذا يحدث لو وعت سارة جبروتها على اكتساب كل الرقاب المزروعة في أرض شقاء ، وبؤس . هي تتمتع بقيمة مضافة دون أن تتكلف لها ، أو تتصنع لها أمدا طويلا .. فما بالكم يا حيارى لو فعلت شيئا من قبيل التكلف والتصنع ، لو تعمدت إغراء الجوع .. وإثارة الكبت في ينابيعه ..
ربما اجتهدت سارة في حياتها ، واهتدت لأسلوب فذ ،، وهي فيه ماضية ..
وكانت سارة تمضي جسدا مخمليا طريا ، تعريه كل عين مشدودة إليه كما تشاء .. كانت تمضي .. أولهم دعا لها بصوت رفعه فوق طاقته لتسمعه :
" الله يحفظك يا الزينة ..
قال السامعون وكأنهم كانوا يتحينون فرصة الكلام ، مجرد الكلام :
" أمين يارب العالمين ..
طفرت حمرة الزهو من وجنتيها ، ففضحت قليلا من خفاياها . ألذ كلام في أذن أنثى ذاك الذي ينعتها بصفات الجمال ، ويثني على بهائها .. والعقل .. ؟
غنى لها ثانيهم متصنعا الحنجرة والدلال ، والفجائية : " أش هذا .. ويلي .. ويلي .. عوجوك علي ..
لم تأبه له ، هكذا تظاهرت .. لكنها في داخلها طربت ورقصت ، وانتشت في قمة الفخر الذي تسابق عليه مثيلاتها ، والذي لم تحظ به واحدة ولو نافقوها ..
سادسهم يصيح بملء وقاحته : " أجي يا ..
إنه شبع حشيشا ، فصار غير قادر على التمييز بين مدلولي الكلمة . إنه منه نهيق في شارع يتشبث بأخر عناصر الإنسانية ، بلا فائدة .. التفتت إليه سارة وقد امتزجت في وجهها الحمرة بسواد منذر ، فأعلنت لون غضبها . إنها تعرفه كما لا تعرف نفسها ، من قاطني الجهة الشرقية للمدينة ، وزميل سنة دراسية ابتدائية ،، وأمه سعدية التي تغلب زوجها ،، وأخته عائشة التي ضيع شرفها أحد الوافدين من الدار البيضاء للعمل، بمعمل الإسمنت الغير بعيد جدا عن المدينة . أعلن خطبته لها كحل والنية تفيض بالسوء والمكر ، وأبقاها جنبه ينومها بوعد ويوقظها بأخر .. كان يجيد صناعة الوعود في كيان انهار .. ثم انتهى كل شئ ، ولم يكن قد بدأ أي شئ إلا خطأ ،، بانتهاء مدة عقدة عمله .. ورحل خلسة إلا عن ضميره . هرب .. سارة تعرف سادسهم وأقل منه وأكثر ..
قالت له وقد تخلت عن حشمتها المعهودة :
" .. .. .. هي أمك وأختك يا واحد السافل ..
قهقه كل الرواد والمارة الذين تعجبهم مثل هذه الصدفة ، الفرجة . سخروا من طالق الشتيمة وقد ردت إليه بأقذع منها . إن الشتم بالشتم والبادئ أظلم .. دوما هن النساء متأهبات لإثبات تلك المعادلة الكلامية ، دوما هن مظلومات .. رد سارة كان نافذا حتى الحساسية ، أفقد الباقي من رشد سادسهم ، فهم بالقيام لبدء العنف ، أو تظاهر فقط .. لكن جلساءه حالوا دونه وذلك ..
كانت سارة قد رجعت خطوتين إلى الخلف ، توثبت في مكانها ، واستعدت لفعل شئ . ترى لو ضربت هل ستثبت تلك المعادلة العنيفة : الضربة بالضربة والغالب أقوى .. ؟
نشب الكلام ، وتحول إلى ضجة ساخنة . انقسم الرواد على أنفسهم : فمنهم الحامي لسارة طلبا للكبر في عينيها ، ومنهم الواقف ضدها ..
أولهم : " عيب أن يمد رجل يده على امرأة مشهود لها بالضعف ..
سادسهم : " العيب هو أن يتطاول لسان امرأة على شخص رجل ، ولو كان مجنونا ..
ثانيهم : " حتى لو كنت المعتدي المتسلط ..
سادسهم : " حتى لو كنت ..
ثالثهم : " ما خلقت المرأة إلا لتجسد العداء القائم ، به تصطاد ضالتها المنشودة ، المرسومة في مخيلتها : رجل ، بطل ، حلم .. وأشياء مثل هذه لا تتحقق إلا عن طريق النقيض ، فلكي تكون رجلا عليك أن تعادي المرأة بلا شفقة ولا هوادة ، ولكي تكون بطلا عليك أن تظلم وتنجو من الإنتقام .. ولكي تكون حلما عليك ألا تهون ، ولا تهان ..
سادسهم : " تلك والله عين الصواب .. إن سارة تحوم علي فراشة عاشقة ، وخصامها معي وسيلتها إلى قلبي الهارب مني إلى الصقيع ..
رابعهم : " الخطأ أن تحصروا تفكير سارة في فرجها فقط ، إنكم بهذا تفضحون عن مدى تفكيركم بالمقابل .. إن وراء كل عظيم امرأة ، وتسترعي العظمة الإنتباه ، حين ينسى الوراء ، يهمل .. ولا يلتفت إليه إلا لقطف شهوة حل زمان ندائها بشوق ، إلا لبناء عظيم جديد .. إنه الخطأ الشائع ، الغاضة عنه جميع الأطراف والحواس .. المشكوك فيه بأمانة ، هو أن ذهنية العصور الخالية لم تطو لحظة واحدة ..
سادسهم : " الخطأ لما يشيع ، لما يعمر ، حقيقة رغم أنف النقاد .. والمعارضين ..
رابعهم : " لا جدال ، وإلا ستغضب الحكمة الآتية من مخاض فلسفة عنيدة ..
سادسهم : " هكذا تغلق باب الكلام ، وتصمت ،، كأنك نبي ..
خامسهم : " يا ناس ، تمنحون أنفسكم حقا ، ظلما ، وتجردون سارة منه .. تمنعونها من اعتلاء كراسي الدفاع عن نفسها ، وتجهضون فيها الإحتفال بيوم عيد ..
سادسهم : " أي حق تعني .. ؟
سكت متظاهرا بالعجز أمام إشكالية يطرحها ، بانتظار رد شافي للغليل .. لكنه استطرد قائلا بعد حركة تمثيلية مستعارة :
" أه .. فهمت ، تعني مثل الحق الذي منحته لحليمة يوم رفضت الجلوس بجنبك في حصة الحساب ، وكان الدرس في ترتيب الأرقام من الأصغر إلى الأكبر ، ثم العكس .. فعايرتها بأن هيلين كيلر أحسن منها رغم تعدد عاهاتها ،
وردت عليك بأن طه حسين أفضل منك أيها المراهق العنيف ، والعمر جد قصير .. وقتها شعرت بانحطاط قدرك ، فوصمتها بعار لا يزيله ضوء الصباح ، لا يمحوه النسيان .. وظللت تملأ شدقيك بالفعلة ، وتذيعها على السامعين في افتخار ومباهاة ، والغافلون منهم يغبطونك في حضرتك ، ويحسدونك وراء ظهرك ..
قال سابعهم :
" أسفي عليكم من جهل هو كل نصيبكم في هذه الحياة ، الجهل مثواكم وبئس المصير ..
أجابه سادسهم في كامل الإزدراء :
" وماذا فعلت أنت بشهادتك التعليمية العالية .. ؟
لا تخدع نفسك بالأحلام الأرسطقراطية ، فنحن سواسية في درجات السلم المرتقى ، في أحط درجاته ..
صمت سابعهم وقد جوبه من وهلته الأولى بالأمر الإعجاز . حتى لو حاول قول شئ ، تغيير شئ ، فإن الواقع يفشل المحاولة .. وصورة من يحمل مشعل التغيير تفند كل أقواله ، وتقطع عليه سبل المواصلة ،، أو الإعادة من الأول .. صورته لا تصلح لأن تكون قدوة للهاربين من عقولهم ، وحافزا لمن استأنسوا بمصير لم يكتب لهم ..
قام سابعهم ولسان حاله يقول : " اللهم إني بريئ مما تفعلون ، ومما قد تفعلون .. وغادرهم . لحق بسارة ، شيطان الضجة كما سماها ثالثهم ، وفينوس كما أجازها خامسهم ، ولعن سادسهم الشيطان وفينوس معا ..
بين سابعهم وسارة معرفة مسبقة ، وثيقة .. كانت زميلته في الدراسة الجامعية ، وبعدها صديقة حميمة لأخته رحمة ، مما أوجد بينهما أنسا وانسجاما .. ونظرات هادئة ساكنة كلما اقتربا أكثر ، ووحشة ملهبة العواطف بعد البعاد .. ربما كان ذلك منهما حبا ، وربما كان خوفا من الحب .. ابتدرها قائلا :
" ليتك تجاهلت كلامه ، ولم تردي عليه ..
" السافل ، كان يستأهل أكثر من ذلك ..
" هأنتذي يا سارة تتكلمين خارج حدود الأدب ، كعاهرة مثبتة خلف واجهات النخاسة ، أو ثابتة في محطات الأوتوبيس .. ما عهدتك بهذه الثورة الغاضبة تخرجك عن مألوفاتك في الأذهان ..
" لا ينفع امتلاك الأعصاب والأدب مع النماذج البشرية من صنف سادسهم ،لا ينفع معهم تجاوز هفواتهم إشفاقا عليهم وإلا ظلوا يهفون ، فما أعطتنا الشفقة لحد هذا الزمن إلا المتمرسين في الضعف والسقوط . لا تهاون بعد اليوم في تطبيق أسلوب الغضب والنقمة ، ولو على مضض ..
" وانفعلت كذي من قبل ..
توقفت عن المشي . رفعت إليه عينيها المكحلتين بلون الجنون ، جنون من يحظى منها بنظرة راضية ، لا تحقد رغم أنها تتوعد .. وابتسمت في صفاء ، ثم قالت :
" ألا زلت تذكر شأنك معي ذات يوم .. ؟
" نعم ، ولن يقهرني السهو لحظة ، ولا الهروب من أنقاض عمر حميم ..
" وتخاف أن أعشق وأعشق إثر ثورتي الهوجاء .. ؟
" نعم ، لأنها الفاضح الحقيقي لما تتكتمين عليه من جمال وفتنة ، قد يكون ذاك هو سرك في قهر رجال كان مفروضا أن يكونوا كالجبال .. فعلميني يا سارة كيف تتجمل المرأة بحمرة الإنفعالات ، وكيف يتأنق الضعف بلمحات قوة فيتألق وينتصر .. ؟ إغراؤك المكين كامن في انفعالاتك النوعية ، كما كان عند جريتا في طريقة نزع جواربها ،
وكما كان عند بطلات إحسان عبد القدوس في طريقة اختيار العطور والفساتين ، والحركات المخملية .. أتحسينها يا سارة .. ؟
" أحسستها مرة واحدة . أذكرها جيدا . لا أريد أن أنساها .. كان ذلك في يوم صيفي قائظ ، مررت بجانبك عارية الأطراف ، بارزة التضاريس . وسوس الشيطان في نفسك . طلبتني لإعادة أشياء من الطفولة ، لإعادة لعبة جنسية لعبناها ونحن صغارا .. رفضت ، فعايرتني بأمي التي لم تلدني ، وبأبي الذي حملني من مستشفى التائهات منذ أول خطوة لهن في الوجود .. لقيطة إذن .. غضبت حتى البكاء . صفعتك على خدك ، ولحد الآن لا تزال تبرد حرارة الصفعة بكل وسيلة ،، وتحذر من عثرة لسان منك تورثك أحر من الصفع .. الإحتراق .. فالموت ..
فكر سابعهم : لقد جرى العمر بسرعة السحاب البخيل ، والمؤسف أنه جرى عكس الأحلام الطفولية ، فأفلت من بين الأيادي فرصة احتواء سارة إلى الأبد ..
فشلوا ، هكذا يعترفون للتاريخ الرقيب ، فحذاري أيها التاريخ أن ترتشى فتزيف أصدق الإعترافات البشرية .. استغاثوا حتى يأس الآزفة أجالهم ، ولا من سمعهم ، ولا من أخذ بقواربهم الشاعلة نار الخطر .. الملوحة بأعلام الغرق .. إلى شط الأمان ، والأمل .. إنما يزيدونهم يأسا ، ويجهزون عليهم بأحكام ونعوت وراثية .. كفاهم فقد أذعنوا للمكتوب نطق به مجدوب المدينة ، رضوا بالحضيض ،، وفيه يقضون نحبهم المتبقى ..
كف سابعهم عن التفكير الإنفرادي قبل أن تلحظ منه سارة ذلك . قال :
" سارة ، أنا لم أخن عهدا مشتركا والنكبة تثغو في كل مكان ، لست أستغل الظرف القائم ضدنا .. أنا لم ألحق بك إلا لكي ألتمس لهم عندك عفوا ككل مرة . إنهم بؤساء أكثر من الذين عناهم فيكتور هوجو .. ووحدها صورتك ترد إليهم اعتبارات طمست بعد تصدع عناصر الصمود ، تقدر على انتشالهم من تحت الهدام ، وتشد إليها مقلهم المصبوغة بلون الهم والغم دوما ،، ثم تنطقهم غزلا وغناء ، وعبارات فاحشة .. ففي ذلك ترويحا لأنفسهم العليلة ، وإخفاء لكروبهم اللامطاقة ..
وحدها صورتك تركب العماد في الخرابة ، وتنسج الرسم في التمزق ..
إنهم محرومون يقرأون أشواقهم بحمق ، لايملكون إلا النظر في محياك البهي ، والإطالة فيه .. فكوني الرحيمة أنت ذات المفعول الغريزي في أرواح تنتحر .. كوني أعطف من العطوفة وإن تصورتهم قساة جفاة فوق المعتاد ، فلم يبق لهم غيرك .. وكوني العادلة وإن اختلفوا ، امنحيهم البسمة والنظرة بالسواء ، بلا تمييز .. فكلهم ضعفاء جبناء أمام سلطتك البلقيسية ، عبيد لجسدك المرمري ، ولحمك النسائي الخالص ..
توقفت عن المشي . ركزت نظرها في عينيه اللتين تشذان عن باقي العيون ، فيهما الحزن كان يرقص جذلا منتصرا ، والرغبة في البكاء تصارع بأقوى مما في الوسع . عيناه تقاومان عينيها ، ذلك دأبهما منذ عرف النظر الموصول بأوتار الوجدان ، ينظر إليها فيخال سعادته بادئة سرمديتها ، لكن كل الخيال يهوي مجرد خيال عند حلول الطرفة الكامنة بين الأجفان ..
همت بقول شئ ما . ألجم فيها المخرج الأخير للنطق ، كذلك تقتل الكلمات في أصدافها .. رؤوس أصابعه فوق شفتيها الحليبيتين تصطلي معنى الإكتواء . متى فطموك يا سارة .. ؟ البارحة أم هذا الصباح ، أم لا زلت ترضعين العناد .. ؟ ناعمتان شفتاها كخلاصة القطن ، رطبتان كحنان الحضن ، فلا لوم عليه إن انزلق إلى ما تحت الصفر من الإفلاس الإشتهائي ، وارتفع كزئبق فضحت تفاعله حرارة جهنمية .. إنه تلامس جنسين ، على درجة عالية من التضاد ..
" اسكتي ، فقد سمعت النصائح مرات ضاع مني حسابها ، ولم أعمل بها مرة واحدة يسهل علي تذكرها ..
أفاق لنفسه . جذب يده من فوهة الإحتراق . قطع تيارا أقوى من الكهرباء بين جسده المكبوت وجسدها الطاعن في الإغراء .. بين شفتيها كانت تتوالى أنفاسها الدافئة لتسري بين أنامله ، ثم يده الممدودة كل المد بلا أخذ ، ثم كامل جسده النحيل .. لو لم يتدارك موفقه الخاسر لساورته النزوة الشيطانية ، لانقض على سارة وهي تصارع من خلف ضعفها الأكيد ، فيقف المارون بينهما قصد الفصل ، العدل .. هاهو يفكر بعقل سادسهم . لقد كان فعلا يقف على باب غواية خارقة يطرقه ، ويخاف الدخول ..
ارتعش كعصفور بلله المطر في غفلة عن الأمومة ، وبعد عن الحنان . لاحظت منه ذلك سارة فلم تعلق . صمتها أبلغ من الكلام . فهم . استدرك وكأنه عيي من تجارب الإقتناع :
" كيف أبتعد عنهم يا سارة .. ؟ إنهم عشيرتي التي تفتقدني إن غبت عنها ، خوفا من أن أنسلخ عنها، وأتنكر لأيامها العصيبة .. وإن عدت إليها من رحلة صيد معلن عنها ، فارغا من البندقية والرصاص والطرائد ، نبذتني .. إنه مجتمعي ، والإنسان اجتماعي بطبعه ، ولن أفلح في اعتزالي لهم .. أنا مثلهم ، أنا منهم .. كم تكررت محاولاتي في هذا الإتجاه ، لكنها باءت بالفشل .. لن أستطيع العيش وحيدا ، في منأى عن الحقيقة المغناطيسية ..
أعادت عليه تصنيفها للناس داخل عشيرته ، مجتمعه ،، وخلصت للنصيحة :
" عش مع المحترمين منهم ، رافق أبرارهم ، تجدهم مثلا في مقهى : مرحبا بكم ..
قال سابعهم في شبه أسف :
" اعذريني يا سارة إن قلت عن تصنيفك أنه خطأ ، أو أنه على الأقل لا يتماشى مع الزمكان .. الفرق بين الأعالي والأسافل هو المال ، الكل في تباعد عميق ، وأشقاهم ممنوعين من الحلم بقيام المساواة ..
تساءلت هي :
" وأنت الذي تتبنى الحلم لحد المبدإ ، ألست مغرورا .. ؟ ألست ضارا لنفسك أكثر من نفعها .. ؟ اكذب مرة في حياتك تندم عن كل العمر الذي صدقت فيه . تحلل من المواثيق الوهمية تكتشف الوجه الآخر للحرية ..
" تلك الحرية الناقصة ، التي تسمح لي بجني التين الأسود المعسل ، وعندما أصبح فعلا في جنان ، بين عروش دانية ،، يحدوني الأمل في الأكل حتى الشبع .. فتزعق في وجهي الحرية أن انزل ، من رخص لك ذلك .. فترتبك مواطن الإستمساك في ، أفقد التوازن الباقي ، وأسقط خائبا خذلانا .. وأمضي الوقت الفاصل بين الصعود و النزول ، مضمدا جروحي المتفتقة ، مجبرا عظامي المرتطمة .. وفي نفسي تكبر المفارقة بين القارئ والمقروء : تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين ..
هل بدأت حريتي فعلا .. ؟ هل انتهت ولما أقطف التين المسموح بقطفه ، ولما أكل منه واحدة ، نصفا ، ثلثا .. ربعا .. ؟ لايهم ، المهم أن تؤكد لي البداية ..
الحربة يا سارة نفسها باتت كمشة تناقضات ، حتى لأكاد أجزم بأن زماننا هو أكذوبة في ذات الأبد .. ربما هو عجز مني ، ربما .. ربما ..
قالت بصوت تشتم فيه رائحة نبرة الإستماتة في الرأي :
" إنها سنة الحياة ..
" حذاري أن تجرفك التيارات الغاياتية يا سارة ، حذاري أن تخدعك المظاهر ، فتحيط كنه حياتك بألوانها القزحية ، وتلهيك أضواؤها الباهرة عن ضواحي المدينة .. لقد كسبت تعلق الناس بك ، بصورتك التي لم يمسسها روتوش ولا ماكياج ، وبظلك يفوح بالأريج القح ويمدده وراءك .. لقد كنت جديرة بالكسب ..
أنا مثلا أحببتك هائجة مائجة كبحر يذود عن عرائسه الغالية ، والأكيد أنك كنت تترجمين ما في الأعماق المختلجة ..
وأولهم أعجب بك لأنك تستعملين لفظ الرفض القاطع في كلامك المبثوث ، وفي ذاكرته مسجلة ألاف الأسماء التي تلاعبت بمثل هذه الألفاظ ، وحققت نواياها السيئة .. كم من بليد في هذه الدنيا وكم من عقل .. ؟؟؟
أما ثانيهم تولع بك لما ضحكت من نادرته عن أبي نواس في قصر هارون الرشيد ، فبانت منك النواجذ وانحفرت فيك الثغور ..
وثالثهم أطرت عقله في منام ، وكل الوقت الذي سيعقب المنام . التقيتما في فرصة اللاشعور الفيزيولوجي . تكلمتما . ابتسمتما .. صمتتما .. وقرأتما بإيجاز في كتاب : الروض العاطر في نزهة الخاطر ..
رابعهم عشقك لأنك تؤمنين بالحكمة واليوم الآخر ..
خامسهم يهوى فيك الفستان الأبيض المشكل بخيوط سوداء ..
وسادسهم .. يلعنك لحظة متهورة .. ويستغفرك أياما وليالي ..
توقفت . رنت إليه . قالت :
" أريد أن أعرف شعورك نحوي .. مرة إضافية .. بإيجاز يعتمد البلاغة الفصحى ..
" أحبك ..
لم يمشيا كثيرا . بلغا المنعطف الأخير . رجته أن يعود على عقبه ، فقد تراه برفقتها إحدى الأرصاد المسلطة ، المزروعة على الزفت وعلى الجدران ، وتصيح أن قد وقعت الواقعة ، فيذبحونها ذبح النعاج قبل أن يعم العار ..
لم يزد سابعهم عن القول :
" مع السلامة يا سارة ..
وتمتم لطيفها المتلاشي رويدا رويدا ، الصائر سرابا لا يمسك :
" اذهبي إلى حيث قصدك ، وعودي فور انتهاء عدتك ..
بل انتظريني ، سأتي يوم يسعفني الحظ في تشكيل الأرقام الفائزة في التيرسي او اللوطو ، بالأرقام السالف ذكرها .. والآتية ..
مقهى الراحة . الصباح كالمساء ، والليل كالنهار .. متقاعدون كلهم وهم في عز الشباب ، ياللخسارة الجسيمة .. كل الرواد هناك يؤكدون حضورهم في عمق المأساة ، أو بعضهم غائبة عقولهم بفعل الحشيش ونحيب المساء ، سيتحركون قليلا لما يلح عليهم زلزال في نفوسهم ، سيحضرون ،، سيعتدلون في جلوسهم ، ثم يعودون لسيرة أولى .. سيرة انتحار ..
ما أن رأوا سابعهم أتيا في زمن شفق يعلوه حلم جميل ، حتى نشط الهمز واللمز بينهم ، وعندما استقر في مكانه ابتدرت إليه التعاليق والإستفسارات :
" شاطر بن شاطر .. مشيت وسارة جنبا لجنب كظلين .. سرتما كعروسين ، كزوجين بارككما إمام مسجد وعقد ، فبتما لا ترهبان استبداد الأعين المجانية النظرات ، وما أكثرها ..
لا شك في موعد مضروب على الساحل الآخر حيث جنح الليل يخفي عناقا وقبلة ، وحيث القيود والأغلال مهزومة ، فلا مناص من الذهاب إلى الموعد ،، يا أهل الهوى ..
اللقاء في بيت الأرقم تغطيه السترة والسرية ، في دار أبي سفيان المغمورة بالأمن والأمان .. شاطر ، يا شاطر ..
صرخ سابعهم في وجوههم المثرثرة ، الشاحبة لدرجة فقر الدم :
" مغفلون ، مغفلون .. مغفلون ..
" نعم ، وأنت الشاطر الذي استغل الظرف بنجاح ، وخرج من الإساءة المشتركة كما ولدته أمه ، منتصرا لوحده .. هاهي الإنتهازية ظهرت . نصرك على حسابنا نحن : المغفلون ، ووراء ظهورنا المتقوسة بالبرد والأثقال ، المدماة بسياط السعر .. في ظهورنا عين ممزقة رأيناك بها .. وعرفناك على حقيقتك ..
" أنا لست مصلحيا .. ولا قوادا ..
صمتوا كلهم متعمدين . اتفقوا . يريدون أن يثيروا في نفسه ردودا كثيرة : مهينة إن طاوعهم صامتا ، صعبة الدحض إن واجهوه .. تحرك في مكانه كأنه سيطير ، ولم يطر . لن يقبل السكوت عن فتنة ملعوبة ، محبوكة ، وقد أقسم على ذلك .. هو بريئ ، هم بريئون ، والمجرمون الحقيقيون هم سلالة إبن سبأ ،،،، ،،،، نبعثه الآن من كل مزابل الأحياء الشعبية ، ومن قبره نبعثه ، ونلعنه كل اللعن .. ثم نميته وندفنه في حارات الفقراء والمساكين حتى لعنات موالية ..
صرخ فيهم سابعهم أكثر من ذي قبل ، وفي صمتهم كاد لسانه أن ينكسر :
" مغفلون ، مغفلون .. ولست بأقلكم غفلة .. تغضون البصر عمن سبوا سارة في هودجها الأصيل ، عمن أخذوها عنوة مخلفين لكم ذكرى الحب المقدس ، وذكرى شهداء ذاك الحب ..
" يرحمهم الله جميعا ، لقد كانوا رجالا ..
لقد تنازلوا عن صمتهم ولو في موقع الندم و الحزن .. والدموع .. لا يهم ، المهم أنهم نطقوا ..
" سارة سبوها كما هو معلوم ، أو اعلموها مني الآن .. ولا تريدون أن تعلموا . تصمون السمع عن استنجادها بكم كأنكم الرجال الأشداء ، وتدارون مواقفكم عندما تبح سارة ويصل صوتها العذب إليكم حشرجة ، ثم صدى ،، ويتلاشى كل شئ ..
تتجاهلونها ثمة غفلتكم المقصودة ، تخافون تلك الحقيقة .. وأخيرا تلبسونني ضعفكم وجبنكم ، وتجهزون علي
باستنتاجاتكم الصبيانية .. أنا بريئ صدقوني ، أنا .. أنا ..
أنا .. ما كنت إلا سفيركم إلى سارة ..
لا بد للصمت أن ينفجر . قال أولهم بترنح في صوته ، كأنه يتكلم لأول مرة ، أو كأنه يتعرف على صوته الحقيقي :
" أليس على البريئ هو الآخر الإدلاء بحجة .. ؟
" بلى ، وأنتم أليس عليكم أن تصيروا ألباء تفهمون البراءة بالإشارة .. إنكم تطعنون في فقري الذي يكفر ، وفراغي الذي يساهم في تعميق فراغكم ، وأمالي التي ألم بها البوار .. تطعنون في شمادة إجازة حصلت عليها بعد حرقي لكل شموع شبابي ، ضيعت سنوات من عمري لأنفع نفسي بعد نفعي لبلادي .. يا للخسارة ..
للإجازة معنان في غاية التناقض والتضاد ، فدلوني على الذي أحياه ، لا الذي عملت له وحلمت به ..
خذوا كل أشيائي فهي أتفه من أن أظلم بسببها ، خذوها .. وكفوا عني ألسنتكم وما أدراك ما ألسنتكم ..
" والشرف المحمول ، الممثل في شخصك الذي احترمناه .. احترمناك لشهادتك التي زغردت لها أمك ، وعايرتنا أمهاتنا بها وبك ..
" وما قيمة الشرف عندما تجوع البطن ، وينثقب الجيب ، وتدمع العين ، وترشد الشهوة .. إنه عملة لا تصرف ، لا تجدي ، ولو كانت غير ذلك لما وجد في العالم غير الشرفاء .. الشريف قد يموت جوعا وحرمانا وصيرا لا بد منه في هذا القرن العشرين ، فالعقول غبية ، أو متغابية .. أصحابها يسألون عمن الشريف والأشرف ، وينسون السؤال عمن الجوعان والعطشان والعريان ، والضعيف والمستضعف ، والمريض ، واليائس والمظلوم ،، والبطالي .. مثلي .. لو انقلب سؤالهم .. لو انقلب .. أه لو ..
إن الشرف لا يسدد فاتورات الإستهلاك ، ولا يمدد مهلات تسديدها .. خذوه مني ، عني ، إذن رخيصا ، ويوم تبدل الحال غير الحال ، وألبس جلبابا وبلغة وعمامة الحجاج سأتفاوض معكم لأسترده ،، لأتباهى
به ..
بلغ سابعهم حد اللهاث والغمغمة . تعب . صمت .. دنا منه سادسهم وسأله باحتياط :" لعل سارة غضبانة منا .. ؟
تدخل أولهم :
" إنما منك لوحدك غضبها ، فأنت المسيئ لآداب الشارع ..
سانده ثانيهم :
" نعم ، وكل شاة تعلق بكرعها ..
انضم إليهما ثالثهم :" قالها الحاج حميد الزهير : اللي دارها بيديه يفكها بسنيه ..
أجزل خامسهم :
" دارها جاري وارمها في داري ..
قام رابعهم في اتجاه المرحاض الحاضر بروائحه الكريهة ، ربما ليقضي ضرورة ألحت ، وربما مجرد هروب من القيل والقال .. على أي اتجاهه للمرحاض في تلك اللحظة تعبير عن رأي ، ولو كان مجرد صدفة ،، فكل شئ دال حتى التحركات .. وعددها .. ووجهاتها ..
أراد سادسهم قول شئ ، أو دفاعا عن النفس .. سبقه سابعهم حاسما لحوار أوشك أن يثار من جديد ، أن يلامس حافة جدال الساقط فيه جاهل ، والخارج منه ربان عقل وفكر :
" لقد عفت سارة عما سلف ، وعما صدر منكم في غير صالحها ، لقد كانت تصرفات فوق إرادتكم البشرية الذائبة وسط أقداركم .. هي تشارككم الحلو والمر ، والبطالة ذات النوع الخطير ، وتتمنى لكم جميعا الأعمال في أقرب الآجال ..
سادسهم حمد الله جهرا ، ثم ولى وجهه شطر الغرب الذي بلع سارة .. هاهو المذنب يعترف ويتوب . أومأ بالركوع ، وهتف في أسف متأخر :
" ما أبيض قلبك يا سارة ..
قال سابعهم :" إنها تنصحك بالتململ ، بالتحرك في أوسع مساحة ممكنة ، أضيقها الممكن .. إن شحت عليك أرض الله اللامحدودة باستقبال ، فتحرك حيث مقامك الدائم ، حيث أنت ثابت ، حيث أنت مهرق حيواتك اليومية المتكررة عن ظهر قلب ،، وذلك أضعف الإيمان .. يقولون أن في الحركة بركة ، وأنها تجلب الرزق من بلاد الواقواق ، حدثنا عنها السندباد يوما فقال :" هي بلاد الخير و الشر ، والحق والميز العنصري ..
فكتم كل منا سوء حظه وتمنى :" يا ليت لي جواز سفر ، وتأشيرة سفر ، وتذكرة سفر ..
فتحرك يا سادسهم عملا بالنصيحة وعليك بالمزيد من الإنتظار ، عسى غدك يبتسم ..
انفتحت أسارير سادسهم . حطت على وجهه أسراب الطلاقة والبشر والفرحة المتحينة للفرص ، وحامت من حوله الرغبة في الإستبدال والبديل .. لكنه سرعان ما انقبض ، وفقد كل البريق الأول ، فحتما سيطالب بتبرير أي مجهود مبذول يضيع منه سدى ، وبدفاع عن أسباب فشله لا لبس فيه .. هكذا توؤد الآمال في ميلادها ..
لاحظ سابعهم المصير المؤول إليه ، استنبطه بحكم دراسته للمعرفة الميتودولوجية ، فلم يزد على أن سعل سعال عمال المنجم الفحمي ، وقال :" كن واقعيا لا ترهبك سخرية الخاضرين والغائبين ، والساعين بينهم .. عند لقائك بها ، إن قدر لك أن تلقاها ، ابسط لها اعتذارا وجها لوجه ، واعترف لها بأنك مزقت دبلومك المهني بعد تقادمه ، بعد كساده الذريع في الأسواق الملونة : الدبلومات الجديدة فوق القديمة ، والتي تجلب من أخر الماء والملح أكثر رواجا من التي تنبت داخل المكان .. مزقته لكي تنسى كل الخطوات والعثرات ، قل لها ذلك ،، وقل لها أنك لم تنس .. فهل تمزق ذاكرتك ، تركب العناد في عمر منكوب .. ؟ اسألها فقد تفيدك بهروب وأنت مرفوع الرأس ..
" لكن هل ستلقاها .. ؟ ربما .. متى .. ؟ ربما ..
سأل أولهم عن كم الساعة . قال ثانيهم في ضحك وتهكم :
" تسأل عن الساعة كأنك على ميعاد لا يقبل التخلف أكثر من ذي قبل ، كأنك ملتزم بتقسيم الوقت التقسيم المعمول به .. لكن قل لي :
" هل أنت تسأل فعلا عن كم الساعة أم عن كم
العمر .. ؟
قال ثالثهم وهو نصف شارد في عالم الخيال والحشيش :
" ما قيمة الوقت وسط فراغ بلا نهاية ، بلا بشرى بالنهاية .. إننا نعيش الوقت الثالث على مدار أعمارنا . الوقت من ذهب نكتة رأسمالية محضة تسكن الإعتقاد منذ المدرسة . الوقت من عمر نكتة تضحك الصغار وتبكي الكبار ، الباكون ضحكوا نصيبهم ، والضاحكون سيبكون عندما تداهمهم رياح خريفية ، وتسقط أوراقهم ورقة .. ورقة .. ور .. قة ..
قال رابعهم :
" ساعة ممتلئة ، متجددة حسب استعمال زمان محترم ، تحسسك بقيمة روحك ووقتك معا .. وساعة فارغة متمددة الأطراف تقتل في نفسك كل القيم والمعاني ..
قال خامسهم :
" تجعلون من الحبة قبة . انسوا أنفسكم ووقتكم تكتشفون حياة جديدة . لا يهم كيف هي .. وكيف هي في أعين مدعي الإصلاح ، والغيورين على الأخلاق ، والناقدين لكم .. المهم أن تحيوا هذه الحياة المكتشفة بالضرورة ، وفيها تتحللون من عقدكم وأزماتكم وأفكاركم تراودكم في استبداد .. فليس لكم إلا الأسى نتيجة وأنتم تحاولون تشخيص مواقع التصدير فيكم ، ومواقع الإستراد فيهم ..
قال سادسهم والتوبة فيه تفتر :
" اغفلوا ، ولو مرة واحدة ، الدعابة التي تخرجون فيها أعباءكم الظرفية والمستوطنة فيكم ، هي متنفسكم في أرض تنشق عن الإختناق .. أجيبوا السائل ببساطة ، باختصار .. حددوا له الساعة التي تحويه منبوذا ، مسلوبا أسباب الحياة ، مستغنى عنه النفايات ..
قولوا له أن الوقت ما بعد المساء يزحف ويوقع الفناء ،
وأن أضواء الشارع القديمة ، الجديدة ، اشتعلت منذ زمان .. وجوه اختفت مع أذان المغرب ، وجوه ظهرت ، خرج أصحابها كالخفافيش ليكرروا دوريات الذهاب
والإياب ، ثم الوقوف في المواقف اليومية الثانية ..
يعقدون صفقات بيع و شراء ، لا تهم نوعية البضاعة ولا جودتها ، لا البضاعة نفسها : هناك لحوم طازجة معطرة لسيدات جاهزات للسهر حتى مطلع الفجر ، وخمور معتقة ، وحشيش صفر صفر .. وسم .. ليكن البائع ماكرا ، وليكن المشتري حذرا كل الحذر ، فالعقدة تبرم في الظلام ، في ثواني معدودة لا يقبل بعدها فسخ .. لأن فيه عيون قد تنام دهرا ، وتفتح لحظة .. في أي
لحظة ..
أقبل ثامنهم يترنح من شدة السكر . لا يقوى على حمل بدانته كما في حالات صحوه القليلة ، القصيرة . قال سادسهم المندفع دائما للكلام و الخطإ :
" اذكر الكلب واقبض على الهراوة ..
قال أولهم :
" لو كانت حاجتك إليه ماسة ، وقضاؤها يقتصر على إهلاله عليك من الشرق ، لانقلب مثالك الشعبي رأسا على عقب .. تعد له أجمل استقبال ، وأرق كلام .
تبادره متملقا :" اذكر السبع يخضر ..
ثم تأخذه بالحضن ولوم طفيف عن التأخير منك إليه .. يا لك من منافق ..
قال سادسهم :" لست طماعا مثلك ، العاطي هو الله ..
واستدار إلى ثانيهم الذي كان قد بدأ في حكي نكتة لم تسمع من قبل .. فتوقف الحوار لحظة ، وبعد الضحك حتما يتغير مجرى الحديث الذي سبق ، يفتح موضوع جديد ..
ثامنهم إبن إقطاعي بالمفهوم القروي ، وإبن بورجوازي بالمفهوم المدني ، وإبن ثري بالمفهوم اللغوي الذي تنطوي عليه كل القواميس .. ما أظلم أن يحتكر واحد مفاهيم من هذا النوع ، حين يضيع الأكثرون في الضد المدقع .. أبوه يملك أراضي شاسعة ، ودكاكين بلا عدد ،
ودور عالية ، ومقاولة للبناء .. وفي ماله حق معلوم لثامنهم ، الإبن الأكبر المدلل من أمه . لا يهدأ محرك سيارته الكولف السوداء . لا يشبع نهمه للخمرة الرفيعة . ولا تجمح رغبته إلى الجنس اللطيف المتهافت عليه بلا مطاردة ، بلا نصب كمين .. ترى ما أحلام كل عشيقة أوقعت له نفسها بنفسها .. ؟
في ماله حق معلوم لأبنائه الآخرين المفطومين على شتى أنواع التبذير . يشاع عن إبنته سلوى أنها ترمي بمحارمها وصدراتها وسليباتها وكل ملابسها التحتية بعد استعمال واحد ، ولا ترضى بإعادة لبسها ولو صبنت بماء الورد ..
أه .. يابنات الحي الفقير لو تجاورنها فتنعمن بحسن الجوار ، وتقتسمن مهملاتها النظيفة بالسواء ..
حتى أنت يا سارة تمنينا لك تلك المهانة بعد طول تفكير ، ولا زلنا نتمنى .. فكفاك صدرة تشهد انتقال نهديك من الصلابة إلى الرطوبة التدريجية ، المؤذنة عن بلوغك سن امرأة لم تعش عنفوانها كاملا . كفاك سليبا فقد لونه المثير ، يلطخ في كل مرة بدماء عاداتك النسوية ،
فتعاودين تصبينه بماء أسن تسكنه الضفادع والسلاحف ، وتعاودين ارتداءه .. وبين عملية التصبين والتجفيف الأخير تكونين عارية ، تختفين في زاوية ، تحلمين بدولاب يخفي العورة مائة مرة .. فكفاك ..
كفاك منديلا واكب كل دموعك على ناس أحبوك ، لكنهم معدومي الغد .. هل تفخرين بهم يا سارة لما تسألين عمن هم أحبابك ، وعماذا لهم في قلبك .. ؟
قال ثالثهم :
" إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ..
قال رابعهم :
" الأقسى أنهم يبذرون أمام المحرومين الذين لا يملكون إلا الخيال ..
قال خامسهم :
" ربنا خلق وفرق في الأرحام ..
قال سادسهم :
" أبهذا الشكل المتباعد .. ؟
قال سابعهم :
" حذاري والكفر بعد الإيمان ، إن ربنا لعدل رحيم ورقيب عما يفعلون ..
اتخذ ثامنهم مكانا بجانب تاسعهم بعد أن ثرثر هنا وهناك ، مع هذا وذاك .. تعمد أن يجلس بجانبه ليجسد التفاوت في كامل صوره . صاح بالنادل القريب منه أن ائت بقهوة سوداء مقطرة على حساب تاسعهم ..
" لن يدفع لك ثمنها ولو نادى منادي من السماء ..
هكذا علق النادل واستدار ليحضر المشروب المطلوب ..
كيف يؤدي تاسعهم ثمن قهوة يشربها غيره ، وكل جيوبه خالية من ثمن واحدة يشتهيها .. تبقى مجرد سخرية من تاسعهم تتكرر كل مرة ،، وعلى كل الألسن .. فيثور ، ويطلق أرذل الكلام وأحطه في وجه الساخر منه ، فتضحك الجموع السامعة .. تلك سخرية تجلي حقيقة المسكين الممزقة على شاطئ عمره وعقله ، تشعره بموقعه في الحضارة والتحضر ، وتدق أوتارا حساسة في عمقه العميق ، فيفقد صوابه ..بل هو مهبول في عيون الكل ، والشهادة التي تثبت ذلك معلقة على جدران هذه المقهى التي لم تلده بعد .. لن تلده فلقد مات في عمره الأول ..
فقد كل شئ إن كانت أداة التفكير هي كل شئ . ما بقي إلا قليل من روح يمنحه بقية حياة بلا اعتراف . تمزقت كل ألياف مخه في ليلة إعصار ، إلا ليف واحد تتناوب عليه الأفكار والأحلام والآمال ، وتتسرب عبره تأملات بلا معنى وعبث في واجهات العصر المابعد حديث .. وذاك الليف الوحيد يتمرد على التمزق ،لا يجديه في زمن يستوجب أكثر من عقل عادي ، لا يغني عنه شيئا من نكسة فاعلة ..
عقله ذهب . تلك حقيقة مأساوية مكتوبة ما وراء جدران هذه المقهى ، ولا يقرأها القراء خوفا من أن يبكوا .. هم الآخرون لهم عقول يتهددها مصير شاع ..
سأل ثامنهم تاسعهم بدعابة سكرانة :
" ستدفع ثمن قهوتي ، هه .. ؟
لم يجبه . لم يثر في وجهه الممتلئ دما ، المحتقن بلون بنت العنب كما يتداول بين السكارى .. رفاق الكأس واللامبالاة .. حالة تحسد عليها يا ثامنهم مهما يفتي إمام الحي فيها من فتاوي متشددة ..
ثامنهم يمزح . تاسعهم صامت .. قد يتكلم ، قد يسب ، قد يضرب .. قد ينفجر .. لكن مع ثامنهم لا ، ربما هو الوحيد الذي لا يقابله بما يقابل به الباقي ، وثمة سبب لكنه لا يعني الخوف . إنه لا يخاف أحدا ما دام الكل صدقوا أنه بلا عقل .. ومن مثله قد يرمي نفسه في النار ، قد يقطع من جسده عضوا ، قد يصيح بأعلى صوته وإعلان للصمت معلق على جبينه ،، قد يقول الحق ولا يموت ، ولا يصدقه أحد .. بلا عقل صار .. لا يخاف حى إشعار أخر بعودة الذي لا يعود أبدا ..
لايثور في وجه ثامنهم ، ربما لأنه يحصل منه على قهاوي ، وسجائر شقراء ، ونتفا من الحشيش ،، وأحيانا صدقات نقذية مهمة .. حتى وإن كان بلا عقل فهو يعرف مصلحته وحاجته ، هكذا يسمع التعليق حتى الملل ..
" السكارى يشفقون أكثر من المداومين على الأوقات الخمسة ، لو كان الكل سكارى ..
كذلك صاح تاسعهم ذات يوم استعطى فيه ثامنهم وهو في حالة سكر انتحارية ، فأعطاه ورقة من فئة عشرة دراهم .. فاستطرد في صياحه :
" ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل القبلة ، إنما البر أن تسكتوا أنين المحتاجين بصهد جيوبكم .. هل تفعلون لأسجل أرقامكم على باب الجنة ، في ملف الجزاء .. ؟
ثامنهم يمزح في لذاعة مع تاسعهم ، هذا الأخير يلتزم بالصمت طويلا ، ويرد عليه كلما أجبر على ذلك ،، لكنه يبقى ردا من أبله .. ضحك كل السامعين كأنهم في حلقة يتوسطها قرد إفريقي ومروض حقير ، إلا رابعهم ففي نفسه شئ غير الضحك . منزو هو في الركن ، يدمن على الحشيش تحقيقا لأكبر نسيان أو هروب ، ذاك هو اعتقاده و تبريره ..
دعا إليه تاسعهم بإشارة من سبابته المخضبة بلون الحشيش . أجلسه بجانبه ، وأشركه في براد شاي كان قد طلبه وفي سيجارة مفتوخة كان قد بدأ في تدخينها . وساد بينهما صمت معهود فيما ظل الضجيج ضجيجا .. في نفس رابعهم إحساس بالإنتصار على المروض ، وفي نفس تاسعهم إحساس بالإنعتاق من صفة قرد ، مسخوه لكنه لا يزال مخلصا لأصله وفصله .. رابعهم هو الذي فك طلاسم المسخ المؤذي لكرامة إنسان ، وتاسعهم استعاد إنسانيته ولو إلى حين ، ولو في فضاء هذه المقهى العائلية ، المتفككة الأواصر .. ثم تحركت في داخله الرواسب ، انفتح فيه المتنفس الواسع ، الخيال ، وانجلت ذاكرته عن بصمات العمر المولي .. كيف هو الخيال بلا عقل يا تاسعهم .. ؟ وهل لا زالت فيك ذاكرة قائمة عاملة .. ؟
ثامنهم مستمر في مزاحه ضده ولو من بعيد . أيضحك معه أم عليه .. ؟ يتجاهله تاسعهم . يطيل النظر في وجهه الثمل بحثا عن شئ خاص . يديم النظر فيه حتى ليربك فيه الكلام أحيانا ، يلجمه عن الآخر .. وجه ثامنهم يصغر في عيني تاسعهم ، يصغر ختى نقطة الإنطلاقة : إنه باب مفتوح عن ذكرياته المحفوظة ، أليست سلوى أخته .. ؟ بلى ، وسلوى هي ذكرياته بعينها ، ولن تستطيع تدميرها القوة التي دمرت فيه العقل ، أخر متاع له في الوجود ، وجوده هو .. سلوى أقدر على الثبات من عقله ..
قام ثامنهم من على كرسيه . حمل بقية قهوته واتجه صوب الإثنين الصامتين كصنمين . أيقن تاسعهم أن بابه الموصد على الأنقاض شرع على مصراعيه ، اقتلع بفعل عاصفة اندلعت من خلف .. إنه مدعو للتيه والشرود ..
جلس ثامنهم مثرثرا ، وتأكد يقين تاسعهم لما بدأ فعلا يتذكر ..
.. الدخول المدرسي يتكرر للمرة العاشرة . أكتوبر يجود بمساءاته الرائقة تعزف فيها روائع عشق طاغي ، وتعرض فيها كرنفالات التيم .. تبادلا تحية مسائية بدافع خفي ، ومن ثمة كان البدء .. أحبها حتى قبل أن تولد هي ، أن يولد هو ، ذلك ما همسه في وريدها يوم تسنت له فرصة الهمس . أحبها لخال يتمركز بين وجنتها اليسرى وأنفها القويم ، لنقطة سوداء تغرق في حمرة حياة .. أحبها لجمالها ولا شئ غير الجمال . وأحبته هي لماله ، مال أبيه ، ذلك ما أفصحت عنه الأيام و الليالي ..
تاسعهم إبن عزيز ذل وسط قومه ، هو إبن غني أصابه الإفلاس فأنزله حتى الدرك الأسفل من الفاقة ، حتى التسول .. شمتوا به ولا زالوا ، وظلوا يدعون بالمثل لأمثاله ، وينتظرون الإستجابة الفورية . فمن قائل بعد إفلاسه :
" هذا مأل من يأكل الحرام . كان لا يعطي الزكاة . كان يغشنا فخرج منا . صار مثلنا وذلك أسرع عقاب ..
ومن قائل بعد شلله النصفي :
" يستأهل أكثر ، إن الله يمهل ولا يهمل ، ويلحق انتقامه الجبار بمن أسرفوا في النفاق . عقاب عاجل في الدنيا قبل الآخرة . هي ذكرى لأولي الأموال ، لأولي الأرباح ..
ومن قائل بعد موته :
" لا يستأهل حتى الرحمة المجانية من أفواه الأحياء ..
ما يحز في نفس تاسعهم أن الأقدام المتحينة للأجر والثواب لم تهرع للسير وراء نعش أبيه ، والعيون المؤثرة فيها صورة الموت لم تجد بدمعة يتيمة .. كم هان أبوه حيا ثم ميتا .. لم يمش وراء النعش إلا قلة قليلة وهي في كامل الخجل من نفسها ، ومن الناس الذين بنظرونها والميت المحمول ، المنبوذ ،، ولا يحسون شعورا مألوفا .. أهي حقيقة الموت لم تعد تحرك ساكنا في هذا الزمان .. ؟ أم هم الأموات معادن كما كانوا وهم أحياء ، وكل معدن حسب نفاسته .. ؟
لكن ما ذنب تاسعهم في أن يرمى بذل أبيه إن كان عزيزا ثم ذل ، ما ذنبه في أن تلصق على جبينه علامة مفلس ولو كان إبن مفلس فعلا .. ميراث .. ؟
أبو سلوى كان شيئا دون أبيه ، فقفز إلى أوج الغنى المادي في وقت وجيز . قالوا أنه كان لا يؤدي الضرائب ، ولا يخرج الزكاة ، ويتعامل بالربا .. قالوا أنه كان يحرم عن نفسه وذويه ما حلا وطاب ، كان يعتمد في كل غذائه على الشاي والخبز ، والبطاطس المسلوقة ، والشوربة .. قالوا أنه كان لا يغير ثيابه كما كل أفراد أسرته حولا كاملا ،، ويكتفي بالإستحمام بأمطار الشتاء .. كان زاهدا بالعكس الخاطئ ، كان همه جمع المال وكنزه ،، ثم بعدئذ إطلاق العنان فيه مبذرا عائثا في المدينة التي تسمع وترى ،، وباعثا في النفوس البئيسة نكسة وحقدا وكرها .. ويأسا ..
ثامنهم هذا الشبعان دجين و كوير ممتازين ، كان يلبس سروالا مرقعا على إسته ، وفوق ركبتيه ، ولذلك يعود تلقيبه بذي النظارتين .. وسلوى أخته كانت ذات صورة مزرية في الرثاثة ، على جسدها النحيف كان للأوساخ سمك وللباس لون التقادم والبهت ،، في عينيها كان عمش ، ومن أنفها يسيل مخاط أصفر كثيره يستقر فوق صدرها المستوي أنذاك ، وقليله يتكبد في المخرجين ..
يا ذاكرة المدينة هل تذكرين هذه الأشياء ، أم رشاك كل هذا الإنقلاب فانمحيت ، ونسيت ، وغدرت .. ؟ هل تذكرين سلوى زمان .. ؟ المال أوجدها جديدة لا صلة لها بميلادها ، ميلادها كان في الرماد ، لم يذبحوا لها عقيقة ، نسوا أن يختاروا لها إسما ،، ولما كبرت نادت : أنا سلوى منذ هذا الميلاد ، لا ذاك .. المال جعل منها حورية تراها العين فتشرق استكانة وتبرق للقلب بدقائق الأوصاف . ولما تغيب عازفة لحن وداع أخير ، أو على أمل الظهور مرة شاردة ، تترك حرمانا جاحدا .. المال رد إليها الإعتبار ، فتناقلت الألسن جمالها كما كان الشأن في ذمامتها ..
تاسعهم أحبها قبل أن يكون لها جمال أو مال ..
أحب فيها الخال الأصمغ ، وأحبت فيه المال ، ولا شئ غير المال وإن ادعت .. الحب مصلحة قبل أن يكون إحساسا روحيا ، وإلا ما كان تاسعهم ليضأل أمام سلوى يوم ضأل صيت أبيه في السوق ، وما كان ليصد عن عتبة دارها يوم صد أبوه عن السوق خاسرا ،، وكان أبوها الرابح ، الكاسب .. سقط في عينيها دفعة واحدة بعد أن سقط أبوه في كل الأعين والعملات ، والفعل فعلك أيتها المنافسة ، أيتها المبادرة الحرة ..
الفتى ، تاسعهم ، حقق رغبة الشاعر ، لم يقل كان أبي ، بل قال :
" هأنذا ،، بريئ ، مستعد للتنازل عن كل تاريخي إن تم الإنصاف ، ثم البدء من جديد .. لكن المجتمع في أحكامه التقليدية لا يفصل بمعة ولد عن والده حتى ما لعد الرشد . وسلوى أكدت أنها مركز ذلك المجتمع الذي لم يرسم بعد طريقه ، مخرجه من عصر ظلامه .. ليثبت إذن أرباب الإيديولوجيات أن الأحكام وراثية ككل الأمراض المستشرية ، الخطيرة ، رغم الحجج الغليظة ، رغم الإعترافات الصريحة ..
حكت له جدته :
" إن الصراع سليل بين الأبوين ، القوتين . أبو سلوى كان يحب أمك كقيس . كانت لا تزال عذراء . خطبها من أهلها فصمتت ، فظل يعد نفسه ليزفها عليه ، وينعم بحلم بين يديه .. لكن أبزك رأها صدفة فوقعت في قلبه . تعلق بها كما في كتب الغرام . ضرب عرض الحائط بكل سوابقها وارتبط بها .. كان هو الأقوى أنذاك فحقق ما قرره في عجل ، غير أبه بمحاولات أبو سلوى للإقناع ، ولا بتوسلاته المحرقة .. تلك موقعة لم ينسها ،، ولم يتوان عن إثارتها ثانية ، وكسبها بامتياز ، فكان الإنتقام بشعا ، وكان يا ما كان .. ثم تسلمت شهرزاد زمام الحكاية ..
" كفى يا جدتي .. كفى ..
بعد الحكاية مباشرة اختلطت في ذهن تاسعهم الأحداث .
يريد أن يقيئ كل شئ وينسى .. لا جدوى .. فقد تنسيقا ظل مطمئنا لسلامته ، ثم تأليفا محكما بين هذا الحدث وذاك . انجلى كل غموض عن سذاجته ركبته ربما بتهاون منه في التفكير . لم يستطع هضم حقائق ساطعة . إنه ينكرها بلا تبرير فينشأ فيه العذاب :
أمه دخلت في عناق ممنوع مع أبي سلوى وعلى مرأى من أبيه المشلول . أمه أخذتها الحرارة بإفراط إثر التحامها بجسد نابض كله ، متلهف أشد اللهفة .. توسل إليها أبوه . صاحت في وجهه المهزوم :
" ليخطفني منك حراما وقد خطفتني منه حلالا ..
ثم انسحبت وعشيقها ، ربما إلى الغرفة المجاورة حيث تصل ، مسامع المعني بالكرامة ساعات قبل موته ، أصوات صادرة من قلب حمى الشيطان .. وربما إلى أقرب مدينة ،، ففندق فخم يسعدان فيه بنوم مشترك ، بامتزاج لذيذ ..
توالت الصدمات على أبيه ، فانفجر الدم من عينيه اللتين رأتا ، من فمه الذي حاول الصراخ فأخرسه الشلل ،، ثم أسلم الروح إلى خالقها ..
صارت أمه عاهرة تصلى أنفاس أبي سلوى ، بعد موت أبيه .. ومن أدراك يا تاسعهم أنها لم تكنها حتى في حياته ، كل حياته .. ؟ ها الوتر الحساس في جسده يقصف . لا يصدق .. يصدق .. لا يصدق .. يصدق .. يكاد يجن .. وجن فعلا ..
كيف أدى الصراع العاطفي بين الأبوين إلى صراع تجاري محض ، يا راوية الآلام الأبدية المدى .. ؟ هو انتقام على الطريقة الميكيافيلية الدنيئة : الغاية تبرر الوسيلة .. وكيف انتقلت عدوى صراع الأبوين إلى الأبناء الأبرياء .. ؟ هو مصير .. كان ممكنا أن تأخذ جل الأحداث مسارا ضد المأسي لو لم يرتبط أبوه بأمه . لكن كل شئ بقضاء ، هكذا تطعم شهرزاد الحكاية في ذاكرات شتى ، وفي أعقد المواقف الإنتقالية لتثير في السامعين ، المعيدين للسمع ، شفقة على أبطال تاهوا في عقم أعمارهم ، لتثير في ذواتهم تشويقا لمعرفة مأل زهور تواقة لفصل ربيع ،، لتكسب إذعانهم للمكتوب .. والذي قد يكتب ..
تستعصي الآن عملية حسابية على نتيجة منطقية . عجز تام . الذاكرة دامعة دما مهانا .. غير ممكن أن يتبادل الرقمان المتتابعان مواقعهما وكل المعطيات تدفع إلى الهاوية ، أن يتقدم تاسعهم عن ثامنهم فقد أخل بنظام حسابي أمن به الكمبيوتر ،، يكزن قد ارتكب إثم الأغبياء ، وإثم من هذا النوع لا يغفره أستاذ أمين ، وفي لمادته ..
.. .. .. فالثمن فالتاسع فالعا .. .. متوالية صحيحة ، لهذه النتيجة اهتدى كل الرياضيين الجادين ..
لا يمكن أن تتبادل المواقع الثابتة إلا بحدوث معجزة . لن يفلح طموح التحتي أمام حرص وتعنت الفوقي ، الرقاب تحت الأقدام تدهك وممنوع الأنين .. هل ولى زمن الحق والذكاء يا أيها الناس .. ؟ الأول أول والآخر أخر ، قالها سادتنا الأوائل .. لن يثرى تاسعهم بعد الضياع الكلي . لن ينافس ثامنهم في السوق أخس منافسة بعد تسلمه الميراث ، ويثأر لأبيه الذي مات كذبابة الصيف . لن يزاحمه في حبه لأجمل جميلات المدينة ، الطماعات الجشعات ،، الفاسقات خلف ستائر العفة والورع .. كم من مظهر في هذه الدنيا ينزاح عن نقيضه في فرص الخفاء ، كم من وجه أليف يتوحش بضراوة في الظلام ، وكم من مبادئ لا تأخذ من أصحابها إلا الكلام ..
هو تاسعهم تعلق بسلوى ولم ترضه فتاة غيرها : حبيبة غالية انفرد بها لوحده ، لم تكن مطلبا لأحد فلقد كان البؤس يلبسها صورة منفرة ، كانت أجمل معالمها تختفي تحت لون واقعها الدوني أنذاك . فكيف تجازي من اختارها للحب السامي وهي في محنة تراءت بلا انفراج .. ؟
ذهب ما أحبته فيه سلوى كأن كل شئ كان كذبة وانكشفت ، الحقيقة أنها كانت أدنى منه بكثير .. زرسخ ما أحبه فيها ، خال ووجنة وحمرة ، بل ازدانت كل الراسخات مع انتهاء فصل الفاقة ، ومجيئ فصول غدقة .. إنه باق على العهد ، لايزال يحيها ولو من بعيد ، ولو بلا عقل .. من بعد انهيار قصور الأحلام الرائعة ، ومن قلب مستحيل رخامي يقبض على كل تجربة في الحلم ،، ويودعها اليأس ..
يوم بلا إسم ولا تاريخ ، معروف بالفجيعة الكبرى .. فيه قرأته السلام الأخيرعلى لسان امرأة تأخذ ثمنا على مثل تلك القراءات ، فحملها تاسعهم الرد سلاما أحسن ،، وبه وجب الختام .. الفراق كان بالحسنى ، بعد إخفاق الأمل المعقود بينهما . أصيب ذاك الأمل في المقتل فهوى صريعا كشهيد .. ومات بعد شهادة أخصائيين بالبرودة التامة ..
لن يخدع نفسه ببقائها على العهد الأول ، فكم من عهود مسؤولة انتقضت ، ذهبت أدراج الرياح . خرج من حياتها بلا ذرة شك ، فلن يوبخ بأن حرام عليه أن يبطل الآثار الباقية في قلبها ، ويكفرها داخل ذاك القلب بالترتيب ، ولو كانت تلك الآثار معالم لذكريات تصر على أن تخلد .. قد ينسى المرء ما كره مليون مرة لكنه قد لا ينسى ما أحب مرة واحدة ،، سلوى ما عادت تذكره قط ، بهذا صار يؤمن ..
المرأة في الدين تصيح رافضة وتصمت راضية . وسلوى لما استشيرت في وأد الماضي ظلت مطبقة الشفتين ، خافضة الأجفان ، ومطرقة الرأس ، فدوت الزغاريد في رحم الفضاء .. انتهى تاسعهم ، وبدأ في حياتها رقم في عشقها وليد .. فما الجدوى بعد هذا في قلبها ولو نقشت فيه صورته نقشا ، مع ذلك فليكتف بقلبها فهم يرون أنه كل ما في الإنسان ، له فيه ذكرى وسلوى معا ..
إبن روكفيلر المدينة
يملك شعرها الغجري
عينيها المتناومتين
وجهها المتمرن على الخجل المثير
بشرتها الملساء
وكل جسدها المكهرب ، الهاتف بالنار .. والإحتراق ..
يلامسها دقائق معدودة ، فتأتيه جاهزة طائعة .. يعصرها ليسترد قيمة ماله المستثمر فيها ، مهرها الباهض المقدم ، فما كانت العلاقة لتصل حتى الخلوات لو لم يدفع أكثر من وقته وماله . تئن أنين المرضى بالوهم ، تحلم كفراشة .. فيرمي بها في فوهة الحمى العذبة . تتأوه من فرط سيول اللذة تصب فيها وتروي نزوة الشياطين . تلهث من تحت لون العرق . تبلغ الذروة المنشودة . تتقلص الأنفاس وتموت سلوى موتة متكررة .. تموت لتحيا .. هاهو ذا جزء من المهر قد رد إلى صاحبه ، إلى منبعه ..
وتبدأ سلوى في الهبوط ، في الخفوت ، في الخمود .. وتتسع أنفاسها بالتدريج حتى إيقاعها العادي . تتلألأ في مقلتيها دمزع إشباع وقتي ، قهري ، من حيث هي غافلة .. يراها تاسعهم في حالة الإشباع المتخيلة . الغيرة جحيم لمن لا ينسى .. وعندما يفيئ لنفسه وحقيقته يتجسد له البعد البعيد : قلبها له ، وكلها لغيره ، ذاك وجه الإخلاص البارز .. همس لسلوى في السر ، في إشفاق : إنك تسددين مهرك المدفوع بالتقسيط بأشياء أغلى من المال ، ويوم يأخذ منك أخر قسط سيرمى بك على العتبة الفاصلة ، فلا أنت بامرأة استغفلها العمر ، ولا يعجوز شمطاء عرفت كيف تؤمن تقاعدها .. لن تستطيعي الإستمرار بعد أن تعزلي من أي سلاح ، صدقيني يا من لا تسمعيني ،، وحتى لو استطعت فليس بنفس الجاذبية التي تمتازين بها الآن ، وتتعودين عليها .. ليس بقليل منها .. هلا رجعت عن غيك ، وكفيت نفسك حصاد شوك وحزن ومأساة .. ؟
يرتفع الكلام بين ثامنهم و رابعهم ، ماذا جرى .. ؟ إنهما في مرحلة تهييئ شجار كبير .. ما عاد الصمت صمتا ، الصخور تنطق لما تحس ثقلا .. مهانة ..
" الحق يقال يا ثامنهم أنك ظالمه ، إن له كامل السيادة على الطاولة التي يجلس إليها . أنت الذي اقتحمتها عليه ، ولم تكف عن ثرثرتك المؤذية لحظة .. إنه يحب الصمت والكل يعرف عنه ذلك ، فدعه وشأنه عساه يوما يصطاد حكمة تقلب العالم ،، ويفاجئنا بها ..
هكذا كانت تدخلات الرواد إثر كل صيحة من رابعهم في وجه من دخلها عليه عنوة ، ولا يريد أن يفهم لما يبسط له الفهم ، ولا يريد أن يستحي لما يترجى ويستعطف ..
عاد تاسعهم من أقصى متاهات الصمت ، بعدما ضاع منه حبل ذكرياته المديد ، بعدما انتهى ..
ومن الرقم الذي بترت منه أخر دلالة في الحساب .. ؟
طالما تمنى أن يتمزق حبل الذكريات عن أخره ، أن يتفتت ويتفكك كما لو لم ينسج قط . إنه المعلم الذي يثبت جليا على قارعتي طريق نهبت بلا فائدة ، يوصله ككل مرة وبسهولة إلى مقبرة اندفنت فيها أعز وأحب الأشياء : سلوى ، الأمل ، الأب ، الأم ، والمركز الإجتماعي ..
إيه .. الله يلعن الذي يثق في الدنيا ، هكذا تتحسر عجوزة بالمدينة كلما رأت تاسعهم مارا بقربها ..
كل شئ راكد ، راقد ، وجاف لا يبشر بماجريات لصالح المعذبين في هذه الأرض . دؤوبة هي زياراته إلى مقبرة باردة موحشة ، رهيبة ، كائنة في ذاكرته إن لم يزل في شئ يسمى الذاكرة . يترحم ، يقرأ ما تيسر من الرثاء والعزاء ، ويذرف دموعا فوق الرجولة .. ثم يقف وقفة حائرة في مفترق مشواره ..
اللحظة حاسمة ، ساخنة . يضأل الحبل . يقصر . محاولة تشبث بعد اليأس النازل في قلاع الأمل والجهد ، والصبر ..
اللحظة حارقة . يشتعل الحبل . أخر محاولة انبعاث من تحت رماد ،، هروب من موقد النهاية الأليمة ..
لا فلاح ..
اللحظة مقص لعمرين يؤلفان تاريخ إنسان . عمر بعقل وأخر بدونه انتهى لمصير أبكاه الدم و الندم
من الجاني ومن الأداة
. استرداد لحمة الأشياء مستحيل . فشل بلا حجة .. ضاع الحبل .. ضاع .. العقل ..
حدج ثامنهم بنظرة تنم عن رواسب حياة تعالج بالتنهيدات ، هو بابها المشرع ، هو باعثها في هذا المكان ، في كل زمان .. وتاسعهم المتألم ولا من يشعر به :
" انسحب يا ثامنهم من عالمه كما أختك سلوى ، أما هو فقد أعياه طلب الإنسحاب ولم يوفق ، لم يبق أمامه إلا البطش بنبضه الباقي .. بالخق أو بغير الحق .. ؟
لا يدري هو المحاط بالسؤال ، المهدد بإجابة متهورة عنه ..
ثامنهم بدأ يركبه حنق على رابعهم ، لا لشئ إلا لأنه رفضه كجليس إلى طاولة كان يشغلها . رابعهم يكن له حنقا أكبر في هذا اليوم النحس ، هوى على الطاولة بقبضتي يديه ، ثم استوى واقفا ، صائحا في وجه ثامنهم :
" ابتعد عني ، دعني جانبا أفضي بمأساتي همسا ، وأشهد رب العالمين على من كانوا وراءها .. قم ، فهذه الطاولات شاغرة ، اختر لك واحدة ..
" لا يجلس وحده إلا الشيطان ..
" الله يلعنه ..
قالها النادل وهو يمر بقربهما حاملا صينية شاي ..
" أو تريدني أن أكونه .. ؟
" وماذا يهمني أن تكون شيطانا أو ملاكا . إني أفضل هدوئي الملغوم ، ومتى أزعجت اقتصصت لنفسي من مزعجي ولو كان أسدا ،، صببت عليه جام لعنتي المكبوتة بين جوانحي .. الضيقة .. أكاد أن أنفجر ..
" انفجر ..
" العاقبة قصاص منك ..
" لن أقوم ، إني جالس مع تاسعهم ..
" بغية السخرية منه أيها الحقير ، إنه أدمي مثلك ، وكان في يوم ما أحسن منك .. ارفق به فقد تكسب به أجرا وثوابا عند الله ، ارفق به فقد تفقد عزك بين عشية وضحاها ، ويجري عليك ما تجريه عليه الآن ، ولا ينفعك أن تغني : ودارت الأيام .. قل الله يستر ، ذلك أقل ما يمكن أن تقوله ..
" سأظل بجنبه ، أضحك من حماقاته المتفتق عنها ذهن خراب . إنه بهلول ، فرجة ناطقة حية متحركة لذوي العقول ..
" ألا يكفي أنه ..
" احذر ، هأنتذا تريد أن توقظ فتنة نحن في غنى عنها ..
" إذن دعه وشأنه ..
" لن أدعه ..
" فاسمع القرار ، لن يطاله لسانكالخبيث بعد اليوم في حضرتي ، وهذه كل العيون التي أعماها الفراغ شاهدة على ما أقول .. قد أقطع لسانك إن لم تسمع ..
" تستعير العبارات من طبقة لا تنتمي إليها ، مستحيل عليك ذاك الإنتماء لأنك قائم ضده عن وعي أو عدم وعي .. تتكلم على منوالهم .. ها ها ها .. ها .. ها ..
صمت برهة واستطرد يقول :
" قل لي بأي صفة تنصب نفسك حاميا له ، هل هو أحد أفراد عائلتك مثلا .. ؟ هل أنت موكل عليه : هو الذي لم يعرف كيف يتشبث بعقله .. ؟ أه .. إنه من فصيلتك ..
" كلنا من نفس الفصيلة أيها المتغابي ، أيها الحمار .. يا شر خلق الله ..
" .. .. .. ..
وقبل أن ينتهي ثامنهم من رد الشتيمة كانت الأعصاب قد تمزقت ، وكان وجهه قد ارتوى بنصف كأس شاي فقطر ، ثم انهالت عليه لكمات عنيفة أفقدته توازنه فسقط بين الكراسي كعقب سيجارة انتهت ..
هم رابعهم بالإرتماء على خصمه وإكالته المزيد من الضرب و اللكم و الركل ، المزيد من التأديب .. واستعد ثامنهم لرد الإعتبار الذي خسره في لمحة برق . لكن الرواد سارعوا للوقوف بينهما ، وفصلهما عن الآخر ..
كانت المعركة ، وكان فيها منتصر ومهزوم ، فختى معركة أخرى .. حتى الإنتقام ..
رابعهم أنحف و أقصر وأصغر من ثامنهم ، لكنه أبان على أنه هو الأقوى ، الهازم لبدانة البشرية كلها لو اجتمعت عليه في تلك اللحظة . إنه كان يستمد قوته من خلف الإحتقار والظلم والمذلة والهوان الذي استشعره ، أشياء مثل هذه وقود للجسد الضعيف لحظة بطشه ،، لحظة دفاعه عن كرامته ..
" الحق أزهق الباطل .. هكذا علق أولهم .
قال ثالثهم :
" المظلوم غالب دائما ..
وصور ثانيهم المشهد بإلهام مزين بالفكاهة :
" كان ثامنهم يبدو كبالونة تلهو بها أنامل بريئة ، دفعتها ريح سيئة إلى مزرعة الأشواك التي لا تنكسر . انغرزت فيها واحدة فتفرقعت بعد طزل حرص . لم يبكها الأطفال ، لم يعيروها التفاتة سريعة .. ولا ندما طفيفا ..
أما صاحب المقهى فلم يكلف نفسه عناء المجيئ إلى عين المكان ، والفصل بين الطرفين ،، ثم الإصلاح بينهما . اكتفى بإصدار كلمات باهتة محذرة من خلف الكونطوار .
لو تطور العراك لنادى على الرقم التاسع عشر ، ذاك ما فعله مرات في مثل هذه الوقائع لما لا تنتهي بسرعة ، أو تسيل فيها دماء ، أو تتسبب في خسارة مادية من رأس مال المقهى عليه أن يستردها .. لا يهمه غير ما في الجيوب ، غير كم يساوي نقدا هذا الزبون ، وذاك .. وذاك .. هكذا أجاب أحدهم ذات يوم سأله فيه بين مزاح و جد :
" ألا يستحق منك زبناؤك الثابتين قهوة بالمجان في رأس كل سنة .. ؟ كتهنئة إشهارية تكيد لنقاط الضعف في الإنسان ، كصدقة مقبولة ..
لا يهمه غير الكسب والربح ، وليذهب صانعي أرياحه المباشرة والغير مباشرة ، وكل العلائق السائدة بينهم ، إلى الجحيم ،، وليس من جحيم أمر كالذي هم رهنه من طلوع الشمس إلى طلوعها للمرة المتتالية .. وهكذا دواليك ..
" دارها الشوماج ..
تعقيب سري ، علني ، يجري على كل ألسنة الرواد لما ينتهرهم صاحب المقهى بفظاظة ، أو يتجاهلهم تماما . هل هم يحملونه طرفا من المسؤولية المنتهكة ، كل المسؤولية .. ؟ أم أنه يبقى مجرد اتهام معكوس يهم الأطراف العليا ، ولم يدن بعد أصحابه الحقيقيين .. ؟
إن الوجه وجه مهما تطورت صناعة المساحيق ، والقفا قفا مهما أهمل في خضم معاناة ، ويوم يصح الإتهام ..
أه .. سيقضى على جراثيم الإساءة والإجرام في جسد يمرض حتى التدهور ولا يموت .. وتفتح صفحة جديدة في تاريخ هذه المقهى التي تغتنم الظروف قبل الإنتهاء ، قبل ربيع في كل حلم ..
رت سلوى بالقرب من مقهى الراحة ، كانت في طريق عودتها اليومية الجد متأخرة لبيت الزوجية . لعلها انفلتت قبل قليل من بين ذراعي عشيق منافس ، يطمع أن يصير زوجها . كل من يحبها يعيش الوهم كأنه حقيقة ، وينافس الغير بكل ما لديه من سلاح ،، سلوى هي غنيمة لتلك المنافسة دائما ، وترضى بموقعها .. تبدل أحضان العشاق والخلان كما تبدل أثوابها التحتية ، الأخطر أنها تبدل الأحضان وهي في ذمة حضن شرعي ، والأخطر أنها تبدل أثوابها على أخر مودا في زمن عري خجول ..
حرة هي بإسناد لنصوص قاسمية . غنية بإسناد لرصيد أبيها المالي في بنك المدينة .. وأعفاها زوج الحاضر من استفسارات قبل الذهاب ، وأخرى بعد الإياب ، كان هذا هو شرطها زيادة على مهر مستخرج من أسطورة .. ولا زال كل عشيق جديد لها يعدها بغفلة منه عمياء ، إن قبلت الإرتباط به ذات يوم تمل فيه زوجها ..
العمر الزاهر يزحف نحو ذبول ثم أفول . سلوى ما تعبت لحظة من الزواج ولا الطلاق : هما لعبتان في حياتها عاديتان ، مسليتان ، لا استغناء عنهما .. هكذا تغدو المسؤولية ملهاة وتغدو الشرعية على الغرار غطاء .. هي سلوى سيدة قبل وبعد الدخول في لعبة ، الخروج من لعبة ، والضحايا رجل ورجل .. وكل الرجال ..
" سلوى إنا نخاف عليك من يوم قمطرير ، إنا نخاف عليك من قلب الموازين ، من فتح ملف الرجل ،، والقضية حرية الرجل .. أنذاك نتساوى في طرح قضايانا ، وذلك أول مكسب ..
سلوى مارة في خيلاء أميرة ، في تكبر كبير .. عيون الرواد ظلت لها متجاهلة ، الكل تعمدوا هذا التجاهل ، فمواقفهم العميقة كانت واحدة .. من هم أصحاب تلك العيون زمن هي سلوى .. ؟ الفرق بين الطبقات مبكي . أين هم جميعا من سلوى وجبة بورجوازية لا تعطى للجياع الفقراء .. ؟ ما أكثرهم وما أشقاهم في أن واحد .
حتى تاسعهم حذا حذوهم ، ولم ينظر إليها في أسف ونقمة كما من قبل ، إنما اكتفى باستنشاق عطورها المولية وراءها مسافات طوال ، حيث لا حيلة في عزله عن هواء ضروري .. قد تسمم عطورها يوما وتقتله ، لكن هل يسمى بعدها شهيدا .. ؟
قام ثامنهم متلمسا موضع اللكمات على خديه ، حاشدا رابعهم بنظرة ذات مفهوم واحد ، ضيق أشد الضيق .. ثم جرى كالهارب من بقية عقاب نحو سيارته ، وانطلق محدثا صوتا ملفتا لكل الأسماع بعجلات الكوديير ، لاحقا بأخته سلوى كالمستجير بها هي القوية مهما ضعفت ، مهما ماعت ..
" إنه غاضب لحد القتل ..
" قتل نفسه ، أما أي إنسان أخر بزاف عليه ..
كلهم ضحكوا منه كما يضحكون من نكت ثانيهم ، ومن همومهم لما تكثر كالجراد . ضحكوا من وجه لبسه منذ فترة قصيرة ، كلهم تبادلوا الغمزات تحقيقا لمعنى الشماتة ..
" برافو يا رابعهم . لقد كنت بطلا ..
ضحكوا كل الضحك . ضحكوا ما وراء الضحك . يكوا أخيرا .. ها هم يشاركونك الحمق يا تاسعهم بالرغم من عقولهم ، ها هم ينتقمون للسخرية التي لحقت بك ،، كل الهوان تمثل فيك فلست وحدك المهان ، بل ما أنت بمهان .. أنت مجرد دال ..
3
الوقت مساء من أماسي الله المتشابهة في هذه المدينة ، في هذا الشارع ، في هذه المقهى .. الزمان تبدى لا يسير كما لا يعود ، واقف يضحك من أحياء تائهين . الكل حاضرون كأنهم لم يغيبوا لحظة . جلوس كل في وضع يفيد عياء بلا جهد .. عياء أي عمل ولا عياء الراحة .
عابثون في فراغ لا ترن فيه الأحلام والأفكار والبديلات . يأس معدي . بارت الشجاعة في أبطال رجال .. رجال أمس أم غد .. ؟ رجال بداية أم نهاية .. ؟ مجرد أشباح صاروا تثخنهم جراح وتنخرهم داءات عصرهم لا يملكونه . يخالهم الرائي ، المعاود للرؤية المؤكدة ، أنهم لم يتحركوا طيلة أعمارهم المنصرمة خفية ،، على وتيرة واحدة يعيشون ، وعلى وتيرة واحدة يسقط عمر تلو عمر . ولا حل يجدي ، هل هو قدر نصح بالتسليم به فكان استسلام كل الأرقام .. ؟
هم الأنصاب الجامدة في رحلة أزلية ولا من يعبدها ، لها شعائر ومشاعر ولا من يوليها روحه و قلبه .. وضميره .. ولا من يهتم لأمورها تلهم الشعراء الفقراء ، وتعاد كتابتها نثرا بأقلام تنزف دمعا و دما .. وحبرا .. هو الحبر ذاك ، وتلك لا زالت حقيقة .. وهم .. ؟ ما هم إلا كتل لحمية مهترئة ، متأكلة رغم أرواح تخفق فيها ..
أتى عاشرهم . بدا في كامل أناقته و نظافته . منظره يشي بأنه خارج لتوه من الحمام . سلم على ثانيهم ثم على تاسعهم في دعابة خفيفة . قال له ثانيهم :
" بالصحة الحمام ..
" الله يسلمك ، لقد تطهرت من كيلو وسخ ، كنت أوشكت أن أصير مزبلة تمشي على رجلين . إني أحس الآن بخفة وحيوية وكأني ولدت الساعة ..
صاح بالنادل أن احضر قهوة موسخة . سأله ثانيهم :
" ألم تفكر بعد في السفر .. ؟
صمت . التفكير اللحظوي قد يعمر طويلا ولا نتيجة إنما فجيعة واقع و متوقع . الهروب من السؤال إلى أين ، ومحاولة الإجابة عنه ناجحة في حصد العذاب . ممنوعة الحياة كما تعشق النفس . ممنوع الموت فورا وخارج إطار الأجل . ممنوع الحلم بلا قاعدة . ممنوع الأمل بلا قوة صبر وصلابة حجر .. وغزارة مطر .. بعد تنهيدة فضحت رغبة نائمة في الأعماق ، تساءل عاشرهم :
" إلى أين .. ؟
" إلى فرنسا مثلا ، إلى هولندة أو بلجيكا أو .. إلى العالم الذي يقصده الناس خماصا ويعودون منه بطونا ، إلى أي مكان تباشر فيه ما تكتظ به مخيلتك ..
" ليس الأمر بالبساطة التي تراها ..
" إذا كنت أنت الحائز على جواز سفر تقول هذا ، فماذا أقول أنا الذي أحلم به فقط ،، وكل حالم شقي حتى يتحقق له حلمه ..
" كان لي نفس تصورك ، أما الآن ..
انعقد لسانه عن متابعة الكلام . انطبقت شفتاه على بعضهما البعض بعد قيام ذكرى متكسرة التتمة في ذاته : حصل على جواز السفر على الطريقة الإرتقائية ، لكل ذي اعتراض حقه ، لكل ذي طلب تلبية مهما كلفت . تسلمه بعد أمل تراوح بين المراودة المكينة والخيبة الغامضة . لمسه بأصابعه بغية التأكد . قبله . ودسه بين ثناياه .. وقتها لم تسع فرحته كل تضاريس الأرض ، ونسي العناء المكابد وقصص الإبتزاز التي طالته في كل خطوة وفي كل لقاء ..
برر فرحته الدافقة بهمسة في كل الوجوه التي ظلت تلاحقه بملامح إعجابها المبهم : أليس ، الآن ، يملك ورقا قانونيا يسمح له بمغادرة مسقط كل عمره الماضي ، يمحو من على جبينه وصمة ، ممنوع من السفر .. لتتمزق ، إذن ، كل الحدود المسيجة تحت وطأته ، وليرتم في بطحاء حاتمية كما يشاع ، في أي بطحاء ،،
هكذا صرخ من غمرة فرحته ..
سفر من هذا النوع هو تنازل عن الأم و الأب ، والتراب ، والمدينة ، وألفة الهواء والماء ، لكن ما الحيلة بعد بكاء الرجال .. فرحة .. ؟ مجرد غرور انتهى عند أولى الشروط لحيازة تأشيرة سفر ، عند الإفتقار لثمن تذكرة سفر ذهابا و إيابا ،، عند الإنتباه لخلاء محطة الوصول من مراسيم الإستقبال والإحتضان والدفء اللامسموم ، من فاتحة إقامة يبغيها طويلة .. أطول من المدة الكافية لملئ بطنه وستر عوراته ، لإعانة أحباب في الوطن .. أطول من عمره إن أمكن ، فهو يريد أن يموت سعيدا ..
" لابد من توفير الشروط اللازمة ..
" سيدي ، أنا لست حامل إرهاب أو فيروس السيدا أو أحدا من الفيروسات التي لا زالت في علم خيالكم .. أنا حامل أمل في الحصول على عمل ..
" لابد من ..
الأغبياء ، لو كان يملك لهم شروطهم المرقمة ما فكر في السفر أبدا . هو ليس طالب سياحة كما يود خداعهم ، ففي بلاده الشمس والقمر والسماء و الأرض الملأى بالأصناف والأنواع والألوان مما تعشق النفوس وتهوى . في بلاده الجدران الأثرية المزينة بسيالات المطر وكتابات الأطفال العبثية ، كتاباتهم على مر الحضارة ..
في بلاده قلاع و حصون ومدن مدفونة تحت التراب ، أتية من أول التاريخ ، حتى هذا التاريخ .. هو ليس طالب سياحة كما تقول استمارتكم المحتم عليه ملؤها ، هو طالب عمل ، هو طالب لقمة خبز بالعملة الصعبة ..
فإن لكم من الخيرات ما تنطق بها رسومكم البيانية ، ورسومكم المتحركة في مدن ديزني عكس رسومنا المتحركة في مدن الصفيح والطين والحجر البالي ..
لكم من الخيرات ما تنطق بها أشرطتكم الوثائقية المصدرة بالسعر الغالي ، وإعلاناتكم الإشهارية الغازية عقور الديار .. لكم خيراتكم ولنا القوة العضلية والأحلام ..
ثانيهم :
" أه .. لو كان لي جواز سفر مثلك ..
عاشرهم :
" لصرت مثلي بين أمرين ، بين مطرقة هاوية وسندان ثابت ..
ثانيهم :
" أفضل من أن أكون بلا أمر واحد ، تحت المطرقة والسندان معا .. أريد أن أعيش ولو في صلب كذبة مستعارة من أبريل .. حياتي أهم من المنطق ..
فترة صمت سائدة تهيئ انتقالا . بعدها قال ثانيهم بسرعة ، وقد تذكر الشئ المهم الذي يخاف أن يفلت منه إن هو أبطأ قبل الإفصاح ، أو استغرق مدة في تقديم لامجدي :
" ونجاة .. ؟
" هي في قلبي تحرس شرايينه المزودة له بدم النبض من الإنسداد الطارئ ، لولاها لكنت في خبر الكان ..
نجاة راتعة في الأوهام والمخيلات ، نائمة بين حبال وأنسجة كاذبة .. قد تفيق متأخرة لتقرأ في العيون عزما معقودا على انتظار الفرج ، وقد تفيق مبكرة لتجد العيون مغمضة والكل غارق في نوم مدبر .. وكان المحظوظ من غالب الرغبة الفيزيولوجية حتى وهي مدسوسة له في وجبة الصباح ،، وانتصر ..
حظ نجاة تعس ، لا يعشقها إلا ذوو الفاقة والشدة ، والمتخبطون في الظروف المظلمة . حاولت أن تسرق غيرهم ، واحدا من غيرهم .. المزيد من غيرهم .. لكنها فشلت ، وحبطت زينتها الموجهة إلى أفئدتهم ، فلعنت اليوم الذي اغتصبوها فيه من حيث لم يدروا .. ما أعجل تنكرهم لها .. لكنها تبقى دائما نجاة ، لها مليون وجه لتكون حبيبة .. حبيبة الجميع ..
رثت أخاها صخر دون أن تسكب في حقه دمعا ، فهو لم يعد ، على حد حقدها ، يستأهل غير جنازة ومأتم في دقائق محسوبة بالكرونمتر ، ثم حفلة تخلص وخلاص ونسيان طويل المدى :
" الله يلعن من يضع الثقة حتى في لحمه و دمه ..
بهذه الكلمة ، اللعنة ، افتتحت نجاة الحفلة . صادق الحاضرون على ما جاء بعد الإفتتاحية ، إنما كل على طريقته الخاصة ..
نجاة عاشقة وكل شئ فيها يوحي بذلك ، لكنها ظلت تتكتم على عشقها الجارف خوفا من قانون القبيلة . خاطرت من أجل تأكيد ذاتها المشردة ، من أجل مجرد إحساس ،، لكنها أخفقت .. ما كل هذا العسف الذي يطال عشقها وإحساسها الذاتي .. ؟ المؤكد أن هناك أيادي تلعب ضدها ، وهناك عجوزة تكتب لها حجابا عند فقيه بلا إسم ، لتدمرها ..
لم تستسلم نجاة ولو مرة ، بل عاودت المخاطرة ، وبذلك أنزفت جروحا التأمت أو على الأقل ظنوا بها التأما .. إنها كأي فتاة تحيا ، تحلم ، تنطق ، تشير بالسداد ، وتخلد عيدا عالميا ..
لكن وجهها بلا رسم
وعمرها بلا رقم
عاشرهم أقسم أن يتزوج نصرانية ولو لم تعجبه ، المهم أن يحصل بواسطتها على كل الأوراق التي تمنحه قانون الإقامة والعمل ، وربما النسيان .. فما ذنب نجاة في أن تبقى في نفس المكان و الزمان ، ثابتة جامدة ، ممنوعة من الحبل والحمل في بلاد الضباب ، ووضع مولودها البكر في مصحة عصرية ، حاوية لكل وسائل الإسعاف والإنقاذ .. والراحة .. لم يعد عاشرهم يملك لها غير حب أعمى ، وشوق و تطلع ليوم تأتيه فيه صاغرة موفية لما بدأته معه . حب بلا فعل ، لكن الكل يرى ذلك صوابا منه وليس كل الصواب عند الأقلية .. لأنه بنجاة يفكر في غيرها ، هي مجرد جسر على وادي الوحل ..
عاشرهم تعرف على نجاة وهي لا تزال نطفة في رحم ، قد يكتب لها المجيئ إلى الوجود ، إلى الحقيقة الحية الملموسة .. تجيئ في تاريخ زلزال لا يبقي ولا يذر وكل البنايات تكون على وشك الإنهيار ، على وشك أن تنسف النسفة الأخيرة ، فتنقذ الموقف في فرصة باقية ، متبقية .. قد تجيئ كما في الأحلام وتعمر طويلا حتى يتسنى لها الأكل من غرسها ، ثم محو أثار الجروح وتجفيف الدموع من المأقي ، من المجاري .. حقا ، يوم تجيئ سيبدل الديكور غير الديكور ، والزمان غير الزمان ، ويبقى الإنسان .. تلك هي المهام الموقوفة على مجيئها راشدة عاقلة ، والمنوطة بها مسؤولة ناضجة جديرة ..
وتلك هي الأحلام المستحوذة على عاشرهم ، جزء من الكل ..
وولدت نجاة قبل الفجر خلسة ، في صمت مناسب ، فلم يشعر بها أحد . ولجت الوجود دون أن تستأذن ولو بصرخة باكية كباقي المولودين . القابلة نفسها أخذتها سنة من النوم في لحظة الخلق الجليلة ، وفوتت عليها قطع سرة نجاة ، وفرزها إن كانت بديلا إيجابيا أو مكوثا في الصبر السلبي . لم تطبع على جبينها أولى القبلات ، ثم تزغرد ترحيبا أو تجهش بالبكاء نعيا لخيبة أمال الجميع ..
القابلة اعترفت بغفوتها في عز اللحظة ، الولادة . قالت :
" رأيت فيما ترى القابلات الغافيات خيرا وسلاما . رأيت فتاة مليحة كالبدر ليلة اكتماله ماشية الهوينا على شط بحر ، عارية إلا من مايوه بلون بشرتها البرونزية ورافعة نهديها النضاحتين حليبا ودما بالتناوب .. عيناها لا تحيدان عن البحر كأنها تنتظر قدوم غائب ، حاضر ..
كم هي كثيرة القرابين الملقاة في هذا البحر .. لهذا البحر .. ولا يلين .. الإنتظار أقسى من الإخفاق نفسه ، والمسافة بحر وموج وعباب وظلام ،، ياليت لكل تائه بوصلة أمينة ومجداف رفيق ، وقارب لا يعصى الإتجاه السليم ..
" ندت صرخة جماعية عن غرقى . النجدة .. تمتم المعاينون لهم بعبارات العجز . سيجري عليهم نفس الشئ . إنهم ينتظرون دورهم لكي يغرقوا .. يا للمصير ..
" الفتاة ، تكزن هي البطلة التي تبزغ من خلف المناكب الخائرة ، وتلقي بنفسها في البحر . تعالت الهتافات . أقيمت الصلوات لصالح الغرقى وأخرى لصالح الفتاة الملاك ، تطوعت لأن تغيث ضحايا أو تموت إن خذلتها البطولة . لغة البحر بلا مرادف وقلبه بلا حب . خفتت الصلوات بالتدريج إلى أن صارت في الصدر ، في السر ، في النية . وهت الأنفاس لدرجة الهمود النهائي . الأرواح تنط فوق الأجساد تعزم الهروب منها إلى أعلى . العيون مبحلقة في اللاشئ فباتت النظرات بلا طعم ولو ذاك الموخز في الأكباد . كل حركة هدأت بدافع من رهبة المشهد . اللحظة حرجة في عرض تاريخ تعود الطاعة للمأسي والإذعان للأقدار ..
" وكان البحر يزمجر برعب ويستعرض قواه ، كان يناور على مرأى من حيارى ،، وكان يخلط الهواء برائحة قيامة أزفة .. لا يمكن أن أعقد معاهدة سلام ووئام مع اليابس أبدا ، هكذا كان يصيح ..
" وأخيرا تطلع الفتاة المليحة ، البطلة المجهولة عند اختصاصيي المنطقة في الأعراض ، من زبد البحر ..
كان الغرقى بين يديها يداعبون حلمتي نهديها ، ويلفون أياديهم حول عنقها خوفا من الهروب ، هروبها هي .. عملاقة .. جميلة ..
" وردت إليهم الفتاة من عمق البحر واستحالة اللحظة ، وأتتهم الأرزاق من حيث لم يحتسبوا . صفقت الجموع للبطلة ، أكبروها في عيونهم وقد عاينت الغرقى المنقوذين ، وتمنوا لأنفسهم مزيدا من الغرق فإما حياة أفضل أو ممات أهنأ .. وكانت كل أمانيهم عميقة صادقة ..
" ومضت الفتاة في مشيتها الدؤوبة على شط البحر . عيناها مركزتان في كثافة العباب ، في الموج المندفع صوبها متعاليا ، ثائرا ، متوعدا .. ولم تفقد علامات الثقة التي تميزها عن مثيلاتها الخانعات . ثبتت عينيها ما وراء الموج ، ما فوقه ، كانت تدرك كل الإدراك أنه سينكسر عند قدميها ، تحتهما ،، كلعبة قديمة ..
وسكتت القابلة . وقالت السامعات لمنامها :
" سيكزن للمولودة شأن أكبر من الذي لجيمي القوية ، إنا سميناها على بركة الله نجاة ..
ترعرعت نجاة في بيت معلوم وسط المدينة المسحورة .
من رأها وقعت في مواطن عاطفته وفكره وقعا سريعا ، ومن سمع عنها انطبقت عليه مقولة : إن الأذن تعشق قبل العين أحيانا . الكل حاموا حول بيتها ، انتظروا رفعها لأستار نوافذها المطلة على الشقاء .. وفعلت . تمطقت فبرزت دقائق وضمائر مفاتنها . استطاشت الألباب . تثاءبت نجاة فتطايرت العطور لتلطف شيئا من هواء المدينة الملوث ..
أعادت تصفيف شعرها المختبل . إطلالاتها على الحشود الحضيضية تعني أن الحياة حق والأمل حق والكفاح حق . من وقعت عليه عيناها الفضيتان فذك المبشر بالجنة قبل الموت ، والآخرون يكتفون باختلاس النظر إلى محياها ..
مجرد نظرة منها تقلب مفهوم الحياة ، تشد إزر الأمل الشائخ في بدء الربيع ، تصبر فاقدي الصبر ،، وتستبقي منتظري أدوارهم في البشارة مزيدا من العمر .. أخر ما أكد لهم أن نجاة حقيقة لا يشوبها لبس ، كانت قصة يونس العائد من بطن الحوت حيا . زادتهم إيمانا على إيمانهم فأحبوا نجاة كل الحب ، تولعوا بها ، وظلوا يطمعون في القرب والتقرب منها ..
ثرثرة ثامنهم تطفو في المقهى ، ربما ليفهم الجميع أنها لا تعدو أن تكون ثرثرة فقط ، وربما ليشعر التحتيين أن هناك فوقيين فعلا .. الهرم موجود ، عريضة قاعدته حادة قمته ، لا قدرة لمنافق على إخفائه أو تمويهه كما لا قدرة لفأس على هدمه .. بل هو هرم فوق اعتبار أي لعبة غميضة صبيانية مقصودة ، سيبقى أثارا لحضارة فراعنة القرن العشرين ، ومنه تستنبط شهادات في قضية تاريخية لن تفوتها لهم الأجيال الآتية ،، لن تغفرها
لهم ..
ثامنهم متمادي في ثرثرته والصامتون سامعون له ، عن كره أو عن رضاء .. ؟ لا يهم ، المهم أنهم سامعون وكفى ، ومن تكلم منهم معارضا أم مؤيدا فحسب نصيبه في الدنيا .. ومن ليس له نصيب فليصمت ، وأي كلام منه في إطار البحث عن الخبز و الذات هو بمثابة مجازفة انتحارية ، قد يفقد بسببه لسانه أو كل جسده .. وقد يتهم باللغو أو الشغب أو الجنون ، ومن ثمة الإعراض التام عما أتى وما سيأتي به ..
فمن ليست له فلوس فكلامه مسوس ..
أولهم :
" سأتكلم ولو كنت بلا نصيب ، مهضومه .. سأجهر وإن كانت جيوبي مثقوبة ..
ثانيهم :
" فاطلب قهوة إذن ..
أولهم :
" وما دخل قهوة أطلبها ولا أنالها في سياق موضوع نحن بصدده .. ؟
ثانيهم :
" كأنك لم تقرأ في المناهج المدرسية أن الطلب يتحقق بعد الكلام ، يبدأ منه ..
صمت أولهم غير مفصح عن معنى صمته ، هل اقتنع .. ؟ هل عجز عن فهم اللغز الكاتم فحوى المقارنة .. ؟
من ليس له مال لآ ينبس ببنت شفة ولو كانت من نبع الصدق ، وإن امتطى صهوة الجرأة وتكلم جوبه بالتكذيب أو اللاكتراث .. ومن له مال فليثرثر وليخطب في كل واد ، فهو نبي الزمان الذي لا يجادل ..
إن حرية الكلام وقيمته مقرونة بكم تملك ، فأين الجواب .. ؟ أين المال .. ؟
سيدي ماخوخ .. مكث العمر كله في مكان ازدياده ، لم يشرق ولم يغرب ، حتى عندما وافته المنية غسلوه بدموع تلامذته ودفنوه حيث لفظ روحه ، وبنوا عليه قبة تمديدا لمكوثه بالمكان حتى وهو ميت ، لا يشفع ولا ينفع . قضى حياته صائحا من أجل تغيير مكانه ووضعه ، ومائدة أكله ، وسلهامه الأشهب ، وحوافر جواده الأصيل .. صيحاته لا تزال تتردد في الفضاء صدى يفتح كل يوم شهسة لخرافة لا تسمن ، ولا تزال الآذان صماء .. وفي مرات نادرة كان يخترق الأسماع التي لا تريد أن تسمع ، كان يزعجهم على حد أقوال أطفال لم يكبروا ولم يشيخوا ، ولم يموتوا .. فكانوا الوثائق البريئة .. إنهم اليوم يتمزقون تحت ستار رعاية الطفولة ..
سيدي ماخوخ كان يزعجهم فيؤدبونه على يد فقهاء من كرطون ، فلا يتألم ولا يحزن ولا يضعف .. ويظل يصيح .. كان حقا وليا صالحا يقاوم البليات بقوى خارج الجسد ..
وهو ميت يتوهم الأحياء التنفع ببركته . يقيمون له موسما ثابتا كل سنة ، ومواسم طارئة ، استثنائية .. يذبحون له أبقارا و أغناما ودجاجا ، وطيورا تحفظ أغاريد و أناشيد الحرية .. يخلطون الكسكس بالخمور الجيدة . يأكلون ويسكرون في أن واحد فينسون ما لهم وما عليهم ، ويبتكرون أسطورة في كل سنة .. الفضلات يحملها حارس القبة البيضاء إلى أولائك الأطفال الذين لا يكبروا ، ولا يشيخوا .. ولا يموتوا .. أهي حماقة موروثة أم نزهة الأتقياء .. ؟
سيدي ماخوخ لم يملك حاجة لنفسه وهو على قيد الحياة ، مات مطالبا بها في إصرار ، كان ربما أحوج ما يكون إليها .. فما بالهم أن يمنح حاجة يسيرة للغير وهو ميت ، شبعان موتا .. المؤرخون قد يفيدون في هذا المجال ..
أولهم :
" المؤرخون كانوا عميانا في ذلك الزمان ..
ثانيهم :
" إنا نقصد ما في الذوات لا مجرد الأحداث ..
ثالثهم :
" لعب الزوار القمار على بساط سيدي ماخوخ ، وخديمه نظر إلى وجه امرأة جميلة فوقعت في قلبه ، ولم يذهب لجماع زوجته ، إنما غمز بعينه الحولاء ومصمص شفتيه ،، وبدأ المطاردة و المراهقة .. حدث هذا وأكبر من هذا ، والمؤرخون كانوا نياما وسط بياض لم يمس بحرف صريح ، ووسط أقلام خجولة ..
أولهم :
" لاعبو القمار يربحون و يخسرون . لا طريقة لدر الأرباح ولا أخرى لإجتناب الخسائر .. كل النهايات تأتي هكذا ، عبثا ، فينغرس لكلمة حظ وطن في الأعماق .. الحياة حظ وماعدا ذلك مضيعة للعمر ..
ثانيهم :
" أن تخدم وليا صالحا بقلب بشري عادي فتلك جريمة ..
ثالثهم :" المرأة الجميلة هي السبب ..
رابعهم يتدخل بصوت مبحوح ، إنه يكسر صمته بصعوبة :
" التاريخ هو السبب ما دامه يحوي المسكوت عنه ..
على أي لا ينفع إلا الله الباقي ، القادر ، والله يرحم جميع الأولياء و الصالحين ..
ثم صمت . عيناه شاخصتان في اللاشئ كأنه كان يوجه كلامه لسيدي ماخوخ مباشرة . إن الذي كان وانتهى بلا جدوى أقسى من الذي لن يكون أبدا ، مستحيل .. يا مرارة عيشك يا رابعهم الصامت في صخب الأفكار .. وانفلتت منه زفرة طويلة المدى ، كافية لإطفاء كل الشموع الساذجة المشتعلة داخل القبة البيضاء ، أو هكذا تخيل بعنف .. هكذا تمنى من صميم قلبه الجريح ..
سادسهم :
" كم الساعة الآن .. ؟
ثالثهم :
" كما كانت بالأمس القريب .. البعيد .. كما كانت في العام الماضي ، كما كانت في كل الأعمار المتجمعة في حسرة حاضرة . هل ينفع العيون بكاؤها ، وهل ينفع الألسنة أن تقذف السباب والشتائم .. ؟ لم يتغير شئ يبرر تغيير الساعة ..
لا تبديل ولا بديل في طلائع الغد ، ولا فتور في الدوران الجاد للعقارب الثلاثة ، حقا هو الزمان لا يرحم ..
سابعهم :
" الغد افتضح فبات سهلا التكهن به ، سهلة قراءة قصيدتيه الثابتتين في مخاض ، في ديوان ، في قاع فنجان .. تفاؤل أبو ماضي يصارع تشاؤم إبن الرومي ، لمن النصر .. ؟ لا يتساءل ولا يحر لبيب ، إن الغد ما عاد غيبا .. يشرق بلا بشرى ، يصير حاضرا راهنا ، تصدق التكهنات في مجالات الملل و الفراغ والإحباط .. وتعاد القراءة لقصيدة .. و .. قصيدة .. ويتفشى اليأس ..
خامسهم :
" أمحكوم علينا أن نستهلك الوقت على المنوال .. التايلوري .. العقيم .. نفس الأمس ونفس الحاضر ونفس الغد .. ؟ أمحكوم علينا أن نحلم في الصباح وتدفن أحلامنا في لون المساء ، في مقبرة الغروب .. ؟ أمحكوم علينا بالجمود على مدار العمر في صقيع الجغرافيا ، وفينا أدوات ومشاعر وواجهات تتحرك .. ؟ ولا جواب .. إن بكينا سمونا نساء ، إن انتحرنا سمونا جبناء ، إن تماوجنا في الشارع لأجل الحرية والخبز سمونا سجناء ، إن .. أه .. ربما جربنا فعل كل الأشياء فسمينا بكل الأسماء ..
صمت . رائحة الحشيش والشاي والأنفاس المرة . جحيم العقول لما تكنس أفكارها كالأزبال . احذروا فقد يجيئ العنف من هذه الجدران لما تنساها عيونكم وتسند إليها ظهوركم ..
" أنا رأيت فرن الحومة في المنام ينهار وتنجو خبزة .. خبزة واحدة ..
" ستصوم المزيد من العمر بلا أجر ، فليست الخبزة خبيزة كما قد تفسر ذلك مدرسة الأجداد .. لقد بارت مبيعات الكرامات في الأسواق البلدية ..
" أنا رسمت حمامة بيضاء في صفحة سوداء ، بلا جناحين ..
" قد تأتي الحرية عرجاء ، فما الفائدة .. ؟
" أنا كسرت لعبة لطفل جار ، وكانت اللعبة عبارة عن بندقية تحدث صاعقة في سكون ملعون . بكى الطفل وابتسمت أنا ..
" أنت شهيد ..
" أنا ..
" كفى ، فكل رقم بات يدل دلالة عن مدلول ، كل رقم مذلول .. يا للأحلام ..
التفت ثامنهم فجأة . رأى عاشرهم من حيث لم يره . انبعث في عينيه بريق ناري ساعر . تلمظ شفتيه تعبيرا عن لذة يرغب فيها . ردد في سره :
" جميل هو كالبدر ، صورة طبق الأصل من نجاة .. ماذا يجول في خاطر ثامنهم .. ؟ ولا أحد يدري سواه
والشيطان الساكن فيه ، وعاشرهم المعني بالنظرة الخبيثة ..
مصادر موثوقة تناقلت خبرا ، أكدت أن تحت الدخان المتصاعد جمرتين ملتهبتين : عاشرهم تعرض لإغتصاب من ثامنهم تحت وطأة سكر مدبر . كانت أول تجربة فاشلة من الضحية في فقدان العقل عمدا ، ولساعات طويلة أو قصيرة ،، لا يهم .. وكانت أخر خطة مدروسة ناجحة من الجاني في سلب كرامة الغير .. ومن ثمة نشبت معركة النظرات بين الإثنين :
نظرة مراودة ونظرة متمنعة ..
مصادر متتبعة قالت :
" دامت المعركة الدنيئة طويلا . ثامنهم يهدد بإفشاء السر ، وعاشرهم يحفظ الكرامة أمام العيان ويفقدها وراء الظهور والأعين ، خوفا من أن يناله ما نال قوم لوط الفجار .. وعند أول رفض منه قاطع تفشى السر ..
قام ثامنهم في تمايل متجها صوب عاشرهم . هناك ريح أعنف من بدانته و ثباته . سكران هو دائما وسكره جالب مصائبه . لا يصحو إلا شهرا هجريا مباركا في السنة ، ذلك ما سيدلي به الشهود يوم تقوم القيامة ، يوم يدقق الحساب والعذاب .. لكن ما أدراهم أنه لا ينتهك حرمة شهر الصيام ، إنه مدمن لحد الهبالة ، وقد يقتات المدامة من الفم السواري لأخته سلوى ، قد يرضعها من نهديها .. قد يضرب بالأعراض عرض الحائط ، وينال المتعة ، كل المتعة ، من أخته سلوى كما ينالها من بنات الحي الشعبي الملطخة أبوابهن بعلامات العهر والفقر ..
بذلك يكون قد ارتكب جريمة أوديب في الخفاء ، في غفلة عن عقله وعقول الآخرين ، ويكون أبولو والعرافة العذراء قد صدقا في مجمل الإدعاءات الغيبية الخارقة ..
حين استوى ثامنهم جالسا بجانب عاشرهم ، قام ثانيهم رافضا مجالسته ، وكافيا نفسه أي اعتراض ناطق يقوده حتما إلى خصام من النوع الذي وقع فيه رابعهم منذ أيام قلائل .. لا زالت الآثار المشبعة بالزرقة لم تختف بالتمام من على وجهه ، وهاهو ذا يبحث عن أثار جديدة ، أو ما هو أبلغ من الآثار .. ليس على يد ثانيهم الذي ترك له الطاولة ، وليس على يد تاسعهم الذي ترك له المجال بأكمله .. ربما على يد مجبر على الفعل ، عاشرهم المرهق بمراوداته على نفسه ،، وعلى مرأى من العيون و المصادر ..
باقيان لوحدهما . وجها لوجه . الليل كاد أن ينقسم على نفسه . عينا ثامنهم منغرستان في عيني عاشرهم تترجمان رغبة و فحشا . النداء يهمس في وقاحة في أذني عاشرهم ، والأنفاس المخمورة تضايقه ، تحاصره .. وكانت على الرصيف سيارة و إصرار ، وكان في القلب نفور ونية وعزم ..
نجاة نامت في فراش ثامنهم قبل امتلاء الذاكرة ، قبل وقوع التناقض في كواليسها . نومها كان عن طيب خاطرها وبمحض اختيارها . نجاة لا تختار إلا بئيسا أو فقيرا أو محروما ، أو حزينا ينتظر بسمة سماء ..
منحته المجد بالعملة لو كان يعقل ، الكثير لو كان يعرف .. ونبذها في أقرب محطة . كانت قد أصابت اكتفاءها من النوم وإلا لأعلنتها ثورة عارمة عليه ، هو الذي التهمها ثمرة جاهزة ، ورماها نواة لا تصلح للنبت إلا في أرض جرداء . لو لم تمله هي الأخرى ، وربما قبل أن يملها هو ، لدست له السم في الدسم ..
وبدلته بعاشرهم الذي ظل يحمل لها نفس كمية و نوعية الحب ، حتى بعد أن فقدت قطرات الدم الموقوفة عليها براءتها أو إدانتها .. ملكته نفسها في باب إدارة عمومية ، عساها تصلح الخطأ الذي ارتكبته في حقه ، وتعوضه عما فات .. قاوم عاشرهم من أجلها رفض أبيه السهل ورفض أمه الممتنع ، ورفض مجتمع متخلف :
" ستخرج عن دينك ياولدي ..
" حتى هناك موجود الله ياأبي ، إن الله معنا أينما كنا ..
" بلاد الغربة صعبة يا فلذة كبدي ، إني أخاف عليك ..
" أصعب منها غربتي في مقهى الراحة يا أماه ، ادعي لي بالخير و الرضاء ..
" وتهرب مني وفي دمك أغنيتي يا ولدي .. ؟
" لن أنساك يا وطني الغالي ..
قاوم بلا هوادة . ولم تنس له نجاة يوميات تلك المقاومة المنطقية . زهما ناعمان بسعادة أولية .. يتوقان إلى سعادة غامرة ناشرة ظلالها على أوسع مساحة ممكنة ، مضادة لأكبر زحف من تعاسة الآخرين .. أعطته نجاة هوس الحياة ، سكبت فيه الأمل الوليد ، فبدأ يفكر ويبرر الفكرة تلو الفكرة .. ويحلم بالغد عكس اليوم باعتداد و جرأة ، وانطلاق .. لم تكن تؤذيه إلا مطاردات ثامنهم المتوالية وإلا كان أسعد رقم في مجموعة لها علائقها : التراب علاقة . الدم علاقة . الإنسانية علاقة . الهم علاقة . المصير علاقة ..
عاشرهم :
" نجاة في ذاتي ممزوجة بلحمي ودمي ، وأنا ذكر .. أتفهم معنى ذكر .. ؟
ثامنهم :
" وليكن ..
عاشرهم :
" إنك مريض أو مجنون ..
ثامنهم :
" بل مجنون بك يا حسنا وجهه ، وفي هذه اللحظة الموزع فيها عقلي بين خمرة شربتها وخمرة تأبى علي شربها ..
لاذ عاشرهم بالسكوت . كبت في داخله شعورا بالإهانة المتفاقمة ، وأقسم بينه وبين نفسه على رد الإعتبار .. أخر ما يمكن تحمله إشاعة تداولتها المصادر ، كل حسب اتجاهاتها المعلن عليها مسبقا ، وقانونيا ..
إن الكلاب اللاهثة من صنف ثامنهم سرقوا القوت الحلال من البيوت ، والعرق الطاهر من على الجبين ، والدم النقي المتبرع به لفائدة قضايا الساعة .. رائحة موت زؤام دامت في الهواء . ستموت كل الكلاب . رائحة الحشيش والصنان والمرحاض ، والرائحة المنفلتة من أسفل الظهور ومن الأفواه البعيدة عن حضارة معجون الأسنان ، ورائحة مزبلة الحي في زمن الإشتعال .. كل الروائح تلك لم تستطع إبقاء الموت نهاية مجهولة .
ثامنهم مصاب بزكام اشتهائي عطل فيه حاسة الشم ، وإلا كان ميز رائحة حتفه وفر بجلده .. ليمت إذن ثامنهم قبل أن يعدي ميكروبه مجتمعا جاهزا لأي عدوى ، وليبلغ الخبر مسامع أشباهه ليعرفوا عاقبتهم قبل استغراقهم في النذالة ، ومن أنذر فقد أعذر ..
أعد ثامنهم اللوازم التي يقتضيها اللقاء : زجاجة ويسكي إسباني ، قطعة حشيش تذهب عقل قبيلة ، سجائر ذات نكهة وشقرة ، مأكولات طازجة ، فراش بوسادتين ، كولونيا مثيرة ، وأسطوانة مادونا المائعة .. سيحظى الليلة ببني جنسه حظوة لن يفيق من بعدها إلا في وحشة العالم الآخر .. الإشاعة أقسى من الحقيقة لما تمشي فوق الأرض ، بين الناس .. ما بقيت لعاشرهم سمعة فليتخلص من جبنه دفعة واحدة ويهزم الشيطان ، لا تهم العاقبة فأسوأ منها معاش ..
حرص ثامنهم على أن يتم كل شئ في الظلام الخريفي ، في منتهى السرية .. في الصباح سيهب النوام من أحلامهم على رائحة دم ، على دراما جنسية انتهت بذبح من الوريد إلى الوريد .. أي حرص يجدي بعدها جثة هامدة من أن تهتدي إليها قطط و عقبان .. ؟ تكون قد فقدت الإنتباه والحرارة ..
الجزار سيمسح الخنجر من البصمات لا لكي ينجو ، بل لكي يوضح أن رقما ضخما طلب لإنتهاك عرضه فأزبد وأرعد في صمت ذليل ، ولم يهدأ إلا بعد أن استل روح وغد من الأوغاد ، فأجبر بخاطره .. هذا قربان لك أيتها السمعة المتمزقة على الشفاه والأهداب ، فهلا عدت كالصبح لكي لا تبرحي جسدي كالأنفاس ..
يا من ستموت حالا ، سيسألونك من ستفد عليهم قاطرا دما مدنسا ، فلا تستحي من قول الحق ولو على نفسك الآثمة . سيعذبونك لتجيب بكل لبصدق لا تشوبه ذرة كذب .. قل لهم أنك مت على طريقة الأفلام البوليسية في سبيل نشوة محرمة في الدنيا و الآخرة .. قل لهم أنك كنت وحشا كاسرا سلب أموال المستضعفين ، وانتهك شرفهم ، واشتهى لحومها الآدمية بكل أنواعها بعضها لمائدته ،، وبعضها لفراشه ،،، وبعضها لنزوته التفكهية .. قل لهم أنك لم تكن قط إنسانا مكرما ، وأن دفنك بينهم كان مجرد خطإ من فقيه الحومة .. أو أن أباك رشاه فأخطأ عمدا ودفنت في مقبرة الإنسان .. ؟ لو أصاب الفقيه لرميت في المزبلة رمي المهملات التافهات جدا ، ولو اجتهد لعلقت على باب المدينة والتاريخ .. قل لهم أنك حضرت في موعدك المضروب ، وأتاك جزارك شاهرا سكينا التقطها من درب الحدادين التقليديين ، فأذاقك طعنة الموت بدل طعنة اللذة الممقوتة ، ثم استرسل في الطعن .. طعن .. طعن .. وطعن حتى أشفى الغليل ..
حل المساء المابعد الألف . كان نبأ الجريمة قد شاع بين الأرقام . كلهم شمتوا بالمنحور نحر بعير يرجى به إيقاف المنكر قبل استرداد السمعة ، يرجى به استئصال جذور تقرح عمق التاريخ .. يا إله متى يموت الشيطان فينا .. ؟ كلهم ودوا لو يقيمون للناحر أروع احتفال ، لكنهم خافوا من شبهات هم في غنى عنها ، وفي مثل هذا الظرف بالذات .. فالعيون تدور والآذان تدور ، فليحذروا أن يبدوا الأفراح أو المواساة ..
مرت نجاة قرب مقهى الراحة . كل الرواد التهموا بنظراتهم المرقعة كامل جسدها الرشيق ، فدمعت رغباتهم وشهواتهم . لم تلتفت إليهم ولو من الشفقة والحسرة عليهم ، ولو من باب اعتنائها الرمزي بأمالهم المهددة بانقراض أخير ..
كانت عائدة من زيارة استثنائية للقبور ، بعدما بالت على قبر ثامنهم الطري ، ورشت ببولها المتبقى قبور أشباهه ، أسلافه الملعونين ،، ثم كتبت على الشواهد :
" هذه قبور اللامرحومين ، يا واقفا على قبورنا اغرب من أمامنا من فورك ، وإلا طالتك عدوانا حتى ونحن أمواتا ، وأنت حي مسروق رزقك من عتبة منزلك ، مسروقة لقمة عيشك من فمك المفغور ..
لعلها اغتنمت الزيارة وترحمت على الأموات الذين عرفتهم أوفياء حين وقعت بين أيديهم ، في أحضانهم الشاغرة ، ونامت في أسرتهم جنبا لجنب إلى أخر أعمارهم .. الأوفياء قلة .. وترحمت على الذين ماتوا وهم يائسين من ابتسامها لهم في حلم ظل لصيقا ، من احتوائها ..
بادية على وجهها إمارات الحزن ، كل حزن البشرية المعجونة بالمادية و الأنا .. أليست عائدة اللحظة من عالم نائم أبد الدهر إلى عالم يود لو يتعب ، ويكد ، ويسعد ، ويحلم قبل النوم .. ؟ أليست عائدة من أول الذكرى إلى لب حاضر مثيل ، ثم بداية ولوج المجهول .. ؟ لا فرق بين ثالوث زمني يبدأ بالحقيقة المرة الثابتة ، لكي ينتهي إلى تنبؤات يستحيل هضمها لمرارتها الباقية ، المتكاثرة .. لكي لا ينتهي ..
الأرقام متوالية ، أكثرها الكثير يأبون تناول حبوب منع الحلم حتى وهم في قلب التيه ، في جحيم يأس بلا دواء في صيدلية المدينة والتفاؤل والقاموس . الحلم متنفسهم السهل والأخير ، فكيف يغلقونه بمحض إرادتهم .. ؟ لولاه لانفجروا وعجلوا بفناء موعود .. الأرقام ، أقلها القليل أكبر من الكثير : معادلة واضحة التناقض يرفضها الحسابيون لأول وهلة ، ويتشبث بصحتها مجربي الميزان المنكفئ على لغة الوزن والغش ،، مكدسين هم في أحط كفة وغير مرجحين مهما تكاثروا .. أولائك مجربو الميزان ، رأوا كيف تنعدم ملايين الريشات في حضرة حديد مكثف ..
نعم ، تثقل سنابل معدودة مكتنزة حين تبقى كل السنابل تداري هزالتها بلا توفيق . تساءل فلاح طاف الواقع على حمار صبور ، واهتدى لعلاقة لامتكافئة :
" يا سنبلة ثقيلة من أين لك هذا .. ؟
" من أمطاركم لم أوزعها على مواطن الظمأ فيكم بالقسط ، جعلتها نهطل علي لوحدي حتى ارتواء فائض .. فيضان أنجو فيه بقارب أنانية قصوى ..
" يا سنبلة أحق هذا .. ؟ يا سنبلة منكر والله هذا ..
" أتحاسبونني .. ؟
" لم لا .. ؟ فنحن من نشكل الحساب المهضوم ..
" ها أنتم تقعون في زلل اللسان ، كأنكم لا تدرون ما يترتب على معتنقي كلام من هذا القبيل ، وعلى من اتبعوهم .. ابقوا في صمتكم خير لكم من الدنيا وما فيها ، ابقوا في صمتكم فالكلام غدا يجر وبالا ونقمة وعذابا ، وقطع لسان .. وموتا إن اقتضى ذلك الإتهام .. ابقوا في صمتكم تنجون ..
" ما أفادنا صمت السنين الطوال ، فاقتلونا كما شئنا لا كما تشاؤون ..
الأرقام متوالية ، ونجاة وحيدة فاشلة في أن تكون عنوانا .. عاقر .. غير قابلة للإستنساخ .. الأرقام سابحة في قرار مكين في الظلام ، في عطالة لم تبشر أسفار المتنبئين بتوليها ،، ونجاة هي التي تملك اختصاصا في الإنقاذ ولا تملك تعميمه .. تصيح بجهورية في كل الفضاءات المتصدعة ، وتبقى مجرد صيحة في واد .. في خلاء ..
نجاة الأمل ، لا ينالها إلا محظوظ شبع من رضاء الوالدين ، أو مجاب الدعوات .. إلا من رحم ربي مقسم الأرزاق في الصباحات الباكرة ، وفي تواريخ الإزدياد المضبوطة بأقلام ملونة ، لكن أغلب الأرقام لا تستيقظ من النوم والمأساة باكرا ..
المحتالون اغتصبوا نجاة من حيث أبت كل الإيباء. دفعوا مهرها غاليا لما يقيم بدماء بريئة وعرق كادح فأتتهم حتى مخادعهم قريرة العين ، منفرة القلب ،
ما بيدها حيلة تبطل بها الحيلة . نساء الحي قلن في شأن مغتصبيها :
" كل العوانس يحلمن بدفء في حضن ينبت في الشعر بغزارة ، ولو بلا مهر شرعي ..
أضفن في سرية :
" إن نجاة تعشق سكان الأكواخ المعرضة للإنهيار أمام كوارث طبيعية ووضعية ، ومدبرة .. تعشق سكان البيوت القصديرية الصدئة ، الحارقة صيفا والباردة تحت الصفر شتاء ..
تعشق الجياع الحفاة العراة ..
تحب أن تعيد معهم حيواتهم الغاربة مع شمس كل مساء ، أن تعيد لهم قطارا تأكدوا من مروره .. تدخلهم الجنة قبل أن يموتوا ويبعثوا ، وبلا حساب عسير .. إنهم في اعتقادها الصائب من البراءة بمكانة ، سجلاتهم خالية من الذنوب والسيئات إلا ما فوق العقل والضمير ..
تقول نجاة كلنا أبكاها الواقع وأدمتها أشواكه :
" اكفوا الناس شر بطونهم المقرقرة جوعا نصرانيا ، شر غرائزهم المنادية فيهم ، وشر جلودهم التي تخفي تجمعات الألم والمهانة ،، وتنشق جلودهم كأرض تزامن عليها جفاف وعجف وإفلاس تخطيطات ، فيسيل الصديد وتهرب الآهات والزفرات .. اكفوهم الأشرار ، ليكفوكم شر أنفسهم وألسنتهم .. وقلوبهم الضامرة لكم كل الحقد الخصب .. ولا مساومة على أدنى عيش يحلمون به ..
نجاة الواقفة في قفص الإتهام ، كلهن أجمعن على أنها تخون عشاقها ، معشوقيها ، لما تطمئن لإذكاء نيران الحب في قلوبهم ، وجريان ماء الإخلاص والعهد في عروقهم .. ما أقساهن من نسوة ، وما أسخفهن في مجالسهن الخاوية من نفحات الفلسفة ، المغيبة لقوى تدرك ما وراء المدركات ..
أصبغن عليها الزينة كأي عروسة مجبرة على الإرتباط ، وزففنها إلى عرسان جاهليين ، مغلوب على أمرها كامرأة بلا أصل
فتنحدر من عينيها دموع انهزام متكرر .. لا تحرك فيهم الشفقة المرجوة والوعي المنسي ، إنما تصير أجمل وأشهى في عيون الذئاب .. ساديون كانوا . يقولون عن إجهاشها في البكاء فعل سحري لا يجب أن يصدق إلا إذا وافق دسائسهم :
يعمل فيهم العاطفة والأنا ، ويلغي فيهم عناصر إنسان .. يقولون عن دمعها المتبدلة ألوانه حسب المصائب ، وما أكثر المصائب وما أجود شموس النهارات بلون السواد ، يقولون عنه ، دمعها لؤلؤ منثور يكشف ما تنطوي عليه من جمال صارخ .. وجذب باهر ..
كم من مرة تكررت المأسي .. ؟ كم من صيف أحرق أحلام ربيع وريعان شباب .. ؟ وكم من رقم أحب نجاة أكثر من نفسه ، وعانى خيبة الإنتظار حتى ماتت فيه مدخرات للقبلة والعناق والنوم .. والخلم .. والإستيقاظ على أزيز عربة الأزبال البلدية وهي تكنس الشارع من الفراغ ، والكابوس ، وهموم الأحباب .. ؟؟؟ كم .. ؟
لا يهم الرقم ..
هي محصورة بين أمرين كلاهما في غير صالحها :
إن تكلفت البسمة خدعت نفسها ، وإن أشرقت من حدقتيها مياه رفضها طولبت بالمزيد ..
مرة بلغت من الغضب أحمره . مزقت فستانها . أفسدت تسريحة شعرها . انفصلت عن عطرها العبق . تعمدت أخذ صورة مشوهة مقززة معافة .. فكان أن تضاعف ولعهم بها ، ارتفع جنونهم بها درجات قياسية . سئل مولوع مجنون :
" لماذا كل هذا الإحتكار لنجاة .. ؟
أجاب على لسان أمثاله في الشعور والجريمة :" لشئ فيها لا تدريه ، ولا تملك القدرة على تحويله سلاحا في قبضتها ، ومن ثمة طعنة نافذة في أصداغنا البارزة .. إنا نريدها مؤتمرة بأوامرنا ومنتهية بنواهينا ،
نحن السادة ،، نحن الأقلية القليلة ..
ذات صدفة ماضية باغتها أولهم في شرك محتال . تصاعد الدم في رأسه ثم هبط . أكلته الغيرة ولم تبلعه . قال لها لائما :
" ما مر على بالي أن تكوني رخيصة لحد المجانية ..
صمتت . طأطأت رأسها خجولة ، ذلك الخجل الذي يركب وجه المتلبس بالحرام لما تفضحه عين طالبه في الحلال . تقارنت الصورتان في ذاكرة أولهم . كاد يبكي جهرا لما تجلى له تناقض في ذات مفردة :
أين منه نجاته .. ؟ أين منه تمنعها كبكر تخشى فقدان الذخيرة ، وكلام الناس .. ؟ كان تمنعا بلا عذر محسوس أو مقبول على موائد الأشقياء ، وألمه أن يكون أخر من يعرف غفلته ولا يقرها ..
لما رجع أولهم إلى مقهى الراحة كان تعبه قد بدأ من الأول . دخن ما فوق طاقته من الحشيش . لقي مواساة ومؤازرة من كل الرواد . قال رابعهم :
" كلهن يتساوين في الأقوال والأفعال ، في الأوصاف ، في اللطافة المنعت يها جنسهن الغاوي خشونة البلهاء أمثالنا .. لطافة أفعاوية ، فقد يموت العشاق بالسم الناقع أو الإرهاب المفضوح فجأة ، أو الإهمال التام ..
قال خامسهم بنبرة حزن قد ينال جائزة لو يشارك به في مهرجان أحزان :
" كلهن يدعين خشية العار ، ونحن نصدق .. لكن .. يعلم الله ما يفعلن في الخفاء ، في بيوتات الهوى والدعارة اللائقة بأصحاب المقامات والمراكز الإجتماعية ..
الزمان ، زماننا ، نحن الأرقام ماع ، فاثبتي تفاصيله يا ذاكرة البلاد ..
وذات صدفة معادة كما تعاد الحسرة ، فاجأها سادسهم بين قبضتي راش متجبر متسلط ، سدد مهرها بالعملة المعومة وأسرع في اختزال عمرها اللامحدود ، في استنزافها بشراهة أحمق أكول ، لينعم عمره الجد محدود ..
" هكذا تخونيننا يا نجاة .. ؟
فكر ، ثم اهتدى لمفارقة عريقة في الإيلام ..
" كان يجب أن يشغل ذاك المكان من هو أهل له ،، وما أكثرهم ..
" ذو المال هو الأهل لما فوق ذلك ..
هكذا ينبثق التعارض في نفس العقل ليعوزه ، ككل مرة ، عن إيجاد التوفيق بين الكائن والذي يجب أن يكون .. المال ، إذن ، هو عصا موسى في عالم سائل ، غارق حتى القطبين .. الغرقى يطوحون بالصرخات الجهورية تلو الصرخات الواهية . الزمان صار أخرسا لا يسمع ولا يرحم .. وما سادسهم إلا واحد من الغرقى ، ونجاة هي البطلة التي بشرت بها القابلة .. إنها لم تولد بعد فهذا الفجر بعيد .. بل ولدت ، وشبت ، وترعرعت ، وكبرت .. واختطفت لما كانت تتجول في رياض الأمل الغناءة ..
سادسهم رأى الراشي يقبلها وهي في كامل الإستسلام ، ذاك كان مظهر بادي للعيان . أقسم على نقل وشاية مستعجلة لمن يهمهم أمر غدوها ورواحها . عندما فعل لم يبدوا حزنا مثلما حزنه هو الذي رأها بين يدي عملاق ، وسمعها تئن من فرط الألم اللذيذ تارة ، ومن فرط اللذة الأليمة تارة أخرى ..
لقد اختفى عاشرهم عن الآخر . الكل عرفوا ذلك واجتاحتهم حسرة كبرى . رفض أن يحمل فيروسا خطيرا ، مشهود له في صفحات التاريخ المحرمة من التدوين العلني .. من القراءة .. من إعادة القراءة .. لو حمله حتما ستنتهي به الجريمة إلى الحرق في فرن مكشوف ، أو الإحتفاظ به في حوض ماء حامض في حدائق الفيروسات و الجراثيم والحشرات الفتاكة ، في حدائق لم توجد بعد .. لكنه ، وهو الصغير الأخير ، طعن ثامنهم من الأمام لكي لا يتهم بالغدر ..
تلكم الإنسانية ذادت عن نفسها ، تصدت للشبح المرعب ، وطعنته في الصميم ..
عاشرهم سافر بلا جواز سفر ، بلا حجز تذكرة . سافر دون أن يودع أصحابه المتتالين دون أن يمزق الحدود كما طالما اشتهى .. لعله يتذكر ، كانوا قد أفتوه هجرة إلى بلاد النجاشي لما استعصت عليه باقي البلدان ، قالوا عنها بلاد أمينة عادلة ناصرة .. ونسوا أنها ليست غنية وأن ليست بها مكاتب تشغيل .. لو سمع وأطاع لنزل في الأفواه المفتوحة لقمة جاهزة ، يأكلون لحمه ، يشربون دمه ، ويدفنون عظامه لتصير سمنا فيما بعد كما في خرافيات الأطفال السذج . قال ثانيهم :
" إنها مجرد مبالغة ، إنها مجرد نكتة ..
قال سادسهم : " إنك لم تعشق من الفكاهة إلا مضحكها ، مسليها في غباء ، لقد صحت الفتاوي الضارية الهمجية : حلال استعباد وغصب وأكل الإنسان لأخيه الإنسان .. كل ذلك تم تحت حجة الضرورات تبيح المحضورات ، والحاجة أم كل استحلال غريب ..
عاشرهم ، لعله ندم كثيرا على امتيازات متاحة ماضية ولو كانت قليلة ، لكن لا ندم ينفع بعد أخر الجنون .. فتجده يعود إلى وضعه الجديد راضيا مرتضيا .. لو هاجر بعد جريان الدم على التراب لقضى نحبه ممنوعا من الإياب ، وقد كان ممنوعا من الذهاب .. الحنين والحب شيئان لا يتلفهما الفراغ ، لو هاجر لانفصل قسرا عن الجسد الحميم ، الوطن .. لو هاجر إلى منابع أنابيب البترول ..
لم يعد ينفع التمني بعد التجلي ، لقد اختفى عاشرهم ، ولم يعد يذكر بعد إحياء ذكرى أربعينية الأحياء ،، لقد كان في أخرالترتيب ..
تمتم رابعهم بصوت يرزح تحت ركام ماض كاسد :" كانت مجرد إشاعة مؤذية علقت بسيرة عاشرهم ، إنه أنقى من وردة الصباح وأطهر من صبي .. وإلا ما كان ليعشق دم ضحيته لما لم تجديه كل الوسائل ..
أرقام دالة
لأني أحببتك ياامرأة ، هأنذا أتخذ كلماتك مدخلا جميلا لكلماتي ..
أنا التي سقطت ، وأنا التي لزمت موقع سقوطي ..
أنا التي كنت ألعن شعور الحب إذا تحول عملة للمقايضة ، وألعن الوفاء إذا صار درهما في سوق الخضر ،، وألعن الصدق إذا عاد مجرد قشرة موز في مزبلة الترهات تصطاد خطوات بلا دليل .. أنا الساقطة في بقايا المكان ، وعلى جسدي علامة فشل ، وفي فؤادي مدخنة صغيرة ، يخرج منها دخان نار تحرق القلب وتكويه ، توقظ فيه هدوء الألم والندم .. لم أكن فقط قد مت ، إنما كنت منساقة عبر فجاج الضياع ، طوع تيار الهواء الأخير ، صوب مقبرة قديمة دفنت فيها أجساد حصدتها مناجل اليأس ، وألمتها سياط العذاب .. وئدت فيها أمال ..
.. .. ومن طيات موتي نهضت نداءات أقعدها الجبن عمرا ضاع مني ، انتشلت روحي من قبضة
جلاد المنية المستوردة رغما عن حنقه .. وسيفه المشهور .. فاستسلمت للمصير .. وقلت : لأدع الأمور تمشي على هواها ..
تكررت النداءات ، تحولت صرخات ،، ثم أيات ، بعدها تحولت إلى صلوات مقامة في محاريبي العميقة ..
وما أزال كما كنت أصلي وسط مأساة ، وأترقب يوم يمنحونني رقم قبري ، وإسم النمل الذي سينخر جثتي ، ثم بطاقتي وتأشيرة ارتقاء من دنيا .. إلى .. دنيا ..
1
كثيرون هم جالسون في ساحة مقهى الراحة . كانوا يتجاذبون أطراف الحديث ، ويتيهون في شعبه المتشعبة . يخفتون أصواتهم باللامباح منه ، ويرفعونها بمباحه .. يسمعون النكتة ويضحكون .. ثم يصمتون ، ويندمون .. ويسمعون الحكمة من أهل الكلام . أهل الكلام يتسولون خبزهم بذكر
4
النهار تقلص كأنه يهيئ لذوبان نهائي ، الليل طال ليعطي مزيدا من الفرص للكوابيس الفاشلة ، الحرارة الدنيا هبط زئبقها كأن هناك تخطيط لتجميد العالم .. هي طلائع فصل يحل ، أواخر فصل يرحل من الأعمار .. هكذا تتوالى الفصول عديمة البسمة ، وتتكدس الذكريات الحزينة في الأذهان ، أجمل ذكريات مقهى الراحة والشارع ، والمدينة العائمة في سخط لا تعرف مصدره .. أجملها نادر كيوم عيد بلا دمعتين ، وأتعسها عام كالظواهر ..
من يشتري بالجملة مواضي مهمشة بلحظة اعتراف في هذه الحياة .. ؟ التاريخ لا يباع ولا يشترى ، لكن فيه المبكي والمضحك .. من أراد البكاء .. ؟ من أراد الضحك .. ؟ من يشتري ماضي البكاء والضحك معا .. ؟ لا أحد .. انتهى المزاد لكي يبدأ .. بارت الأشياء الخانقة في ذوات ضحاياها ..
في الخريف يستشعر العالم عبوره بلا عطية ، يستشعر ضعفه أمام قوى لها أنياب وأخرى لها أيادي .. لماذا تتعرى الأشجار لتورق وتبسق نوارا من بلاستيك ، ورواد مقهى الراحة باقون عراة لم يورقوا مرة ،، لم يوعدوا بأن سيأتيهم فصل الورق .. الأمل غد ، لكن غدهم بلا أمل .. ما العمل .. ؟ العمل . العمل . العمل .. العمل ..
ما قيمة كل أعمارهم المنصرمة عند المتتبعين المجردين من عواطفهم .. ؟ لا تساوي رمشة ندم على أنها مضت .. لكنها أعمارهم ..
لا شئ يثبت الرحلة إلا الأسى . السفينة تائهة رغم اعتمادها الخريطة و البوصلة والإتصال اللاسلكي .. المؤكد أن أعطابها عديدة ، بليغة ، وقطع الغيار لابد وأن تأتي .. تأتي من الخارج وإلا ظلت الأعطاب كما هي ، تزداد سوءا .. الخارج يصلح ويفسد الداخل ، وفي الداخل عقول مرمية .. أين تلك العقول من اشتهاء سطح القمر .. ؟
" أوه .. رأسي يؤلمني منذ عمر ..
قال أولهم بعد أن تأوه في فتور .
" إنك مصاب بشقيقة الأجيال ..
أجابه ثالثهم وهو يجود بابتسامة بلهاء .
لا معنى للذرات لما يطمس كونها . لا معنى للشجاعة في زمن السلاح والآذان الآلية . الواقع يعري النظرات الفاقدة مرافئها .. ألفة إجبارية تثقل الخطوات ، تجعلها رتيبة مملة يقوم بها الجسد لا المخ .. والمتوقع .. ؟ لا ينفع معه اللاهروب . قدر بلا ذنب ، فليأت إملم الحي بتفسير حتى لا يتزحزح الإيمان ..
ميكروفونات سفينة الرحلة المثبة في كل مكان تبث تهدئات جد قصيرة ، غامضة ، تفصل بينها مقاطع موسيقية مائعة رائجة . الركاب يلعنون الملاحين سرا وعلنا ، هم السبب المباشر في تيه بحجم تيههم .. لعنة .. الميكروفونات تصيح :
" لا تيأسوا أيها المسافرون إلى الهوة السحيقة ، إن الله معكم ..
ثم يتردد مقطع موسيقي ..
" هل تحب راي بلادك ياخامسهم .. ؟
تساءل ثالثهم وهو يخلل لحيته التي شحت عليها الشفرة . صمت . لم يحرز جوابا . تابع تساؤله :
" راي .. راي .. راي .. ؟ .. ؟
ثم قال في شبه عصبية :
" أحب ما شئت ، أنت حر ،، لكن اعلم أن الجيد ذهب والرخيص يعتري لمعانه لون الصدأ ..
هدأ بسرعة . عاد يسأله :
" لو خيرت بعد التهدئة الميكروفونية الآتية أي مقطع موسيقي تريد سماعه .. ؟ ترى ما هو .. ؟
" رغبات المستمعين ..
ضحكوا جميعا ثم ندموا على أنهم ضحكوا .. فصمتوا .. يصر ثالثهم على الجواب . يقول خامسهم وعيناه معلقتان في الخواء :
" لله يا سفينة .... وين غادية بنا ..
الركاب يزدادون إحساسا بالضألة ، ما أهول أن يضأل الكل حين تبقى أقلية ملاحية تنفثها تهدئة كلما قامت فيها ثورات أعصاب ، تغرقها في البحر الضاري كلما اشتعلت . ضألة .. ومقاطع موسيقية تحضر وتغيب فيها دقات البندير المثقوب ، والميراث الشعبي .. ما أدرى الركاب .. ؟ لعل ملاحو السفينة منهمكين في إصلاح الأعطاب والإتجاهات ، وتحديد مواقع تحت الصفر للإنطلاق ، لعلهم يصلحون غلطات مرتكبة في شأن أبرياء عشقوا سفرا مريحا ..
أو لعلهم يغطون في تغافل عن موج ينتزع أخر المجاديف ، وعباب يلهو بأخر النظرات ، وضباب كثيف يوقع الخطوات .. وبحر يغني للمستضعفين .. فجيعة .. لا شئ يهم بعد أن تأخرت الرحلة المهمة ، بعد أن أدرك كل الركاب أنهم مجرد أرقام في ذاكرة مرسى تقادمت .. مجرد أرقام طافية فوق المأسي اليومية والماء .. ساء حظها .. " لو كان سفرا كما في الآمال .. لو كان سفرا ..
ثانيهم أسفا .
" لو كان ..
سادسهم يكرر الأسف ..
" لو ..
رابعهم ينحت الأسف في الأعماق في لحظة اندحار المناعة ..
البارحة سمعت زغرودة في بطن الليل ، فشرحت القلوب لصلاة فورية أجرها من شوك و ندم . التفكير دائم الإشتغال حتى يتحول نقمة ، ولا أحد أفلح يوما في أن يوقفه لحظة ..
وحده تاسعهم :
" كيف أفلحت في الإمتناع عن التفكير إلى الأبد يا تاسعهم .. ؟
تساءل سادسهم ولم يظفر برد شافي ، فازداد إيمانا بأن الإنسان لما يفقد عقله يكون حرا ..
البارحة عادت سارة من غيابها القسري عن رائخة التراب و الروث ، الزغرودة كانت لها ، وكانت عشاء لجياع فقراء .. هاهي الآن تمر بنفس الشارع المترب ، قرب نفس المقهى .. ربما لتتأكد أن كل شئ باقي على عهده الأول ، وربما لتعطي سابعهم أخر فرصة له فيها . بدأت فعلا الغمزات الأجنبية تخترق لامبالاة سابعهم ، لكنه كان في داخله يبالي ويمثل دور الغافل ..
اقتربت سارة من الرواد . تناهت إلى سمعها نفس العبارات القديمة . لا شئ تغير ولا شئ تحرك ، لكنهم لم يموتوا .. إنهم أحياء وكفى .. صمود أم جمود .. ؟ لم تظهر على سارة إمارات الطرب الداخلي ولا إمارات الغضب المفضوح ..
" لقد اعتدلت ..
صاح أولهم . فقال رابعهم :
" لا تظلمها ، فهي الأخرى قادرة على تأطير العاطفة بفكرة .. لقد تعلمت كيف تبقي فرحتها لنفسها وحدها ولا تنفضح ، وكيف تعطل جهاز الغضب فيها ولا تكون مجنونة .. لقد تعقلت ..
كان ممكنا أن تتمادى سارة في التعبير عن متناقضاتها علنا لولا أن حذرتها عمتها من مغبة اتضاحها في عصر الظلام ، فأطاعتها .. العمة استكهنت مفاهيمها بحكمها امٍرأة تعرف سلوكات كل امرأة ، فقدمت لها نصيحة مجربة لتقلب الموازين :
" متى تجاوزت الفتاة سن رشدها ولم يطرق بابها خاطب ، عدت من العوانس ..
" ومتى تبلغ الفتاة سن رشدها ، يا عمتي أطال الله في عمرك .. ؟
" لما ينشق صدرها عن تفاحتين ..
" أه .. يا عمتي .. نسيت متى حدث في صدري ذاك الإنشقاق الذي ترتب عنه نهدي هذا .. ونهدي ذاك .. نهدي اليمين .. ونهدي اليسار ..
" مهملة لأعز تحولات طرأت فيك .. لا عليه ، سأبحث لك عن ذلك في ذاكرة أمك ..
" والفتى ما نصيبه من إهمالي .. ؟ قد أكون غدرت به لما فتحت له مجال الحب .. ؟
" لا شئ ضده ما دام هو الفتى ، الراغب فيك ، الخاطب لك متى توفرت له الشروط اللازمة ..
قام سابعهم لاحقا بسارة بعد تحميس الرواد له . عندما أدركها ومشى جنبها ، لم تسعفه الكلمات بالشكل الذي كان يتمناه ، ولا بالبساطة التي ظل يمرن عليها لسانه .. احمر وجهه . تلعثم وكأنه في أولى تجربة له مع سارة .. في البداية لم تكترث به مما زاد في ارتباكه ، وفي النهاية أدركت ما يرمي إليه من كلام معاد ،، ومن حلول مطروحة للتمديد و التأجيل .. إلى متى والعمر لا يسع أدنى الأحلام .. ؟
لقد سئمت سارة تعاطي الحب بلا نتيجة إيجابية مرسومة . انساقت كثيرا مع العواطف ولم تجن إلا الركود في أملها ، أملهم ، والبقاء في نفس الوضع السائد .. إنها تريد بيتا سعيدا ، وزوجا يملك القوامة المادية كما العاطفية والنفسية ، وتجربة ناجحة في استخلاف أجيال راقية على الأرض . قالت له جازمة القول :
" إما أن نرتبط ارتباطا وثيقا أو نفترق كما لو لم نتحاب قط .. إني ، بأحد القرارين الذي قد تختاره ، أريد قطع ألسن الناس المسيئة لي ، أيرضيك أن يقال عني بائعة هوى .. ؟
" ماذا تظنيني أختار أنت الأدرى بي مني .. ؟
" على أي وجهك وعد يا سابعهم ..
" أتسخرين مني ، بضعفي في معركة حياة .. ولا انتصار بعد ..
" لك بطاقة انتماء ..
" تلك البطاقة باتت تنفيني عن جسدي وبلدي كما ينفيني ظهر أمي ..
" لقد أفجعني الجمود الذي يبني حيواتكم ، وقد غبت أطول من عمر فرصة ذهبية . كنت أمل ما فوق اللغو بقليل ، أسفة حتى بكائي في خلواتي .. أكاد أفقد صوابي فأشتمكم بقسوة ، وأنعتكم بنعوت لاذعة ..
" سارة ، إننا جبلنا على اجترار الكلام على العواهن ، بلا مبادئ ، بلا أسس .. الفراغ الذي يحيق بنا يحرضنا على وقوف تلك المواقف ، يوقعنا فيها مهما صبرنا وتمنعنا .. لن نتخلى عن الكلام ولو في سرائرنا ، لكنه يبقى مجرد كلام ، فلا تهتمي بالأمر كل هذا الإهتمام .
" خسارة هي كل الأقوال بلا أفعال ..
" لكننا مقتنعون ، ولنا من الكلام ما نخاف إذاعته حتى لبعضنا البعض ..
سابعهم على حق . الوقت يضيع من بين أيديهم ومن خلفهم سدى ، إنهم لا يفكرون في طرق الخروج من الهزيمة ومسح تراب الإنكسار يعلو جباههم . أبسط أمنية جادة أن تقف الهزيمة عند حدود الجسد ، أما أن تغوص حتى القلب فتلك كارثة ..
إنهم اعتقدوا براءتهم الكاملة ، فركنوا للبطالة وأطاعوها فيما تأمرهم به ، أو تجرهم إليه . اتفقوا على تعاطي الحشيش والخمور واشتهاء اللذة الجنسية ، والكلام بدءا بالمواضيع الجوهرية الضاربة أطنابها وانتهاءا باللغو والنميمة و الغيبة ، والقذف للمخصن من الإنسان و الحيوان والجماد بجميع أشكاله اللامطاقة .. اتفقوا في الأفعال والأقوال والأفكار كما لو أن فلسفة التباين القائمة بين العقول مجرد عبث ، أو على الأقل عبث بين النسخ المتطابقة .. وإذا قيل لهم :
" قوموا للبحث عن عمل ..
قالوا :
" ماذا نعمل .. ؟ لم نجد عملا والبحث استنفذ منا الأمل ، وكان اليأس ..
فيستحيل الجواب . يتوقف الحوار .. ويعود كل شئ إلى مبتدئه ..
جرب سابعهم التفاوض ، لكن سارة تبدت عنيدة ، متمسكة بالقول الفصل ::
" أمامك قرارين للإختيار ، فإما .. .. وإما .. ..
" سارة ، أبسبب تصرفاتهم العشوائية تأخذيني بكل هذا الإصرار الغير معهود منك .. ؟
" أرجوك ابقي على ثقتك الأولى بالنفس ، إنك أجمل من منافساتك ، وهم كلهم يتمنونك في حقيقتهم المتوارية تحت الجلد ..
" تريد بهذا تعميم القصد الشريف بي عند كل الرواد ، تريد تبرير ما قيل فيك من أنك مصلحي ،، وأنك قواد ..
" بل أريد تبرير خلو ماضيك كله من طالب مهذب واحد ليدك الكريمة الناعمة ، ذاك الخلو الذي أيقظ فيك التخوفات على مستقبلك .. كلهم يتمنون ارتباطا وثيقا بك ، وأسعدهم سباقهم إليك ، الظافر بك ، لكنهم عاجزون عن ذلك بسبب أعباء القوامة في عصر الغلاء و الصمت .. نفس السبب الذي يحول دوني واختيار أجدى القرارين ..
أتعلمين ماذا قال أولهم فيك .. ؟ قال : لو تتاح لي فرصة الإرتباط بسارة أقيم وليمة كبيرة ، أذبح عجلا وكبشا ودجاجة لا تبيض ، وأدعو كل المحرومين من أكل اللحوم والمكتفين بشم رائحة الشواء ، شوائهم ..
سابعهم على حق . إن لسارة في القلوب ما ليس لغيرها : سارة النوارة ، سارة الجميلة بلا مساحيق ولا مراهم ، سارة العلامة التي تذكر الرواد بعزوبتهم المتجاوزة سن الزواج ووجاء الصيام ،، سارة الحلم القابع في مخيلات المتكدسين في غالم ثالث ، الواقفين على أرصفة النسيان ينتظرون الذي قد يأتي .. أو لا يأتي أبدا ..
تنهد سابعهم . يريد أن يدلي برأيه في قضية مفتوحة ، ماذا عليه أن يفعل .. ؟ كيف عليه أن يفكر .. ؟ ترامى إليه صوت سارة وهي تقول في حزم :
" لقد مللت أراءك وأفكارك ، أريد قرارك ..
قتل التردد في ذاته . قال في هدوء :
" سارة ، أنا لا أستطيع الإرتباط بك في حاضر يصرخ عقمه ، والعوارض سبق الإدلاء بها بلا زيف .. أما وإن كان ولا بد من الفراق فاعلمي أني سأصاب بحسرة عنك مزمنة ، واعلمي أنك لن تفرحي بعريس بديل عني ، عريس رسمته عمتك في خيالك .. فالظروف الرديئة شملت حتى الجنين الذي سيرى النور العام المقبل ، والأسباب العائقة مشتركة كالتراب والهواء ..
" إذن هو ..
" أرجوك لا ..
تقطع الكلام بسيوف صقلها اليأس ولمعها الخوف . ساد الصمت . انشطرت النكبة في كيان واحد .. وافترقا كما تفترق الروح عن وطنها ..
ذهب كل منهما في اتجاه يبحث عن بدء أضاعه ، عن رفيق حميم فقده ، عن ميلاد قديم لا يد له فيه .. فأنى لأشياء تعود وقد سماها الزمان ذكرى ، وذكرى ..
أولهم صورة تفضح ظاهرة بلا أدنى إجراء ضدها : بطالة تنعدم فيها سيجارة ..
ثانيهم نكتة تضحك حتى تبين عن النواجذ الصدئة ، نكتة تبكي حتى تقرح العيون ..
ثالثهم متشائم وإن ازرق أديم العلياء ، متخوف من الغيب مهما أوتي علم التنبؤ من مصداقية ..
رابعهم لم تبق له رغبة في حياة متعفنة ، إنه يدنو من الأفول .. حكمته شاهدة ، وصمته مقبرة لما يطول ..
خامسهم يئس ، وينقل عدواه إلى من يليه ..
سادسهم سبق أن أساء إلى سارة ، وربما هو أصل الإنقلاب فيها ..
سابعهم يعيش فراغا مثقفا ، عنده شهادة تعليمية نال عليها تهنئة ، ثم معايرات لما حق كسادها .. نادم هو عن العمر الذي بذله في سبيل أمل أسفر عن لا شئ ، الذي استغرقه في تعلم الخط وقراءة القرأن والتلاوة ، وكتب علماء ومفكرين أفذاذ .
في يوم ما سيعمل بالنصيحة التي أسدتها سارة لسادسهم مرة ، سيمزق تلك الشهادة البائرة ، ويعكف على الجلوس على طوار الشارع المفضي إلى النهاية ، إلى الأجل المسمى .. لكنه لن ينسى بتمزيق وجه أمل في صلبه نما ..
ثامنهم يذكر لأنه ترك فضوة في العد الحسابي ، فينال اللعنة ميتا كما نالها حيا ..
تاسعهم والعقل منفي فيهم من زمان . لن يحب مرة أخرى كما لن يفكر ، هل فقد حتى القلب .. ؟ تكفيه لدغة من سلوى ، والمحب المجرب لا يلدغ من جحر مرتين .. لا جديد عن عقله ، والإعلان عن فقدانه في جريدة المدينة ،، في عامود الحاضرين ، الغائبين ، لم يأت بنتيجة .. مرة واحدة تؤرخها ذاكرة مقهى الراحة صاح تاسعهم :
" لو تعود لي سلوى وردة متوحشة شربت حبي حتى الإستئناس ، لو يمتلئ فراغي ، يرجع لي صوابي ..
ولا أحد يصدق المهبول ، إلا الذين يبدأون نفس المصير ببطء ..
عاشرهم مفقود بلا قبر .. الظلام وصرير الأبواب ، الإسفلت ولغة الحذاء ، الرقم و إناء الطعام ، والمرحاض .. والبول .. و .. أشياء كثيرة وفصول من تاريخ إنسان . سيروي كل شئ للأحرار إن قيض له الرجوع إلى أصله شيخا أبيضا بالظل والكبر ..
الرواد أرقام والأرقام رواد . جلساتهم ثابتة في العدم و الندم . عيونهم بلا غد . سابعهم مهموم ، شره في تعاطي الحشيش واحتساء ثمالات الكؤوس ، إنه يداوي نفسه ، الله يشافيه .. إنه يقتل نفسه ، هي نفسه وهو صاحبها ،، ضحيتها .. يدبر راسو ..
من المسؤول عن بقاء سارة في دائرة عنوس ، وبقاء كل الرواد في دائرة عزوبة بلا بشرى .
لقد صدق من قاس التقدم والإزدهار بارتفاع الدخول الفردية لما لا يغالط إحصاء الأفراد ..
يتذكر سابعهم يوم الفراق : ذهبت سارة بلا وداع ، بلا تلويح من بعيد ، بلا وعد لتجديد الحب ذات عهد .. ورجع المسكين يومها إلى المقهى يجر خيبة ، يحمل دمعة . وجد كل الرواد هناك ، حالتهم ساءت وتفاقمت كأنهم شهدوا معركة فجائية ، هي معركة الرقم ضد دلالة ينكرها .. لم يسمع منهم سخرية كذي من قبل ، إنهم مثله ، والذي جرى عليه يجري عليهم ..
لم يفرحوا لأن سارة غدت في حل من سابعهم ، ولم يطمع أحد منهم في أن يعوضه عندها ، أن يستغل الفراق الأخير .. فراق الجوارح .. فكلهم مصابون بالعجز العضال الذي رفض بسببه سابعهم ، معانقون نفس الأمل الذابل على مهل ..
فلم يزيدوا على أن بسطوا العزاء لسابعهم ،،،
ثم لأنفسهم المثيلة في المصاب ..
واستمروا في حياة بلا طعم لذيذ في قاموس الشهيات ..
بعد موت أخيها لبست سلوى ثوب الحداد ، وأقسمت ، جهارا ، على ألا تنتزعه حتى تفعل ذلك غسالة الميتات ، وتدرجها في كفن بلون الغفران ..
ثوبها الأسود الحاجب لكل عوراتها أضفى عليها صورة متدينة بالقلب ، متصوفة ، تناجي طيف رابعة العدوية في فردوس الخلد .. وتصلي ، وتصوم ، وتذرف الدمعة على دنيا الغرور أغرتها حينا من العمر ..
لولا الذكريات الدنسة الثابتة عنها في صرح الزمان والمكان ، في كل الأذهان ، لأحرزت العفو السريع . فماذا يؤكد أنها انفصلت عن سيئاتها ، وإساءاتها .. ؟ وماذا يبرهن أنها صادقة في التوبة والزهد .. ؟ قد يكون حمقا على طريقة بورجوازية ، فينخدع العالم للمرة البليدة ..
قولتها الشهيرة لا زالت تتردد في الأسماع كأنها قيلت اللحظة ، فتثير تأنفا وإعراضا وإدانة مطلقة بالإجماع :
" أفاتكم مرجعها النزوة الغالبة فيكم ، هي في الكبت الجنسي الذي تنطوون عليه ، كما البنادق تنطوي على الرصاص ولا تنتظر إلا اليد تضغط على الزند .. هي في اللذة الجنسية التي لا تشبعونها ، فوالله لأستعملنها ، أنا مالكتها ، وسيلة لتحقيق غاياتي الكمالية فيكم ، ولأحولنكم رقيقا في حظيرة عطري ، تحت إمرتي ،، أبيعكم بالفرد و الجماعة .. سموني استغلالية أو امرأة لها نظريات جديدة في علم الكيد ، لا يهم ..
تلك قولتها راسخة في هواء الشارع تعفن المبادئ ، وتلغي المظاهر . لو لم تقلها لكانت الرحمة بها شائعة ، ولكان استئنافها في قضية سمعنها الآتية إيجابا ..
قال ثالثهم في حنق :" ما أشركتنا سلوى في سرائها لكي نشاركها ضراءها ..
سلوى فقدت عقلها لترد الحمق بالحمق ، فعقل تاسعهم لا يجب أن يذهب هدرا .. لقد كانت أول من فوجئت بجثة أخيها ، ثامنهم غارقة في دم متكبد ، هامدة في خجل ، مسجاة بأخر ندم .. صرخت . الصدمة كانت أعنف من عقلها السخيف الذي ظل محصورا بين فخذيها . عجل أبوها بعرضها على اختصاصيي البلد في الأمراض العقلية والنفسية ، ولم تفد العجلة شيئا . طبيب نفساني نصح أباها بجعلها تعاود اكتشاف جثة إنسانية ثانية غارقة في دم متكبد ، قال أن الصدمة تذهب بصدمة شبيهة .. لكن أين هي الجثة التي يساوم عليها صاحبها ، فيمثل دورا دنيئا ،، ويموت موتا شنيعا .. ؟ ولا أحد ..
حاول أبوها شراء ممثل الدور بمال وفير ، بجائزة كبرى . لم يغتر أحد بعد بالمبلغ المعروض ، ربما هم ينتظرون ارتفاعه ، مضاعفته ليتهافتوا على أن يصيروا جثثا ، لأنها مسألة موت لأجل حياة أفضل .. وربما هم ينتظرون حلول زمن الإغراء ، حيث تجرى مباراة لإختيار القربان الآدمي كي يعود عقل سلوى المصدوم ..
أبوها حملها إلى اروبا وأمريكا حيث أخبروه أن طب إبن سيناء والرازي شهد أكبر التطورات ، فكان يلقى نفس الجواب ، الإعتراف :
" إن لنا حالات مماثلة موضوعة تخت المراقبة الدقيقة ، تحت المجاهر منذ زمن طويل .. لكن للأسف لم نتوصل إلى أبسط تحسن نبدأ منه التفاؤل ..
الخبر ساد كل الأرجاء المهتمة . فشل يقتص لتاسعهم ضياع عقل ، ولكل الأرقام التي تؤلف بينها لحمة العد العكسي . خرج رابعهم من صمته فجأة وكأنه هارب من أغلال ، أغلاله دفينة ، لكز تاسعهم لكزة غبطة وكله إحساس بالإنتصار . قال :
" ستقضي سلوى بقية عمرها حمقاء حسب لغة الشوارع ، مريضة حسب اصطلاح العيادات والمختبرات ، لن تشفى أبدا .. غنته إذن من حمقك اللحظة يا تاسعهم ، عد إلى مجدك لنصارع معا أمطار الأفكار ، لنقلب ما قيل .. .. وما قد يقال ..
لنبدأ من صفر قديم في حساب جديد ..
استبد تاسعهم بشرود يصبغه كل الجنون . بدا وكأنه لم يسمعه ، كأنه لا يشاطره الإحساس والرأي المشار به عليه .. فانزوى رابعهم في صمته المألوف ..
دبت حركة غير عادية بين الأرقام والأسماء . اختلطت كل الإختلاط ، فضاع الترتيب والتصنيف .. طفت كلها فوق صفحة موحلة متماوجة ، متصاعدة إلى أعلى .. ماذا حدث .. ؟ أو لعلها حملة تطهيرية للحشاشين والمتحششين متكررة بلا سبب ولا نتيجة ، أو لعلها دورية تبحث عن اللامنتمين لجدوى أرضهم ، لكي يكالوا المزيد من المنفى العلني ..
لا ، لا .. لا .. لقد لمحوا نجاة في رأس الشارع ، أتية من غيب هش ، تحمل علامات تعب وإرهاق .
هرعوا إليها فرادى وجماعات كما تهرع رمال السواحل الواطئة إلى غور بحر . زحفوا صوبها شاهرين أمالهم ، وأحلامهم ، وطموحاتهم ، وإصرارهم على نيل حقوق في الحياة .. بين فترة و أخرى كانوا يصيحون صيحة رجل واحد :
" ليس منا من يرى حقه مهضوما ويصمت ، واللعنة كل اللعنة على الخائفين ، اليائسين ، المنهزمين ، المستسلمين لخرافة المكتوب والقسمة و النصيب ..
إن الحياة ، يا نحن الأحياء ، تؤخذ ولا توهب ..
زحفهم اقترب من نجاة . هناك من هم ضد نجاة . خافت أن يدوسوها ويمزقوها إربا إربا . استبدلت شارعهم المترب ، المنسي حتى من جامعي الأزبال ، بشارع أخر معبد بالنايلون ،، مرصف بزليج مائي ، ينبت على قارعتيه السوسن والعشق ، وتغرد في شرفات منازله طيور متحررة .. لاحقوها في ذاك الشارع ، بين كل الشوارع ، كالقطط الضالة التي لا ترهب انطباق الظلام ولا وحشة الشتاء ، بل فيها تبحث عن الأكل و الشرب ، والإختفاء .. والمتعات المنبثقة .. والمواءات اللذيذة ..
لم يبق أحد في مقهى الراحة ، كأن عهد الراحة تمدد بما فيه الكفاية ، ثم ولى .. أصيب صاحب المقهى بالذهول برهة . لم يخطر بباله أن تتحرك الأجسام بعد أن صارت أحجارا ، ولا أن تزحف الأرقام بعد أن صارت نقوشا على وجه زمن مفجوع .. لم يخطر بباله أن يهجروه ، ربما كان هناك سابق اتفاق فاته الإطلاع عليه .. لكن لمن تكون هذه السلطة الجبارة التي أطاعوها بلا أدنى تردد أو تفاوض .. ؟ لمن تكون .. ؟ لمن .. ؟
خسر صاحب المقهى كل شئ قبل الخوض في معركة انتخابية قريبة ، ضحاياها أسلاف الضحايا .. كان يعتقد أن زبائنه عجينة في يد تعرف كيف تصنع الأشكال ، كلهم أصوات مضمونة في صندوقه ، كما في حسابه .. من أبدى معارضة أغدق عليه مشروبا ، ومشروبا .. ومشروبات حتى يسكر ولا يفكر .. أذاقه حلاوة الإرتواء بعد عطش قاتل . العنيد الممتنع يذيب له حبوب منع الرأي خلسة في مشروب عادي ، مرغوب فيه لمل يجف الحلق وينادي الظمأن : أنقذني وخذ كل شئ ..
فيأخذ منه بالمقابل صوته ، ونفسه ، وحقه ، وزوجته لما يقرها عقد نكاح ، وأولاده لما يولدون في حساب مفتوح ،، وأخر أمتعته الغالية .. ينهبه بلا ضمير ، ثم يهمله كالنفايات .. ما أقسى أن يهزأ بإنسان يجود بالثقة ، وما أفظع أن يظن به رخصا ..
سقط في يد صاحب المقهى . خاب اعتقاده ، هذه المرة ، بالكسب السهل على حساب مدمني الحشيش ، والبطاليين ، والمهمشين ، والمرضى ، والحمقى .. كانت خيبة بلا سابق إنذار أو إشعار ..
نجاة هاربة . عشاقها المحرومون منها جروا وراءها إلا ثامنهم الساكن صقيع البرودة والظلام . لهثوا كلما اكتنفهم سرابها ، واستبانوه أنه مجرد سراب .. القبض على أخر عشاقها المحظوظين بتهمة الذبح من الوريد إلى الوريد ، هو الذي حفزهم على المغالاة والإستماتة في مطاردتها ..
إنها شاغرة القلب والحضن ، الكل تمنوا ملأه ، وتعويض الذي ابتسمت له نجاة ربع ابتسامة ووجمت . لو حظي منها بابتسامة كاملة لما احتوته الوحدة والقضبان .. تحتويه هجرة وشوق يبقى ..
يكون اليوم في إحدى بلدان العمل والعملة ، ينفع نفسه ، وعائلته ،، وبلده العزيز ..
نجاة هاربة ، بعيدة ، مستحيلة ، لم يطمثها أحد منهم .. إنهم لا زالوا يجرون ، يلهثون وراء طيف ذي عطر وردي أكيد ، ويحلمون بإدراك وعد ما ..
زاحم الخريف أعمارهم المحدودة ، القصيرة ، حاصرها حصارا محكما . استحال طمث نجاة في أعينهم الساهمة ، اكتشفوا ذلك بحواسهم المافوق الخامسة ..
شب حريق مهول في أعماق خامسهم فأتى على أعمدة ظلت تسنده . فحيح لحم ودم في داخله . تقلب المسكين على كل جنوبه ، تمرغ ، أتى بحركات غريبة كأن انتابته رقصة الجدبة التراثية على ألحان قيامة تبدأ . لم يقدر على مزاولة المزيد من الصبر ، لم تبق لديه الدموع الكافية لإطفاء حريق باطني بحجم جهنم التي لا يعلمها إلا الضحايا المرقمين والله .. كل أشيائه تحولت إلى كومة رماد حارة ، ثقيلة .
صاح بملئ جهوريته :
" اللطيمة ، اللطيمة .. اللطيمة ..
صيحاته بعثت الزمان القرشي الغابر ، وأعادت نصوص أمجاد ضاعت بضياع الرجال . كاذب من يدعي نسيان التاريخ ، من يدعي فصل الماضي عن الحاضر .. وعن المستقبل المتوخى فيه كل الحنان .. فحنانيك أيها المستقبل المجهول ، فكم من رقم يزحف صوبك على طريق شوك وشقاء .. ودموع .. ورائحة دماء ..
كلهم رثوا لحال خامسهم . كادوا يعيدون ضيحاته مرة ومرات ، يحذون حذوه ، ويجهرون باللطيمة .. لكن أولهم انتهرهم بغلظة ، وخاطبهم :
" لا يليق بنا أن نسقط هكذا ، فإن نعش عشنا كراما وإن نمت متنا متنا كراما ..
اختفت نجاة . لم يعد يظهر لها أثر في كل شوارع ودروب المدينة المنقسمة على نفسها ، كأن الأرض ابتلعتها أو ماردا من الجان خطفها . اندكت كل المعالم الموصلة إلى نجاة .. الملصقات على الجدران ، في الأماكن العمومية الشعبية ، كلها تنعي مغادرتها المدينة الآهلة بعشاقها ، ولما يقضوا منها وطرهم .. إقاماتهم أبدية في بؤسهم ، أمعقول هذا يا أرباب العقول .. ؟ إلى أين ذهبت نجاة .. ؟ لاأحد يدري ..
عثر رابعهم عثرة عنيفة ، هي الطريق مليئة بأحجار العثرة وأشباح الهوة ، والقبور . رعف رابعهم ، استنزف أخر ما يملك ، دم .. وكلام .. ندت عنه صرخات متحشرجة تشرح المأزق :
" وانجاتاه ، وانجاتاه .. وانجاتاه ..
فكر أولهم ، إنهم يتساقطون الواحد تلو الآخر كأن نزل بهم وباء الطاعون أو الكوليرا ، ولا وباء أخطر مما هم فيه يتخبطون .. جنوا عليهم ، جنوا على أنفسهم لما صمتوا وخافوا ، الجناية مشتركة .. لمن حصة الأسد في الإفتراس .. ؟
هاهم يهوون صرعى في أخر الممشى ، في وسطه ، في أوله .. وحتى قبل أن يولدوا .. إن الصبي البريئ يولد في هذا الزمان باكيا ، شاكيا ، صريعا ، كأن أمه ما أطعمته سوى وجبات فشل منتظمة طيلة فترة الحمل ، ودون أن تقصد ..
لكن لم تخلق بعد أم بمثل هذه الضراوة ..
ثانيهم انتهى به المطاف إلى امتهان الشعوذة ، بطاقة هويته التي يحملها تثبت ذلك .. هل صار من أصحاب الكلام يعلمون الناس الإقبال على الدنيا ، والخوف من عذاب الآخرة ، بصدقة .. ؟ يسمع الناس نكاتا وأساطير بالية : ألف ليلة وليلة ، سيف بن ذي يزن ، عنترة بن شداد العبسي ..
وينتظر ، لفإما أن تنفرج أسارير السامعين فيعطونه ، أو يزدادون انقباضا فيمنعونه .. ويسبونه في كتمان .. من قلب ، الحلقات ، التي يقيمها في الأسواق والجوطيات ، يظل يعيد نكتا وحكايات بنبرات الملل ، ويستغيث :
" وانجاتاه ، وانجاتاه .. وانجاتاه ..
لم ينس نجتة لحظة . لم ينسوها جميعا . بحثوا عنها في بيتها القديم . سألوا عنها الجيران ، وسألوا عنها القابلة التي رأتها في المنام ، ولم ترها وهي تولد .. سالوا عنها النسوة اللائي اخترن لها إسم نجاة .. ولا أثر يدعم بدء اقتفاء ..
جاءهم ثالثهم وقد كانوا يظنونه بينهم طيلة بحثهم وسؤالهم عن نجاة . كان يلهث ويتصبب عرقا .
قال لهم في اعتزاز كمن حقق سبقا صحفيا ثمينا :
" ها قد أتاكم النبأ اليقين ، نجاة عبرت المياه المالحة الزرقاء على جناحي نورس ، لقد صارت خارج المدينة ، مدينتكم ..
بهتوا لحظات . أيصدقون أم يطعنون في اليقين ..
؟ اليوم اكنمل يأسهم ولون فجيعتهم .. ولوا وجوههم شطر الجهة التي ابتلعت نجاة كما أكدار الصباحات تبلع أجمل الأحلام .. وجروا صائحين أجمعين من خلف أنفاس باقية :
" أسكور ، اسكور .. اسكور ..
" .. .. أسكور ..
" .. .. .. .. أسكور ..
هول يوم القيامة ، وعذاب الآخرة .. يأتون المقهى ليثرثروا بما يحفظون من كلام السادة أصحاب النية ، يفصلون بين القول والقول بدقات على بندير حامي .. ثم يمدون أيديهم مستعطين شي بركة من الأفقر والأحوج منهم ، فيسيل ماء وجوههم ، وترخص الحكمة ..
يا ويلتاه .. كم يوجد الفقر من كذب ، حيل ، بدع ، ضلالات .. كم يلهب من نيران لا تكتشف إلا في زمن رمادها .. وهم ينثرون الكلام المرصع من أفواههم مدعما بحركات كالتي للذين يعرفون قراءة قصائدهم ، تحسبهم حكماء حقا لا يريدون من دار الدنيا شيئا .. ثم وهم يمدون أياديهم كل المد تنقلب كل المفاهيم ..
" أعطني صدقة على والديك ..
" ثم ماذا .. ؟
" تجدها غدا يوم الحساب في ميزانك مقدرة بسبعمائة حسنة ..
" ثم ماذا .. ؟
" يغفر لك بها الله سبعمائة سيئة ..
" ثم ماذا .. ؟
تدخل جنة تجري من تحتها الأنهار ..
" ثم ماذا .. ؟
صمت . حيرة . وكرر ثالثهم السؤال : ثم ماذا .. ؟
ولا جواب .. كان المتكلم قد انصرف إلى طاولة أخرى ، وبذلك جنب نفسه ثورة ضده .. رغم ذلك ظل ثالثهم يرميه بكلام تتوزعه السخرية والجدية ..
أولهم تتوتر أعصابه كلما قوبل باعتراض عما يقول من طرف أحد جلسائه ، أو برفض تام لما يعتقده هو كتصور مبدئي يجب أن يتبنى ، أن يسود .. يطفر الغضب من بياض عينيه أحمرا ، فلا يكف عن إيجاد مبررات لكلامه ، لثرثرته ، لأفكاره المأخوذة عن صفوة الأساتذة ، المأخوذة من أمهات الكتب والمراجع على حد قوله المتكرر لدرجة الملل .. لايكف عن تبرير العدم ، نعم العدم ، حتى يلبسه رداء حقيقة مهلهلة ،
بل حتى يحصل على موافقة معارضيه ، رافضيه ، وإن كان لايرجى من وراء هذه الموافقة منهم إلا إسكاته ..
وهو .. ؟ لا تهمه الأفكار أكانت خاطئة أو صائبة ، تهمه الموافقة على ما يقول في المجالس يكسبها .. وكفى ..
حريص هو على انتقاد النشرات الإخبارية عند سماعها ، عند مشاهدتها على تلفاز المقهى ، فليس ببيته تلفاز حتى بالأبيض والأسود ، ولا كهرباء ..
وعند قراءتها عناوين مكبرة مزوقة ، مكتوبة بالخط العربي الذي باع قحاحته للتطور الصناعي ، متصدرة صفحات الجرائد والمجلات .. قد حدث له أن مزق جريدة لأنها تناولت موضوعا بالتحليل من خلفية واضحة ، من رجعية مدسوسة للقراء الأغبياء .. ومزق مجلة لأنها خصت صفحة كاملة لجسد عاري لراقصة نجمة ، وغضت القلم عن الأهم .. وحرق كم من مجلة وجريدة لأنها روجت إشهارات ضد المستهلك المكوي بالأسعار والفراغ .. والإهانة .. كم من مرة كان منه التمزيق والحرق .. ؟ الله أعلم ، إنما على كل جريدة ما يدعو لذلك ،، وعلى كل مجلة ما يدعو لأكثر من ذلك ..
أولهم . يظل يلولب رأسه نصف لولبة تعبيرا عن عدم رضاه ، وقليلات هي المرات التي يهزه فيها بالإيجاب .. لا تفوته شاذة ولا فاذة من أمور الواقع المقروء في عمر مليئ بالمحن ، هكذا يتوهم ، كأنه المسؤول عن النوق لما تعثر في طريق الصحراء ، وربما مسؤولون من هذا النوع أكثر منه خلودا إلى الراحة ، أقل منه كلاما موجبا في مواضيع السلبيات ..
يحمر وجهه كطماطم بائرة في حقولها قبل الأسواق . يصب جام سخطه على البطالة المتفشية ، وعلى العشرة الملعونين فيها .. ويضحك في سخرية ممثلة بإتقان وهو يستشهد بمقولة أحد المهتمين بها ، البطالة التي أكلت أزهار الربيع في عز ربيعها .. اعطوني يوما في النعيم ، عمرا في الكفاف ، أغفر لكم كل العذاب جرعتموه لي قطرة قطرة ..
أه .. يازمني الضائع
أه .. ياحلمي المصلوب على جدار صبر .. ومستحيل مدبر ..
ثانيهم يحكي أخر ما جد من النكت والنوادر والطرائف ، يركز في حكيه كأنه يعرض فكرة مهمة يخاف أن يحرف معناها بزيادة أو نقصان . يطيل لدرجة الملل رغم إمكانية الإختزال ، فيقتل في ذوات السامعين أخر استعداد للضحك . يستعين بالحركات السمورفية كأن أمامه أخشاب مسندة ، ويستعين بإيماءات القردة كأن أمامه عقول صخرية .. وأخيرا يضحك السامعون من النكتة قليلا ، ومن راويها كثيرا ..
ثالثهم يتكلم عن الحاج عبد الرحمان الذي ضبط بين فخذي الحاجة زينب ، وعن الحاج الطيب الذي اغتصب فتاة في عمر حفيدته ..
" والله ما يفعلها حتى شاب مراهق .. هكذا يعلق ثالثهم ..
يتكلم عن الصيد البحري في جدول أعمالهم ، والحرب المنتعشة بين العرب والفرس ، وفلسطينيون يمطرون العدو حجارة من سجيل ، ويموتون تاركين التفرجة بين وسطاهم وسبابتهم ..
يتكلم عن جائزة الكونكور التي وشحت صدر الطاهر بن جلون وأسالت لعاب كاتبة سيناريوهات .. يتكلم في كل واد ، وفي أي واد يخطب .. يستغرق في الشرح والتفسير ، والتأكيد ، وقتا ثمينا ،، فينتهي به المطاف إلى لجج لا خلاص له منها ، بعدها ، فلا هو بالمفيد ولاهم بالمستفيدين ..
رغم ذلك لا يتوقف عن الكلام ، عن الهذر أحيانا ، متطفلا على أوسع المصطلحات وأضخمها ، كأنه فيلسوف بعث من القبور اليونانية الغابرة ، حيث كانت كل العلوم فلسفة وكان للفلسفة هدف واحد نبيل ، هكذا ترى الإبستمولوجيا .. رابعهم صامت كالتمثال ، يديم صلاحية الصمت ، ويجسد مثاله في الإستدلال : الصمت حكمة .. لايتكلم إلا لضرورة لها مقياس في دفائنه ، وباختصار . لا يتكلم إلا ليدلي بحكمة تقتضيها الحاجة ، الساعة التي لا تتغير..هكذا كان رابعهم يعتقد ، وكانوا يجارونه في اعتقاده ،، يسمونه فاصل اللب عن اللغو .. وكانت تلك التسمية تنطق بلهجة استهانة لا لهجة صدق .. كانوا يعبثون في زمن عابث بهم .. فقط يعبثون ..
ساحة المقهى ملأى بالكراسي والطاولات ، والرواد المعلومين إلى يوم الدين ..كانوا جالسين فرادى ، ومثنى ، وثلاثى .. بائعان للحشيش أتيا للمدينة لحل الأزمة القائمة منذ اختفاء البائعين المحليين ، أتيا لتغطية الطلب الذي فاق العرض ، الذي أصبح بلا عرض .. يتخذان في الطرفين المتقابلين ، المتوازيين مكانيهما ، ربما استعدادا للفرار عند أول إشارة إنذار .. وربما ليحافظا على توازن عالم مفجوع في بقية تاريخه ، مهزوم قبل البدء وبعده عمرا طويلا .. راجعوا حقائقه في نصوص .. النصوص المرجعية ينام عليها ولي .. والولي الصالح يسكن ضريحا .. والضريح المبارك يقوم في وسط المدينة .. والمدينة الحائرة يكبلها منفى الجغرافيا ..
قال خامسهم لما سئل عن غشاوة الحزن المغلفة محياه :
" إن أخي الأصغر من أخي الصغير علي يئس حتى النخاع ..
" كيف وهو لازال في عامه الحادي عشر .. ؟
" ظل ينتظرني أن أحقق أملا زرعته في سري وعلني ، منذ نعومة أظافري ،، أن أكون موظفا كأقراني ، فأبتاع له حلوى ، وبالونة خضراء ، وكتابا ، وبذلة الأعياد .. ورغبة الأحلام ..
ولما اعترفت له بيأسي بعد إجرائي مائة مبارة توظيف ، عزف عن الدراسة عزوفا لا رجعة فيه ، ولبس لون الحداد في مقلتيه البريئتين على الباقي في عمره .. خطأ فادح ارتكبته غير متعمد ، كان قصدي من الإعتراف تحفيزه على مضاعفة جهوده ، فالطريق شائكة والورد قد يقطفه ذات ربيع ، أو يموت حالما به .. يا لجرمي في حقه ..
كنت قدوته في اليأس حين رزئت في معانقة الأمل الحق .. قال السامعون :
" كان الله في عونكما ..
رابعهم يدخن سيجارته المحشوة حشيشا هروبا من الواقع الموخز ، هكذا يجيب لو سئل ألف مرة ، لكن إلى أين الهروب .. ؟ إلى عالم المثل الذي ينفتح في الغيبوبة ، يتاح .. فيه البذلات المكوية ، والسيارة الرمادية ، وامرأة يفوح منها أريج الطيبوبة وعطر الجمال .. ومنزل رحب ، ومال يقي به كرامته من الخدش ، وأشياء أخرى .. فيه ما كان يجب أن يكون حقيقة ..
أجمل ما في رابعهم صمته الذي يحيطه بهالة الحكماء وأقبح ما فيه إدمانه على الحشيش صباح مساء ، لحد يصعب معه أخذ أقواله بعين الإعتبار حتى ولو كان صادقا كل الصدق .. هو أشبه بمعتوه لا يقبل إلا بواسطة ولي أمره ، هو أشبه بمحتضر في فراش موت تنقض كل وصاياه الأخيرة ، المتأخرة ..
نفث رابعهم نفسا كثيفا من الدخان المسموم صوب أولهم ، النار اشتعلت في جوفه ، إنه يحترق .. ينتحر .. استدعوا الوقاية المدنية يا ناس ، ولا وقاية إلا ما وقى ربك إنه سميع الإستعجال ..
جرده أولهم بنظرة مستنكرة . اعترض عن النظرة وعن صاحبها . قال بعد أن سعل سعالا شائخا ..
" لا تنظر إلي هكذا ، فأنت لا تعطيني شيئا ..
صرخ أولهم في وجهه كأن فرصته حانت بعد انتظار طويل :
" فق أيها الغافل من سباتك ، فق قبل أن أفجر في داخلك كل عبوات السخط ، فإني ما عدت أستحمل وضعك الإنهزامي .. إن الله يحب العبد المؤمن القوي ، فأين أنت من ذرة من إيمان ، أو قليلا من قوة .. ؟
في سقطتك الأولى ، والثانية ، والثا .. .. كنت دائما بجنبك أقاسمك كل السقطات ، ما كان رأفة مني تجاهك إنما كان مصيرا يصرعني قبل أن يصرعك ، كنت أشاطرك أحلام الظهيرة وأشاركك رهبة الكوابيس .. وكنت أظن أنك ستقوم في حركة حيوية تنم على أنك لم تفشل عن الآخر ، لم تضعف كامرأة عجوزة ،، وتواصل الصراع من أجل البقاء ، شأنك في ذلك شأن نملة الإسكندر المقدوني .. وأنك ستكون ساعدي المفتول إن ألمت بي عدوى السقوط مثلك ..
لكنك وصلت السقطة بالسقطة ، بل بقيت ساقطا .. راصخا في سقطتك الأولى .. الآن ، تجتاحني فيك الخيبة المرة ، ثم التساؤل العقيم :
أهو حل اخترته ، أم هي نهايتك أذنت قبل الأوان ، ولم تكن في الحسبان .. ؟
لا يهمني الجواب بقدر ما يهمني الحاضر .. وأنت في الحاضر ..
فق فلم أعد أملك لك المزيد من العطف الذي لا أذكر أني شعرته ، ولا المزيد من التعاطف الذي أحتاج إليه مثلك .. أو أكثر منك .. بل يوم ملكت لك أشياء مثل هذه تماديت في سباتك ، فظلمتك أيما ظلم من حيث لم أقصد .. كلنا مثلك ، تلك واحدة من علامات الحياة الراهنة التي نبكي ضدها ، وربما أثخننا جراحا وأكثرنا مشاكل لا يتعاطى الحشيش ، لا يستسلم على طريقتك ..
ألحان الريكي تنبعث من مسجلة المقهى . أغلب الرواد يطلبون سماعها ، ثم إعادة سماعها مرات .
يحتجون إن أسكتها صاحب المقهى ، أو استبدلها بأخرى .. اللهم إن كان استبدالها بشي ناس الغيوان أو .. كما قال مرة أحد الرواد الذين لا يحملون بطاقة الإنتماء المطلق لهذه المقهى .. ينصتون لها بحب كبير ، بخشوع عباد بوذا ، رغم أنهم لا يفقهون منها معنى . تصطخب الألحان ، ترقص لها خيوط الدخان .. القاتلة .. المتلاشية في الفضاء ، في الأعماق الضيقة ..
بوب مارلي يصيح :
" انهض ، اصمد في سبيل حقك ..
ولا أحد يتحرك ، فما بالك بالنهوض وصنع نهضة في عقر الزمن ،، ولا أحد يفهم البتة .. ربما لتناقض واضح بين السامع والمسموع ، وربما لإنخلاع المظاهر الزائفة أمام المرايا عن وجوه لم تعرف مخرجا من المؤخرة لكي تعرف مدخلا للحضارة .. أي فعل قد تفعله كلمات راسطامانية في أذان الكلال .. ؟ سلوا التراث . تزداد الألحان اصطخابا ، فتتمايل لها الأجساد المنخورة ، ذاك هو كل ما في الوسع .. أما العقول فشاخصة بصائرها ، غائبة أفكارها ، أسيرة أوهام مألوفة .. وهروب لا يجدي ..
بوب مارلي يكفكف دمعتين من على خدين أذلهما الضعف :
" لا يا امرأة ، لا تبكي ..
علق ثالثهم :
" شاهدته ، بوب مارلي ، في فيلم بقاعة سينما . يظهر وفرقته منهمكين في لف السجائر المحششة وتدخينها بإثارة ، قبل العرض وبعده ، وفوق المنصة .. وجمهوره في الفيلم كما في قاعة السينما على حد سواء منهمكين في تقليدهم له : يلفون السجائر ويدخنون بإنتشاء ، ويدوخون كما تقول جدتي .. كان بحق درسا في تعاطي الحشيش ، تلقته الأذهان بسرعة مذهلة ، وأبانت عن تلك السرعة في التلقي في عين المكان .. حيث تحول فضاء القاعة السينمائية إلى سحابة كثيفة تقطر الإختناق ، تغشى الأبصار والعقول ، تدمع العيون ، وتمطر الموت المتعمد .. فيغيب الكل في لحظات احتضار ..
تمر سارة على الرصيف الآخر للشارع حيث توجد المقهى ، ويوجد في ساحة المقهى أشباح المأساة يخلصون لجلساتهم الزوالية .. ومن الزوال يبدأ سفر جديد إلى ذروة الأحلام في ذروة الفراغ ،
حتى ما بعد منتصف الليل ، حتى أذان الفجر المسموع من مسجد في الشارع الذي يفضي إليه هذا الشارع من جهة اليمين لا اليسار .. حتى .. ويعودون إلى أفرشتهم الباردة ليناموا على واقع ، لكي يفيقوا غير مبكرين .. باصقين على اليسار ، لاعنين الشيطان ، داعين الله أن يقلب الدنيا .. أو لا يفيقوا ..
تتأنى سارة في مشيتها كحرة . تعزف بنعليها الأبيضين إيقاعا متزنا يوحي باعتدادها بنفسها ، معتدة بنفسها والله ، فهي لم تنزلق على الرصيف المبلل بمطر هطل خفيفا منذ لحظة وكف ،، جو عجيب : الشمس ساطعة والمطر هطل ، السماء صاحية والدمع نزل .. يسمون هذه الطارئة الجلية متناقضاتها عرس الذئب .. حسب قاموس لغة متداولة خارج قواعد اللغة ، والمنطق ، والمنهاج .. ولم تنزلق سارة ليشمت بها عدو ويأسف لها إنسان ، لم تنزلق رغم أن كل العيون استقبلتها على بعد مسافة بعيدة تستعصي على منظار جد متطور ،، وستلاحقها كل العيون حتى تصير حلما أو سرابا .. الله ينجيها من عين بني أدم ، كما يقولون ولو في صمتهم ..
تشد إليها كل عيون الرواد كأنها غريبة عنهم ، أو أتية إليهم من كوكب مجهول .. وليست بهذه أو تلك ، سوى أن العيون لا تشبع من صورتها الجذابة ، كانت ملاكا يمشي على التراب .. أقوى عنصر إغراء وإثارة في سارة شئ لا تعيه عامة الناس ، لا تعيه هي نفسها .. لو وعته لاستخدمته لصالحها . تستبد . تعلو فوق الرقاب المتطلعة إلى غد ، وتشمخ فوق السطوح الواطئة .. تظلم ما في ذلك شك . تأمر فتطاع بانحناءات .. بسقطات ..
لا لشئ إلا لأنها تملك زمام العقول ، والنفوس ، والقلوب ، والذوات .. ماذا يبقى لإنسان منه بعد أن تأخذه سارة من جراء نظرة .. ؟ يبدأ التوق لقبلة ، والقبلة كذبة لا تدرك إلا من أبوابها اللاشرعية ، لكن ولا أحد يرضيه إيذاء سارة لأنها منهم جميعا ، وليست ولولواحد منهم .. إنهم يحلمون فقط ، إنهم لا يؤذون ..
سارة مغرية كالحرام
مثيرة كالشيطان
ممتنعة كالأمل في أكف الضعفاء ..
لو وعت سارة السر في فتنتها لابتعدت عن العيون المستأنسة بها ، لدرجة يصعب معها مدحها أو ذمها وجها لوجه .. وتظل تحصل على ذلك همسا أو
إشارة ، وهي على علم بالمصادر والأسباب ،، لكنها لا تحرك ساكنا .. لا تزيد على تكديس ما يبعث إليها من كلام ، عبر البريد وعبر براءة الأطفال ، في الأركان الأربعة حيث الهراء يلخصه ، والغبار يعلوه ، والنسيان يمحوه
بسرعة ..
كل هذا يحدث لو وعت سارة جبروتها على اكتساب كل الرقاب المزروعة في أرض شقاء ، وبؤس . هي تتمتع بقيمة مضافة دون أن تتكلف لها ، أو تتصنع لها أمدا طويلا .. فما بالكم يا حيارى لو فعلت شيئا من قبيل التكلف والتصنع ، لو تعمدت إغراء الجوع .. وإثارة الكبت في ينابيعه ..
ربما اجتهدت سارة في حياتها ، واهتدت لأسلوب فذ ،، وهي فيه ماضية ..
وكانت سارة تمضي جسدا مخمليا طريا ، تعريه كل عين مشدودة إليه كما تشاء .. كانت تمضي .. أولهم دعا لها بصوت رفعه فوق طاقته لتسمعه :
" الله يحفظك يا الزينة ..
قال السامعون وكأنهم كانوا يتحينون فرصة الكلام ، مجرد الكلام :
" أمين يارب العالمين ..
طفرت حمرة الزهو من وجنتيها ، ففضحت قليلا من خفاياها . ألذ كلام في أذن أنثى ذاك الذي ينعتها بصفات الجمال ، ويثني على بهائها .. والعقل .. ؟
غنى لها ثانيهم متصنعا الحنجرة والدلال ، والفجائية : " أش هذا .. ويلي .. ويلي .. عوجوك علي ..
لم تأبه له ، هكذا تظاهرت .. لكنها في داخلها طربت ورقصت ، وانتشت في قمة الفخر الذي تسابق عليه مثيلاتها ، والذي لم تحظ به واحدة ولو نافقوها ..
سادسهم يصيح بملء وقاحته : " أجي يا ..
إنه شبع حشيشا ، فصار غير قادر على التمييز بين مدلولي الكلمة . إنه منه نهيق في شارع يتشبث بأخر عناصر الإنسانية ، بلا فائدة .. التفتت إليه سارة وقد امتزجت في وجهها الحمرة بسواد منذر ، فأعلنت لون غضبها . إنها تعرفه كما لا تعرف نفسها ، من قاطني الجهة الشرقية للمدينة ، وزميل سنة دراسية ابتدائية ،، وأمه سعدية التي تغلب زوجها ،، وأخته عائشة التي ضيع شرفها أحد الوافدين من الدار البيضاء للعمل، بمعمل الإسمنت الغير بعيد جدا عن المدينة . أعلن خطبته لها كحل والنية تفيض بالسوء والمكر ، وأبقاها جنبه ينومها بوعد ويوقظها بأخر .. كان يجيد صناعة الوعود في كيان انهار .. ثم انتهى كل شئ ، ولم يكن قد بدأ أي شئ إلا خطأ ،، بانتهاء مدة عقدة عمله .. ورحل خلسة إلا عن ضميره . هرب .. سارة تعرف سادسهم وأقل منه وأكثر ..
قالت له وقد تخلت عن حشمتها المعهودة :
" .. .. .. هي أمك وأختك يا واحد السافل ..
قهقه كل الرواد والمارة الذين تعجبهم مثل هذه الصدفة ، الفرجة . سخروا من طالق الشتيمة وقد ردت إليه بأقذع منها . إن الشتم بالشتم والبادئ أظلم .. دوما هن النساء متأهبات لإثبات تلك المعادلة الكلامية ، دوما هن مظلومات .. رد سارة كان نافذا حتى الحساسية ، أفقد الباقي من رشد سادسهم ، فهم بالقيام لبدء العنف ، أو تظاهر فقط .. لكن جلساءه حالوا دونه وذلك ..
كانت سارة قد رجعت خطوتين إلى الخلف ، توثبت في مكانها ، واستعدت لفعل شئ . ترى لو ضربت هل ستثبت تلك المعادلة العنيفة : الضربة بالضربة والغالب أقوى .. ؟
نشب الكلام ، وتحول إلى ضجة ساخنة . انقسم الرواد على أنفسهم : فمنهم الحامي لسارة طلبا للكبر في عينيها ، ومنهم الواقف ضدها ..
أولهم : " عيب أن يمد رجل يده على امرأة مشهود لها بالضعف ..
سادسهم : " العيب هو أن يتطاول لسان امرأة على شخص رجل ، ولو كان مجنونا ..
ثانيهم : " حتى لو كنت المعتدي المتسلط ..
سادسهم : " حتى لو كنت ..
ثالثهم : " ما خلقت المرأة إلا لتجسد العداء القائم ، به تصطاد ضالتها المنشودة ، المرسومة في مخيلتها : رجل ، بطل ، حلم .. وأشياء مثل هذه لا تتحقق إلا عن طريق النقيض ، فلكي تكون رجلا عليك أن تعادي المرأة بلا شفقة ولا هوادة ، ولكي تكون بطلا عليك أن تظلم وتنجو من الإنتقام .. ولكي تكون حلما عليك ألا تهون ، ولا تهان ..
سادسهم : " تلك والله عين الصواب .. إن سارة تحوم علي فراشة عاشقة ، وخصامها معي وسيلتها إلى قلبي الهارب مني إلى الصقيع ..
رابعهم : " الخطأ أن تحصروا تفكير سارة في فرجها فقط ، إنكم بهذا تفضحون عن مدى تفكيركم بالمقابل .. إن وراء كل عظيم امرأة ، وتسترعي العظمة الإنتباه ، حين ينسى الوراء ، يهمل .. ولا يلتفت إليه إلا لقطف شهوة حل زمان ندائها بشوق ، إلا لبناء عظيم جديد .. إنه الخطأ الشائع ، الغاضة عنه جميع الأطراف والحواس .. المشكوك فيه بأمانة ، هو أن ذهنية العصور الخالية لم تطو لحظة واحدة ..
سادسهم : " الخطأ لما يشيع ، لما يعمر ، حقيقة رغم أنف النقاد .. والمعارضين ..
رابعهم : " لا جدال ، وإلا ستغضب الحكمة الآتية من مخاض فلسفة عنيدة ..
سادسهم : " هكذا تغلق باب الكلام ، وتصمت ،، كأنك نبي ..
خامسهم : " يا ناس ، تمنحون أنفسكم حقا ، ظلما ، وتجردون سارة منه .. تمنعونها من اعتلاء كراسي الدفاع عن نفسها ، وتجهضون فيها الإحتفال بيوم عيد ..
سادسهم : " أي حق تعني .. ؟
سكت متظاهرا بالعجز أمام إشكالية يطرحها ، بانتظار رد شافي للغليل .. لكنه استطرد قائلا بعد حركة تمثيلية مستعارة :
" أه .. فهمت ، تعني مثل الحق الذي منحته لحليمة يوم رفضت الجلوس بجنبك في حصة الحساب ، وكان الدرس في ترتيب الأرقام من الأصغر إلى الأكبر ، ثم العكس .. فعايرتها بأن هيلين كيلر أحسن منها رغم تعدد عاهاتها ،
وردت عليك بأن طه حسين أفضل منك أيها المراهق العنيف ، والعمر جد قصير .. وقتها شعرت بانحطاط قدرك ، فوصمتها بعار لا يزيله ضوء الصباح ، لا يمحوه النسيان .. وظللت تملأ شدقيك بالفعلة ، وتذيعها على السامعين في افتخار ومباهاة ، والغافلون منهم يغبطونك في حضرتك ، ويحسدونك وراء ظهرك ..
قال سابعهم :
" أسفي عليكم من جهل هو كل نصيبكم في هذه الحياة ، الجهل مثواكم وبئس المصير ..
أجابه سادسهم في كامل الإزدراء :
" وماذا فعلت أنت بشهادتك التعليمية العالية .. ؟
لا تخدع نفسك بالأحلام الأرسطقراطية ، فنحن سواسية في درجات السلم المرتقى ، في أحط درجاته ..
صمت سابعهم وقد جوبه من وهلته الأولى بالأمر الإعجاز . حتى لو حاول قول شئ ، تغيير شئ ، فإن الواقع يفشل المحاولة .. وصورة من يحمل مشعل التغيير تفند كل أقواله ، وتقطع عليه سبل المواصلة ،، أو الإعادة من الأول .. صورته لا تصلح لأن تكون قدوة للهاربين من عقولهم ، وحافزا لمن استأنسوا بمصير لم يكتب لهم ..
قام سابعهم ولسان حاله يقول : " اللهم إني بريئ مما تفعلون ، ومما قد تفعلون .. وغادرهم . لحق بسارة ، شيطان الضجة كما سماها ثالثهم ، وفينوس كما أجازها خامسهم ، ولعن سادسهم الشيطان وفينوس معا ..
بين سابعهم وسارة معرفة مسبقة ، وثيقة .. كانت زميلته في الدراسة الجامعية ، وبعدها صديقة حميمة لأخته رحمة ، مما أوجد بينهما أنسا وانسجاما .. ونظرات هادئة ساكنة كلما اقتربا أكثر ، ووحشة ملهبة العواطف بعد البعاد .. ربما كان ذلك منهما حبا ، وربما كان خوفا من الحب .. ابتدرها قائلا :
" ليتك تجاهلت كلامه ، ولم تردي عليه ..
" السافل ، كان يستأهل أكثر من ذلك ..
" هأنتذي يا سارة تتكلمين خارج حدود الأدب ، كعاهرة مثبتة خلف واجهات النخاسة ، أو ثابتة في محطات الأوتوبيس .. ما عهدتك بهذه الثورة الغاضبة تخرجك عن مألوفاتك في الأذهان ..
" لا ينفع امتلاك الأعصاب والأدب مع النماذج البشرية من صنف سادسهم ،لا ينفع معهم تجاوز هفواتهم إشفاقا عليهم وإلا ظلوا يهفون ، فما أعطتنا الشفقة لحد هذا الزمن إلا المتمرسين في الضعف والسقوط . لا تهاون بعد اليوم في تطبيق أسلوب الغضب والنقمة ، ولو على مضض ..
" وانفعلت كذي من قبل ..
توقفت عن المشي . رفعت إليه عينيها المكحلتين بلون الجنون ، جنون من يحظى منها بنظرة راضية ، لا تحقد رغم أنها تتوعد .. وابتسمت في صفاء ، ثم قالت :
" ألا زلت تذكر شأنك معي ذات يوم .. ؟
" نعم ، ولن يقهرني السهو لحظة ، ولا الهروب من أنقاض عمر حميم ..
" وتخاف أن أعشق وأعشق إثر ثورتي الهوجاء .. ؟
" نعم ، لأنها الفاضح الحقيقي لما تتكتمين عليه من جمال وفتنة ، قد يكون ذاك هو سرك في قهر رجال كان مفروضا أن يكونوا كالجبال .. فعلميني يا سارة كيف تتجمل المرأة بحمرة الإنفعالات ، وكيف يتأنق الضعف بلمحات قوة فيتألق وينتصر .. ؟ إغراؤك المكين كامن في انفعالاتك النوعية ، كما كان عند جريتا في طريقة نزع جواربها ،
وكما كان عند بطلات إحسان عبد القدوس في طريقة اختيار العطور والفساتين ، والحركات المخملية .. أتحسينها يا سارة .. ؟
" أحسستها مرة واحدة . أذكرها جيدا . لا أريد أن أنساها .. كان ذلك في يوم صيفي قائظ ، مررت بجانبك عارية الأطراف ، بارزة التضاريس . وسوس الشيطان في نفسك . طلبتني لإعادة أشياء من الطفولة ، لإعادة لعبة جنسية لعبناها ونحن صغارا .. رفضت ، فعايرتني بأمي التي لم تلدني ، وبأبي الذي حملني من مستشفى التائهات منذ أول خطوة لهن في الوجود .. لقيطة إذن .. غضبت حتى البكاء . صفعتك على خدك ، ولحد الآن لا تزال تبرد حرارة الصفعة بكل وسيلة ،، وتحذر من عثرة لسان منك تورثك أحر من الصفع .. الإحتراق .. فالموت ..
فكر سابعهم : لقد جرى العمر بسرعة السحاب البخيل ، والمؤسف أنه جرى عكس الأحلام الطفولية ، فأفلت من بين الأيادي فرصة احتواء سارة إلى الأبد ..
فشلوا ، هكذا يعترفون للتاريخ الرقيب ، فحذاري أيها التاريخ أن ترتشى فتزيف أصدق الإعترافات البشرية .. استغاثوا حتى يأس الآزفة أجالهم ، ولا من سمعهم ، ولا من أخذ بقواربهم الشاعلة نار الخطر .. الملوحة بأعلام الغرق .. إلى شط الأمان ، والأمل .. إنما يزيدونهم يأسا ، ويجهزون عليهم بأحكام ونعوت وراثية .. كفاهم فقد أذعنوا للمكتوب نطق به مجدوب المدينة ، رضوا بالحضيض ،، وفيه يقضون نحبهم المتبقى ..
كف سابعهم عن التفكير الإنفرادي قبل أن تلحظ منه سارة ذلك . قال :
" سارة ، أنا لم أخن عهدا مشتركا والنكبة تثغو في كل مكان ، لست أستغل الظرف القائم ضدنا .. أنا لم ألحق بك إلا لكي ألتمس لهم عندك عفوا ككل مرة . إنهم بؤساء أكثر من الذين عناهم فيكتور هوجو .. ووحدها صورتك ترد إليهم اعتبارات طمست بعد تصدع عناصر الصمود ، تقدر على انتشالهم من تحت الهدام ، وتشد إليها مقلهم المصبوغة بلون الهم والغم دوما ،، ثم تنطقهم غزلا وغناء ، وعبارات فاحشة .. ففي ذلك ترويحا لأنفسهم العليلة ، وإخفاء لكروبهم اللامطاقة ..
وحدها صورتك تركب العماد في الخرابة ، وتنسج الرسم في التمزق ..
إنهم محرومون يقرأون أشواقهم بحمق ، لايملكون إلا النظر في محياك البهي ، والإطالة فيه .. فكوني الرحيمة أنت ذات المفعول الغريزي في أرواح تنتحر .. كوني أعطف من العطوفة وإن تصورتهم قساة جفاة فوق المعتاد ، فلم يبق لهم غيرك .. وكوني العادلة وإن اختلفوا ، امنحيهم البسمة والنظرة بالسواء ، بلا تمييز .. فكلهم ضعفاء جبناء أمام سلطتك البلقيسية ، عبيد لجسدك المرمري ، ولحمك النسائي الخالص ..
توقفت عن المشي . ركزت نظرها في عينيه اللتين تشذان عن باقي العيون ، فيهما الحزن كان يرقص جذلا منتصرا ، والرغبة في البكاء تصارع بأقوى مما في الوسع . عيناه تقاومان عينيها ، ذلك دأبهما منذ عرف النظر الموصول بأوتار الوجدان ، ينظر إليها فيخال سعادته بادئة سرمديتها ، لكن كل الخيال يهوي مجرد خيال عند حلول الطرفة الكامنة بين الأجفان ..
همت بقول شئ ما . ألجم فيها المخرج الأخير للنطق ، كذلك تقتل الكلمات في أصدافها .. رؤوس أصابعه فوق شفتيها الحليبيتين تصطلي معنى الإكتواء . متى فطموك يا سارة .. ؟ البارحة أم هذا الصباح ، أم لا زلت ترضعين العناد .. ؟ ناعمتان شفتاها كخلاصة القطن ، رطبتان كحنان الحضن ، فلا لوم عليه إن انزلق إلى ما تحت الصفر من الإفلاس الإشتهائي ، وارتفع كزئبق فضحت تفاعله حرارة جهنمية .. إنه تلامس جنسين ، على درجة عالية من التضاد ..
" اسكتي ، فقد سمعت النصائح مرات ضاع مني حسابها ، ولم أعمل بها مرة واحدة يسهل علي تذكرها ..
أفاق لنفسه . جذب يده من فوهة الإحتراق . قطع تيارا أقوى من الكهرباء بين جسده المكبوت وجسدها الطاعن في الإغراء .. بين شفتيها كانت تتوالى أنفاسها الدافئة لتسري بين أنامله ، ثم يده الممدودة كل المد بلا أخذ ، ثم كامل جسده النحيل .. لو لم يتدارك موفقه الخاسر لساورته النزوة الشيطانية ، لانقض على سارة وهي تصارع من خلف ضعفها الأكيد ، فيقف المارون بينهما قصد الفصل ، العدل .. هاهو يفكر بعقل سادسهم . لقد كان فعلا يقف على باب غواية خارقة يطرقه ، ويخاف الدخول ..
ارتعش كعصفور بلله المطر في غفلة عن الأمومة ، وبعد عن الحنان . لاحظت منه ذلك سارة فلم تعلق . صمتها أبلغ من الكلام . فهم . استدرك وكأنه عيي من تجارب الإقتناع :
" كيف أبتعد عنهم يا سارة .. ؟ إنهم عشيرتي التي تفتقدني إن غبت عنها ، خوفا من أن أنسلخ عنها، وأتنكر لأيامها العصيبة .. وإن عدت إليها من رحلة صيد معلن عنها ، فارغا من البندقية والرصاص والطرائد ، نبذتني .. إنه مجتمعي ، والإنسان اجتماعي بطبعه ، ولن أفلح في اعتزالي لهم .. أنا مثلهم ، أنا منهم .. كم تكررت محاولاتي في هذا الإتجاه ، لكنها باءت بالفشل .. لن أستطيع العيش وحيدا ، في منأى عن الحقيقة المغناطيسية ..
أعادت عليه تصنيفها للناس داخل عشيرته ، مجتمعه ،، وخلصت للنصيحة :
" عش مع المحترمين منهم ، رافق أبرارهم ، تجدهم مثلا في مقهى : مرحبا بكم ..
قال سابعهم في شبه أسف :
" اعذريني يا سارة إن قلت عن تصنيفك أنه خطأ ، أو أنه على الأقل لا يتماشى مع الزمكان .. الفرق بين الأعالي والأسافل هو المال ، الكل في تباعد عميق ، وأشقاهم ممنوعين من الحلم بقيام المساواة ..
تساءلت هي :
" وأنت الذي تتبنى الحلم لحد المبدإ ، ألست مغرورا .. ؟ ألست ضارا لنفسك أكثر من نفعها .. ؟ اكذب مرة في حياتك تندم عن كل العمر الذي صدقت فيه . تحلل من المواثيق الوهمية تكتشف الوجه الآخر للحرية ..
" تلك الحرية الناقصة ، التي تسمح لي بجني التين الأسود المعسل ، وعندما أصبح فعلا في جنان ، بين عروش دانية ،، يحدوني الأمل في الأكل حتى الشبع .. فتزعق في وجهي الحرية أن انزل ، من رخص لك ذلك .. فترتبك مواطن الإستمساك في ، أفقد التوازن الباقي ، وأسقط خائبا خذلانا .. وأمضي الوقت الفاصل بين الصعود و النزول ، مضمدا جروحي المتفتقة ، مجبرا عظامي المرتطمة .. وفي نفسي تكبر المفارقة بين القارئ والمقروء : تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين ..
هل بدأت حريتي فعلا .. ؟ هل انتهت ولما أقطف التين المسموح بقطفه ، ولما أكل منه واحدة ، نصفا ، ثلثا .. ربعا .. ؟ لايهم ، المهم أن تؤكد لي البداية ..
الحربة يا سارة نفسها باتت كمشة تناقضات ، حتى لأكاد أجزم بأن زماننا هو أكذوبة في ذات الأبد .. ربما هو عجز مني ، ربما .. ربما ..
قالت بصوت تشتم فيه رائحة نبرة الإستماتة في الرأي :
" إنها سنة الحياة ..
" حذاري أن تجرفك التيارات الغاياتية يا سارة ، حذاري أن تخدعك المظاهر ، فتحيط كنه حياتك بألوانها القزحية ، وتلهيك أضواؤها الباهرة عن ضواحي المدينة .. لقد كسبت تعلق الناس بك ، بصورتك التي لم يمسسها روتوش ولا ماكياج ، وبظلك يفوح بالأريج القح ويمدده وراءك .. لقد كنت جديرة بالكسب ..
أنا مثلا أحببتك هائجة مائجة كبحر يذود عن عرائسه الغالية ، والأكيد أنك كنت تترجمين ما في الأعماق المختلجة ..
وأولهم أعجب بك لأنك تستعملين لفظ الرفض القاطع في كلامك المبثوث ، وفي ذاكرته مسجلة ألاف الأسماء التي تلاعبت بمثل هذه الألفاظ ، وحققت نواياها السيئة .. كم من بليد في هذه الدنيا وكم من عقل .. ؟؟؟
أما ثانيهم تولع بك لما ضحكت من نادرته عن أبي نواس في قصر هارون الرشيد ، فبانت منك النواجذ وانحفرت فيك الثغور ..
وثالثهم أطرت عقله في منام ، وكل الوقت الذي سيعقب المنام . التقيتما في فرصة اللاشعور الفيزيولوجي . تكلمتما . ابتسمتما .. صمتتما .. وقرأتما بإيجاز في كتاب : الروض العاطر في نزهة الخاطر ..
رابعهم عشقك لأنك تؤمنين بالحكمة واليوم الآخر ..
خامسهم يهوى فيك الفستان الأبيض المشكل بخيوط سوداء ..
وسادسهم .. يلعنك لحظة متهورة .. ويستغفرك أياما وليالي ..
توقفت . رنت إليه . قالت :
" أريد أن أعرف شعورك نحوي .. مرة إضافية .. بإيجاز يعتمد البلاغة الفصحى ..
" أحبك ..
لم يمشيا كثيرا . بلغا المنعطف الأخير . رجته أن يعود على عقبه ، فقد تراه برفقتها إحدى الأرصاد المسلطة ، المزروعة على الزفت وعلى الجدران ، وتصيح أن قد وقعت الواقعة ، فيذبحونها ذبح النعاج قبل أن يعم العار ..
لم يزد سابعهم عن القول :
" مع السلامة يا سارة ..
وتمتم لطيفها المتلاشي رويدا رويدا ، الصائر سرابا لا يمسك :
" اذهبي إلى حيث قصدك ، وعودي فور انتهاء عدتك ..
بل انتظريني ، سأتي يوم يسعفني الحظ في تشكيل الأرقام الفائزة في التيرسي او اللوطو ، بالأرقام السالف ذكرها .. والآتية ..
مقهى الراحة . الصباح كالمساء ، والليل كالنهار .. متقاعدون كلهم وهم في عز الشباب ، ياللخسارة الجسيمة .. كل الرواد هناك يؤكدون حضورهم في عمق المأساة ، أو بعضهم غائبة عقولهم بفعل الحشيش ونحيب المساء ، سيتحركون قليلا لما يلح عليهم زلزال في نفوسهم ، سيحضرون ،، سيعتدلون في جلوسهم ، ثم يعودون لسيرة أولى .. سيرة انتحار ..
ما أن رأوا سابعهم أتيا في زمن شفق يعلوه حلم جميل ، حتى نشط الهمز واللمز بينهم ، وعندما استقر في مكانه ابتدرت إليه التعاليق والإستفسارات :
" شاطر بن شاطر .. مشيت وسارة جنبا لجنب كظلين .. سرتما كعروسين ، كزوجين بارككما إمام مسجد وعقد ، فبتما لا ترهبان استبداد الأعين المجانية النظرات ، وما أكثرها ..
لا شك في موعد مضروب على الساحل الآخر حيث جنح الليل يخفي عناقا وقبلة ، وحيث القيود والأغلال مهزومة ، فلا مناص من الذهاب إلى الموعد ،، يا أهل الهوى ..
اللقاء في بيت الأرقم تغطيه السترة والسرية ، في دار أبي سفيان المغمورة بالأمن والأمان .. شاطر ، يا شاطر ..
صرخ سابعهم في وجوههم المثرثرة ، الشاحبة لدرجة فقر الدم :
" مغفلون ، مغفلون .. مغفلون ..
" نعم ، وأنت الشاطر الذي استغل الظرف بنجاح ، وخرج من الإساءة المشتركة كما ولدته أمه ، منتصرا لوحده .. هاهي الإنتهازية ظهرت . نصرك على حسابنا نحن : المغفلون ، ووراء ظهورنا المتقوسة بالبرد والأثقال ، المدماة بسياط السعر .. في ظهورنا عين ممزقة رأيناك بها .. وعرفناك على حقيقتك ..
" أنا لست مصلحيا .. ولا قوادا ..
صمتوا كلهم متعمدين . اتفقوا . يريدون أن يثيروا في نفسه ردودا كثيرة : مهينة إن طاوعهم صامتا ، صعبة الدحض إن واجهوه .. تحرك في مكانه كأنه سيطير ، ولم يطر . لن يقبل السكوت عن فتنة ملعوبة ، محبوكة ، وقد أقسم على ذلك .. هو بريئ ، هم بريئون ، والمجرمون الحقيقيون هم سلالة إبن سبأ ،،،، ،،،، نبعثه الآن من كل مزابل الأحياء الشعبية ، ومن قبره نبعثه ، ونلعنه كل اللعن .. ثم نميته وندفنه في حارات الفقراء والمساكين حتى لعنات موالية ..
صرخ فيهم سابعهم أكثر من ذي قبل ، وفي صمتهم كاد لسانه أن ينكسر :
" مغفلون ، مغفلون .. ولست بأقلكم غفلة .. تغضون البصر عمن سبوا سارة في هودجها الأصيل ، عمن أخذوها عنوة مخلفين لكم ذكرى الحب المقدس ، وذكرى شهداء ذاك الحب ..
" يرحمهم الله جميعا ، لقد كانوا رجالا ..
لقد تنازلوا عن صمتهم ولو في موقع الندم و الحزن .. والدموع .. لا يهم ، المهم أنهم نطقوا ..
" سارة سبوها كما هو معلوم ، أو اعلموها مني الآن .. ولا تريدون أن تعلموا . تصمون السمع عن استنجادها بكم كأنكم الرجال الأشداء ، وتدارون مواقفكم عندما تبح سارة ويصل صوتها العذب إليكم حشرجة ، ثم صدى ،، ويتلاشى كل شئ ..
تتجاهلونها ثمة غفلتكم المقصودة ، تخافون تلك الحقيقة .. وأخيرا تلبسونني ضعفكم وجبنكم ، وتجهزون علي
باستنتاجاتكم الصبيانية .. أنا بريئ صدقوني ، أنا .. أنا ..
أنا .. ما كنت إلا سفيركم إلى سارة ..
لا بد للصمت أن ينفجر . قال أولهم بترنح في صوته ، كأنه يتكلم لأول مرة ، أو كأنه يتعرف على صوته الحقيقي :
" أليس على البريئ هو الآخر الإدلاء بحجة .. ؟
" بلى ، وأنتم أليس عليكم أن تصيروا ألباء تفهمون البراءة بالإشارة .. إنكم تطعنون في فقري الذي يكفر ، وفراغي الذي يساهم في تعميق فراغكم ، وأمالي التي ألم بها البوار .. تطعنون في شمادة إجازة حصلت عليها بعد حرقي لكل شموع شبابي ، ضيعت سنوات من عمري لأنفع نفسي بعد نفعي لبلادي .. يا للخسارة ..
للإجازة معنان في غاية التناقض والتضاد ، فدلوني على الذي أحياه ، لا الذي عملت له وحلمت به ..
خذوا كل أشيائي فهي أتفه من أن أظلم بسببها ، خذوها .. وكفوا عني ألسنتكم وما أدراك ما ألسنتكم ..
" والشرف المحمول ، الممثل في شخصك الذي احترمناه .. احترمناك لشهادتك التي زغردت لها أمك ، وعايرتنا أمهاتنا بها وبك ..
" وما قيمة الشرف عندما تجوع البطن ، وينثقب الجيب ، وتدمع العين ، وترشد الشهوة .. إنه عملة لا تصرف ، لا تجدي ، ولو كانت غير ذلك لما وجد في العالم غير الشرفاء .. الشريف قد يموت جوعا وحرمانا وصيرا لا بد منه في هذا القرن العشرين ، فالعقول غبية ، أو متغابية .. أصحابها يسألون عمن الشريف والأشرف ، وينسون السؤال عمن الجوعان والعطشان والعريان ، والضعيف والمستضعف ، والمريض ، واليائس والمظلوم ،، والبطالي .. مثلي .. لو انقلب سؤالهم .. لو انقلب .. أه لو ..
إن الشرف لا يسدد فاتورات الإستهلاك ، ولا يمدد مهلات تسديدها .. خذوه مني ، عني ، إذن رخيصا ، ويوم تبدل الحال غير الحال ، وألبس جلبابا وبلغة وعمامة الحجاج سأتفاوض معكم لأسترده ،، لأتباهى
به ..
بلغ سابعهم حد اللهاث والغمغمة . تعب . صمت .. دنا منه سادسهم وسأله باحتياط :" لعل سارة غضبانة منا .. ؟
تدخل أولهم :
" إنما منك لوحدك غضبها ، فأنت المسيئ لآداب الشارع ..
سانده ثانيهم :
" نعم ، وكل شاة تعلق بكرعها ..
انضم إليهما ثالثهم :" قالها الحاج حميد الزهير : اللي دارها بيديه يفكها بسنيه ..
أجزل خامسهم :
" دارها جاري وارمها في داري ..
قام رابعهم في اتجاه المرحاض الحاضر بروائحه الكريهة ، ربما ليقضي ضرورة ألحت ، وربما مجرد هروب من القيل والقال .. على أي اتجاهه للمرحاض في تلك اللحظة تعبير عن رأي ، ولو كان مجرد صدفة ،، فكل شئ دال حتى التحركات .. وعددها .. ووجهاتها ..
أراد سادسهم قول شئ ، أو دفاعا عن النفس .. سبقه سابعهم حاسما لحوار أوشك أن يثار من جديد ، أن يلامس حافة جدال الساقط فيه جاهل ، والخارج منه ربان عقل وفكر :
" لقد عفت سارة عما سلف ، وعما صدر منكم في غير صالحها ، لقد كانت تصرفات فوق إرادتكم البشرية الذائبة وسط أقداركم .. هي تشارككم الحلو والمر ، والبطالة ذات النوع الخطير ، وتتمنى لكم جميعا الأعمال في أقرب الآجال ..
سادسهم حمد الله جهرا ، ثم ولى وجهه شطر الغرب الذي بلع سارة .. هاهو المذنب يعترف ويتوب . أومأ بالركوع ، وهتف في أسف متأخر :
" ما أبيض قلبك يا سارة ..
قال سابعهم :" إنها تنصحك بالتململ ، بالتحرك في أوسع مساحة ممكنة ، أضيقها الممكن .. إن شحت عليك أرض الله اللامحدودة باستقبال ، فتحرك حيث مقامك الدائم ، حيث أنت ثابت ، حيث أنت مهرق حيواتك اليومية المتكررة عن ظهر قلب ،، وذلك أضعف الإيمان .. يقولون أن في الحركة بركة ، وأنها تجلب الرزق من بلاد الواقواق ، حدثنا عنها السندباد يوما فقال :" هي بلاد الخير و الشر ، والحق والميز العنصري ..
فكتم كل منا سوء حظه وتمنى :" يا ليت لي جواز سفر ، وتأشيرة سفر ، وتذكرة سفر ..
فتحرك يا سادسهم عملا بالنصيحة وعليك بالمزيد من الإنتظار ، عسى غدك يبتسم ..
انفتحت أسارير سادسهم . حطت على وجهه أسراب الطلاقة والبشر والفرحة المتحينة للفرص ، وحامت من حوله الرغبة في الإستبدال والبديل .. لكنه سرعان ما انقبض ، وفقد كل البريق الأول ، فحتما سيطالب بتبرير أي مجهود مبذول يضيع منه سدى ، وبدفاع عن أسباب فشله لا لبس فيه .. هكذا توؤد الآمال في ميلادها ..
لاحظ سابعهم المصير المؤول إليه ، استنبطه بحكم دراسته للمعرفة الميتودولوجية ، فلم يزد على أن سعل سعال عمال المنجم الفحمي ، وقال :" كن واقعيا لا ترهبك سخرية الخاضرين والغائبين ، والساعين بينهم .. عند لقائك بها ، إن قدر لك أن تلقاها ، ابسط لها اعتذارا وجها لوجه ، واعترف لها بأنك مزقت دبلومك المهني بعد تقادمه ، بعد كساده الذريع في الأسواق الملونة : الدبلومات الجديدة فوق القديمة ، والتي تجلب من أخر الماء والملح أكثر رواجا من التي تنبت داخل المكان .. مزقته لكي تنسى كل الخطوات والعثرات ، قل لها ذلك ،، وقل لها أنك لم تنس .. فهل تمزق ذاكرتك ، تركب العناد في عمر منكوب .. ؟ اسألها فقد تفيدك بهروب وأنت مرفوع الرأس ..
" لكن هل ستلقاها .. ؟ ربما .. متى .. ؟ ربما ..
سأل أولهم عن كم الساعة . قال ثانيهم في ضحك وتهكم :
" تسأل عن الساعة كأنك على ميعاد لا يقبل التخلف أكثر من ذي قبل ، كأنك ملتزم بتقسيم الوقت التقسيم المعمول به .. لكن قل لي :
" هل أنت تسأل فعلا عن كم الساعة أم عن كم
العمر .. ؟
قال ثالثهم وهو نصف شارد في عالم الخيال والحشيش :
" ما قيمة الوقت وسط فراغ بلا نهاية ، بلا بشرى بالنهاية .. إننا نعيش الوقت الثالث على مدار أعمارنا . الوقت من ذهب نكتة رأسمالية محضة تسكن الإعتقاد منذ المدرسة . الوقت من عمر نكتة تضحك الصغار وتبكي الكبار ، الباكون ضحكوا نصيبهم ، والضاحكون سيبكون عندما تداهمهم رياح خريفية ، وتسقط أوراقهم ورقة .. ورقة .. ور .. قة ..
قال رابعهم :
" ساعة ممتلئة ، متجددة حسب استعمال زمان محترم ، تحسسك بقيمة روحك ووقتك معا .. وساعة فارغة متمددة الأطراف تقتل في نفسك كل القيم والمعاني ..
قال خامسهم :
" تجعلون من الحبة قبة . انسوا أنفسكم ووقتكم تكتشفون حياة جديدة . لا يهم كيف هي .. وكيف هي في أعين مدعي الإصلاح ، والغيورين على الأخلاق ، والناقدين لكم .. المهم أن تحيوا هذه الحياة المكتشفة بالضرورة ، وفيها تتحللون من عقدكم وأزماتكم وأفكاركم تراودكم في استبداد .. فليس لكم إلا الأسى نتيجة وأنتم تحاولون تشخيص مواقع التصدير فيكم ، ومواقع الإستراد فيهم ..
قال سادسهم والتوبة فيه تفتر :
" اغفلوا ، ولو مرة واحدة ، الدعابة التي تخرجون فيها أعباءكم الظرفية والمستوطنة فيكم ، هي متنفسكم في أرض تنشق عن الإختناق .. أجيبوا السائل ببساطة ، باختصار .. حددوا له الساعة التي تحويه منبوذا ، مسلوبا أسباب الحياة ، مستغنى عنه النفايات ..
قولوا له أن الوقت ما بعد المساء يزحف ويوقع الفناء ،
وأن أضواء الشارع القديمة ، الجديدة ، اشتعلت منذ زمان .. وجوه اختفت مع أذان المغرب ، وجوه ظهرت ، خرج أصحابها كالخفافيش ليكرروا دوريات الذهاب
والإياب ، ثم الوقوف في المواقف اليومية الثانية ..
يعقدون صفقات بيع و شراء ، لا تهم نوعية البضاعة ولا جودتها ، لا البضاعة نفسها : هناك لحوم طازجة معطرة لسيدات جاهزات للسهر حتى مطلع الفجر ، وخمور معتقة ، وحشيش صفر صفر .. وسم .. ليكن البائع ماكرا ، وليكن المشتري حذرا كل الحذر ، فالعقدة تبرم في الظلام ، في ثواني معدودة لا يقبل بعدها فسخ .. لأن فيه عيون قد تنام دهرا ، وتفتح لحظة .. في أي
لحظة ..
أقبل ثامنهم يترنح من شدة السكر . لا يقوى على حمل بدانته كما في حالات صحوه القليلة ، القصيرة . قال سادسهم المندفع دائما للكلام و الخطإ :
" اذكر الكلب واقبض على الهراوة ..
قال أولهم :
" لو كانت حاجتك إليه ماسة ، وقضاؤها يقتصر على إهلاله عليك من الشرق ، لانقلب مثالك الشعبي رأسا على عقب .. تعد له أجمل استقبال ، وأرق كلام .
تبادره متملقا :" اذكر السبع يخضر ..
ثم تأخذه بالحضن ولوم طفيف عن التأخير منك إليه .. يا لك من منافق ..
قال سادسهم :" لست طماعا مثلك ، العاطي هو الله ..
واستدار إلى ثانيهم الذي كان قد بدأ في حكي نكتة لم تسمع من قبل .. فتوقف الحوار لحظة ، وبعد الضحك حتما يتغير مجرى الحديث الذي سبق ، يفتح موضوع جديد ..
ثامنهم إبن إقطاعي بالمفهوم القروي ، وإبن بورجوازي بالمفهوم المدني ، وإبن ثري بالمفهوم اللغوي الذي تنطوي عليه كل القواميس .. ما أظلم أن يحتكر واحد مفاهيم من هذا النوع ، حين يضيع الأكثرون في الضد المدقع .. أبوه يملك أراضي شاسعة ، ودكاكين بلا عدد ،
ودور عالية ، ومقاولة للبناء .. وفي ماله حق معلوم لثامنهم ، الإبن الأكبر المدلل من أمه . لا يهدأ محرك سيارته الكولف السوداء . لا يشبع نهمه للخمرة الرفيعة . ولا تجمح رغبته إلى الجنس اللطيف المتهافت عليه بلا مطاردة ، بلا نصب كمين .. ترى ما أحلام كل عشيقة أوقعت له نفسها بنفسها .. ؟
في ماله حق معلوم لأبنائه الآخرين المفطومين على شتى أنواع التبذير . يشاع عن إبنته سلوى أنها ترمي بمحارمها وصدراتها وسليباتها وكل ملابسها التحتية بعد استعمال واحد ، ولا ترضى بإعادة لبسها ولو صبنت بماء الورد ..
أه .. يابنات الحي الفقير لو تجاورنها فتنعمن بحسن الجوار ، وتقتسمن مهملاتها النظيفة بالسواء ..
حتى أنت يا سارة تمنينا لك تلك المهانة بعد طول تفكير ، ولا زلنا نتمنى .. فكفاك صدرة تشهد انتقال نهديك من الصلابة إلى الرطوبة التدريجية ، المؤذنة عن بلوغك سن امرأة لم تعش عنفوانها كاملا . كفاك سليبا فقد لونه المثير ، يلطخ في كل مرة بدماء عاداتك النسوية ،
فتعاودين تصبينه بماء أسن تسكنه الضفادع والسلاحف ، وتعاودين ارتداءه .. وبين عملية التصبين والتجفيف الأخير تكونين عارية ، تختفين في زاوية ، تحلمين بدولاب يخفي العورة مائة مرة .. فكفاك ..
كفاك منديلا واكب كل دموعك على ناس أحبوك ، لكنهم معدومي الغد .. هل تفخرين بهم يا سارة لما تسألين عمن هم أحبابك ، وعماذا لهم في قلبك .. ؟
قال ثالثهم :
" إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ..
قال رابعهم :
" الأقسى أنهم يبذرون أمام المحرومين الذين لا يملكون إلا الخيال ..
قال خامسهم :
" ربنا خلق وفرق في الأرحام ..
قال سادسهم :
" أبهذا الشكل المتباعد .. ؟
قال سابعهم :
" حذاري والكفر بعد الإيمان ، إن ربنا لعدل رحيم ورقيب عما يفعلون ..
اتخذ ثامنهم مكانا بجانب تاسعهم بعد أن ثرثر هنا وهناك ، مع هذا وذاك .. تعمد أن يجلس بجانبه ليجسد التفاوت في كامل صوره . صاح بالنادل القريب منه أن ائت بقهوة سوداء مقطرة على حساب تاسعهم ..
" لن يدفع لك ثمنها ولو نادى منادي من السماء ..
هكذا علق النادل واستدار ليحضر المشروب المطلوب ..
كيف يؤدي تاسعهم ثمن قهوة يشربها غيره ، وكل جيوبه خالية من ثمن واحدة يشتهيها .. تبقى مجرد سخرية من تاسعهم تتكرر كل مرة ،، وعلى كل الألسن .. فيثور ، ويطلق أرذل الكلام وأحطه في وجه الساخر منه ، فتضحك الجموع السامعة .. تلك سخرية تجلي حقيقة المسكين الممزقة على شاطئ عمره وعقله ، تشعره بموقعه في الحضارة والتحضر ، وتدق أوتارا حساسة في عمقه العميق ، فيفقد صوابه ..بل هو مهبول في عيون الكل ، والشهادة التي تثبت ذلك معلقة على جدران هذه المقهى التي لم تلده بعد .. لن تلده فلقد مات في عمره الأول ..
فقد كل شئ إن كانت أداة التفكير هي كل شئ . ما بقي إلا قليل من روح يمنحه بقية حياة بلا اعتراف . تمزقت كل ألياف مخه في ليلة إعصار ، إلا ليف واحد تتناوب عليه الأفكار والأحلام والآمال ، وتتسرب عبره تأملات بلا معنى وعبث في واجهات العصر المابعد حديث .. وذاك الليف الوحيد يتمرد على التمزق ،لا يجديه في زمن يستوجب أكثر من عقل عادي ، لا يغني عنه شيئا من نكسة فاعلة ..
عقله ذهب . تلك حقيقة مأساوية مكتوبة ما وراء جدران هذه المقهى ، ولا يقرأها القراء خوفا من أن يبكوا .. هم الآخرون لهم عقول يتهددها مصير شاع ..
سأل ثامنهم تاسعهم بدعابة سكرانة :
" ستدفع ثمن قهوتي ، هه .. ؟
لم يجبه . لم يثر في وجهه الممتلئ دما ، المحتقن بلون بنت العنب كما يتداول بين السكارى .. رفاق الكأس واللامبالاة .. حالة تحسد عليها يا ثامنهم مهما يفتي إمام الحي فيها من فتاوي متشددة ..
ثامنهم يمزح . تاسعهم صامت .. قد يتكلم ، قد يسب ، قد يضرب .. قد ينفجر .. لكن مع ثامنهم لا ، ربما هو الوحيد الذي لا يقابله بما يقابل به الباقي ، وثمة سبب لكنه لا يعني الخوف . إنه لا يخاف أحدا ما دام الكل صدقوا أنه بلا عقل .. ومن مثله قد يرمي نفسه في النار ، قد يقطع من جسده عضوا ، قد يصيح بأعلى صوته وإعلان للصمت معلق على جبينه ،، قد يقول الحق ولا يموت ، ولا يصدقه أحد .. بلا عقل صار .. لا يخاف حى إشعار أخر بعودة الذي لا يعود أبدا ..
لايثور في وجه ثامنهم ، ربما لأنه يحصل منه على قهاوي ، وسجائر شقراء ، ونتفا من الحشيش ،، وأحيانا صدقات نقذية مهمة .. حتى وإن كان بلا عقل فهو يعرف مصلحته وحاجته ، هكذا يسمع التعليق حتى الملل ..
" السكارى يشفقون أكثر من المداومين على الأوقات الخمسة ، لو كان الكل سكارى ..
كذلك صاح تاسعهم ذات يوم استعطى فيه ثامنهم وهو في حالة سكر انتحارية ، فأعطاه ورقة من فئة عشرة دراهم .. فاستطرد في صياحه :
" ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل القبلة ، إنما البر أن تسكتوا أنين المحتاجين بصهد جيوبكم .. هل تفعلون لأسجل أرقامكم على باب الجنة ، في ملف الجزاء .. ؟
ثامنهم يمزح في لذاعة مع تاسعهم ، هذا الأخير يلتزم بالصمت طويلا ، ويرد عليه كلما أجبر على ذلك ،، لكنه يبقى ردا من أبله .. ضحك كل السامعين كأنهم في حلقة يتوسطها قرد إفريقي ومروض حقير ، إلا رابعهم ففي نفسه شئ غير الضحك . منزو هو في الركن ، يدمن على الحشيش تحقيقا لأكبر نسيان أو هروب ، ذاك هو اعتقاده و تبريره ..
دعا إليه تاسعهم بإشارة من سبابته المخضبة بلون الحشيش . أجلسه بجانبه ، وأشركه في براد شاي كان قد طلبه وفي سيجارة مفتوخة كان قد بدأ في تدخينها . وساد بينهما صمت معهود فيما ظل الضجيج ضجيجا .. في نفس رابعهم إحساس بالإنتصار على المروض ، وفي نفس تاسعهم إحساس بالإنعتاق من صفة قرد ، مسخوه لكنه لا يزال مخلصا لأصله وفصله .. رابعهم هو الذي فك طلاسم المسخ المؤذي لكرامة إنسان ، وتاسعهم استعاد إنسانيته ولو إلى حين ، ولو في فضاء هذه المقهى العائلية ، المتفككة الأواصر .. ثم تحركت في داخله الرواسب ، انفتح فيه المتنفس الواسع ، الخيال ، وانجلت ذاكرته عن بصمات العمر المولي .. كيف هو الخيال بلا عقل يا تاسعهم .. ؟ وهل لا زالت فيك ذاكرة قائمة عاملة .. ؟
ثامنهم مستمر في مزاحه ضده ولو من بعيد . أيضحك معه أم عليه .. ؟ يتجاهله تاسعهم . يطيل النظر في وجهه الثمل بحثا عن شئ خاص . يديم النظر فيه حتى ليربك فيه الكلام أحيانا ، يلجمه عن الآخر .. وجه ثامنهم يصغر في عيني تاسعهم ، يصغر ختى نقطة الإنطلاقة : إنه باب مفتوح عن ذكرياته المحفوظة ، أليست سلوى أخته .. ؟ بلى ، وسلوى هي ذكرياته بعينها ، ولن تستطيع تدميرها القوة التي دمرت فيه العقل ، أخر متاع له في الوجود ، وجوده هو .. سلوى أقدر على الثبات من عقله ..
قام ثامنهم من على كرسيه . حمل بقية قهوته واتجه صوب الإثنين الصامتين كصنمين . أيقن تاسعهم أن بابه الموصد على الأنقاض شرع على مصراعيه ، اقتلع بفعل عاصفة اندلعت من خلف .. إنه مدعو للتيه والشرود ..
جلس ثامنهم مثرثرا ، وتأكد يقين تاسعهم لما بدأ فعلا يتذكر ..
.. الدخول المدرسي يتكرر للمرة العاشرة . أكتوبر يجود بمساءاته الرائقة تعزف فيها روائع عشق طاغي ، وتعرض فيها كرنفالات التيم .. تبادلا تحية مسائية بدافع خفي ، ومن ثمة كان البدء .. أحبها حتى قبل أن تولد هي ، أن يولد هو ، ذلك ما همسه في وريدها يوم تسنت له فرصة الهمس . أحبها لخال يتمركز بين وجنتها اليسرى وأنفها القويم ، لنقطة سوداء تغرق في حمرة حياة .. أحبها لجمالها ولا شئ غير الجمال . وأحبته هي لماله ، مال أبيه ، ذلك ما أفصحت عنه الأيام و الليالي ..
تاسعهم إبن عزيز ذل وسط قومه ، هو إبن غني أصابه الإفلاس فأنزله حتى الدرك الأسفل من الفاقة ، حتى التسول .. شمتوا به ولا زالوا ، وظلوا يدعون بالمثل لأمثاله ، وينتظرون الإستجابة الفورية . فمن قائل بعد إفلاسه :
" هذا مأل من يأكل الحرام . كان لا يعطي الزكاة . كان يغشنا فخرج منا . صار مثلنا وذلك أسرع عقاب ..
ومن قائل بعد شلله النصفي :
" يستأهل أكثر ، إن الله يمهل ولا يهمل ، ويلحق انتقامه الجبار بمن أسرفوا في النفاق . عقاب عاجل في الدنيا قبل الآخرة . هي ذكرى لأولي الأموال ، لأولي الأرباح ..
ومن قائل بعد موته :
" لا يستأهل حتى الرحمة المجانية من أفواه الأحياء ..
ما يحز في نفس تاسعهم أن الأقدام المتحينة للأجر والثواب لم تهرع للسير وراء نعش أبيه ، والعيون المؤثرة فيها صورة الموت لم تجد بدمعة يتيمة .. كم هان أبوه حيا ثم ميتا .. لم يمش وراء النعش إلا قلة قليلة وهي في كامل الخجل من نفسها ، ومن الناس الذين بنظرونها والميت المحمول ، المنبوذ ،، ولا يحسون شعورا مألوفا .. أهي حقيقة الموت لم تعد تحرك ساكنا في هذا الزمان .. ؟ أم هم الأموات معادن كما كانوا وهم أحياء ، وكل معدن حسب نفاسته .. ؟
لكن ما ذنب تاسعهم في أن يرمى بذل أبيه إن كان عزيزا ثم ذل ، ما ذنبه في أن تلصق على جبينه علامة مفلس ولو كان إبن مفلس فعلا .. ميراث .. ؟
أبو سلوى كان شيئا دون أبيه ، فقفز إلى أوج الغنى المادي في وقت وجيز . قالوا أنه كان لا يؤدي الضرائب ، ولا يخرج الزكاة ، ويتعامل بالربا .. قالوا أنه كان يحرم عن نفسه وذويه ما حلا وطاب ، كان يعتمد في كل غذائه على الشاي والخبز ، والبطاطس المسلوقة ، والشوربة .. قالوا أنه كان لا يغير ثيابه كما كل أفراد أسرته حولا كاملا ،، ويكتفي بالإستحمام بأمطار الشتاء .. كان زاهدا بالعكس الخاطئ ، كان همه جمع المال وكنزه ،، ثم بعدئذ إطلاق العنان فيه مبذرا عائثا في المدينة التي تسمع وترى ،، وباعثا في النفوس البئيسة نكسة وحقدا وكرها .. ويأسا ..
ثامنهم هذا الشبعان دجين و كوير ممتازين ، كان يلبس سروالا مرقعا على إسته ، وفوق ركبتيه ، ولذلك يعود تلقيبه بذي النظارتين .. وسلوى أخته كانت ذات صورة مزرية في الرثاثة ، على جسدها النحيف كان للأوساخ سمك وللباس لون التقادم والبهت ،، في عينيها كان عمش ، ومن أنفها يسيل مخاط أصفر كثيره يستقر فوق صدرها المستوي أنذاك ، وقليله يتكبد في المخرجين ..
يا ذاكرة المدينة هل تذكرين هذه الأشياء ، أم رشاك كل هذا الإنقلاب فانمحيت ، ونسيت ، وغدرت .. ؟ هل تذكرين سلوى زمان .. ؟ المال أوجدها جديدة لا صلة لها بميلادها ، ميلادها كان في الرماد ، لم يذبحوا لها عقيقة ، نسوا أن يختاروا لها إسما ،، ولما كبرت نادت : أنا سلوى منذ هذا الميلاد ، لا ذاك .. المال جعل منها حورية تراها العين فتشرق استكانة وتبرق للقلب بدقائق الأوصاف . ولما تغيب عازفة لحن وداع أخير ، أو على أمل الظهور مرة شاردة ، تترك حرمانا جاحدا .. المال رد إليها الإعتبار ، فتناقلت الألسن جمالها كما كان الشأن في ذمامتها ..
تاسعهم أحبها قبل أن يكون لها جمال أو مال ..
أحب فيها الخال الأصمغ ، وأحبت فيه المال ، ولا شئ غير المال وإن ادعت .. الحب مصلحة قبل أن يكون إحساسا روحيا ، وإلا ما كان تاسعهم ليضأل أمام سلوى يوم ضأل صيت أبيه في السوق ، وما كان ليصد عن عتبة دارها يوم صد أبوه عن السوق خاسرا ،، وكان أبوها الرابح ، الكاسب .. سقط في عينيها دفعة واحدة بعد أن سقط أبوه في كل الأعين والعملات ، والفعل فعلك أيتها المنافسة ، أيتها المبادرة الحرة ..
الفتى ، تاسعهم ، حقق رغبة الشاعر ، لم يقل كان أبي ، بل قال :
" هأنذا ،، بريئ ، مستعد للتنازل عن كل تاريخي إن تم الإنصاف ، ثم البدء من جديد .. لكن المجتمع في أحكامه التقليدية لا يفصل بمعة ولد عن والده حتى ما لعد الرشد . وسلوى أكدت أنها مركز ذلك المجتمع الذي لم يرسم بعد طريقه ، مخرجه من عصر ظلامه .. ليثبت إذن أرباب الإيديولوجيات أن الأحكام وراثية ككل الأمراض المستشرية ، الخطيرة ، رغم الحجج الغليظة ، رغم الإعترافات الصريحة ..
حكت له جدته :
" إن الصراع سليل بين الأبوين ، القوتين . أبو سلوى كان يحب أمك كقيس . كانت لا تزال عذراء . خطبها من أهلها فصمتت ، فظل يعد نفسه ليزفها عليه ، وينعم بحلم بين يديه .. لكن أبزك رأها صدفة فوقعت في قلبه . تعلق بها كما في كتب الغرام . ضرب عرض الحائط بكل سوابقها وارتبط بها .. كان هو الأقوى أنذاك فحقق ما قرره في عجل ، غير أبه بمحاولات أبو سلوى للإقناع ، ولا بتوسلاته المحرقة .. تلك موقعة لم ينسها ،، ولم يتوان عن إثارتها ثانية ، وكسبها بامتياز ، فكان الإنتقام بشعا ، وكان يا ما كان .. ثم تسلمت شهرزاد زمام الحكاية ..
" كفى يا جدتي .. كفى ..
بعد الحكاية مباشرة اختلطت في ذهن تاسعهم الأحداث .
يريد أن يقيئ كل شئ وينسى .. لا جدوى .. فقد تنسيقا ظل مطمئنا لسلامته ، ثم تأليفا محكما بين هذا الحدث وذاك . انجلى كل غموض عن سذاجته ركبته ربما بتهاون منه في التفكير . لم يستطع هضم حقائق ساطعة . إنه ينكرها بلا تبرير فينشأ فيه العذاب :
أمه دخلت في عناق ممنوع مع أبي سلوى وعلى مرأى من أبيه المشلول . أمه أخذتها الحرارة بإفراط إثر التحامها بجسد نابض كله ، متلهف أشد اللهفة .. توسل إليها أبوه . صاحت في وجهه المهزوم :
" ليخطفني منك حراما وقد خطفتني منه حلالا ..
ثم انسحبت وعشيقها ، ربما إلى الغرفة المجاورة حيث تصل ، مسامع المعني بالكرامة ساعات قبل موته ، أصوات صادرة من قلب حمى الشيطان .. وربما إلى أقرب مدينة ،، ففندق فخم يسعدان فيه بنوم مشترك ، بامتزاج لذيذ ..
توالت الصدمات على أبيه ، فانفجر الدم من عينيه اللتين رأتا ، من فمه الذي حاول الصراخ فأخرسه الشلل ،، ثم أسلم الروح إلى خالقها ..
صارت أمه عاهرة تصلى أنفاس أبي سلوى ، بعد موت أبيه .. ومن أدراك يا تاسعهم أنها لم تكنها حتى في حياته ، كل حياته .. ؟ ها الوتر الحساس في جسده يقصف . لا يصدق .. يصدق .. لا يصدق .. يصدق .. يكاد يجن .. وجن فعلا ..
كيف أدى الصراع العاطفي بين الأبوين إلى صراع تجاري محض ، يا راوية الآلام الأبدية المدى .. ؟ هو انتقام على الطريقة الميكيافيلية الدنيئة : الغاية تبرر الوسيلة .. وكيف انتقلت عدوى صراع الأبوين إلى الأبناء الأبرياء .. ؟ هو مصير .. كان ممكنا أن تأخذ جل الأحداث مسارا ضد المأسي لو لم يرتبط أبوه بأمه . لكن كل شئ بقضاء ، هكذا تطعم شهرزاد الحكاية في ذاكرات شتى ، وفي أعقد المواقف الإنتقالية لتثير في السامعين ، المعيدين للسمع ، شفقة على أبطال تاهوا في عقم أعمارهم ، لتثير في ذواتهم تشويقا لمعرفة مأل زهور تواقة لفصل ربيع ،، لتكسب إذعانهم للمكتوب .. والذي قد يكتب ..
تستعصي الآن عملية حسابية على نتيجة منطقية . عجز تام . الذاكرة دامعة دما مهانا .. غير ممكن أن يتبادل الرقمان المتتابعان مواقعهما وكل المعطيات تدفع إلى الهاوية ، أن يتقدم تاسعهم عن ثامنهم فقد أخل بنظام حسابي أمن به الكمبيوتر ،، يكزن قد ارتكب إثم الأغبياء ، وإثم من هذا النوع لا يغفره أستاذ أمين ، وفي لمادته ..
.. .. .. فالثمن فالتاسع فالعا .. .. متوالية صحيحة ، لهذه النتيجة اهتدى كل الرياضيين الجادين ..
لا يمكن أن تتبادل المواقع الثابتة إلا بحدوث معجزة . لن يفلح طموح التحتي أمام حرص وتعنت الفوقي ، الرقاب تحت الأقدام تدهك وممنوع الأنين .. هل ولى زمن الحق والذكاء يا أيها الناس .. ؟ الأول أول والآخر أخر ، قالها سادتنا الأوائل .. لن يثرى تاسعهم بعد الضياع الكلي . لن ينافس ثامنهم في السوق أخس منافسة بعد تسلمه الميراث ، ويثأر لأبيه الذي مات كذبابة الصيف . لن يزاحمه في حبه لأجمل جميلات المدينة ، الطماعات الجشعات ،، الفاسقات خلف ستائر العفة والورع .. كم من مظهر في هذه الدنيا ينزاح عن نقيضه في فرص الخفاء ، كم من وجه أليف يتوحش بضراوة في الظلام ، وكم من مبادئ لا تأخذ من أصحابها إلا الكلام ..
هو تاسعهم تعلق بسلوى ولم ترضه فتاة غيرها : حبيبة غالية انفرد بها لوحده ، لم تكن مطلبا لأحد فلقد كان البؤس يلبسها صورة منفرة ، كانت أجمل معالمها تختفي تحت لون واقعها الدوني أنذاك . فكيف تجازي من اختارها للحب السامي وهي في محنة تراءت بلا انفراج .. ؟
ذهب ما أحبته فيه سلوى كأن كل شئ كان كذبة وانكشفت ، الحقيقة أنها كانت أدنى منه بكثير .. زرسخ ما أحبه فيها ، خال ووجنة وحمرة ، بل ازدانت كل الراسخات مع انتهاء فصل الفاقة ، ومجيئ فصول غدقة .. إنه باق على العهد ، لايزال يحيها ولو من بعيد ، ولو بلا عقل .. من بعد انهيار قصور الأحلام الرائعة ، ومن قلب مستحيل رخامي يقبض على كل تجربة في الحلم ،، ويودعها اليأس ..
يوم بلا إسم ولا تاريخ ، معروف بالفجيعة الكبرى .. فيه قرأته السلام الأخيرعلى لسان امرأة تأخذ ثمنا على مثل تلك القراءات ، فحملها تاسعهم الرد سلاما أحسن ،، وبه وجب الختام .. الفراق كان بالحسنى ، بعد إخفاق الأمل المعقود بينهما . أصيب ذاك الأمل في المقتل فهوى صريعا كشهيد .. ومات بعد شهادة أخصائيين بالبرودة التامة ..
لن يخدع نفسه ببقائها على العهد الأول ، فكم من عهود مسؤولة انتقضت ، ذهبت أدراج الرياح . خرج من حياتها بلا ذرة شك ، فلن يوبخ بأن حرام عليه أن يبطل الآثار الباقية في قلبها ، ويكفرها داخل ذاك القلب بالترتيب ، ولو كانت تلك الآثار معالم لذكريات تصر على أن تخلد .. قد ينسى المرء ما كره مليون مرة لكنه قد لا ينسى ما أحب مرة واحدة ،، سلوى ما عادت تذكره قط ، بهذا صار يؤمن ..
المرأة في الدين تصيح رافضة وتصمت راضية . وسلوى لما استشيرت في وأد الماضي ظلت مطبقة الشفتين ، خافضة الأجفان ، ومطرقة الرأس ، فدوت الزغاريد في رحم الفضاء .. انتهى تاسعهم ، وبدأ في حياتها رقم في عشقها وليد .. فما الجدوى بعد هذا في قلبها ولو نقشت فيه صورته نقشا ، مع ذلك فليكتف بقلبها فهم يرون أنه كل ما في الإنسان ، له فيه ذكرى وسلوى معا ..
إبن روكفيلر المدينة
يملك شعرها الغجري
عينيها المتناومتين
وجهها المتمرن على الخجل المثير
بشرتها الملساء
وكل جسدها المكهرب ، الهاتف بالنار .. والإحتراق ..
يلامسها دقائق معدودة ، فتأتيه جاهزة طائعة .. يعصرها ليسترد قيمة ماله المستثمر فيها ، مهرها الباهض المقدم ، فما كانت العلاقة لتصل حتى الخلوات لو لم يدفع أكثر من وقته وماله . تئن أنين المرضى بالوهم ، تحلم كفراشة .. فيرمي بها في فوهة الحمى العذبة . تتأوه من فرط سيول اللذة تصب فيها وتروي نزوة الشياطين . تلهث من تحت لون العرق . تبلغ الذروة المنشودة . تتقلص الأنفاس وتموت سلوى موتة متكررة .. تموت لتحيا .. هاهو ذا جزء من المهر قد رد إلى صاحبه ، إلى منبعه ..
وتبدأ سلوى في الهبوط ، في الخفوت ، في الخمود .. وتتسع أنفاسها بالتدريج حتى إيقاعها العادي . تتلألأ في مقلتيها دمزع إشباع وقتي ، قهري ، من حيث هي غافلة .. يراها تاسعهم في حالة الإشباع المتخيلة . الغيرة جحيم لمن لا ينسى .. وعندما يفيئ لنفسه وحقيقته يتجسد له البعد البعيد : قلبها له ، وكلها لغيره ، ذاك وجه الإخلاص البارز .. همس لسلوى في السر ، في إشفاق : إنك تسددين مهرك المدفوع بالتقسيط بأشياء أغلى من المال ، ويوم يأخذ منك أخر قسط سيرمى بك على العتبة الفاصلة ، فلا أنت بامرأة استغفلها العمر ، ولا يعجوز شمطاء عرفت كيف تؤمن تقاعدها .. لن تستطيعي الإستمرار بعد أن تعزلي من أي سلاح ، صدقيني يا من لا تسمعيني ،، وحتى لو استطعت فليس بنفس الجاذبية التي تمتازين بها الآن ، وتتعودين عليها .. ليس بقليل منها .. هلا رجعت عن غيك ، وكفيت نفسك حصاد شوك وحزن ومأساة .. ؟
يرتفع الكلام بين ثامنهم و رابعهم ، ماذا جرى .. ؟ إنهما في مرحلة تهييئ شجار كبير .. ما عاد الصمت صمتا ، الصخور تنطق لما تحس ثقلا .. مهانة ..
" الحق يقال يا ثامنهم أنك ظالمه ، إن له كامل السيادة على الطاولة التي يجلس إليها . أنت الذي اقتحمتها عليه ، ولم تكف عن ثرثرتك المؤذية لحظة .. إنه يحب الصمت والكل يعرف عنه ذلك ، فدعه وشأنه عساه يوما يصطاد حكمة تقلب العالم ،، ويفاجئنا بها ..
هكذا كانت تدخلات الرواد إثر كل صيحة من رابعهم في وجه من دخلها عليه عنوة ، ولا يريد أن يفهم لما يبسط له الفهم ، ولا يريد أن يستحي لما يترجى ويستعطف ..
عاد تاسعهم من أقصى متاهات الصمت ، بعدما ضاع منه حبل ذكرياته المديد ، بعدما انتهى ..
ومن الرقم الذي بترت منه أخر دلالة في الحساب .. ؟
طالما تمنى أن يتمزق حبل الذكريات عن أخره ، أن يتفتت ويتفكك كما لو لم ينسج قط . إنه المعلم الذي يثبت جليا على قارعتي طريق نهبت بلا فائدة ، يوصله ككل مرة وبسهولة إلى مقبرة اندفنت فيها أعز وأحب الأشياء : سلوى ، الأمل ، الأب ، الأم ، والمركز الإجتماعي ..
إيه .. الله يلعن الذي يثق في الدنيا ، هكذا تتحسر عجوزة بالمدينة كلما رأت تاسعهم مارا بقربها ..
كل شئ راكد ، راقد ، وجاف لا يبشر بماجريات لصالح المعذبين في هذه الأرض . دؤوبة هي زياراته إلى مقبرة باردة موحشة ، رهيبة ، كائنة في ذاكرته إن لم يزل في شئ يسمى الذاكرة . يترحم ، يقرأ ما تيسر من الرثاء والعزاء ، ويذرف دموعا فوق الرجولة .. ثم يقف وقفة حائرة في مفترق مشواره ..
اللحظة حاسمة ، ساخنة . يضأل الحبل . يقصر . محاولة تشبث بعد اليأس النازل في قلاع الأمل والجهد ، والصبر ..
اللحظة حارقة . يشتعل الحبل . أخر محاولة انبعاث من تحت رماد ،، هروب من موقد النهاية الأليمة ..
لا فلاح ..
اللحظة مقص لعمرين يؤلفان تاريخ إنسان . عمر بعقل وأخر بدونه انتهى لمصير أبكاه الدم و الندم
من الجاني ومن الأداة
. استرداد لحمة الأشياء مستحيل . فشل بلا حجة .. ضاع الحبل .. ضاع .. العقل ..
حدج ثامنهم بنظرة تنم عن رواسب حياة تعالج بالتنهيدات ، هو بابها المشرع ، هو باعثها في هذا المكان ، في كل زمان .. وتاسعهم المتألم ولا من يشعر به :
" انسحب يا ثامنهم من عالمه كما أختك سلوى ، أما هو فقد أعياه طلب الإنسحاب ولم يوفق ، لم يبق أمامه إلا البطش بنبضه الباقي .. بالخق أو بغير الحق .. ؟
لا يدري هو المحاط بالسؤال ، المهدد بإجابة متهورة عنه ..
ثامنهم بدأ يركبه حنق على رابعهم ، لا لشئ إلا لأنه رفضه كجليس إلى طاولة كان يشغلها . رابعهم يكن له حنقا أكبر في هذا اليوم النحس ، هوى على الطاولة بقبضتي يديه ، ثم استوى واقفا ، صائحا في وجه ثامنهم :
" ابتعد عني ، دعني جانبا أفضي بمأساتي همسا ، وأشهد رب العالمين على من كانوا وراءها .. قم ، فهذه الطاولات شاغرة ، اختر لك واحدة ..
" لا يجلس وحده إلا الشيطان ..
" الله يلعنه ..
قالها النادل وهو يمر بقربهما حاملا صينية شاي ..
" أو تريدني أن أكونه .. ؟
" وماذا يهمني أن تكون شيطانا أو ملاكا . إني أفضل هدوئي الملغوم ، ومتى أزعجت اقتصصت لنفسي من مزعجي ولو كان أسدا ،، صببت عليه جام لعنتي المكبوتة بين جوانحي .. الضيقة .. أكاد أن أنفجر ..
" انفجر ..
" العاقبة قصاص منك ..
" لن أقوم ، إني جالس مع تاسعهم ..
" بغية السخرية منه أيها الحقير ، إنه أدمي مثلك ، وكان في يوم ما أحسن منك .. ارفق به فقد تكسب به أجرا وثوابا عند الله ، ارفق به فقد تفقد عزك بين عشية وضحاها ، ويجري عليك ما تجريه عليه الآن ، ولا ينفعك أن تغني : ودارت الأيام .. قل الله يستر ، ذلك أقل ما يمكن أن تقوله ..
" سأظل بجنبه ، أضحك من حماقاته المتفتق عنها ذهن خراب . إنه بهلول ، فرجة ناطقة حية متحركة لذوي العقول ..
" ألا يكفي أنه ..
" احذر ، هأنتذا تريد أن توقظ فتنة نحن في غنى عنها ..
" إذن دعه وشأنه ..
" لن أدعه ..
" فاسمع القرار ، لن يطاله لسانكالخبيث بعد اليوم في حضرتي ، وهذه كل العيون التي أعماها الفراغ شاهدة على ما أقول .. قد أقطع لسانك إن لم تسمع ..
" تستعير العبارات من طبقة لا تنتمي إليها ، مستحيل عليك ذاك الإنتماء لأنك قائم ضده عن وعي أو عدم وعي .. تتكلم على منوالهم .. ها ها ها .. ها .. ها ..
صمت برهة واستطرد يقول :
" قل لي بأي صفة تنصب نفسك حاميا له ، هل هو أحد أفراد عائلتك مثلا .. ؟ هل أنت موكل عليه : هو الذي لم يعرف كيف يتشبث بعقله .. ؟ أه .. إنه من فصيلتك ..
" كلنا من نفس الفصيلة أيها المتغابي ، أيها الحمار .. يا شر خلق الله ..
" .. .. .. ..
وقبل أن ينتهي ثامنهم من رد الشتيمة كانت الأعصاب قد تمزقت ، وكان وجهه قد ارتوى بنصف كأس شاي فقطر ، ثم انهالت عليه لكمات عنيفة أفقدته توازنه فسقط بين الكراسي كعقب سيجارة انتهت ..
هم رابعهم بالإرتماء على خصمه وإكالته المزيد من الضرب و اللكم و الركل ، المزيد من التأديب .. واستعد ثامنهم لرد الإعتبار الذي خسره في لمحة برق . لكن الرواد سارعوا للوقوف بينهما ، وفصلهما عن الآخر ..
كانت المعركة ، وكان فيها منتصر ومهزوم ، فختى معركة أخرى .. حتى الإنتقام ..
رابعهم أنحف و أقصر وأصغر من ثامنهم ، لكنه أبان على أنه هو الأقوى ، الهازم لبدانة البشرية كلها لو اجتمعت عليه في تلك اللحظة . إنه كان يستمد قوته من خلف الإحتقار والظلم والمذلة والهوان الذي استشعره ، أشياء مثل هذه وقود للجسد الضعيف لحظة بطشه ،، لحظة دفاعه عن كرامته ..
" الحق أزهق الباطل .. هكذا علق أولهم .
قال ثالثهم :
" المظلوم غالب دائما ..
وصور ثانيهم المشهد بإلهام مزين بالفكاهة :
" كان ثامنهم يبدو كبالونة تلهو بها أنامل بريئة ، دفعتها ريح سيئة إلى مزرعة الأشواك التي لا تنكسر . انغرزت فيها واحدة فتفرقعت بعد طزل حرص . لم يبكها الأطفال ، لم يعيروها التفاتة سريعة .. ولا ندما طفيفا ..
أما صاحب المقهى فلم يكلف نفسه عناء المجيئ إلى عين المكان ، والفصل بين الطرفين ،، ثم الإصلاح بينهما . اكتفى بإصدار كلمات باهتة محذرة من خلف الكونطوار .
لو تطور العراك لنادى على الرقم التاسع عشر ، ذاك ما فعله مرات في مثل هذه الوقائع لما لا تنتهي بسرعة ، أو تسيل فيها دماء ، أو تتسبب في خسارة مادية من رأس مال المقهى عليه أن يستردها .. لا يهمه غير ما في الجيوب ، غير كم يساوي نقدا هذا الزبون ، وذاك .. وذاك .. هكذا أجاب أحدهم ذات يوم سأله فيه بين مزاح و جد :
" ألا يستحق منك زبناؤك الثابتين قهوة بالمجان في رأس كل سنة .. ؟ كتهنئة إشهارية تكيد لنقاط الضعف في الإنسان ، كصدقة مقبولة ..
لا يهمه غير الكسب والربح ، وليذهب صانعي أرياحه المباشرة والغير مباشرة ، وكل العلائق السائدة بينهم ، إلى الجحيم ،، وليس من جحيم أمر كالذي هم رهنه من طلوع الشمس إلى طلوعها للمرة المتتالية .. وهكذا دواليك ..
" دارها الشوماج ..
تعقيب سري ، علني ، يجري على كل ألسنة الرواد لما ينتهرهم صاحب المقهى بفظاظة ، أو يتجاهلهم تماما . هل هم يحملونه طرفا من المسؤولية المنتهكة ، كل المسؤولية .. ؟ أم أنه يبقى مجرد اتهام معكوس يهم الأطراف العليا ، ولم يدن بعد أصحابه الحقيقيين .. ؟
إن الوجه وجه مهما تطورت صناعة المساحيق ، والقفا قفا مهما أهمل في خضم معاناة ، ويوم يصح الإتهام ..
أه .. سيقضى على جراثيم الإساءة والإجرام في جسد يمرض حتى التدهور ولا يموت .. وتفتح صفحة جديدة في تاريخ هذه المقهى التي تغتنم الظروف قبل الإنتهاء ، قبل ربيع في كل حلم ..
رت سلوى بالقرب من مقهى الراحة ، كانت في طريق عودتها اليومية الجد متأخرة لبيت الزوجية . لعلها انفلتت قبل قليل من بين ذراعي عشيق منافس ، يطمع أن يصير زوجها . كل من يحبها يعيش الوهم كأنه حقيقة ، وينافس الغير بكل ما لديه من سلاح ،، سلوى هي غنيمة لتلك المنافسة دائما ، وترضى بموقعها .. تبدل أحضان العشاق والخلان كما تبدل أثوابها التحتية ، الأخطر أنها تبدل الأحضان وهي في ذمة حضن شرعي ، والأخطر أنها تبدل أثوابها على أخر مودا في زمن عري خجول ..
حرة هي بإسناد لنصوص قاسمية . غنية بإسناد لرصيد أبيها المالي في بنك المدينة .. وأعفاها زوج الحاضر من استفسارات قبل الذهاب ، وأخرى بعد الإياب ، كان هذا هو شرطها زيادة على مهر مستخرج من أسطورة .. ولا زال كل عشيق جديد لها يعدها بغفلة منه عمياء ، إن قبلت الإرتباط به ذات يوم تمل فيه زوجها ..
العمر الزاهر يزحف نحو ذبول ثم أفول . سلوى ما تعبت لحظة من الزواج ولا الطلاق : هما لعبتان في حياتها عاديتان ، مسليتان ، لا استغناء عنهما .. هكذا تغدو المسؤولية ملهاة وتغدو الشرعية على الغرار غطاء .. هي سلوى سيدة قبل وبعد الدخول في لعبة ، الخروج من لعبة ، والضحايا رجل ورجل .. وكل الرجال ..
" سلوى إنا نخاف عليك من يوم قمطرير ، إنا نخاف عليك من قلب الموازين ، من فتح ملف الرجل ،، والقضية حرية الرجل .. أنذاك نتساوى في طرح قضايانا ، وذلك أول مكسب ..
سلوى مارة في خيلاء أميرة ، في تكبر كبير .. عيون الرواد ظلت لها متجاهلة ، الكل تعمدوا هذا التجاهل ، فمواقفهم العميقة كانت واحدة .. من هم أصحاب تلك العيون زمن هي سلوى .. ؟ الفرق بين الطبقات مبكي . أين هم جميعا من سلوى وجبة بورجوازية لا تعطى للجياع الفقراء .. ؟ ما أكثرهم وما أشقاهم في أن واحد .
حتى تاسعهم حذا حذوهم ، ولم ينظر إليها في أسف ونقمة كما من قبل ، إنما اكتفى باستنشاق عطورها المولية وراءها مسافات طوال ، حيث لا حيلة في عزله عن هواء ضروري .. قد تسمم عطورها يوما وتقتله ، لكن هل يسمى بعدها شهيدا .. ؟
قام ثامنهم متلمسا موضع اللكمات على خديه ، حاشدا رابعهم بنظرة ذات مفهوم واحد ، ضيق أشد الضيق .. ثم جرى كالهارب من بقية عقاب نحو سيارته ، وانطلق محدثا صوتا ملفتا لكل الأسماع بعجلات الكوديير ، لاحقا بأخته سلوى كالمستجير بها هي القوية مهما ضعفت ، مهما ماعت ..
" إنه غاضب لحد القتل ..
" قتل نفسه ، أما أي إنسان أخر بزاف عليه ..
كلهم ضحكوا منه كما يضحكون من نكت ثانيهم ، ومن همومهم لما تكثر كالجراد . ضحكوا من وجه لبسه منذ فترة قصيرة ، كلهم تبادلوا الغمزات تحقيقا لمعنى الشماتة ..
" برافو يا رابعهم . لقد كنت بطلا ..
ضحكوا كل الضحك . ضحكوا ما وراء الضحك . يكوا أخيرا .. ها هم يشاركونك الحمق يا تاسعهم بالرغم من عقولهم ، ها هم ينتقمون للسخرية التي لحقت بك ،، كل الهوان تمثل فيك فلست وحدك المهان ، بل ما أنت بمهان .. أنت مجرد دال ..
3
الوقت مساء من أماسي الله المتشابهة في هذه المدينة ، في هذا الشارع ، في هذه المقهى .. الزمان تبدى لا يسير كما لا يعود ، واقف يضحك من أحياء تائهين . الكل حاضرون كأنهم لم يغيبوا لحظة . جلوس كل في وضع يفيد عياء بلا جهد .. عياء أي عمل ولا عياء الراحة .
عابثون في فراغ لا ترن فيه الأحلام والأفكار والبديلات . يأس معدي . بارت الشجاعة في أبطال رجال .. رجال أمس أم غد .. ؟ رجال بداية أم نهاية .. ؟ مجرد أشباح صاروا تثخنهم جراح وتنخرهم داءات عصرهم لا يملكونه . يخالهم الرائي ، المعاود للرؤية المؤكدة ، أنهم لم يتحركوا طيلة أعمارهم المنصرمة خفية ،، على وتيرة واحدة يعيشون ، وعلى وتيرة واحدة يسقط عمر تلو عمر . ولا حل يجدي ، هل هو قدر نصح بالتسليم به فكان استسلام كل الأرقام .. ؟
هم الأنصاب الجامدة في رحلة أزلية ولا من يعبدها ، لها شعائر ومشاعر ولا من يوليها روحه و قلبه .. وضميره .. ولا من يهتم لأمورها تلهم الشعراء الفقراء ، وتعاد كتابتها نثرا بأقلام تنزف دمعا و دما .. وحبرا .. هو الحبر ذاك ، وتلك لا زالت حقيقة .. وهم .. ؟ ما هم إلا كتل لحمية مهترئة ، متأكلة رغم أرواح تخفق فيها ..
أتى عاشرهم . بدا في كامل أناقته و نظافته . منظره يشي بأنه خارج لتوه من الحمام . سلم على ثانيهم ثم على تاسعهم في دعابة خفيفة . قال له ثانيهم :
" بالصحة الحمام ..
" الله يسلمك ، لقد تطهرت من كيلو وسخ ، كنت أوشكت أن أصير مزبلة تمشي على رجلين . إني أحس الآن بخفة وحيوية وكأني ولدت الساعة ..
صاح بالنادل أن احضر قهوة موسخة . سأله ثانيهم :
" ألم تفكر بعد في السفر .. ؟
صمت . التفكير اللحظوي قد يعمر طويلا ولا نتيجة إنما فجيعة واقع و متوقع . الهروب من السؤال إلى أين ، ومحاولة الإجابة عنه ناجحة في حصد العذاب . ممنوعة الحياة كما تعشق النفس . ممنوع الموت فورا وخارج إطار الأجل . ممنوع الحلم بلا قاعدة . ممنوع الأمل بلا قوة صبر وصلابة حجر .. وغزارة مطر .. بعد تنهيدة فضحت رغبة نائمة في الأعماق ، تساءل عاشرهم :
" إلى أين .. ؟
" إلى فرنسا مثلا ، إلى هولندة أو بلجيكا أو .. إلى العالم الذي يقصده الناس خماصا ويعودون منه بطونا ، إلى أي مكان تباشر فيه ما تكتظ به مخيلتك ..
" ليس الأمر بالبساطة التي تراها ..
" إذا كنت أنت الحائز على جواز سفر تقول هذا ، فماذا أقول أنا الذي أحلم به فقط ،، وكل حالم شقي حتى يتحقق له حلمه ..
" كان لي نفس تصورك ، أما الآن ..
انعقد لسانه عن متابعة الكلام . انطبقت شفتاه على بعضهما البعض بعد قيام ذكرى متكسرة التتمة في ذاته : حصل على جواز السفر على الطريقة الإرتقائية ، لكل ذي اعتراض حقه ، لكل ذي طلب تلبية مهما كلفت . تسلمه بعد أمل تراوح بين المراودة المكينة والخيبة الغامضة . لمسه بأصابعه بغية التأكد . قبله . ودسه بين ثناياه .. وقتها لم تسع فرحته كل تضاريس الأرض ، ونسي العناء المكابد وقصص الإبتزاز التي طالته في كل خطوة وفي كل لقاء ..
برر فرحته الدافقة بهمسة في كل الوجوه التي ظلت تلاحقه بملامح إعجابها المبهم : أليس ، الآن ، يملك ورقا قانونيا يسمح له بمغادرة مسقط كل عمره الماضي ، يمحو من على جبينه وصمة ، ممنوع من السفر .. لتتمزق ، إذن ، كل الحدود المسيجة تحت وطأته ، وليرتم في بطحاء حاتمية كما يشاع ، في أي بطحاء ،،
هكذا صرخ من غمرة فرحته ..
سفر من هذا النوع هو تنازل عن الأم و الأب ، والتراب ، والمدينة ، وألفة الهواء والماء ، لكن ما الحيلة بعد بكاء الرجال .. فرحة .. ؟ مجرد غرور انتهى عند أولى الشروط لحيازة تأشيرة سفر ، عند الإفتقار لثمن تذكرة سفر ذهابا و إيابا ،، عند الإنتباه لخلاء محطة الوصول من مراسيم الإستقبال والإحتضان والدفء اللامسموم ، من فاتحة إقامة يبغيها طويلة .. أطول من المدة الكافية لملئ بطنه وستر عوراته ، لإعانة أحباب في الوطن .. أطول من عمره إن أمكن ، فهو يريد أن يموت سعيدا ..
" لابد من توفير الشروط اللازمة ..
" سيدي ، أنا لست حامل إرهاب أو فيروس السيدا أو أحدا من الفيروسات التي لا زالت في علم خيالكم .. أنا حامل أمل في الحصول على عمل ..
" لابد من ..
الأغبياء ، لو كان يملك لهم شروطهم المرقمة ما فكر في السفر أبدا . هو ليس طالب سياحة كما يود خداعهم ، ففي بلاده الشمس والقمر والسماء و الأرض الملأى بالأصناف والأنواع والألوان مما تعشق النفوس وتهوى . في بلاده الجدران الأثرية المزينة بسيالات المطر وكتابات الأطفال العبثية ، كتاباتهم على مر الحضارة ..
في بلاده قلاع و حصون ومدن مدفونة تحت التراب ، أتية من أول التاريخ ، حتى هذا التاريخ .. هو ليس طالب سياحة كما تقول استمارتكم المحتم عليه ملؤها ، هو طالب عمل ، هو طالب لقمة خبز بالعملة الصعبة ..
فإن لكم من الخيرات ما تنطق بها رسومكم البيانية ، ورسومكم المتحركة في مدن ديزني عكس رسومنا المتحركة في مدن الصفيح والطين والحجر البالي ..
لكم من الخيرات ما تنطق بها أشرطتكم الوثائقية المصدرة بالسعر الغالي ، وإعلاناتكم الإشهارية الغازية عقور الديار .. لكم خيراتكم ولنا القوة العضلية والأحلام ..
ثانيهم :
" أه .. لو كان لي جواز سفر مثلك ..
عاشرهم :
" لصرت مثلي بين أمرين ، بين مطرقة هاوية وسندان ثابت ..
ثانيهم :
" أفضل من أن أكون بلا أمر واحد ، تحت المطرقة والسندان معا .. أريد أن أعيش ولو في صلب كذبة مستعارة من أبريل .. حياتي أهم من المنطق ..
فترة صمت سائدة تهيئ انتقالا . بعدها قال ثانيهم بسرعة ، وقد تذكر الشئ المهم الذي يخاف أن يفلت منه إن هو أبطأ قبل الإفصاح ، أو استغرق مدة في تقديم لامجدي :
" ونجاة .. ؟
" هي في قلبي تحرس شرايينه المزودة له بدم النبض من الإنسداد الطارئ ، لولاها لكنت في خبر الكان ..
نجاة راتعة في الأوهام والمخيلات ، نائمة بين حبال وأنسجة كاذبة .. قد تفيق متأخرة لتقرأ في العيون عزما معقودا على انتظار الفرج ، وقد تفيق مبكرة لتجد العيون مغمضة والكل غارق في نوم مدبر .. وكان المحظوظ من غالب الرغبة الفيزيولوجية حتى وهي مدسوسة له في وجبة الصباح ،، وانتصر ..
حظ نجاة تعس ، لا يعشقها إلا ذوو الفاقة والشدة ، والمتخبطون في الظروف المظلمة . حاولت أن تسرق غيرهم ، واحدا من غيرهم .. المزيد من غيرهم .. لكنها فشلت ، وحبطت زينتها الموجهة إلى أفئدتهم ، فلعنت اليوم الذي اغتصبوها فيه من حيث لم يدروا .. ما أعجل تنكرهم لها .. لكنها تبقى دائما نجاة ، لها مليون وجه لتكون حبيبة .. حبيبة الجميع ..
رثت أخاها صخر دون أن تسكب في حقه دمعا ، فهو لم يعد ، على حد حقدها ، يستأهل غير جنازة ومأتم في دقائق محسوبة بالكرونمتر ، ثم حفلة تخلص وخلاص ونسيان طويل المدى :
" الله يلعن من يضع الثقة حتى في لحمه و دمه ..
بهذه الكلمة ، اللعنة ، افتتحت نجاة الحفلة . صادق الحاضرون على ما جاء بعد الإفتتاحية ، إنما كل على طريقته الخاصة ..
نجاة عاشقة وكل شئ فيها يوحي بذلك ، لكنها ظلت تتكتم على عشقها الجارف خوفا من قانون القبيلة . خاطرت من أجل تأكيد ذاتها المشردة ، من أجل مجرد إحساس ،، لكنها أخفقت .. ما كل هذا العسف الذي يطال عشقها وإحساسها الذاتي .. ؟ المؤكد أن هناك أيادي تلعب ضدها ، وهناك عجوزة تكتب لها حجابا عند فقيه بلا إسم ، لتدمرها ..
لم تستسلم نجاة ولو مرة ، بل عاودت المخاطرة ، وبذلك أنزفت جروحا التأمت أو على الأقل ظنوا بها التأما .. إنها كأي فتاة تحيا ، تحلم ، تنطق ، تشير بالسداد ، وتخلد عيدا عالميا ..
لكن وجهها بلا رسم
وعمرها بلا رقم
عاشرهم أقسم أن يتزوج نصرانية ولو لم تعجبه ، المهم أن يحصل بواسطتها على كل الأوراق التي تمنحه قانون الإقامة والعمل ، وربما النسيان .. فما ذنب نجاة في أن تبقى في نفس المكان و الزمان ، ثابتة جامدة ، ممنوعة من الحبل والحمل في بلاد الضباب ، ووضع مولودها البكر في مصحة عصرية ، حاوية لكل وسائل الإسعاف والإنقاذ .. والراحة .. لم يعد عاشرهم يملك لها غير حب أعمى ، وشوق و تطلع ليوم تأتيه فيه صاغرة موفية لما بدأته معه . حب بلا فعل ، لكن الكل يرى ذلك صوابا منه وليس كل الصواب عند الأقلية .. لأنه بنجاة يفكر في غيرها ، هي مجرد جسر على وادي الوحل ..
عاشرهم تعرف على نجاة وهي لا تزال نطفة في رحم ، قد يكتب لها المجيئ إلى الوجود ، إلى الحقيقة الحية الملموسة .. تجيئ في تاريخ زلزال لا يبقي ولا يذر وكل البنايات تكون على وشك الإنهيار ، على وشك أن تنسف النسفة الأخيرة ، فتنقذ الموقف في فرصة باقية ، متبقية .. قد تجيئ كما في الأحلام وتعمر طويلا حتى يتسنى لها الأكل من غرسها ، ثم محو أثار الجروح وتجفيف الدموع من المأقي ، من المجاري .. حقا ، يوم تجيئ سيبدل الديكور غير الديكور ، والزمان غير الزمان ، ويبقى الإنسان .. تلك هي المهام الموقوفة على مجيئها راشدة عاقلة ، والمنوطة بها مسؤولة ناضجة جديرة ..
وتلك هي الأحلام المستحوذة على عاشرهم ، جزء من الكل ..
وولدت نجاة قبل الفجر خلسة ، في صمت مناسب ، فلم يشعر بها أحد . ولجت الوجود دون أن تستأذن ولو بصرخة باكية كباقي المولودين . القابلة نفسها أخذتها سنة من النوم في لحظة الخلق الجليلة ، وفوتت عليها قطع سرة نجاة ، وفرزها إن كانت بديلا إيجابيا أو مكوثا في الصبر السلبي . لم تطبع على جبينها أولى القبلات ، ثم تزغرد ترحيبا أو تجهش بالبكاء نعيا لخيبة أمال الجميع ..
القابلة اعترفت بغفوتها في عز اللحظة ، الولادة . قالت :
" رأيت فيما ترى القابلات الغافيات خيرا وسلاما . رأيت فتاة مليحة كالبدر ليلة اكتماله ماشية الهوينا على شط بحر ، عارية إلا من مايوه بلون بشرتها البرونزية ورافعة نهديها النضاحتين حليبا ودما بالتناوب .. عيناها لا تحيدان عن البحر كأنها تنتظر قدوم غائب ، حاضر ..
كم هي كثيرة القرابين الملقاة في هذا البحر .. لهذا البحر .. ولا يلين .. الإنتظار أقسى من الإخفاق نفسه ، والمسافة بحر وموج وعباب وظلام ،، ياليت لكل تائه بوصلة أمينة ومجداف رفيق ، وقارب لا يعصى الإتجاه السليم ..
" ندت صرخة جماعية عن غرقى . النجدة .. تمتم المعاينون لهم بعبارات العجز . سيجري عليهم نفس الشئ . إنهم ينتظرون دورهم لكي يغرقوا .. يا للمصير ..
" الفتاة ، تكزن هي البطلة التي تبزغ من خلف المناكب الخائرة ، وتلقي بنفسها في البحر . تعالت الهتافات . أقيمت الصلوات لصالح الغرقى وأخرى لصالح الفتاة الملاك ، تطوعت لأن تغيث ضحايا أو تموت إن خذلتها البطولة . لغة البحر بلا مرادف وقلبه بلا حب . خفتت الصلوات بالتدريج إلى أن صارت في الصدر ، في السر ، في النية . وهت الأنفاس لدرجة الهمود النهائي . الأرواح تنط فوق الأجساد تعزم الهروب منها إلى أعلى . العيون مبحلقة في اللاشئ فباتت النظرات بلا طعم ولو ذاك الموخز في الأكباد . كل حركة هدأت بدافع من رهبة المشهد . اللحظة حرجة في عرض تاريخ تعود الطاعة للمأسي والإذعان للأقدار ..
" وكان البحر يزمجر برعب ويستعرض قواه ، كان يناور على مرأى من حيارى ،، وكان يخلط الهواء برائحة قيامة أزفة .. لا يمكن أن أعقد معاهدة سلام ووئام مع اليابس أبدا ، هكذا كان يصيح ..
" وأخيرا تطلع الفتاة المليحة ، البطلة المجهولة عند اختصاصيي المنطقة في الأعراض ، من زبد البحر ..
كان الغرقى بين يديها يداعبون حلمتي نهديها ، ويلفون أياديهم حول عنقها خوفا من الهروب ، هروبها هي .. عملاقة .. جميلة ..
" وردت إليهم الفتاة من عمق البحر واستحالة اللحظة ، وأتتهم الأرزاق من حيث لم يحتسبوا . صفقت الجموع للبطلة ، أكبروها في عيونهم وقد عاينت الغرقى المنقوذين ، وتمنوا لأنفسهم مزيدا من الغرق فإما حياة أفضل أو ممات أهنأ .. وكانت كل أمانيهم عميقة صادقة ..
" ومضت الفتاة في مشيتها الدؤوبة على شط البحر . عيناها مركزتان في كثافة العباب ، في الموج المندفع صوبها متعاليا ، ثائرا ، متوعدا .. ولم تفقد علامات الثقة التي تميزها عن مثيلاتها الخانعات . ثبتت عينيها ما وراء الموج ، ما فوقه ، كانت تدرك كل الإدراك أنه سينكسر عند قدميها ، تحتهما ،، كلعبة قديمة ..
وسكتت القابلة . وقالت السامعات لمنامها :
" سيكزن للمولودة شأن أكبر من الذي لجيمي القوية ، إنا سميناها على بركة الله نجاة ..
ترعرعت نجاة في بيت معلوم وسط المدينة المسحورة .
من رأها وقعت في مواطن عاطفته وفكره وقعا سريعا ، ومن سمع عنها انطبقت عليه مقولة : إن الأذن تعشق قبل العين أحيانا . الكل حاموا حول بيتها ، انتظروا رفعها لأستار نوافذها المطلة على الشقاء .. وفعلت . تمطقت فبرزت دقائق وضمائر مفاتنها . استطاشت الألباب . تثاءبت نجاة فتطايرت العطور لتلطف شيئا من هواء المدينة الملوث ..
أعادت تصفيف شعرها المختبل . إطلالاتها على الحشود الحضيضية تعني أن الحياة حق والأمل حق والكفاح حق . من وقعت عليه عيناها الفضيتان فذك المبشر بالجنة قبل الموت ، والآخرون يكتفون باختلاس النظر إلى محياها ..
مجرد نظرة منها تقلب مفهوم الحياة ، تشد إزر الأمل الشائخ في بدء الربيع ، تصبر فاقدي الصبر ،، وتستبقي منتظري أدوارهم في البشارة مزيدا من العمر .. أخر ما أكد لهم أن نجاة حقيقة لا يشوبها لبس ، كانت قصة يونس العائد من بطن الحوت حيا . زادتهم إيمانا على إيمانهم فأحبوا نجاة كل الحب ، تولعوا بها ، وظلوا يطمعون في القرب والتقرب منها ..
ثرثرة ثامنهم تطفو في المقهى ، ربما ليفهم الجميع أنها لا تعدو أن تكون ثرثرة فقط ، وربما ليشعر التحتيين أن هناك فوقيين فعلا .. الهرم موجود ، عريضة قاعدته حادة قمته ، لا قدرة لمنافق على إخفائه أو تمويهه كما لا قدرة لفأس على هدمه .. بل هو هرم فوق اعتبار أي لعبة غميضة صبيانية مقصودة ، سيبقى أثارا لحضارة فراعنة القرن العشرين ، ومنه تستنبط شهادات في قضية تاريخية لن تفوتها لهم الأجيال الآتية ،، لن تغفرها
لهم ..
ثامنهم متمادي في ثرثرته والصامتون سامعون له ، عن كره أو عن رضاء .. ؟ لا يهم ، المهم أنهم سامعون وكفى ، ومن تكلم منهم معارضا أم مؤيدا فحسب نصيبه في الدنيا .. ومن ليس له نصيب فليصمت ، وأي كلام منه في إطار البحث عن الخبز و الذات هو بمثابة مجازفة انتحارية ، قد يفقد بسببه لسانه أو كل جسده .. وقد يتهم باللغو أو الشغب أو الجنون ، ومن ثمة الإعراض التام عما أتى وما سيأتي به ..
فمن ليست له فلوس فكلامه مسوس ..
أولهم :
" سأتكلم ولو كنت بلا نصيب ، مهضومه .. سأجهر وإن كانت جيوبي مثقوبة ..
ثانيهم :
" فاطلب قهوة إذن ..
أولهم :
" وما دخل قهوة أطلبها ولا أنالها في سياق موضوع نحن بصدده .. ؟
ثانيهم :
" كأنك لم تقرأ في المناهج المدرسية أن الطلب يتحقق بعد الكلام ، يبدأ منه ..
صمت أولهم غير مفصح عن معنى صمته ، هل اقتنع .. ؟ هل عجز عن فهم اللغز الكاتم فحوى المقارنة .. ؟
من ليس له مال لآ ينبس ببنت شفة ولو كانت من نبع الصدق ، وإن امتطى صهوة الجرأة وتكلم جوبه بالتكذيب أو اللاكتراث .. ومن له مال فليثرثر وليخطب في كل واد ، فهو نبي الزمان الذي لا يجادل ..
إن حرية الكلام وقيمته مقرونة بكم تملك ، فأين الجواب .. ؟ أين المال .. ؟
سيدي ماخوخ .. مكث العمر كله في مكان ازدياده ، لم يشرق ولم يغرب ، حتى عندما وافته المنية غسلوه بدموع تلامذته ودفنوه حيث لفظ روحه ، وبنوا عليه قبة تمديدا لمكوثه بالمكان حتى وهو ميت ، لا يشفع ولا ينفع . قضى حياته صائحا من أجل تغيير مكانه ووضعه ، ومائدة أكله ، وسلهامه الأشهب ، وحوافر جواده الأصيل .. صيحاته لا تزال تتردد في الفضاء صدى يفتح كل يوم شهسة لخرافة لا تسمن ، ولا تزال الآذان صماء .. وفي مرات نادرة كان يخترق الأسماع التي لا تريد أن تسمع ، كان يزعجهم على حد أقوال أطفال لم يكبروا ولم يشيخوا ، ولم يموتوا .. فكانوا الوثائق البريئة .. إنهم اليوم يتمزقون تحت ستار رعاية الطفولة ..
سيدي ماخوخ كان يزعجهم فيؤدبونه على يد فقهاء من كرطون ، فلا يتألم ولا يحزن ولا يضعف .. ويظل يصيح .. كان حقا وليا صالحا يقاوم البليات بقوى خارج الجسد ..
وهو ميت يتوهم الأحياء التنفع ببركته . يقيمون له موسما ثابتا كل سنة ، ومواسم طارئة ، استثنائية .. يذبحون له أبقارا و أغناما ودجاجا ، وطيورا تحفظ أغاريد و أناشيد الحرية .. يخلطون الكسكس بالخمور الجيدة . يأكلون ويسكرون في أن واحد فينسون ما لهم وما عليهم ، ويبتكرون أسطورة في كل سنة .. الفضلات يحملها حارس القبة البيضاء إلى أولائك الأطفال الذين لا يكبروا ، ولا يشيخوا .. ولا يموتوا .. أهي حماقة موروثة أم نزهة الأتقياء .. ؟
سيدي ماخوخ لم يملك حاجة لنفسه وهو على قيد الحياة ، مات مطالبا بها في إصرار ، كان ربما أحوج ما يكون إليها .. فما بالهم أن يمنح حاجة يسيرة للغير وهو ميت ، شبعان موتا .. المؤرخون قد يفيدون في هذا المجال ..
أولهم :
" المؤرخون كانوا عميانا في ذلك الزمان ..
ثانيهم :
" إنا نقصد ما في الذوات لا مجرد الأحداث ..
ثالثهم :
" لعب الزوار القمار على بساط سيدي ماخوخ ، وخديمه نظر إلى وجه امرأة جميلة فوقعت في قلبه ، ولم يذهب لجماع زوجته ، إنما غمز بعينه الحولاء ومصمص شفتيه ،، وبدأ المطاردة و المراهقة .. حدث هذا وأكبر من هذا ، والمؤرخون كانوا نياما وسط بياض لم يمس بحرف صريح ، ووسط أقلام خجولة ..
أولهم :
" لاعبو القمار يربحون و يخسرون . لا طريقة لدر الأرباح ولا أخرى لإجتناب الخسائر .. كل النهايات تأتي هكذا ، عبثا ، فينغرس لكلمة حظ وطن في الأعماق .. الحياة حظ وماعدا ذلك مضيعة للعمر ..
ثانيهم :
" أن تخدم وليا صالحا بقلب بشري عادي فتلك جريمة ..
ثالثهم :" المرأة الجميلة هي السبب ..
رابعهم يتدخل بصوت مبحوح ، إنه يكسر صمته بصعوبة :
" التاريخ هو السبب ما دامه يحوي المسكوت عنه ..
على أي لا ينفع إلا الله الباقي ، القادر ، والله يرحم جميع الأولياء و الصالحين ..
ثم صمت . عيناه شاخصتان في اللاشئ كأنه كان يوجه كلامه لسيدي ماخوخ مباشرة . إن الذي كان وانتهى بلا جدوى أقسى من الذي لن يكون أبدا ، مستحيل .. يا مرارة عيشك يا رابعهم الصامت في صخب الأفكار .. وانفلتت منه زفرة طويلة المدى ، كافية لإطفاء كل الشموع الساذجة المشتعلة داخل القبة البيضاء ، أو هكذا تخيل بعنف .. هكذا تمنى من صميم قلبه الجريح ..
سادسهم :
" كم الساعة الآن .. ؟
ثالثهم :
" كما كانت بالأمس القريب .. البعيد .. كما كانت في العام الماضي ، كما كانت في كل الأعمار المتجمعة في حسرة حاضرة . هل ينفع العيون بكاؤها ، وهل ينفع الألسنة أن تقذف السباب والشتائم .. ؟ لم يتغير شئ يبرر تغيير الساعة ..
لا تبديل ولا بديل في طلائع الغد ، ولا فتور في الدوران الجاد للعقارب الثلاثة ، حقا هو الزمان لا يرحم ..
سابعهم :
" الغد افتضح فبات سهلا التكهن به ، سهلة قراءة قصيدتيه الثابتتين في مخاض ، في ديوان ، في قاع فنجان .. تفاؤل أبو ماضي يصارع تشاؤم إبن الرومي ، لمن النصر .. ؟ لا يتساءل ولا يحر لبيب ، إن الغد ما عاد غيبا .. يشرق بلا بشرى ، يصير حاضرا راهنا ، تصدق التكهنات في مجالات الملل و الفراغ والإحباط .. وتعاد القراءة لقصيدة .. و .. قصيدة .. ويتفشى اليأس ..
خامسهم :
" أمحكوم علينا أن نستهلك الوقت على المنوال .. التايلوري .. العقيم .. نفس الأمس ونفس الحاضر ونفس الغد .. ؟ أمحكوم علينا أن نحلم في الصباح وتدفن أحلامنا في لون المساء ، في مقبرة الغروب .. ؟ أمحكوم علينا بالجمود على مدار العمر في صقيع الجغرافيا ، وفينا أدوات ومشاعر وواجهات تتحرك .. ؟ ولا جواب .. إن بكينا سمونا نساء ، إن انتحرنا سمونا جبناء ، إن تماوجنا في الشارع لأجل الحرية والخبز سمونا سجناء ، إن .. أه .. ربما جربنا فعل كل الأشياء فسمينا بكل الأسماء ..
صمت . رائحة الحشيش والشاي والأنفاس المرة . جحيم العقول لما تكنس أفكارها كالأزبال . احذروا فقد يجيئ العنف من هذه الجدران لما تنساها عيونكم وتسند إليها ظهوركم ..
" أنا رأيت فرن الحومة في المنام ينهار وتنجو خبزة .. خبزة واحدة ..
" ستصوم المزيد من العمر بلا أجر ، فليست الخبزة خبيزة كما قد تفسر ذلك مدرسة الأجداد .. لقد بارت مبيعات الكرامات في الأسواق البلدية ..
" أنا رسمت حمامة بيضاء في صفحة سوداء ، بلا جناحين ..
" قد تأتي الحرية عرجاء ، فما الفائدة .. ؟
" أنا كسرت لعبة لطفل جار ، وكانت اللعبة عبارة عن بندقية تحدث صاعقة في سكون ملعون . بكى الطفل وابتسمت أنا ..
" أنت شهيد ..
" أنا ..
" كفى ، فكل رقم بات يدل دلالة عن مدلول ، كل رقم مذلول .. يا للأحلام ..
التفت ثامنهم فجأة . رأى عاشرهم من حيث لم يره . انبعث في عينيه بريق ناري ساعر . تلمظ شفتيه تعبيرا عن لذة يرغب فيها . ردد في سره :
" جميل هو كالبدر ، صورة طبق الأصل من نجاة .. ماذا يجول في خاطر ثامنهم .. ؟ ولا أحد يدري سواه
والشيطان الساكن فيه ، وعاشرهم المعني بالنظرة الخبيثة ..
مصادر موثوقة تناقلت خبرا ، أكدت أن تحت الدخان المتصاعد جمرتين ملتهبتين : عاشرهم تعرض لإغتصاب من ثامنهم تحت وطأة سكر مدبر . كانت أول تجربة فاشلة من الضحية في فقدان العقل عمدا ، ولساعات طويلة أو قصيرة ،، لا يهم .. وكانت أخر خطة مدروسة ناجحة من الجاني في سلب كرامة الغير .. ومن ثمة نشبت معركة النظرات بين الإثنين :
نظرة مراودة ونظرة متمنعة ..
مصادر متتبعة قالت :
" دامت المعركة الدنيئة طويلا . ثامنهم يهدد بإفشاء السر ، وعاشرهم يحفظ الكرامة أمام العيان ويفقدها وراء الظهور والأعين ، خوفا من أن يناله ما نال قوم لوط الفجار .. وعند أول رفض منه قاطع تفشى السر ..
قام ثامنهم في تمايل متجها صوب عاشرهم . هناك ريح أعنف من بدانته و ثباته . سكران هو دائما وسكره جالب مصائبه . لا يصحو إلا شهرا هجريا مباركا في السنة ، ذلك ما سيدلي به الشهود يوم تقوم القيامة ، يوم يدقق الحساب والعذاب .. لكن ما أدراهم أنه لا ينتهك حرمة شهر الصيام ، إنه مدمن لحد الهبالة ، وقد يقتات المدامة من الفم السواري لأخته سلوى ، قد يرضعها من نهديها .. قد يضرب بالأعراض عرض الحائط ، وينال المتعة ، كل المتعة ، من أخته سلوى كما ينالها من بنات الحي الشعبي الملطخة أبوابهن بعلامات العهر والفقر ..
بذلك يكون قد ارتكب جريمة أوديب في الخفاء ، في غفلة عن عقله وعقول الآخرين ، ويكون أبولو والعرافة العذراء قد صدقا في مجمل الإدعاءات الغيبية الخارقة ..
حين استوى ثامنهم جالسا بجانب عاشرهم ، قام ثانيهم رافضا مجالسته ، وكافيا نفسه أي اعتراض ناطق يقوده حتما إلى خصام من النوع الذي وقع فيه رابعهم منذ أيام قلائل .. لا زالت الآثار المشبعة بالزرقة لم تختف بالتمام من على وجهه ، وهاهو ذا يبحث عن أثار جديدة ، أو ما هو أبلغ من الآثار .. ليس على يد ثانيهم الذي ترك له الطاولة ، وليس على يد تاسعهم الذي ترك له المجال بأكمله .. ربما على يد مجبر على الفعل ، عاشرهم المرهق بمراوداته على نفسه ،، وعلى مرأى من العيون و المصادر ..
باقيان لوحدهما . وجها لوجه . الليل كاد أن ينقسم على نفسه . عينا ثامنهم منغرستان في عيني عاشرهم تترجمان رغبة و فحشا . النداء يهمس في وقاحة في أذني عاشرهم ، والأنفاس المخمورة تضايقه ، تحاصره .. وكانت على الرصيف سيارة و إصرار ، وكان في القلب نفور ونية وعزم ..
نجاة نامت في فراش ثامنهم قبل امتلاء الذاكرة ، قبل وقوع التناقض في كواليسها . نومها كان عن طيب خاطرها وبمحض اختيارها . نجاة لا تختار إلا بئيسا أو فقيرا أو محروما ، أو حزينا ينتظر بسمة سماء ..
منحته المجد بالعملة لو كان يعقل ، الكثير لو كان يعرف .. ونبذها في أقرب محطة . كانت قد أصابت اكتفاءها من النوم وإلا لأعلنتها ثورة عارمة عليه ، هو الذي التهمها ثمرة جاهزة ، ورماها نواة لا تصلح للنبت إلا في أرض جرداء . لو لم تمله هي الأخرى ، وربما قبل أن يملها هو ، لدست له السم في الدسم ..
وبدلته بعاشرهم الذي ظل يحمل لها نفس كمية و نوعية الحب ، حتى بعد أن فقدت قطرات الدم الموقوفة عليها براءتها أو إدانتها .. ملكته نفسها في باب إدارة عمومية ، عساها تصلح الخطأ الذي ارتكبته في حقه ، وتعوضه عما فات .. قاوم عاشرهم من أجلها رفض أبيه السهل ورفض أمه الممتنع ، ورفض مجتمع متخلف :
" ستخرج عن دينك ياولدي ..
" حتى هناك موجود الله ياأبي ، إن الله معنا أينما كنا ..
" بلاد الغربة صعبة يا فلذة كبدي ، إني أخاف عليك ..
" أصعب منها غربتي في مقهى الراحة يا أماه ، ادعي لي بالخير و الرضاء ..
" وتهرب مني وفي دمك أغنيتي يا ولدي .. ؟
" لن أنساك يا وطني الغالي ..
قاوم بلا هوادة . ولم تنس له نجاة يوميات تلك المقاومة المنطقية . زهما ناعمان بسعادة أولية .. يتوقان إلى سعادة غامرة ناشرة ظلالها على أوسع مساحة ممكنة ، مضادة لأكبر زحف من تعاسة الآخرين .. أعطته نجاة هوس الحياة ، سكبت فيه الأمل الوليد ، فبدأ يفكر ويبرر الفكرة تلو الفكرة .. ويحلم بالغد عكس اليوم باعتداد و جرأة ، وانطلاق .. لم تكن تؤذيه إلا مطاردات ثامنهم المتوالية وإلا كان أسعد رقم في مجموعة لها علائقها : التراب علاقة . الدم علاقة . الإنسانية علاقة . الهم علاقة . المصير علاقة ..
عاشرهم :
" نجاة في ذاتي ممزوجة بلحمي ودمي ، وأنا ذكر .. أتفهم معنى ذكر .. ؟
ثامنهم :
" وليكن ..
عاشرهم :
" إنك مريض أو مجنون ..
ثامنهم :
" بل مجنون بك يا حسنا وجهه ، وفي هذه اللحظة الموزع فيها عقلي بين خمرة شربتها وخمرة تأبى علي شربها ..
لاذ عاشرهم بالسكوت . كبت في داخله شعورا بالإهانة المتفاقمة ، وأقسم بينه وبين نفسه على رد الإعتبار .. أخر ما يمكن تحمله إشاعة تداولتها المصادر ، كل حسب اتجاهاتها المعلن عليها مسبقا ، وقانونيا ..
إن الكلاب اللاهثة من صنف ثامنهم سرقوا القوت الحلال من البيوت ، والعرق الطاهر من على الجبين ، والدم النقي المتبرع به لفائدة قضايا الساعة .. رائحة موت زؤام دامت في الهواء . ستموت كل الكلاب . رائحة الحشيش والصنان والمرحاض ، والرائحة المنفلتة من أسفل الظهور ومن الأفواه البعيدة عن حضارة معجون الأسنان ، ورائحة مزبلة الحي في زمن الإشتعال .. كل الروائح تلك لم تستطع إبقاء الموت نهاية مجهولة .
ثامنهم مصاب بزكام اشتهائي عطل فيه حاسة الشم ، وإلا كان ميز رائحة حتفه وفر بجلده .. ليمت إذن ثامنهم قبل أن يعدي ميكروبه مجتمعا جاهزا لأي عدوى ، وليبلغ الخبر مسامع أشباهه ليعرفوا عاقبتهم قبل استغراقهم في النذالة ، ومن أنذر فقد أعذر ..
أعد ثامنهم اللوازم التي يقتضيها اللقاء : زجاجة ويسكي إسباني ، قطعة حشيش تذهب عقل قبيلة ، سجائر ذات نكهة وشقرة ، مأكولات طازجة ، فراش بوسادتين ، كولونيا مثيرة ، وأسطوانة مادونا المائعة .. سيحظى الليلة ببني جنسه حظوة لن يفيق من بعدها إلا في وحشة العالم الآخر .. الإشاعة أقسى من الحقيقة لما تمشي فوق الأرض ، بين الناس .. ما بقيت لعاشرهم سمعة فليتخلص من جبنه دفعة واحدة ويهزم الشيطان ، لا تهم العاقبة فأسوأ منها معاش ..
حرص ثامنهم على أن يتم كل شئ في الظلام الخريفي ، في منتهى السرية .. في الصباح سيهب النوام من أحلامهم على رائحة دم ، على دراما جنسية انتهت بذبح من الوريد إلى الوريد .. أي حرص يجدي بعدها جثة هامدة من أن تهتدي إليها قطط و عقبان .. ؟ تكون قد فقدت الإنتباه والحرارة ..
الجزار سيمسح الخنجر من البصمات لا لكي ينجو ، بل لكي يوضح أن رقما ضخما طلب لإنتهاك عرضه فأزبد وأرعد في صمت ذليل ، ولم يهدأ إلا بعد أن استل روح وغد من الأوغاد ، فأجبر بخاطره .. هذا قربان لك أيتها السمعة المتمزقة على الشفاه والأهداب ، فهلا عدت كالصبح لكي لا تبرحي جسدي كالأنفاس ..
يا من ستموت حالا ، سيسألونك من ستفد عليهم قاطرا دما مدنسا ، فلا تستحي من قول الحق ولو على نفسك الآثمة . سيعذبونك لتجيب بكل لبصدق لا تشوبه ذرة كذب .. قل لهم أنك مت على طريقة الأفلام البوليسية في سبيل نشوة محرمة في الدنيا و الآخرة .. قل لهم أنك كنت وحشا كاسرا سلب أموال المستضعفين ، وانتهك شرفهم ، واشتهى لحومها الآدمية بكل أنواعها بعضها لمائدته ،، وبعضها لفراشه ،،، وبعضها لنزوته التفكهية .. قل لهم أنك لم تكن قط إنسانا مكرما ، وأن دفنك بينهم كان مجرد خطإ من فقيه الحومة .. أو أن أباك رشاه فأخطأ عمدا ودفنت في مقبرة الإنسان .. ؟ لو أصاب الفقيه لرميت في المزبلة رمي المهملات التافهات جدا ، ولو اجتهد لعلقت على باب المدينة والتاريخ .. قل لهم أنك حضرت في موعدك المضروب ، وأتاك جزارك شاهرا سكينا التقطها من درب الحدادين التقليديين ، فأذاقك طعنة الموت بدل طعنة اللذة الممقوتة ، ثم استرسل في الطعن .. طعن .. طعن .. وطعن حتى أشفى الغليل ..
حل المساء المابعد الألف . كان نبأ الجريمة قد شاع بين الأرقام . كلهم شمتوا بالمنحور نحر بعير يرجى به إيقاف المنكر قبل استرداد السمعة ، يرجى به استئصال جذور تقرح عمق التاريخ .. يا إله متى يموت الشيطان فينا .. ؟ كلهم ودوا لو يقيمون للناحر أروع احتفال ، لكنهم خافوا من شبهات هم في غنى عنها ، وفي مثل هذا الظرف بالذات .. فالعيون تدور والآذان تدور ، فليحذروا أن يبدوا الأفراح أو المواساة ..
مرت نجاة قرب مقهى الراحة . كل الرواد التهموا بنظراتهم المرقعة كامل جسدها الرشيق ، فدمعت رغباتهم وشهواتهم . لم تلتفت إليهم ولو من الشفقة والحسرة عليهم ، ولو من باب اعتنائها الرمزي بأمالهم المهددة بانقراض أخير ..
كانت عائدة من زيارة استثنائية للقبور ، بعدما بالت على قبر ثامنهم الطري ، ورشت ببولها المتبقى قبور أشباهه ، أسلافه الملعونين ،، ثم كتبت على الشواهد :
" هذه قبور اللامرحومين ، يا واقفا على قبورنا اغرب من أمامنا من فورك ، وإلا طالتك عدوانا حتى ونحن أمواتا ، وأنت حي مسروق رزقك من عتبة منزلك ، مسروقة لقمة عيشك من فمك المفغور ..
لعلها اغتنمت الزيارة وترحمت على الأموات الذين عرفتهم أوفياء حين وقعت بين أيديهم ، في أحضانهم الشاغرة ، ونامت في أسرتهم جنبا لجنب إلى أخر أعمارهم .. الأوفياء قلة .. وترحمت على الذين ماتوا وهم يائسين من ابتسامها لهم في حلم ظل لصيقا ، من احتوائها ..
بادية على وجهها إمارات الحزن ، كل حزن البشرية المعجونة بالمادية و الأنا .. أليست عائدة اللحظة من عالم نائم أبد الدهر إلى عالم يود لو يتعب ، ويكد ، ويسعد ، ويحلم قبل النوم .. ؟ أليست عائدة من أول الذكرى إلى لب حاضر مثيل ، ثم بداية ولوج المجهول .. ؟ لا فرق بين ثالوث زمني يبدأ بالحقيقة المرة الثابتة ، لكي ينتهي إلى تنبؤات يستحيل هضمها لمرارتها الباقية ، المتكاثرة .. لكي لا ينتهي ..
الأرقام متوالية ، أكثرها الكثير يأبون تناول حبوب منع الحلم حتى وهم في قلب التيه ، في جحيم يأس بلا دواء في صيدلية المدينة والتفاؤل والقاموس . الحلم متنفسهم السهل والأخير ، فكيف يغلقونه بمحض إرادتهم .. ؟ لولاه لانفجروا وعجلوا بفناء موعود .. الأرقام ، أقلها القليل أكبر من الكثير : معادلة واضحة التناقض يرفضها الحسابيون لأول وهلة ، ويتشبث بصحتها مجربي الميزان المنكفئ على لغة الوزن والغش ،، مكدسين هم في أحط كفة وغير مرجحين مهما تكاثروا .. أولائك مجربو الميزان ، رأوا كيف تنعدم ملايين الريشات في حضرة حديد مكثف ..
نعم ، تثقل سنابل معدودة مكتنزة حين تبقى كل السنابل تداري هزالتها بلا توفيق . تساءل فلاح طاف الواقع على حمار صبور ، واهتدى لعلاقة لامتكافئة :
" يا سنبلة ثقيلة من أين لك هذا .. ؟
" من أمطاركم لم أوزعها على مواطن الظمأ فيكم بالقسط ، جعلتها نهطل علي لوحدي حتى ارتواء فائض .. فيضان أنجو فيه بقارب أنانية قصوى ..
" يا سنبلة أحق هذا .. ؟ يا سنبلة منكر والله هذا ..
" أتحاسبونني .. ؟
" لم لا .. ؟ فنحن من نشكل الحساب المهضوم ..
" ها أنتم تقعون في زلل اللسان ، كأنكم لا تدرون ما يترتب على معتنقي كلام من هذا القبيل ، وعلى من اتبعوهم .. ابقوا في صمتكم خير لكم من الدنيا وما فيها ، ابقوا في صمتكم فالكلام غدا يجر وبالا ونقمة وعذابا ، وقطع لسان .. وموتا إن اقتضى ذلك الإتهام .. ابقوا في صمتكم تنجون ..
" ما أفادنا صمت السنين الطوال ، فاقتلونا كما شئنا لا كما تشاؤون ..
الأرقام متوالية ، ونجاة وحيدة فاشلة في أن تكون عنوانا .. عاقر .. غير قابلة للإستنساخ .. الأرقام سابحة في قرار مكين في الظلام ، في عطالة لم تبشر أسفار المتنبئين بتوليها ،، ونجاة هي التي تملك اختصاصا في الإنقاذ ولا تملك تعميمه .. تصيح بجهورية في كل الفضاءات المتصدعة ، وتبقى مجرد صيحة في واد .. في خلاء ..
نجاة الأمل ، لا ينالها إلا محظوظ شبع من رضاء الوالدين ، أو مجاب الدعوات .. إلا من رحم ربي مقسم الأرزاق في الصباحات الباكرة ، وفي تواريخ الإزدياد المضبوطة بأقلام ملونة ، لكن أغلب الأرقام لا تستيقظ من النوم والمأساة باكرا ..
المحتالون اغتصبوا نجاة من حيث أبت كل الإيباء. دفعوا مهرها غاليا لما يقيم بدماء بريئة وعرق كادح فأتتهم حتى مخادعهم قريرة العين ، منفرة القلب ،
ما بيدها حيلة تبطل بها الحيلة . نساء الحي قلن في شأن مغتصبيها :
" كل العوانس يحلمن بدفء في حضن ينبت في الشعر بغزارة ، ولو بلا مهر شرعي ..
أضفن في سرية :
" إن نجاة تعشق سكان الأكواخ المعرضة للإنهيار أمام كوارث طبيعية ووضعية ، ومدبرة .. تعشق سكان البيوت القصديرية الصدئة ، الحارقة صيفا والباردة تحت الصفر شتاء ..
تعشق الجياع الحفاة العراة ..
تحب أن تعيد معهم حيواتهم الغاربة مع شمس كل مساء ، أن تعيد لهم قطارا تأكدوا من مروره .. تدخلهم الجنة قبل أن يموتوا ويبعثوا ، وبلا حساب عسير .. إنهم في اعتقادها الصائب من البراءة بمكانة ، سجلاتهم خالية من الذنوب والسيئات إلا ما فوق العقل والضمير ..
تقول نجاة كلنا أبكاها الواقع وأدمتها أشواكه :
" اكفوا الناس شر بطونهم المقرقرة جوعا نصرانيا ، شر غرائزهم المنادية فيهم ، وشر جلودهم التي تخفي تجمعات الألم والمهانة ،، وتنشق جلودهم كأرض تزامن عليها جفاف وعجف وإفلاس تخطيطات ، فيسيل الصديد وتهرب الآهات والزفرات .. اكفوهم الأشرار ، ليكفوكم شر أنفسهم وألسنتهم .. وقلوبهم الضامرة لكم كل الحقد الخصب .. ولا مساومة على أدنى عيش يحلمون به ..
نجاة الواقفة في قفص الإتهام ، كلهن أجمعن على أنها تخون عشاقها ، معشوقيها ، لما تطمئن لإذكاء نيران الحب في قلوبهم ، وجريان ماء الإخلاص والعهد في عروقهم .. ما أقساهن من نسوة ، وما أسخفهن في مجالسهن الخاوية من نفحات الفلسفة ، المغيبة لقوى تدرك ما وراء المدركات ..
أصبغن عليها الزينة كأي عروسة مجبرة على الإرتباط ، وزففنها إلى عرسان جاهليين ، مغلوب على أمرها كامرأة بلا أصل
فتنحدر من عينيها دموع انهزام متكرر .. لا تحرك فيهم الشفقة المرجوة والوعي المنسي ، إنما تصير أجمل وأشهى في عيون الذئاب .. ساديون كانوا . يقولون عن إجهاشها في البكاء فعل سحري لا يجب أن يصدق إلا إذا وافق دسائسهم :
يعمل فيهم العاطفة والأنا ، ويلغي فيهم عناصر إنسان .. يقولون عن دمعها المتبدلة ألوانه حسب المصائب ، وما أكثر المصائب وما أجود شموس النهارات بلون السواد ، يقولون عنه ، دمعها لؤلؤ منثور يكشف ما تنطوي عليه من جمال صارخ .. وجذب باهر ..
كم من مرة تكررت المأسي .. ؟ كم من صيف أحرق أحلام ربيع وريعان شباب .. ؟ وكم من رقم أحب نجاة أكثر من نفسه ، وعانى خيبة الإنتظار حتى ماتت فيه مدخرات للقبلة والعناق والنوم .. والخلم .. والإستيقاظ على أزيز عربة الأزبال البلدية وهي تكنس الشارع من الفراغ ، والكابوس ، وهموم الأحباب .. ؟؟؟ كم .. ؟
لا يهم الرقم ..
هي محصورة بين أمرين كلاهما في غير صالحها :
إن تكلفت البسمة خدعت نفسها ، وإن أشرقت من حدقتيها مياه رفضها طولبت بالمزيد ..
مرة بلغت من الغضب أحمره . مزقت فستانها . أفسدت تسريحة شعرها . انفصلت عن عطرها العبق . تعمدت أخذ صورة مشوهة مقززة معافة .. فكان أن تضاعف ولعهم بها ، ارتفع جنونهم بها درجات قياسية . سئل مولوع مجنون :
" لماذا كل هذا الإحتكار لنجاة .. ؟
أجاب على لسان أمثاله في الشعور والجريمة :" لشئ فيها لا تدريه ، ولا تملك القدرة على تحويله سلاحا في قبضتها ، ومن ثمة طعنة نافذة في أصداغنا البارزة .. إنا نريدها مؤتمرة بأوامرنا ومنتهية بنواهينا ،
نحن السادة ،، نحن الأقلية القليلة ..
ذات صدفة ماضية باغتها أولهم في شرك محتال . تصاعد الدم في رأسه ثم هبط . أكلته الغيرة ولم تبلعه . قال لها لائما :
" ما مر على بالي أن تكوني رخيصة لحد المجانية ..
صمتت . طأطأت رأسها خجولة ، ذلك الخجل الذي يركب وجه المتلبس بالحرام لما تفضحه عين طالبه في الحلال . تقارنت الصورتان في ذاكرة أولهم . كاد يبكي جهرا لما تجلى له تناقض في ذات مفردة :
أين منه نجاته .. ؟ أين منه تمنعها كبكر تخشى فقدان الذخيرة ، وكلام الناس .. ؟ كان تمنعا بلا عذر محسوس أو مقبول على موائد الأشقياء ، وألمه أن يكون أخر من يعرف غفلته ولا يقرها ..
لما رجع أولهم إلى مقهى الراحة كان تعبه قد بدأ من الأول . دخن ما فوق طاقته من الحشيش . لقي مواساة ومؤازرة من كل الرواد . قال رابعهم :
" كلهن يتساوين في الأقوال والأفعال ، في الأوصاف ، في اللطافة المنعت يها جنسهن الغاوي خشونة البلهاء أمثالنا .. لطافة أفعاوية ، فقد يموت العشاق بالسم الناقع أو الإرهاب المفضوح فجأة ، أو الإهمال التام ..
قال خامسهم بنبرة حزن قد ينال جائزة لو يشارك به في مهرجان أحزان :
" كلهن يدعين خشية العار ، ونحن نصدق .. لكن .. يعلم الله ما يفعلن في الخفاء ، في بيوتات الهوى والدعارة اللائقة بأصحاب المقامات والمراكز الإجتماعية ..
الزمان ، زماننا ، نحن الأرقام ماع ، فاثبتي تفاصيله يا ذاكرة البلاد ..
وذات صدفة معادة كما تعاد الحسرة ، فاجأها سادسهم بين قبضتي راش متجبر متسلط ، سدد مهرها بالعملة المعومة وأسرع في اختزال عمرها اللامحدود ، في استنزافها بشراهة أحمق أكول ، لينعم عمره الجد محدود ..
" هكذا تخونيننا يا نجاة .. ؟
فكر ، ثم اهتدى لمفارقة عريقة في الإيلام ..
" كان يجب أن يشغل ذاك المكان من هو أهل له ،، وما أكثرهم ..
" ذو المال هو الأهل لما فوق ذلك ..
هكذا ينبثق التعارض في نفس العقل ليعوزه ، ككل مرة ، عن إيجاد التوفيق بين الكائن والذي يجب أن يكون .. المال ، إذن ، هو عصا موسى في عالم سائل ، غارق حتى القطبين .. الغرقى يطوحون بالصرخات الجهورية تلو الصرخات الواهية . الزمان صار أخرسا لا يسمع ولا يرحم .. وما سادسهم إلا واحد من الغرقى ، ونجاة هي البطلة التي بشرت بها القابلة .. إنها لم تولد بعد فهذا الفجر بعيد .. بل ولدت ، وشبت ، وترعرعت ، وكبرت .. واختطفت لما كانت تتجول في رياض الأمل الغناءة ..
سادسهم رأى الراشي يقبلها وهي في كامل الإستسلام ، ذاك كان مظهر بادي للعيان . أقسم على نقل وشاية مستعجلة لمن يهمهم أمر غدوها ورواحها . عندما فعل لم يبدوا حزنا مثلما حزنه هو الذي رأها بين يدي عملاق ، وسمعها تئن من فرط الألم اللذيذ تارة ، ومن فرط اللذة الأليمة تارة أخرى ..
لقد اختفى عاشرهم عن الآخر . الكل عرفوا ذلك واجتاحتهم حسرة كبرى . رفض أن يحمل فيروسا خطيرا ، مشهود له في صفحات التاريخ المحرمة من التدوين العلني .. من القراءة .. من إعادة القراءة .. لو حمله حتما ستنتهي به الجريمة إلى الحرق في فرن مكشوف ، أو الإحتفاظ به في حوض ماء حامض في حدائق الفيروسات و الجراثيم والحشرات الفتاكة ، في حدائق لم توجد بعد .. لكنه ، وهو الصغير الأخير ، طعن ثامنهم من الأمام لكي لا يتهم بالغدر ..
تلكم الإنسانية ذادت عن نفسها ، تصدت للشبح المرعب ، وطعنته في الصميم ..
عاشرهم سافر بلا جواز سفر ، بلا حجز تذكرة . سافر دون أن يودع أصحابه المتتالين دون أن يمزق الحدود كما طالما اشتهى .. لعله يتذكر ، كانوا قد أفتوه هجرة إلى بلاد النجاشي لما استعصت عليه باقي البلدان ، قالوا عنها بلاد أمينة عادلة ناصرة .. ونسوا أنها ليست غنية وأن ليست بها مكاتب تشغيل .. لو سمع وأطاع لنزل في الأفواه المفتوحة لقمة جاهزة ، يأكلون لحمه ، يشربون دمه ، ويدفنون عظامه لتصير سمنا فيما بعد كما في خرافيات الأطفال السذج . قال ثانيهم :
" إنها مجرد مبالغة ، إنها مجرد نكتة ..
قال سادسهم : " إنك لم تعشق من الفكاهة إلا مضحكها ، مسليها في غباء ، لقد صحت الفتاوي الضارية الهمجية : حلال استعباد وغصب وأكل الإنسان لأخيه الإنسان .. كل ذلك تم تحت حجة الضرورات تبيح المحضورات ، والحاجة أم كل استحلال غريب ..
عاشرهم ، لعله ندم كثيرا على امتيازات متاحة ماضية ولو كانت قليلة ، لكن لا ندم ينفع بعد أخر الجنون .. فتجده يعود إلى وضعه الجديد راضيا مرتضيا .. لو هاجر بعد جريان الدم على التراب لقضى نحبه ممنوعا من الإياب ، وقد كان ممنوعا من الذهاب .. الحنين والحب شيئان لا يتلفهما الفراغ ، لو هاجر لانفصل قسرا عن الجسد الحميم ، الوطن .. لو هاجر إلى منابع أنابيب البترول ..
لم يعد ينفع التمني بعد التجلي ، لقد اختفى عاشرهم ، ولم يعد يذكر بعد إحياء ذكرى أربعينية الأحياء ،، لقد كان في أخرالترتيب ..
تمتم رابعهم بصوت يرزح تحت ركام ماض كاسد :" كانت مجرد إشاعة مؤذية علقت بسيرة عاشرهم ، إنه أنقى من وردة الصباح وأطهر من صبي .. وإلا ما كان ليعشق دم ضحيته لما لم تجديه كل الوسائل ..
أرقام دالة
لأني أحببتك ياامرأة ، هأنذا أتخذ كلماتك مدخلا جميلا لكلماتي ..
أنا التي سقطت ، وأنا التي لزمت موقع سقوطي ..
أنا التي كنت ألعن شعور الحب إذا تحول عملة للمقايضة ، وألعن الوفاء إذا صار درهما في سوق الخضر ،، وألعن الصدق إذا عاد مجرد قشرة موز في مزبلة الترهات تصطاد خطوات بلا دليل .. أنا الساقطة في بقايا المكان ، وعلى جسدي علامة فشل ، وفي فؤادي مدخنة صغيرة ، يخرج منها دخان نار تحرق القلب وتكويه ، توقظ فيه هدوء الألم والندم .. لم أكن فقط قد مت ، إنما كنت منساقة عبر فجاج الضياع ، طوع تيار الهواء الأخير ، صوب مقبرة قديمة دفنت فيها أجساد حصدتها مناجل اليأس ، وألمتها سياط العذاب .. وئدت فيها أمال ..
.. .. ومن طيات موتي نهضت نداءات أقعدها الجبن عمرا ضاع مني ، انتشلت روحي من قبضة
جلاد المنية المستوردة رغما عن حنقه .. وسيفه المشهور .. فاستسلمت للمصير .. وقلت : لأدع الأمور تمشي على هواها ..
تكررت النداءات ، تحولت صرخات ،، ثم أيات ، بعدها تحولت إلى صلوات مقامة في محاريبي العميقة ..
وما أزال كما كنت أصلي وسط مأساة ، وأترقب يوم يمنحونني رقم قبري ، وإسم النمل الذي سينخر جثتي ، ثم بطاقتي وتأشيرة ارتقاء من دنيا .. إلى .. دنيا ..
1
كثيرون هم جالسون في ساحة مقهى الراحة . كانوا يتجاذبون أطراف الحديث ، ويتيهون في شعبه المتشعبة . يخفتون أصواتهم باللامباح منه ، ويرفعونها بمباحه .. يسمعون النكتة ويضحكون .. ثم يصمتون ، ويندمون .. ويسمعون الحكمة من أهل الكلام . أهل الكلام يتسولون خبزهم بذكر
4
النهار تقلص كأنه يهيئ لذوبان نهائي ، الليل طال ليعطي مزيدا من الفرص للكوابيس الفاشلة ، الحرارة الدنيا هبط زئبقها كأن هناك تخطيط لتجميد العالم .. هي طلائع فصل يحل ، أواخر فصل يرحل من الأعمار .. هكذا تتوالى الفصول عديمة البسمة ، وتتكدس الذكريات الحزينة في الأذهان ، أجمل ذكريات مقهى الراحة والشارع ، والمدينة العائمة في سخط لا تعرف مصدره .. أجملها نادر كيوم عيد بلا دمعتين ، وأتعسها عام كالظواهر ..
من يشتري بالجملة مواضي مهمشة بلحظة اعتراف في هذه الحياة .. ؟ التاريخ لا يباع ولا يشترى ، لكن فيه المبكي والمضحك .. من أراد البكاء .. ؟ من أراد الضحك .. ؟ من يشتري ماضي البكاء والضحك معا .. ؟ لا أحد .. انتهى المزاد لكي يبدأ .. بارت الأشياء الخانقة في ذوات ضحاياها ..
في الخريف يستشعر العالم عبوره بلا عطية ، يستشعر ضعفه أمام قوى لها أنياب وأخرى لها أيادي .. لماذا تتعرى الأشجار لتورق وتبسق نوارا من بلاستيك ، ورواد مقهى الراحة باقون عراة لم يورقوا مرة ،، لم يوعدوا بأن سيأتيهم فصل الورق .. الأمل غد ، لكن غدهم بلا أمل .. ما العمل .. ؟ العمل . العمل . العمل .. العمل ..
ما قيمة كل أعمارهم المنصرمة عند المتتبعين المجردين من عواطفهم .. ؟ لا تساوي رمشة ندم على أنها مضت .. لكنها أعمارهم ..
لا شئ يثبت الرحلة إلا الأسى . السفينة تائهة رغم اعتمادها الخريطة و البوصلة والإتصال اللاسلكي .. المؤكد أن أعطابها عديدة ، بليغة ، وقطع الغيار لابد وأن تأتي .. تأتي من الخارج وإلا ظلت الأعطاب كما هي ، تزداد سوءا .. الخارج يصلح ويفسد الداخل ، وفي الداخل عقول مرمية .. أين تلك العقول من اشتهاء سطح القمر .. ؟
" أوه .. رأسي يؤلمني منذ عمر ..
قال أولهم بعد أن تأوه في فتور .
" إنك مصاب بشقيقة الأجيال ..
أجابه ثالثهم وهو يجود بابتسامة بلهاء .
لا معنى للذرات لما يطمس كونها . لا معنى للشجاعة في زمن السلاح والآذان الآلية . الواقع يعري النظرات الفاقدة مرافئها .. ألفة إجبارية تثقل الخطوات ، تجعلها رتيبة مملة يقوم بها الجسد لا المخ .. والمتوقع .. ؟ لا ينفع معه اللاهروب . قدر بلا ذنب ، فليأت إملم الحي بتفسير حتى لا يتزحزح الإيمان ..
ميكروفونات سفينة الرحلة المثبة في كل مكان تبث تهدئات جد قصيرة ، غامضة ، تفصل بينها مقاطع موسيقية مائعة رائجة . الركاب يلعنون الملاحين سرا وعلنا ، هم السبب المباشر في تيه بحجم تيههم .. لعنة .. الميكروفونات تصيح :
" لا تيأسوا أيها المسافرون إلى الهوة السحيقة ، إن الله معكم ..
ثم يتردد مقطع موسيقي ..
" هل تحب راي بلادك ياخامسهم .. ؟
تساءل ثالثهم وهو يخلل لحيته التي شحت عليها الشفرة . صمت . لم يحرز جوابا . تابع تساؤله :
" راي .. راي .. راي .. ؟ .. ؟
ثم قال في شبه عصبية :
" أحب ما شئت ، أنت حر ،، لكن اعلم أن الجيد ذهب والرخيص يعتري لمعانه لون الصدأ ..
هدأ بسرعة . عاد يسأله :
" لو خيرت بعد التهدئة الميكروفونية الآتية أي مقطع موسيقي تريد سماعه .. ؟ ترى ما هو .. ؟
" رغبات المستمعين ..
ضحكوا جميعا ثم ندموا على أنهم ضحكوا .. فصمتوا .. يصر ثالثهم على الجواب . يقول خامسهم وعيناه معلقتان في الخواء :
" لله يا سفينة .... وين غادية بنا ..
الركاب يزدادون إحساسا بالضألة ، ما أهول أن يضأل الكل حين تبقى أقلية ملاحية تنفثها تهدئة كلما قامت فيها ثورات أعصاب ، تغرقها في البحر الضاري كلما اشتعلت . ضألة .. ومقاطع موسيقية تحضر وتغيب فيها دقات البندير المثقوب ، والميراث الشعبي .. ما أدرى الركاب .. ؟ لعل ملاحو السفينة منهمكين في إصلاح الأعطاب والإتجاهات ، وتحديد مواقع تحت الصفر للإنطلاق ، لعلهم يصلحون غلطات مرتكبة في شأن أبرياء عشقوا سفرا مريحا ..
أو لعلهم يغطون في تغافل عن موج ينتزع أخر المجاديف ، وعباب يلهو بأخر النظرات ، وضباب كثيف يوقع الخطوات .. وبحر يغني للمستضعفين .. فجيعة .. لا شئ يهم بعد أن تأخرت الرحلة المهمة ، بعد أن أدرك كل الركاب أنهم مجرد أرقام في ذاكرة مرسى تقادمت .. مجرد أرقام طافية فوق المأسي اليومية والماء .. ساء حظها .. " لو كان سفرا كما في الآمال .. لو كان سفرا ..
ثانيهم أسفا .
" لو كان ..
سادسهم يكرر الأسف ..
" لو ..
رابعهم ينحت الأسف في الأعماق في لحظة اندحار المناعة ..
البارحة سمعت زغرودة في بطن الليل ، فشرحت القلوب لصلاة فورية أجرها من شوك و ندم . التفكير دائم الإشتغال حتى يتحول نقمة ، ولا أحد أفلح يوما في أن يوقفه لحظة ..
وحده تاسعهم :
" كيف أفلحت في الإمتناع عن التفكير إلى الأبد يا تاسعهم .. ؟
تساءل سادسهم ولم يظفر برد شافي ، فازداد إيمانا بأن الإنسان لما يفقد عقله يكون حرا ..
البارحة عادت سارة من غيابها القسري عن رائخة التراب و الروث ، الزغرودة كانت لها ، وكانت عشاء لجياع فقراء .. هاهي الآن تمر بنفس الشارع المترب ، قرب نفس المقهى .. ربما لتتأكد أن كل شئ باقي على عهده الأول ، وربما لتعطي سابعهم أخر فرصة له فيها . بدأت فعلا الغمزات الأجنبية تخترق لامبالاة سابعهم ، لكنه كان في داخله يبالي ويمثل دور الغافل ..
اقتربت سارة من الرواد . تناهت إلى سمعها نفس العبارات القديمة . لا شئ تغير ولا شئ تحرك ، لكنهم لم يموتوا .. إنهم أحياء وكفى .. صمود أم جمود .. ؟ لم تظهر على سارة إمارات الطرب الداخلي ولا إمارات الغضب المفضوح ..
" لقد اعتدلت ..
صاح أولهم . فقال رابعهم :
" لا تظلمها ، فهي الأخرى قادرة على تأطير العاطفة بفكرة .. لقد تعلمت كيف تبقي فرحتها لنفسها وحدها ولا تنفضح ، وكيف تعطل جهاز الغضب فيها ولا تكون مجنونة .. لقد تعقلت ..
كان ممكنا أن تتمادى سارة في التعبير عن متناقضاتها علنا لولا أن حذرتها عمتها من مغبة اتضاحها في عصر الظلام ، فأطاعتها .. العمة استكهنت مفاهيمها بحكمها امٍرأة تعرف سلوكات كل امرأة ، فقدمت لها نصيحة مجربة لتقلب الموازين :
" متى تجاوزت الفتاة سن رشدها ولم يطرق بابها خاطب ، عدت من العوانس ..
" ومتى تبلغ الفتاة سن رشدها ، يا عمتي أطال الله في عمرك .. ؟
" لما ينشق صدرها عن تفاحتين ..
" أه .. يا عمتي .. نسيت متى حدث في صدري ذاك الإنشقاق الذي ترتب عنه نهدي هذا .. ونهدي ذاك .. نهدي اليمين .. ونهدي اليسار ..
" مهملة لأعز تحولات طرأت فيك .. لا عليه ، سأبحث لك عن ذلك في ذاكرة أمك ..
" والفتى ما نصيبه من إهمالي .. ؟ قد أكون غدرت به لما فتحت له مجال الحب .. ؟
" لا شئ ضده ما دام هو الفتى ، الراغب فيك ، الخاطب لك متى توفرت له الشروط اللازمة ..
قام سابعهم لاحقا بسارة بعد تحميس الرواد له . عندما أدركها ومشى جنبها ، لم تسعفه الكلمات بالشكل الذي كان يتمناه ، ولا بالبساطة التي ظل يمرن عليها لسانه .. احمر وجهه . تلعثم وكأنه في أولى تجربة له مع سارة .. في البداية لم تكترث به مما زاد في ارتباكه ، وفي النهاية أدركت ما يرمي إليه من كلام معاد ،، ومن حلول مطروحة للتمديد و التأجيل .. إلى متى والعمر لا يسع أدنى الأحلام .. ؟
لقد سئمت سارة تعاطي الحب بلا نتيجة إيجابية مرسومة . انساقت كثيرا مع العواطف ولم تجن إلا الركود في أملها ، أملهم ، والبقاء في نفس الوضع السائد .. إنها تريد بيتا سعيدا ، وزوجا يملك القوامة المادية كما العاطفية والنفسية ، وتجربة ناجحة في استخلاف أجيال راقية على الأرض . قالت له جازمة القول :
" إما أن نرتبط ارتباطا وثيقا أو نفترق كما لو لم نتحاب قط .. إني ، بأحد القرارين الذي قد تختاره ، أريد قطع ألسن الناس المسيئة لي ، أيرضيك أن يقال عني بائعة هوى .. ؟
" ماذا تظنيني أختار أنت الأدرى بي مني .. ؟
" على أي وجهك وعد يا سابعهم ..
" أتسخرين مني ، بضعفي في معركة حياة .. ولا انتصار بعد ..
" لك بطاقة انتماء ..
" تلك البطاقة باتت تنفيني عن جسدي وبلدي كما ينفيني ظهر أمي ..
" لقد أفجعني الجمود الذي يبني حيواتكم ، وقد غبت أطول من عمر فرصة ذهبية . كنت أمل ما فوق اللغو بقليل ، أسفة حتى بكائي في خلواتي .. أكاد أفقد صوابي فأشتمكم بقسوة ، وأنعتكم بنعوت لاذعة ..
" سارة ، إننا جبلنا على اجترار الكلام على العواهن ، بلا مبادئ ، بلا أسس .. الفراغ الذي يحيق بنا يحرضنا على وقوف تلك المواقف ، يوقعنا فيها مهما صبرنا وتمنعنا .. لن نتخلى عن الكلام ولو في سرائرنا ، لكنه يبقى مجرد كلام ، فلا تهتمي بالأمر كل هذا الإهتمام .
" خسارة هي كل الأقوال بلا أفعال ..
" لكننا مقتنعون ، ولنا من الكلام ما نخاف إذاعته حتى لبعضنا البعض ..
سابعهم على حق . الوقت يضيع من بين أيديهم ومن خلفهم سدى ، إنهم لا يفكرون في طرق الخروج من الهزيمة ومسح تراب الإنكسار يعلو جباههم . أبسط أمنية جادة أن تقف الهزيمة عند حدود الجسد ، أما أن تغوص حتى القلب فتلك كارثة ..
إنهم اعتقدوا براءتهم الكاملة ، فركنوا للبطالة وأطاعوها فيما تأمرهم به ، أو تجرهم إليه . اتفقوا على تعاطي الحشيش والخمور واشتهاء اللذة الجنسية ، والكلام بدءا بالمواضيع الجوهرية الضاربة أطنابها وانتهاءا باللغو والنميمة و الغيبة ، والقذف للمخصن من الإنسان و الحيوان والجماد بجميع أشكاله اللامطاقة .. اتفقوا في الأفعال والأقوال والأفكار كما لو أن فلسفة التباين القائمة بين العقول مجرد عبث ، أو على الأقل عبث بين النسخ المتطابقة .. وإذا قيل لهم :
" قوموا للبحث عن عمل ..
قالوا :
" ماذا نعمل .. ؟ لم نجد عملا والبحث استنفذ منا الأمل ، وكان اليأس ..
فيستحيل الجواب . يتوقف الحوار .. ويعود كل شئ إلى مبتدئه ..
جرب سابعهم التفاوض ، لكن سارة تبدت عنيدة ، متمسكة بالقول الفصل ::
" أمامك قرارين للإختيار ، فإما .. .. وإما .. ..
" سارة ، أبسبب تصرفاتهم العشوائية تأخذيني بكل هذا الإصرار الغير معهود منك .. ؟
" أرجوك ابقي على ثقتك الأولى بالنفس ، إنك أجمل من منافساتك ، وهم كلهم يتمنونك في حقيقتهم المتوارية تحت الجلد ..
" تريد بهذا تعميم القصد الشريف بي عند كل الرواد ، تريد تبرير ما قيل فيك من أنك مصلحي ،، وأنك قواد ..
" بل أريد تبرير خلو ماضيك كله من طالب مهذب واحد ليدك الكريمة الناعمة ، ذاك الخلو الذي أيقظ فيك التخوفات على مستقبلك .. كلهم يتمنون ارتباطا وثيقا بك ، وأسعدهم سباقهم إليك ، الظافر بك ، لكنهم عاجزون عن ذلك بسبب أعباء القوامة في عصر الغلاء و الصمت .. نفس السبب الذي يحول دوني واختيار أجدى القرارين ..
أتعلمين ماذا قال أولهم فيك .. ؟ قال : لو تتاح لي فرصة الإرتباط بسارة أقيم وليمة كبيرة ، أذبح عجلا وكبشا ودجاجة لا تبيض ، وأدعو كل المحرومين من أكل اللحوم والمكتفين بشم رائحة الشواء ، شوائهم ..
سابعهم على حق . إن لسارة في القلوب ما ليس لغيرها : سارة النوارة ، سارة الجميلة بلا مساحيق ولا مراهم ، سارة العلامة التي تذكر الرواد بعزوبتهم المتجاوزة سن الزواج ووجاء الصيام ،، سارة الحلم القابع في مخيلات المتكدسين في غالم ثالث ، الواقفين على أرصفة النسيان ينتظرون الذي قد يأتي .. أو لا يأتي أبدا ..
تنهد سابعهم . يريد أن يدلي برأيه في قضية مفتوحة ، ماذا عليه أن يفعل .. ؟ كيف عليه أن يفكر .. ؟ ترامى إليه صوت سارة وهي تقول في حزم :
" لقد مللت أراءك وأفكارك ، أريد قرارك ..
قتل التردد في ذاته . قال في هدوء :
" سارة ، أنا لا أستطيع الإرتباط بك في حاضر يصرخ عقمه ، والعوارض سبق الإدلاء بها بلا زيف .. أما وإن كان ولا بد من الفراق فاعلمي أني سأصاب بحسرة عنك مزمنة ، واعلمي أنك لن تفرحي بعريس بديل عني ، عريس رسمته عمتك في خيالك .. فالظروف الرديئة شملت حتى الجنين الذي سيرى النور العام المقبل ، والأسباب العائقة مشتركة كالتراب والهواء ..
" إذن هو ..
" أرجوك لا ..
تقطع الكلام بسيوف صقلها اليأس ولمعها الخوف . ساد الصمت . انشطرت النكبة في كيان واحد .. وافترقا كما تفترق الروح عن وطنها ..
ذهب كل منهما في اتجاه يبحث عن بدء أضاعه ، عن رفيق حميم فقده ، عن ميلاد قديم لا يد له فيه .. فأنى لأشياء تعود وقد سماها الزمان ذكرى ، وذكرى ..
أولهم صورة تفضح ظاهرة بلا أدنى إجراء ضدها : بطالة تنعدم فيها سيجارة ..
ثانيهم نكتة تضحك حتى تبين عن النواجذ الصدئة ، نكتة تبكي حتى تقرح العيون ..
ثالثهم متشائم وإن ازرق أديم العلياء ، متخوف من الغيب مهما أوتي علم التنبؤ من مصداقية ..
رابعهم لم تبق له رغبة في حياة متعفنة ، إنه يدنو من الأفول .. حكمته شاهدة ، وصمته مقبرة لما يطول ..
خامسهم يئس ، وينقل عدواه إلى من يليه ..
سادسهم سبق أن أساء إلى سارة ، وربما هو أصل الإنقلاب فيها ..
سابعهم يعيش فراغا مثقفا ، عنده شهادة تعليمية نال عليها تهنئة ، ثم معايرات لما حق كسادها .. نادم هو عن العمر الذي بذله في سبيل أمل أسفر عن لا شئ ، الذي استغرقه في تعلم الخط وقراءة القرأن والتلاوة ، وكتب علماء ومفكرين أفذاذ .
في يوم ما سيعمل بالنصيحة التي أسدتها سارة لسادسهم مرة ، سيمزق تلك الشهادة البائرة ، ويعكف على الجلوس على طوار الشارع المفضي إلى النهاية ، إلى الأجل المسمى .. لكنه لن ينسى بتمزيق وجه أمل في صلبه نما ..
ثامنهم يذكر لأنه ترك فضوة في العد الحسابي ، فينال اللعنة ميتا كما نالها حيا ..
تاسعهم والعقل منفي فيهم من زمان . لن يحب مرة أخرى كما لن يفكر ، هل فقد حتى القلب .. ؟ تكفيه لدغة من سلوى ، والمحب المجرب لا يلدغ من جحر مرتين .. لا جديد عن عقله ، والإعلان عن فقدانه في جريدة المدينة ،، في عامود الحاضرين ، الغائبين ، لم يأت بنتيجة .. مرة واحدة تؤرخها ذاكرة مقهى الراحة صاح تاسعهم :
" لو تعود لي سلوى وردة متوحشة شربت حبي حتى الإستئناس ، لو يمتلئ فراغي ، يرجع لي صوابي ..
ولا أحد يصدق المهبول ، إلا الذين يبدأون نفس المصير ببطء ..
عاشرهم مفقود بلا قبر .. الظلام وصرير الأبواب ، الإسفلت ولغة الحذاء ، الرقم و إناء الطعام ، والمرحاض .. والبول .. و .. أشياء كثيرة وفصول من تاريخ إنسان . سيروي كل شئ للأحرار إن قيض له الرجوع إلى أصله شيخا أبيضا بالظل والكبر ..
الرواد أرقام والأرقام رواد . جلساتهم ثابتة في العدم و الندم . عيونهم بلا غد . سابعهم مهموم ، شره في تعاطي الحشيش واحتساء ثمالات الكؤوس ، إنه يداوي نفسه ، الله يشافيه .. إنه يقتل نفسه ، هي نفسه وهو صاحبها ،، ضحيتها .. يدبر راسو ..
من المسؤول عن بقاء سارة في دائرة عنوس ، وبقاء كل الرواد في دائرة عزوبة بلا بشرى .
لقد صدق من قاس التقدم والإزدهار بارتفاع الدخول الفردية لما لا يغالط إحصاء الأفراد ..
يتذكر سابعهم يوم الفراق : ذهبت سارة بلا وداع ، بلا تلويح من بعيد ، بلا وعد لتجديد الحب ذات عهد .. ورجع المسكين يومها إلى المقهى يجر خيبة ، يحمل دمعة . وجد كل الرواد هناك ، حالتهم ساءت وتفاقمت كأنهم شهدوا معركة فجائية ، هي معركة الرقم ضد دلالة ينكرها .. لم يسمع منهم سخرية كذي من قبل ، إنهم مثله ، والذي جرى عليه يجري عليهم ..
لم يفرحوا لأن سارة غدت في حل من سابعهم ، ولم يطمع أحد منهم في أن يعوضه عندها ، أن يستغل الفراق الأخير .. فراق الجوارح .. فكلهم مصابون بالعجز العضال الذي رفض بسببه سابعهم ، معانقون نفس الأمل الذابل على مهل ..
فلم يزيدوا على أن بسطوا العزاء لسابعهم ،،،
ثم لأنفسهم المثيلة في المصاب ..
واستمروا في حياة بلا طعم لذيذ في قاموس الشهيات ..
بعد موت أخيها لبست سلوى ثوب الحداد ، وأقسمت ، جهارا ، على ألا تنتزعه حتى تفعل ذلك غسالة الميتات ، وتدرجها في كفن بلون الغفران ..
ثوبها الأسود الحاجب لكل عوراتها أضفى عليها صورة متدينة بالقلب ، متصوفة ، تناجي طيف رابعة العدوية في فردوس الخلد .. وتصلي ، وتصوم ، وتذرف الدمعة على دنيا الغرور أغرتها حينا من العمر ..
لولا الذكريات الدنسة الثابتة عنها في صرح الزمان والمكان ، في كل الأذهان ، لأحرزت العفو السريع . فماذا يؤكد أنها انفصلت عن سيئاتها ، وإساءاتها .. ؟ وماذا يبرهن أنها صادقة في التوبة والزهد .. ؟ قد يكون حمقا على طريقة بورجوازية ، فينخدع العالم للمرة البليدة ..
قولتها الشهيرة لا زالت تتردد في الأسماع كأنها قيلت اللحظة ، فتثير تأنفا وإعراضا وإدانة مطلقة بالإجماع :
" أفاتكم مرجعها النزوة الغالبة فيكم ، هي في الكبت الجنسي الذي تنطوون عليه ، كما البنادق تنطوي على الرصاص ولا تنتظر إلا اليد تضغط على الزند .. هي في اللذة الجنسية التي لا تشبعونها ، فوالله لأستعملنها ، أنا مالكتها ، وسيلة لتحقيق غاياتي الكمالية فيكم ، ولأحولنكم رقيقا في حظيرة عطري ، تحت إمرتي ،، أبيعكم بالفرد و الجماعة .. سموني استغلالية أو امرأة لها نظريات جديدة في علم الكيد ، لا يهم ..
تلك قولتها راسخة في هواء الشارع تعفن المبادئ ، وتلغي المظاهر . لو لم تقلها لكانت الرحمة بها شائعة ، ولكان استئنافها في قضية سمعنها الآتية إيجابا ..
قال ثالثهم في حنق :" ما أشركتنا سلوى في سرائها لكي نشاركها ضراءها ..
سلوى فقدت عقلها لترد الحمق بالحمق ، فعقل تاسعهم لا يجب أن يذهب هدرا .. لقد كانت أول من فوجئت بجثة أخيها ، ثامنهم غارقة في دم متكبد ، هامدة في خجل ، مسجاة بأخر ندم .. صرخت . الصدمة كانت أعنف من عقلها السخيف الذي ظل محصورا بين فخذيها . عجل أبوها بعرضها على اختصاصيي البلد في الأمراض العقلية والنفسية ، ولم تفد العجلة شيئا . طبيب نفساني نصح أباها بجعلها تعاود اكتشاف جثة إنسانية ثانية غارقة في دم متكبد ، قال أن الصدمة تذهب بصدمة شبيهة .. لكن أين هي الجثة التي يساوم عليها صاحبها ، فيمثل دورا دنيئا ،، ويموت موتا شنيعا .. ؟ ولا أحد ..
حاول أبوها شراء ممثل الدور بمال وفير ، بجائزة كبرى . لم يغتر أحد بعد بالمبلغ المعروض ، ربما هم ينتظرون ارتفاعه ، مضاعفته ليتهافتوا على أن يصيروا جثثا ، لأنها مسألة موت لأجل حياة أفضل .. وربما هم ينتظرون حلول زمن الإغراء ، حيث تجرى مباراة لإختيار القربان الآدمي كي يعود عقل سلوى المصدوم ..
أبوها حملها إلى اروبا وأمريكا حيث أخبروه أن طب إبن سيناء والرازي شهد أكبر التطورات ، فكان يلقى نفس الجواب ، الإعتراف :
" إن لنا حالات مماثلة موضوعة تخت المراقبة الدقيقة ، تحت المجاهر منذ زمن طويل .. لكن للأسف لم نتوصل إلى أبسط تحسن نبدأ منه التفاؤل ..
الخبر ساد كل الأرجاء المهتمة . فشل يقتص لتاسعهم ضياع عقل ، ولكل الأرقام التي تؤلف بينها لحمة العد العكسي . خرج رابعهم من صمته فجأة وكأنه هارب من أغلال ، أغلاله دفينة ، لكز تاسعهم لكزة غبطة وكله إحساس بالإنتصار . قال :
" ستقضي سلوى بقية عمرها حمقاء حسب لغة الشوارع ، مريضة حسب اصطلاح العيادات والمختبرات ، لن تشفى أبدا .. غنته إذن من حمقك اللحظة يا تاسعهم ، عد إلى مجدك لنصارع معا أمطار الأفكار ، لنقلب ما قيل .. .. وما قد يقال ..
لنبدأ من صفر قديم في حساب جديد ..
استبد تاسعهم بشرود يصبغه كل الجنون . بدا وكأنه لم يسمعه ، كأنه لا يشاطره الإحساس والرأي المشار به عليه .. فانزوى رابعهم في صمته المألوف ..
دبت حركة غير عادية بين الأرقام والأسماء . اختلطت كل الإختلاط ، فضاع الترتيب والتصنيف .. طفت كلها فوق صفحة موحلة متماوجة ، متصاعدة إلى أعلى .. ماذا حدث .. ؟ أو لعلها حملة تطهيرية للحشاشين والمتحششين متكررة بلا سبب ولا نتيجة ، أو لعلها دورية تبحث عن اللامنتمين لجدوى أرضهم ، لكي يكالوا المزيد من المنفى العلني ..
لا ، لا .. لا .. لقد لمحوا نجاة في رأس الشارع ، أتية من غيب هش ، تحمل علامات تعب وإرهاق .
هرعوا إليها فرادى وجماعات كما تهرع رمال السواحل الواطئة إلى غور بحر . زحفوا صوبها شاهرين أمالهم ، وأحلامهم ، وطموحاتهم ، وإصرارهم على نيل حقوق في الحياة .. بين فترة و أخرى كانوا يصيحون صيحة رجل واحد :
" ليس منا من يرى حقه مهضوما ويصمت ، واللعنة كل اللعنة على الخائفين ، اليائسين ، المنهزمين ، المستسلمين لخرافة المكتوب والقسمة و النصيب ..
إن الحياة ، يا نحن الأحياء ، تؤخذ ولا توهب ..
زحفهم اقترب من نجاة . هناك من هم ضد نجاة . خافت أن يدوسوها ويمزقوها إربا إربا . استبدلت شارعهم المترب ، المنسي حتى من جامعي الأزبال ، بشارع أخر معبد بالنايلون ،، مرصف بزليج مائي ، ينبت على قارعتيه السوسن والعشق ، وتغرد في شرفات منازله طيور متحررة .. لاحقوها في ذاك الشارع ، بين كل الشوارع ، كالقطط الضالة التي لا ترهب انطباق الظلام ولا وحشة الشتاء ، بل فيها تبحث عن الأكل و الشرب ، والإختفاء .. والمتعات المنبثقة .. والمواءات اللذيذة ..
لم يبق أحد في مقهى الراحة ، كأن عهد الراحة تمدد بما فيه الكفاية ، ثم ولى .. أصيب صاحب المقهى بالذهول برهة . لم يخطر بباله أن تتحرك الأجسام بعد أن صارت أحجارا ، ولا أن تزحف الأرقام بعد أن صارت نقوشا على وجه زمن مفجوع .. لم يخطر بباله أن يهجروه ، ربما كان هناك سابق اتفاق فاته الإطلاع عليه .. لكن لمن تكون هذه السلطة الجبارة التي أطاعوها بلا أدنى تردد أو تفاوض .. ؟ لمن تكون .. ؟ لمن .. ؟
خسر صاحب المقهى كل شئ قبل الخوض في معركة انتخابية قريبة ، ضحاياها أسلاف الضحايا .. كان يعتقد أن زبائنه عجينة في يد تعرف كيف تصنع الأشكال ، كلهم أصوات مضمونة في صندوقه ، كما في حسابه .. من أبدى معارضة أغدق عليه مشروبا ، ومشروبا .. ومشروبات حتى يسكر ولا يفكر .. أذاقه حلاوة الإرتواء بعد عطش قاتل . العنيد الممتنع يذيب له حبوب منع الرأي خلسة في مشروب عادي ، مرغوب فيه لمل يجف الحلق وينادي الظمأن : أنقذني وخذ كل شئ ..
فيأخذ منه بالمقابل صوته ، ونفسه ، وحقه ، وزوجته لما يقرها عقد نكاح ، وأولاده لما يولدون في حساب مفتوح ،، وأخر أمتعته الغالية .. ينهبه بلا ضمير ، ثم يهمله كالنفايات .. ما أقسى أن يهزأ بإنسان يجود بالثقة ، وما أفظع أن يظن به رخصا ..
سقط في يد صاحب المقهى . خاب اعتقاده ، هذه المرة ، بالكسب السهل على حساب مدمني الحشيش ، والبطاليين ، والمهمشين ، والمرضى ، والحمقى .. كانت خيبة بلا سابق إنذار أو إشعار ..
نجاة هاربة . عشاقها المحرومون منها جروا وراءها إلا ثامنهم الساكن صقيع البرودة والظلام . لهثوا كلما اكتنفهم سرابها ، واستبانوه أنه مجرد سراب .. القبض على أخر عشاقها المحظوظين بتهمة الذبح من الوريد إلى الوريد ، هو الذي حفزهم على المغالاة والإستماتة في مطاردتها ..
إنها شاغرة القلب والحضن ، الكل تمنوا ملأه ، وتعويض الذي ابتسمت له نجاة ربع ابتسامة ووجمت . لو حظي منها بابتسامة كاملة لما احتوته الوحدة والقضبان .. تحتويه هجرة وشوق يبقى ..
يكون اليوم في إحدى بلدان العمل والعملة ، ينفع نفسه ، وعائلته ،، وبلده العزيز ..
نجاة هاربة ، بعيدة ، مستحيلة ، لم يطمثها أحد منهم .. إنهم لا زالوا يجرون ، يلهثون وراء طيف ذي عطر وردي أكيد ، ويحلمون بإدراك وعد ما ..
زاحم الخريف أعمارهم المحدودة ، القصيرة ، حاصرها حصارا محكما . استحال طمث نجاة في أعينهم الساهمة ، اكتشفوا ذلك بحواسهم المافوق الخامسة ..
شب حريق مهول في أعماق خامسهم فأتى على أعمدة ظلت تسنده . فحيح لحم ودم في داخله . تقلب المسكين على كل جنوبه ، تمرغ ، أتى بحركات غريبة كأن انتابته رقصة الجدبة التراثية على ألحان قيامة تبدأ . لم يقدر على مزاولة المزيد من الصبر ، لم تبق لديه الدموع الكافية لإطفاء حريق باطني بحجم جهنم التي لا يعلمها إلا الضحايا المرقمين والله .. كل أشيائه تحولت إلى كومة رماد حارة ، ثقيلة .
صاح بملئ جهوريته :
" اللطيمة ، اللطيمة .. اللطيمة ..
صيحاته بعثت الزمان القرشي الغابر ، وأعادت نصوص أمجاد ضاعت بضياع الرجال . كاذب من يدعي نسيان التاريخ ، من يدعي فصل الماضي عن الحاضر .. وعن المستقبل المتوخى فيه كل الحنان .. فحنانيك أيها المستقبل المجهول ، فكم من رقم يزحف صوبك على طريق شوك وشقاء .. ودموع .. ورائحة دماء ..
كلهم رثوا لحال خامسهم . كادوا يعيدون ضيحاته مرة ومرات ، يحذون حذوه ، ويجهرون باللطيمة .. لكن أولهم انتهرهم بغلظة ، وخاطبهم :
" لا يليق بنا أن نسقط هكذا ، فإن نعش عشنا كراما وإن نمت متنا متنا كراما ..
اختفت نجاة . لم يعد يظهر لها أثر في كل شوارع ودروب المدينة المنقسمة على نفسها ، كأن الأرض ابتلعتها أو ماردا من الجان خطفها . اندكت كل المعالم الموصلة إلى نجاة .. الملصقات على الجدران ، في الأماكن العمومية الشعبية ، كلها تنعي مغادرتها المدينة الآهلة بعشاقها ، ولما يقضوا منها وطرهم .. إقاماتهم أبدية في بؤسهم ، أمعقول هذا يا أرباب العقول .. ؟ إلى أين ذهبت نجاة .. ؟ لاأحد يدري ..
عثر رابعهم عثرة عنيفة ، هي الطريق مليئة بأحجار العثرة وأشباح الهوة ، والقبور . رعف رابعهم ، استنزف أخر ما يملك ، دم .. وكلام .. ندت عنه صرخات متحشرجة تشرح المأزق :
" وانجاتاه ، وانجاتاه .. وانجاتاه ..
فكر أولهم ، إنهم يتساقطون الواحد تلو الآخر كأن نزل بهم وباء الطاعون أو الكوليرا ، ولا وباء أخطر مما هم فيه يتخبطون .. جنوا عليهم ، جنوا على أنفسهم لما صمتوا وخافوا ، الجناية مشتركة .. لمن حصة الأسد في الإفتراس .. ؟
هاهم يهوون صرعى في أخر الممشى ، في وسطه ، في أوله .. وحتى قبل أن يولدوا .. إن الصبي البريئ يولد في هذا الزمان باكيا ، شاكيا ، صريعا ، كأن أمه ما أطعمته سوى وجبات فشل منتظمة طيلة فترة الحمل ، ودون أن تقصد ..
لكن لم تخلق بعد أم بمثل هذه الضراوة ..
ثانيهم انتهى به المطاف إلى امتهان الشعوذة ، بطاقة هويته التي يحملها تثبت ذلك .. هل صار من أصحاب الكلام يعلمون الناس الإقبال على الدنيا ، والخوف من عذاب الآخرة ، بصدقة .. ؟ يسمع الناس نكاتا وأساطير بالية : ألف ليلة وليلة ، سيف بن ذي يزن ، عنترة بن شداد العبسي ..
وينتظر ، لفإما أن تنفرج أسارير السامعين فيعطونه ، أو يزدادون انقباضا فيمنعونه .. ويسبونه في كتمان .. من قلب ، الحلقات ، التي يقيمها في الأسواق والجوطيات ، يظل يعيد نكتا وحكايات بنبرات الملل ، ويستغيث :
" وانجاتاه ، وانجاتاه .. وانجاتاه ..
لم ينس نجتة لحظة . لم ينسوها جميعا . بحثوا عنها في بيتها القديم . سألوا عنها الجيران ، وسألوا عنها القابلة التي رأتها في المنام ، ولم ترها وهي تولد .. سالوا عنها النسوة اللائي اخترن لها إسم نجاة .. ولا أثر يدعم بدء اقتفاء ..
جاءهم ثالثهم وقد كانوا يظنونه بينهم طيلة بحثهم وسؤالهم عن نجاة . كان يلهث ويتصبب عرقا .
قال لهم في اعتزاز كمن حقق سبقا صحفيا ثمينا :
" ها قد أتاكم النبأ اليقين ، نجاة عبرت المياه المالحة الزرقاء على جناحي نورس ، لقد صارت خارج المدينة ، مدينتكم ..
بهتوا لحظات . أيصدقون أم يطعنون في اليقين ..
؟ اليوم اكنمل يأسهم ولون فجيعتهم .. ولوا وجوههم شطر الجهة التي ابتلعت نجاة كما أكدار الصباحات تبلع أجمل الأحلام .. وجروا صائحين أجمعين من خلف أنفاس باقية :
" أسكور ، اسكور .. اسكور ..
" .. .. أسكور ..
" .. .. .. .. أسكور ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكرا على التعليق