ما كنت أعرف أني أحمق كرصيف الشارع تشطبه الرياح الشتوية في ليلة ليلاء ، لكنها هي التي قالت لي :
" أنت حلو كشاينا ..
فأردت أن أنزل إلى معدتها بحثا عن نفسي ، لكن شفتها السفلى كانت الحاجز المنيع ..
ما كنت أعرف أني أحمق كفجر عار من اليقظة ، لكنها هي التي قالت لي :
" أنت جميل كقمر لم يلده بعد السحاب ، سحابك أحزان يا عزيزي ، سأعينك عليها حتى تضيئ بدرا كما تحلم ، فلا تقلق ..
فأردت أن أخترق غشاءات ذاكرتها ، وأجوب الخزائن في صورة تائه ، بحثا عن شبه لي أو عن أنا نفسي .. لكن إغماضة مقلتيها سبقتني ..
ما كنت أعرف أني أحمق كمطر الصيف يعشق عقم أرض ، ما بعد زمن الإنجاب ، لكنها هي التي قالت لي :
" أنت رقيق رقة الشعور ، وأنا ممكن أن أبايع الشعور سلطانا يقضي ويطاع في دولة الذات ، لا أتمرد أبدا ..
فأردت أن أنزل إلى قلبها بحثا عن قلبي ، لكنها كانت قد ذهبت .. وذهب قلبي معها ..
تداولت الأيام بين الناس ، ضدهم كانت تجري وهم لا يدرون إلا إغراءات الظهيرة ، فيركبون فراغ أعمارهم عنوة .. الواحد لا يسأل عن حال الآخرإلا شفاهيا ، والمرأة في غياب زوجها تزني .. الصديق باع كل وفاء صديقه مقابل نزوة مرضية ، والحبيبة ما ملكت إلا ضعفها في الخلوة ، فتعرت بلا مقاومة ، ونامت فأنساها الحلم الجديد ، اللذيذ ، كل شئ مضى .. الحكيم لا مكان له اليوم ، والجاهل دون أن يعرف قيمة أتلفها : احرق البياض واهرق المداد ، وكسرالأقلام ..
يازمن الإنقلاب .. هل ستسأل عن ذنوبك وسيئاتك ، أم ستتوب أخيرا وتقبل .. ؟
الغابة كبيرة ، والحيوانات كثيرة ، الأسود ممتلئة بحمية القوة الهمجية ، والنمور ما تربت إلا على الإفتراس .. الضباع في العفن تقضي الليل والنهار .. الأرانب تختفي في جحور تنهدم تحت القوائم المقتفية الآثار ، والعصافير صارت لقمة رغم أن لها أجنحة ، والأفاعي لعبات سم تورث اللدغة والموت ، والنمل العامل يسحق سحقا تحت وطأت الصراصير اللاهية ، التي لا يفهم قائدها لغة الحيوانات .. لا يريد أن يفهم ..
ذهبت إلى أبيها والمساء يركع قسرا عند توغل السواد . رأني ولم يتذكرني ، ربما تملصت من ذاكرته الشائخة ، وربما نكرني نكرا ، فأحسست بتراجعي في أخر دوامة تفرز قليلا من إنسان ، من كرامة .. من حياة ..
" ماذا تريد يا بني .. ؟
" أريد قلبي ..
" الله يستر ..
" لست مصيبة ياعم ولا وجها خاصا لكارثة مهولة وقعت ، وستكرر ، أنا .. هل نسيتني .. ؟
" لايهم ، ماذا في استطاعتي أن أفعل لك الآن .. ؟
" أريد قلبي ..
" هو عندك ، في صدرك ، والدليل أنك حي
تنطق ..
" لا ، أخذته مني إبنتك ، ولست أدري هل خدعتني أم أنا الذي سهلت لها عملية السلب ، أريد الآن قلبي لأعيش ولا أحب أبدا ..
" انتظر لحظة ..
دخل إلى البيت . تجاوز الوعد فمكث لحظات لا لحظة ، لا عليه ، المهم النتيجة .. خرج وهو يزفر كمن يحمل غضبا جنونيا ، في عينيه قرأت الحالة الحمراء لكني ثبتت خلته سيقسو علي ونحن ما زلنا في البداية ، في البحث ..
" لقد فتشت يا بني في حقيبة يدها ، في دولاب ملابسها ، فوق طاولة زينتها ، في سلة مهملاتها ، في كل مكان ممكن أن تخفي فيه شيئا مهما يعلق حياة الآخر ، لكني لم أعثر على شئ ..
" فهمتني غلط ، يا عم أرجوك .." صدقني فيما قلت ، لكني أعدك أن أبحث معها الموضوع حالما تعود من مهمتها اليومية خارج البيت ، وبعيدا عن عيون الجيران والمعارف ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكرا على التعليق