الصفعة
انتصف الليل في بطء ورتابة . حلك في مبالغة ، فأتلف آخر معالم الإستدلال في كل العيون ، وفي عيون الحيارى أتلفها أكثر ..
بقي عبد الحق و فلمة لوحدهما في غرفة الجلوس . كانت هي تحيك
قميصا ورديا لدميتها المحبوبة ، وهو كان يفكر في كيف تحيا الوردة بعد قدر الذبول . أحيانا كان يدور بينهما حديث مقتضب في أي موضوع ، فيضحكان قسرا أو يأسفان بسهولة ، ثم يصمتان طويلا ..
ارتجالهما الكلام مع بعضهما البعض كان يصدر عن رغبة خفية منهما في تحسيس أنفسهما بأنهما موجودين ، أو على الأقل قابلين لأن يوجدا ، لذا ، من جهته ، لم يحرم على نفسه الثرثرة في أي باب حتى ما ينحشر بين الأقواس ، أو يتستر بين النقاط المتتالية ..
لم يرفض أن يسأل لكي يعرف ولم يرفض أن يجيب لكي يعرف ،
منح نفسه مرونة مطلقة في سوق الكلام ..
كانت فلمة تلاطف وجنتي دميتها أحيانا ، وعبد الحق كان يفكر في أن لا سبيل لإحياء وردة ذبلت إلا من خلال إعادة بذرها : من خلال بذورها بعد أن تيبس نهائيا ، وكان هذا يعني له أنه لا بد من اندثار شئ ما لتحقيق الرجاء ، فصعب ، على عبد الحق ، التخلي الحتمي عن المألوفات ولو لحساب استمرارية متمناة . اجتاحه خوف من التذكر الذي سيأتي زمنه ، وتساءل عن جدوى الموازاة بين المفقود والمدرك في الحياة ، وانساق يفكر جديا في موازاة ما أحب وما سيحب .. ثم ما كره وما سيكره ..
لكن فلمة قطعت عليه تفكيره حين انتصبت فجأة واقفة أمامه ،
بقدها الممشوق ،، وبلا مقدمات أو تلميحات لما ستقول قالت :
" إني أحبك ، أنت أمير أحلامي ، أحبك ..
بهت عبد الحق كمن رأى غريقا يضحك بملء قلبه . سالت دماء حيرته وكانت بلا لون . يتجاوز البهت معناه اللغوي كثيرا داخل مصحة نفسية ، وللحيرة يصير معنى فقدان التركيز . وقع الذي
كان يجب ألا يقع ، وانضافت إلى رصيد الهم فائدة غير مرغوب فيها ، وقضي الأمر . اختلت الأفكار في جمجمة عبد الحق فبدا كالمتواطئ مع خسارة ضده . أسقط رأسه بين يديه وردد في سره :
" لا يمكن ، لا يمكن أبدا ..
جلست بجانبه . لا هروب من ظلك تحت الشمس ، لا هروب من قدرك .. التصقت به أكثر . أشعرته بنبضها ورائحتها ، وبوحها المعلق . ود لو يدفعها بعيدا عنه وبقوة ، لكنه لم يفعل خوفا من موقف صعب ، فالناس في هذا المكان كالزجاج تؤثر فيه الأنفاس واللمسات وذرات الغبار ، فما بالك بالعنف ..
وضعت يدها فوق رأسه وخللت شعره في إثارة وهي تتمتم :
" شعرك جميل ، شعرك ليل ..
أحس عبد الحق كما لو أن شعره يمشط بمشط حديدي صدئ أسنانه غير مستقيمة . رفعت وجهه إلى وجهها وهمت أن تقبله ، عندها انتفض لنفسه ورفض جهرا :
" لا يمكن يا فلمة ، نحن صديقان فقط تجمعنا ظروف ملعونة في هذا المكان ،، لا يمكن ..
تقلصت ملامح النزوة فيها دفعة واحدة ، وألجم النداء في عينيها ،
وانطلق منها شبه هذيان :
" أهكذا .. ؟ لم أكن أتصور ..
مسحها عبد الحق بنظرة شاملة ، فتبدت له صورة لإمرأة أهدت كل أنوثتها في طبق من ذهب فلم تقبل عند فقير معتز بفقره . قال في نفسه :
" إذا كان الله والوطن في قلبك فلا تخف ، لا تخف ..
كانت فلمة منكمشة كقطعة لحم كبيرة تعرضت لجليد السنين ، كانت خائفة ومخيفة في نفس الوقت . توهم عبد الحق أن المسرح معد لفرجة محدودة الزمن والتأثير ، والقائم بدوره سيتخلص من دوره بعد حين ،، لكن حين طالعته عينان حانقتان ارتجف ، وتساءل :
" ماذا تفعل امرأة .. من هذا النوع .. ترد إليها صيحتها الغريزية سوى أن تصير أفعى سامة وتلدغ العالم كله .. ؟ ماذا تفعل حين يخيب ضعفها الجميل سوى أن تقوى ، وتباشر الدمار .. ؟
وتمنى لو يكون مخطئا في ما خمن ، مجرد أمنية ..
حافظ على كل اتزانه مدخرا انفعالاته الصادقة لهمومه الشخصية الحقيقية ، وقال لفلمة :
" لا يمكن ، فنحن نزيلي مستشفى الأمراض النفسية ، كلانا رهن أزمة لها علاقة متينة مع المشاعر أكثر منها مع القرارات ، ولذلك خضعنا للعلاج ..
علقت فلمة بنبرة متدهورة :
" وماذا في ذلك .. ؟ ألم نعد ناس .. ؟ ألم نعد نصلح للحياة و الحب والغد .. ؟
فأسرع عبد الحق يقول :
" بلى .. لكن أنا مريض وأنت مريضة ، وواجبنا نحو أنفسنا في هذا الظرف العصيب أن نوفر كل جهدنا لتفتيت ما في صدرينا من كآبة وحزن ويأس ..
تمتمت فلمة :
" يعني لا أمل في أن ..
قاطعها في إصرار :
" صدقيني ، لا يمكن أن نصلح لهدف واحد الآن ، مهما اجتهدنا ، ونحن نعاني شروخا باطنية خطيرة ، اللهم في الأحلام ..
واسترسل يهذي غير فاقد إصراره :
" أمير الأحلام .. أسطورة مكتوبة فوق كثافة الضباب . أشرقت الشمس ، وأشرقت بحدة . تعرت السماء وتبرأ الهواء من مسؤولية ضمان الحياة . افتضحت الأرض تزني مع كل الأقدام الحافية .
أصدر الأمر فورا بأن يبلع التراب كل ضحايا الجريمة .. ها هو أمير أحلام الغير ، فأين الضوء والماء وفرائض الإيمان الأكبر .. ؟
وتصلبت نبرته حتى صارت رعدية ، وصرخ في وجه فلمة :
" إني أمير الإحباط .. العقدة التي تنخر أعماقي تمنعني أن أحب ما أ كن أتص
أحب فعلا ، وأكره ما أكره فعلا .. تمنعني أن أفكر في قوتي أكثر
من ضعفي .. تمنعني أن أوفق بين الأمس واليوم والغد ، بين القدرة والإرادة ، بين الواقع والخيال ، بين العمل والهواية ،،
بين الوطن وأنت ..
برقت عيناها بعطف فجائي . قال عبد الحق في نفسه :
" عطف الناس على الناس شعور جميل ونبيل ، لكن إذا طلبنا له ثمنا في الأخير نزلنا به إلى مستوى التفاهة ..
أشعل عبد الحق سيجارة ودخنها في عصبية ، فتأجج بالنيكوتين الحريق الداخلي الذي يهشمه . تذكر وجه رجل أسود قهقه حتى بانت نواجذه ، وامرأة مغرورة بملاحتها اغتنمت كل الفرص للخيانة ، وضباع احتقرت وجود كل العصافير ، وجياع أكلت الصمت والسحت والزفت ، وبرامج تلفزيونية أفسدت العقول والأحاسيس ، وقوانين أباحت الكبائر ، وغرف لا أبواب لها ولا نوافذ ..أوه .. لقد تذكر سلبيا فقط وبذلك خالف وصايا طبيبه . يجب أن يضع نفسه بصرامة تحت مراقبة نفسه ، فليوجه إذن التذكر والتفكير نحو الإيجابية . جرب أن يتذكر وجه رجل قمحي تبسم في
انتصف الليل في بطء ورتابة . حلك في مبالغة ، فأتلف آخر معالم الإستدلال في كل العيون ، وفي عيون الحيارى أتلفها أكثر ..
بقي عبد الحق و فلمة لوحدهما في غرفة الجلوس . كانت هي تحيك
قميصا ورديا لدميتها المحبوبة ، وهو كان يفكر في كيف تحيا الوردة بعد قدر الذبول . أحيانا كان يدور بينهما حديث مقتضب في أي موضوع ، فيضحكان قسرا أو يأسفان بسهولة ، ثم يصمتان طويلا ..
ارتجالهما الكلام مع بعضهما البعض كان يصدر عن رغبة خفية منهما في تحسيس أنفسهما بأنهما موجودين ، أو على الأقل قابلين لأن يوجدا ، لذا ، من جهته ، لم يحرم على نفسه الثرثرة في أي باب حتى ما ينحشر بين الأقواس ، أو يتستر بين النقاط المتتالية ..
لم يرفض أن يسأل لكي يعرف ولم يرفض أن يجيب لكي يعرف ،
منح نفسه مرونة مطلقة في سوق الكلام ..
كانت فلمة تلاطف وجنتي دميتها أحيانا ، وعبد الحق كان يفكر في أن لا سبيل لإحياء وردة ذبلت إلا من خلال إعادة بذرها : من خلال بذورها بعد أن تيبس نهائيا ، وكان هذا يعني له أنه لا بد من اندثار شئ ما لتحقيق الرجاء ، فصعب ، على عبد الحق ، التخلي الحتمي عن المألوفات ولو لحساب استمرارية متمناة . اجتاحه خوف من التذكر الذي سيأتي زمنه ، وتساءل عن جدوى الموازاة بين المفقود والمدرك في الحياة ، وانساق يفكر جديا في موازاة ما أحب وما سيحب .. ثم ما كره وما سيكره ..
لكن فلمة قطعت عليه تفكيره حين انتصبت فجأة واقفة أمامه ،
بقدها الممشوق ،، وبلا مقدمات أو تلميحات لما ستقول قالت :
" إني أحبك ، أنت أمير أحلامي ، أحبك ..
بهت عبد الحق كمن رأى غريقا يضحك بملء قلبه . سالت دماء حيرته وكانت بلا لون . يتجاوز البهت معناه اللغوي كثيرا داخل مصحة نفسية ، وللحيرة يصير معنى فقدان التركيز . وقع الذي
كان يجب ألا يقع ، وانضافت إلى رصيد الهم فائدة غير مرغوب فيها ، وقضي الأمر . اختلت الأفكار في جمجمة عبد الحق فبدا كالمتواطئ مع خسارة ضده . أسقط رأسه بين يديه وردد في سره :
" لا يمكن ، لا يمكن أبدا ..
جلست بجانبه . لا هروب من ظلك تحت الشمس ، لا هروب من قدرك .. التصقت به أكثر . أشعرته بنبضها ورائحتها ، وبوحها المعلق . ود لو يدفعها بعيدا عنه وبقوة ، لكنه لم يفعل خوفا من موقف صعب ، فالناس في هذا المكان كالزجاج تؤثر فيه الأنفاس واللمسات وذرات الغبار ، فما بالك بالعنف ..
وضعت يدها فوق رأسه وخللت شعره في إثارة وهي تتمتم :
" شعرك جميل ، شعرك ليل ..
أحس عبد الحق كما لو أن شعره يمشط بمشط حديدي صدئ أسنانه غير مستقيمة . رفعت وجهه إلى وجهها وهمت أن تقبله ، عندها انتفض لنفسه ورفض جهرا :
" لا يمكن يا فلمة ، نحن صديقان فقط تجمعنا ظروف ملعونة في هذا المكان ،، لا يمكن ..
تقلصت ملامح النزوة فيها دفعة واحدة ، وألجم النداء في عينيها ،
وانطلق منها شبه هذيان :
" أهكذا .. ؟ لم أكن أتصور ..
مسحها عبد الحق بنظرة شاملة ، فتبدت له صورة لإمرأة أهدت كل أنوثتها في طبق من ذهب فلم تقبل عند فقير معتز بفقره . قال في نفسه :
" إذا كان الله والوطن في قلبك فلا تخف ، لا تخف ..
كانت فلمة منكمشة كقطعة لحم كبيرة تعرضت لجليد السنين ، كانت خائفة ومخيفة في نفس الوقت . توهم عبد الحق أن المسرح معد لفرجة محدودة الزمن والتأثير ، والقائم بدوره سيتخلص من دوره بعد حين ،، لكن حين طالعته عينان حانقتان ارتجف ، وتساءل :
" ماذا تفعل امرأة .. من هذا النوع .. ترد إليها صيحتها الغريزية سوى أن تصير أفعى سامة وتلدغ العالم كله .. ؟ ماذا تفعل حين يخيب ضعفها الجميل سوى أن تقوى ، وتباشر الدمار .. ؟
وتمنى لو يكون مخطئا في ما خمن ، مجرد أمنية ..
حافظ على كل اتزانه مدخرا انفعالاته الصادقة لهمومه الشخصية الحقيقية ، وقال لفلمة :
" لا يمكن ، فنحن نزيلي مستشفى الأمراض النفسية ، كلانا رهن أزمة لها علاقة متينة مع المشاعر أكثر منها مع القرارات ، ولذلك خضعنا للعلاج ..
علقت فلمة بنبرة متدهورة :
" وماذا في ذلك .. ؟ ألم نعد ناس .. ؟ ألم نعد نصلح للحياة و الحب والغد .. ؟
فأسرع عبد الحق يقول :
" بلى .. لكن أنا مريض وأنت مريضة ، وواجبنا نحو أنفسنا في هذا الظرف العصيب أن نوفر كل جهدنا لتفتيت ما في صدرينا من كآبة وحزن ويأس ..
تمتمت فلمة :
" يعني لا أمل في أن ..
قاطعها في إصرار :
" صدقيني ، لا يمكن أن نصلح لهدف واحد الآن ، مهما اجتهدنا ، ونحن نعاني شروخا باطنية خطيرة ، اللهم في الأحلام ..
واسترسل يهذي غير فاقد إصراره :
" أمير الأحلام .. أسطورة مكتوبة فوق كثافة الضباب . أشرقت الشمس ، وأشرقت بحدة . تعرت السماء وتبرأ الهواء من مسؤولية ضمان الحياة . افتضحت الأرض تزني مع كل الأقدام الحافية .
أصدر الأمر فورا بأن يبلع التراب كل ضحايا الجريمة .. ها هو أمير أحلام الغير ، فأين الضوء والماء وفرائض الإيمان الأكبر .. ؟
وتصلبت نبرته حتى صارت رعدية ، وصرخ في وجه فلمة :
" إني أمير الإحباط .. العقدة التي تنخر أعماقي تمنعني أن أحب ما أ كن أتص
أحب فعلا ، وأكره ما أكره فعلا .. تمنعني أن أفكر في قوتي أكثر
من ضعفي .. تمنعني أن أوفق بين الأمس واليوم والغد ، بين القدرة والإرادة ، بين الواقع والخيال ، بين العمل والهواية ،،
بين الوطن وأنت ..
برقت عيناها بعطف فجائي . قال عبد الحق في نفسه :
" عطف الناس على الناس شعور جميل ونبيل ، لكن إذا طلبنا له ثمنا في الأخير نزلنا به إلى مستوى التفاهة ..
أشعل عبد الحق سيجارة ودخنها في عصبية ، فتأجج بالنيكوتين الحريق الداخلي الذي يهشمه . تذكر وجه رجل أسود قهقه حتى بانت نواجذه ، وامرأة مغرورة بملاحتها اغتنمت كل الفرص للخيانة ، وضباع احتقرت وجود كل العصافير ، وجياع أكلت الصمت والسحت والزفت ، وبرامج تلفزيونية أفسدت العقول والأحاسيس ، وقوانين أباحت الكبائر ، وغرف لا أبواب لها ولا نوافذ ..أوه .. لقد تذكر سلبيا فقط وبذلك خالف وصايا طبيبه . يجب أن يضع نفسه بصرامة تحت مراقبة نفسه ، فليوجه إذن التذكر والتفكير نحو الإيجابية . جرب أن يتذكر وجه رجل قمحي تبسم في
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكرا على التعليق