بنسيون العرب
فاطمة
كالنجوم المتمردة أحلامها ، تطغى في لون أسود . هذه ليلة سوداء وزيادة ، يتعاطى فيها الوقت عدا عكسيا بالساعات ، بالدقائق ، بالثواني ، وبأجزاء المائة . وكل علامات الإنذار أسقطت رعبها فوق طبلات الآذان . هاهي القلوب تدق على أوتار السكتات ، وكل الأرواح بدأت تختار زوايا للموت ، للإختفاء ، للنجاة ..
" لا حياة لكم بعد اليوم ولا أنتم تعيشون ..
" كاذبون ..
" لا حركة لكم بعد اليوم ولا أنتم تقومون ، وتحلمون ..
" كاذبون ..
" لا ذل لكم بعد اليوم ولا أنتم تنتكسون ..
" صادقون ، والله صادقون ..
هذه ليلة النهاية ، البداية ، فأخر إعلان رسمي تناقلته السماء ، وتاجرت فيه وكالات الأنباء ، وربحت . هل تستجيب الأذن للحروف المتذبذبة لوعيدات الأثير .. ؟ هل يركع الصمت العتيد أمام جوقة الكلام .. ؟ وهل يذوب الإصرار أمام صورة الإتحاد ، اتحادهم هم لا اتحاد الأشلاء .. ؟
" تصبحين على خير يا فاطمة ..
" دعك معنا عسانا نتعاون على الشبح ، والأرق ..
" لها حق ، فالليل بدأ يختنق ..
" عندي شغل كما تعلم ..
" تصبحين على فجر يا فاطمة ..
" حتى أنت .. ؟
" تصبحين على ورد يا فاطمة ..
" .. .. ..
" فلتصبحوا كلكم على وطن وزمن ومحن ..
فاطمة ، كم ذبول حلقات العمر في غمرة فصول اليناعة ، ولا تزال . باعت كل عقودها لأجل حبيبها عروه من الجلد ، وقرأوا عليه عناوين الحب الأحمر . سحروه أو أخافوه أو بتروا منه أعضاء ترد الفعل .. ؟ الليلة عليها أن تتجاوز الموت يدب صوبها في صورة نعش منحوت بأنكى تراتيل الجنازة . الليلة عليها أن تتجاوز بطش القدر القريب ، إنه يمشي إليها ، فيها ، صار على قاب خطوتين منها ، يتراءى لها في صحراء ترقص في فضاءاتها عقبان ونسور ..
هو عرسك وشيك من مأتم الإنسان يا كل أكلة لحم الكرامة ، فهل جعت لهذا العرس سنة أم قرنا .. ؟ أم قضيت كل الماضي صائمة لتفطري في هذا الزمكان بلذة .. ؟
بدأت فاطمة تتعذب أكثر بالقياس مع عذاباتها بالأمس ، فالكارثة على مشارف الوقوع . لم تبتسم منذ رأت في نومها رجلا غريب الملامح والهيئة ، منفر الصوت ، يغتصبها ، فهبت من فراشها مذعورة ، مبللة النظرات الهلعة بدمع وعرق ..
ولم تنم منذ تلك النومة الشريرة خوفا من اغتصاب يتكرر .
إنها أشرف من الشرف تأبى أن تهان ، أو يداس جسدها حتى في حلم ممنوع من الإعتراف . الحلم مغفور ، لكن على أبواب هذه اليقظة المثقلة بالهم والغم يقبع كل
المصير ..
لم تتجمل للحبيب منذ بال فوق محياها الغرباء بولهم الأشقر ، منذ زمن النجاسة التي لا يلغيها سبغ الوضوء . ولم تأكل لقمة منذ فرغت خزائن يوسف الجميل في كل اعترافات النسوة . غدا في الصباح ستفطر بغمامة ، وببقايا ريش حمامة ، في الغذاء ستلتهم وجبة من دموع ثلجية ، وقبل العشاء ستحتسي والطفل سويا دماء القتلى مكبدة ، وستنام بعد مراودة طويلة على أنات الجرحى ..
أعياها الوقوف في شرفة الوطن ، تطل على الصمت والظلام وتوجسات الآتي المريب ، ربما كانت في انتظار معجزة ولم تنل غير عاصفة .. عاصفة ستنطلق من فوهة عدو سليل ، ومن قلب الحبيب الأول ..
رباه .. أتأتي الهزيمة من السماء ، أم من الأعداء ، أم من افتضاح الإخاء .. ؟ ولا أحد لحد الهزيمة يدري ، لكن كثيرة هي الأيادي التي تعتنق تربية التصافح والسلام اليوم ، وتلطم في الغد ، وتدمي ، فاحترسوا الأيادي ..
دخلت فاطمة لحظتها الجديدة ، ثبتت على الحيطان ذكريات جديدة ، مرة في لغة التذوق . نظرت إلى وجهها في المرأة ثم بصقت عليه . هربت من لعنة في ذاك الوجه صبغوه بها كما يصبغون نعاج الأسواق ، وصموه بها كما يوصمون جباه العاهرات ذات النوع الممتاز . يقولون إنها السياسة أدركت هدفا مبيتا لجميلة تقطن الدرب المائي ، لكنها السياسة لا تدخل بيوتات عامة أولائك الناس ، لأنها مرة حرام ، ومرة أخرى هي محرمة بالقطع طبقا لأحدث اجتهاد ملائم لحالة الطقس ..
همت فاطمة بأن تستلقي في فراشها ، وتخفف عن نفسها بلحظة غزيرة الذكرى ، أو لحظة ساخنة الدمع . لكنه كان هناك يعلن حضوره بغمزة بهلوانية ، الطفل المشاكس ، كان يهيئ المعركة ضدها بكل ما يملك من سم ، وأدوات الإبادة والتصفية ..
" أيها الطفل ، هناك في أخر هذا الليل الأخرس ستقوم معركة رهيبة ، كفاك الآن .. ستتفرج علي أتمزق بعد كل التمزق ، وأندحر بعد كل الأمل ونور منتصف الليل ، وأوخذ سبية إلى بيت بلون الجير ، ليمارسوا علي كل أنواع النكاح في كل المخادع المرقمة ، إلى قصر أتزوج فيه بأميرة تهوى السحاق ، إلى خيمة تقتسمني فيها الأوراق الرابحة .. ثم إلى أي شارع شعبي يتردد فيه المتشردون على بقاياي الممسوخة ، ولا أمنعها عنهم . عندها متع نفسك بفرجة مجانية ، وانتقم ، نادي أقرانك للتسلية ، وانتقم ..
لا يسمعها الطفل ، مشاكس ، عنيد ، يعبث بكل شئ يصادفه وينوي أن يعبث حتى بالجسد كما يفعل الرجال في هذا المجال ..
" طفل ..
الشيطان في عينيه يوضح النية ، ويرسم في نظرته الصغيرة أكبر هدف . بدأ يداعب نهديها الرخوتين . دفعته قليلا واحتضنت الخواء إلى صدرها بعنف بعد أن لمت أطراف قميصها ، في عينيها اندهاش ومقت فجائي . لم تفكر أبدا أنه سيرغب في إيذائها بهذه الطريقة في يوم ما ، لكن هذا ما وقع . والواقع لما يقع يتنكر لما مضى من أفكار واعتقادات والتزامات ، ويسحق الباقي في العقول والأذهان ، ربما ثمة تكمن المصيبة المزمنة ..
اقترب منها الطفل . فك يديها المتشابكتين على صدرها المنزعج ، وعاد يداعب نهديها وفي نظرته ليونة مجنونة .
في داخلها بدأت تتفرق الأعضاء ، بعضها يتجاوب مع اللمسات المبعثرة ، وبعضها يرفض أن يسقط ضحية الرغبة المفتوحة ،
وهي ، فاطمة ، ساهية غائبة ، عاجزة عن أن تدرك الرجاء في الأغلبية لتتخذ القرار ضد الدمار ..
قبل حلمتي نهديها البنيتين بلهفة ، وبدأ يمتصهما في عناد . ضغط على حدودها بقوة اجتهادا منه في إذابة أخر صلابة في القلب .. ارتعشت فاطمة بالرغم منها وارتجفت فيها مجاري الحياة . ما هذا بفعل صغار ، وهذا الطفل خدعوا به مكتب الولادات لكي تتبناه ، دوخوا به حارس الباب لكي يدسوه عينا مخبرة تبعد الشك فيها ، أو جرثومة فتاكة لا يجدي معها برنامج تلقيح ..
نحن نعرف الأقزام ..
" هل أنت جائع أيها الطفل .. ؟
" نعم ، لجسدك المنفي عني ، في حضوري فيه ، بحجة عمري ..
" هل حمقت .. ؟
" وفيك أفتش عن عقلي النامي ..
ألمها بعضة من أسنانه التي لم يبدلها بعد ، فدفعت به بقوة حتى كاد يسقط من على السرير . لقد كان يرضع حليبها على طريقة العشاق الأذكياء ، المتمرسين في أكل وجبات الأجساد ، لا على طريقة الأطفال اليتامى ..
" من اليوم فصاعدا ستنام في غرفتك لوحدك ، سامع .. ؟ أو سافر إلى أصلك وأرحني . لقد ظهرت عليك علامات الكبر المبكر ..
من اليوم سأمنع عليك أن تنظر إلى جسدي لحظة الإستحمام بالماء والدم ، أو لحظة استبدال ثيابي هذه الممزقة بثياب جديدة ، لن ترى مني إلا الوجه واليدين كما في تعاليم الإسلام . لقد ظهرت عليك علامات الكبر المدبر ..
حملت فاطمة قلما وهمت أن تغمسه في حبر دال ، لكنها ما وجدت الحبر مكانه . التفتت إلى الطفل لتسأله عنه ، لكن الكلمات انحبست في فمها المفغور ، وسطت على نظراتها دهشة وغضب . كان يعبث به كما يعبث بلعب الصغار..
" ذاك الحبر غالي أيها الطفل ، لقد اقتنيته من مزاد الشهداء لأوقع به فصولا من تاريخ الشقاء والألم ..
لا يكترث . ينشر أحد فساتينها الداخلية ويسيح عليها الحبر حسب ما تشاء عقليته ، وحسب ما توحي به تدفقات إلهامه .
ذاك فستان ثمين أهداه لها رجل مهم من هناك قودها له رجل أهم من هنا . الطفل يدري كل التفاصيل ويسكت ، فهل ينتقم من أمه ولدته لا شرعا .. ؟ هل ينتقم من معشوقته خانته في حضن الغير ، والبرهان في الدولاب مطوي .. ؟ غصبا عنها في كل الحالات ، فهناك سوق تطاع فيها البضائع كطاعة الجليد لشمس الضحى ، والبائع رجل مؤتمن عليها ، هي الأمانة ، يتحول إلى نخاس في الضمير الغائب ، يبيعها ويعود فرحانا ليدلي بالثمن البخس في ميكروفون ، والمشتري المستفيد من جسدها هو رجل ضدها ..
فاطمة ، أشقى الشقيات إذا ما رنت إلى فوق ، ولا تسعد إذا ما أسقطت نظراتها في القعر ، ولا حبر . جرحت يدها وتألمت . اعتصرت نقطة دم وضعتها في متناول قلم يريد أن يكتب ذكرى ليلة ، وليلة حمق فيها العالم ..
وكتبت ..
" الليلة .. نعم قد تكون هي النهاية ، لكن أصعب ما في المشاوير الحميمة هي نهايتها . وأنا أردت في يوم ما أن أعتنق كل الجرأة والإيمان وأضمن الغيب ، هو تحدي . ربما كانت مني مغامرة خطيرة لما أيقنت من بواري في زمن الرجال . ما أكثر الرجال بلا نفع .. مغامرة مني حين لم تبق في يدي سوى تذكرة مغامرة ، لكني قد أنهار حتى الصفر ، حتى تحت الصفر . ما كنت أضع في حسابي نفسي فقط ، صدقني أيها المتعاطي النبش عن فحوى السطور . لم أفكر أبدا بأنانية ، ولم أهتم قط بكلام الناس . لكني كنت أفكر في أن يستقل جسدي من القرار المزدوج ، لأكون أنا ، ويكون غيري ، ونكون كلنا سواء ..
" هكذا .. لسان الليلة يهمس النعي القريب ، لقد أضعت من عمري الأبدي كم من شموع ، واليوم قبل أن تسقط الشمس في البحر كنت لا أزال ألد الصبر ، وأتمنى . إنما شمعة الآن تهزها رياح الخفاء بعنف ، ستنطفئ لأن عناصر وقايتي تمزقت ، وأول صباح مهول لم يطلع بعد ، لكنها لن تنطفئ نهائيا إلا بعد أن توقع قصة المصير بدماء الخسارة الكبرى ، وقصيدة الرثاء وسواد الحداد ، شئ مؤلم ..
" ربما أنا أكتب مجازيا في موضوع ساخن ، ابتاعته كل وكالات الأنباء بالمجان . ماذا أفعل .. ؟ غصبا عني ، وإلا أقصيت من وليمة لم تعد فيها إلا فضلات حقوق الإنسان ، هنا ، لا هناك . لكن لي اليقين أن كل العالم يفهم ، ولم يرتكب الحمق إلا في قضيتي ..
" الليلة تزحف بحذر نحو اشتعال رهيب . النار في الإنتظار ، وسأصير رمادا ، أنا فاطمة ، التي أشتعل بعقب سيجارة فما بالكم بصاروخ . أشتعل بعبث الأطفال فما بالكم بأنفاس الرجال . إن في أحشائي يبس وفتيل مدلى . ياحرمتي ، يا شرفي ، ويا قيمتي .. هل من حقي أن أراهن أن تنقذ أعضائي أعضائي ، وتكون لبعضها في المحنة عن جدارة .. ؟
فعلا .. ؟
أم على الشفاه ما ليس في القلوب .. ؟
" التبست علي اتجاهات التصريحات والألسنة الرسمية ، من ضد من .. ؟ ومن مع من .. ؟ وأنا ما موقعي من كل الكلام .. ؟ أشعر أني فقط على الشفاه وفي ملفات مظهرية تخدع الأبرياء المتتبعين ، والمصلحة الدنيئة فوقي قوية تعمي الأبصار وتسفه المبادئ ، لذا أعلن المأساة في عمق المأساة ، وأركن لصمت يسود هذه الليلة . إني أنتظر في جلسة القرفصاء ، فلينزل القدر الشرير من السماء الأولى ، ولتنزل المعجزة من السماء السابعة ،، يا الله ..
" دمي ينتهي
وقلمي يجهد نفسه حتى أخر الأحاسيس
العاطفة تجيش بالحب المقدس
اعذروني
هي شجاعتي أفشت جبني
وهي صراحتي كشفت نقاط خوفي وضعفي
لكني لا أزال أفكر في ربح الأمل الذي حاق به
الصهد المسموم ..
الطفل العدو ولا تفكر فاطمة في قتله ، لأنها تعتقد بتعايش الشر والخير في بيت واحد ، في جسد واحد ، في قرار واحد . الطفل يلطخ يديه الناعمتين باللون الأسود ويبصم في كل بياض غرفتها ، خمسة ..
" من يستخدمك لإيلامي أيها القط الذي لا يموء .. ؟ قلت لك كم من مرة لا تدخل غرفتي إلا بإذني أو حضوري ، أو ادخل واعقل ..
تريد أن تربيه تربية صالحة عله ينفع الأحفاد ، لكن الطفل بكى ليحرك العواطف لما جفته الأفكار . سمعت فاطمة إجهاشه الطفولي في البكاء ، ولم تفتح له صدرها ، وتغدق عليه شفقتها ، حتى لا يألف هذه الطريق بعد كل خطإ ، بعد كل عبث ، بعد كل عداء . لم ترد رحمته ، فهدأ مرة واحدة ، وأجحظ عينيه كأنه سيموت لتوه ، وقال في عصبية :
" إني أريد أن أرسم لأوحة كيان بلا رأس في هذه الغرفة ، غرفتك أنت ، وبعدهاى أدعو الزوار ليشاهدوا الإنتصار ، انتصاري أنا ..
غضبت فاطمة الغضب الأكبر . لم تستطع أن تتمالك نفسها الموضوعة في رهان مقيت ، فانهالت عليه بالصفعات وهي تصرخ :
" أيها الصغير الحقير ، تفكر بالتشهير بمأساتي وأنا الكتومة ، العنيدة . تفكر في حشو الخطيئة في بطني وأنا مثال الطهر والعفة . طفل في طور البلاهة والحماقة يطمع في أن يشوهني على واجهة كل التاريخ ، وينزلني إلى مستوى سيدات الشوارع المسماة في طوبوغرافية المدينة ، والفنادق الحمراء من الداخل ، والمخادع التي تقايض فيها العملة بالمصلحة ،، لا يمكن ..
" وراءك يا فاطمة ، الجميلة ، حتى يصير اللاممكن
ممكنا . المشوار ممدد تحت خطواتنا يشكله الطول والوعر.
كلانا يمشي وفق أفكاره ، لكنك ستتعبين ، ستسقطين ، ستشارف فيك الأنفاس نهايتها ، أنذاك أنتظر منك التفاتة مكسورة عند بدء ذكراك في ذاكرات تولد ، وتلتفتين صوبي وفي عينيك دمعة انهزام وفي خاطرك قنبلة ، حسرة . ستصرخين يائسة في مكبرات الصوت :
" النجدة ، النجدة .. النجدة ..
وأنا الذي أحمل كل الإنتماءات لكل دوائر الإعانات ، طبعا ، سأغدق عليك كل نجدة لحظتها بيدي الظاهرة للعيان على شاشة صغيرة ، كبيرة . أمد وأمد ، وأمد ، وبيدي المخفية أكون أقبض كل طلباتي ، وبلا أدنى مساومة منك ..
" اللعنة عليك ، ما أبشعك .. إنما اعلم أنك لن تنال مني أقل ما تطمع به عندي . تعتقدني سهلة تافهة . أموت ولا أرضخ ، ولا أنحني ، ولا أركع . صدق عنادي الحديدي ولا تتعب نفسك ، لا تضيع حياتك في ملاحقة سراب ، ولا إدراك بالقطع . إني فاطمة وأجرك على الله ، سيدة التجارب المؤرخة في مفكرتي ، في حاسوبك القاصر ، وفوق قبور أسلافك الملعونين في علانيتي . لقد تجاوزت كل مراحل المحنة والخطر بنجاح ، وخيبت كل مراودات مثيلة لهذه التي تأتيها الآن ، ولا تعي غيبها . وفر على نفسك الجهد ، وانفق عمرك في شئ ينفعك ويسعدك ..
" ينفعني أن أرسم جسدي فيك ، تتمة لجسدي ، بمني حقنت به في مختبر ، وأقسمت على ألا أنفقه إلا في فراشك هذا ..
يكون الكيان فيك والرأس في أحشاء البعد ، ويصير كيانا مألوفا في نباهة كل القابلات . هو قسم المهمة مزروع في طراوتي ، وأنت لا بد أن تعيشي على تهمة أحبائك لك بجريمة تاريخية ، ويعيشون هم على طرح قضايا قضم الفأر عنوانها ، وعلى تقديم ملفات براءتهم بلا أمل . ثمة أسعد ، وأرقص على جسد فاطمة رقصة أبدية ، ومنة يدها أشرب دمعها محلى بلعابي رغما عنها . حفلة ..
" لا سعدت إذن كما تشتهي أيها النذل منذ المخاض ..
ومدت يدها إلى عنقه وهي تتأكل في إقبال الثورة ، وبدأت تخنقه خنقا حتى ليخيل إلى الرائي أنها لا تريد أن تميته فقط ، بل أن تفصل رأسه عن جسده ، وتقطع ذكره . فهو جرثوم أعلن رغبته في التطور داخل جلدها المجروح ، فلا يجب أن تبقي منه إلا ذكرى شر كبير اندفن ..
هو ذا مبدأ المعاملة بالمثل ..
صاح الطفل صياحا أكبر من طاقته ، إنه في خطر ، فألفت إليه انتباه الجماعة الموجودة في الصالون المطل على موقف واسع للسيارات ، فهرع الكل إلى حيث الصياح يخفت بسرعة ، حشرجة تنكتم . كانت طبعا فاطمة تضغط على عنق الطفل وهو يرتخي ، يكاد يغشاه الإرتخاء
الأخير ..
أسرع أحمد وفرق بين الجهتين بقامته الطويلة وجسده العريض ، في حين تدخل علي فجذب فاطمة إلى الوراء .
طاوعته في مسألة الرجوع ، التراجع ، وفي عينيها يضطرم الغضب ، وعلى شفتيها تتمزق الوعيدات والتهديدات . لا أحد يرضى بأن يساوموا فيه العورة بنظرة ، فما بالك بفاطمة التي كشفت كل جسدها أمام فم طفل حقير ، بين جدران المكيدة الناطقة . قال لها علي وفي وجهه مسحة اندهاش وتجاعيد حيرة ثقيلة :
" عهدنا بك أعقل العاقلات يا فاطمة ، فما الذي جرى .. ؟
" لقد عاث هذا الطفل في غرفتي ، في جسدي ، عيثا ألمني فانتهرته ، لكنه لم يقف عند حدوده كذي من قبل ، فأفصح لي عن نيته القبيحة التي ظل يطاردني بها . هل تعرفون ماذا فعل .. ؟ لقد راودني عن نفسي ..
" غير ممكن ..
" ثمة المشكلة ، لما يأتي مثل هذا الوقح عملا غير ممكن في تصوركم ، لما أحكي لكم الحكاية ، وأبقى أنا وحدي أتحمل مرارة الحقيقة ..
" لكن .. يا فاطمة .. حتى ولو راودك على نفسك فهو طفل لا يعي معنى ما يفعل ..
" لكنكم أنتم تعون أبعاد الزنا في صفحة الغد ، تزغردون لإبن الحلال إذا ما صاح ، وترمون بإبن الحرام في مزبلة حين تصير أمه نكرة ..
" معرفة أنت يافاطمة ، وفوق كل شك وشبهة ، وهذا الطفل سيظل طفلا حتى ولو شهد له أمهر الأطباء بقدرة
الإنجاب ..
" ثمة المشكلة ، لما يؤذيني هذا الخبيث الصغير أمكر إيذاء وهو في كامل قوى فهمه ، والناس يقولون عنه طفل ، صغير ، لا يفهم ..
" سوف لن يصدقه أحد ، تأكدي من هذا ، وتوسدي كل اليقين ..
" ثمة المشكلة ، لأنهم بالمقابل سيكذبونني ، ويرمونني في ماخور الجريمة ..
" ربما أنت تكبرين المسألة ..
ثمة دائما المشكلة ، وفي حدودي وحدي باتت إشكالية ..
هدأت فاطمة . استدارت إلى الطفل ، وقالت :
" اذهب إلى الغرفة رقم كذا ، تطهر فيها من أحقادك علي ، وتعال لأقبلك ونبدأ رحلة التعايش والسلام ، هيا اسرع ..
انفلت من أمامها بسرعة توهم الضعيف يبأنه أقوى الأقوياء . غاب قليلا . رجع يضحك ويمص قطعة ثلج أصفر ..
" ماذا فعلت أيها الشيطان .. ؟
" فعلت ما أمرتني به ، بلت في الغرفة التي فيها سجادة للصلاة ، وفيلا الوقت نفسه كنت أستغل الفرصة وأغسل يدي ببولي ، أنا حر في نفسي ..
" يا ولد الحرام .. ثم ماذا بعد ذلك .. ؟
" ثم فتحت الثلاجة ، وأخرجت هذه القطعة الثلجية التي أمتص طبقاتها المتجمدة الآن ، بول البارحة تجمد وصار قابلا للإستهلاك . هل أحضر لك قطعة .. ؟
وصفعته بغلظة . فقد التوازن وسقط أرضا ، في حين تناثرت القطعة الثلجية الصفراء . همت أن تسقط فوقه وتعمل فيه أسلوب خنق أخر ، لكن أحمد كان هناك يرقب القول والفعل . حال دونها والطفل الذي بدأ يجمع أطرافه بعد السقوط المسجل ، ويستعيد لون الخدعة ..
" العني الشيطان يا فاطمة ، واهدئي ..
" لعنته ما عادت تكفي ، يجب أن أقتله ..
" تقتلينه .. ؟
" ولم لا .. ؟ هل يؤلمك أن تراه صريعا في ساحة القرار .. ؟ لقد أتاني وتحت جلده قسم غليظ لكي يصيرني لا شئ ، ومن باب الدفاع عن النفس يتوجب علي أن أفكر هكذا وألقى دعمكم ..
" بقتله .. ؟
" نعم .. قالتها في عصبية وثورة ..
" وما كنت أعرف أنه غال عندك ، يزداد غلاوة عندك في زمن تتهددني فيه كيماوية التركيع .. لن أركع لأحد ..
" لا تفهميني خطأ ..
" بلقمة خبز اشتروك في سوق مكتظة بالحملات ضدي . بالأمس كنت واليوم من أنت .. ؟ من .. ؟ خير لك أن تموت جوعا من أن يعطفوا فيك على المعدة لأجل عقلك ، ويصادروا فيك اللاءات وذكريات الشموخ
" يا فاطمة ..
" هل أنت معه أم معي .. ؟
" يا فاطمة عليك أن تفهمي ..
.. مقاطعة في حدة ..
" أريد جوابا لا يحتاج لأبسط مهلة تفكير ، أريد موقفا بلا مجاز ..
" يا فاطمة ، اسمعيني ..
" أنا لا أفهم في السياسة ، معذرة ..
" يا فاطمة ..
" ما كان من حقك أن تزيديني حزنا فوق أحزاني الراسبة ، وكان بإمكانك أن تمنحني ذخيرة للتعويض عما كان في كلمة ، وذخيرة للشموخ في قنبلة ، في قبلة .. أنت خائن . أنت نذل . أنت شماتة . أنت كلب . أنت ..
" يا فاطمة ، يا ..
" أنت أنت أنت ..
وبلهجة نمت عن فقدان الصبر ، استدارت إلى الطفل ،
وقالت :
" اذهب إلى غرفة كذا واحضر السوط رقم كذا ، واحضر ظهرك ، هيا بسرعة ..
ذهب . نفذ أوامرها . أحضر السوط وفي عينيه انكسار حقيقي ، أنذاك فقط شعرت فاطمة بقليل من الشفقة عليه تتدفق في صدرها ، وأشكت أن تتراجع عن تطبيق قرار العصا ضده . لكنه استسلام ، ورفع العصا في وجه العاصي جائز في زمن جيز فيه استخدام العنف ..
إنها صورة شوهت وجه السلام ، فلماذا ينزف قلبك يا فاطمة في أخر قصة غرام .. ؟ لماذا تسلب عيناك في رحلة الإلتباس والظلام .. ؟ لماذا يستباح صدرك للحذاء المستورد ، ولعجلات النسور الحديدية المنطلقة
منك إليك .. ؟ لماذا يستباح إكليلك باللغو ونزعات الدم .. ؟
لا أحد يعارض بالحب الرسمي ، ولا أحد يقبل الماجريات في لحظة ، ويركع في الوراء كل الباقي من الزمن ، ويوفر على نفسه الإختفاء تحت جلده الشفاف . اقتلوا الأمهات وانزووا في السخط ، واقتلوا الأبناء وانحبسوا في ظلمات الضمير ..
كل الجماعة عادت إلى الصالون ، تتعاطى سمع الأخبار على معزوفات ناي جريح ، تتبادل الأفكار من منطلق الخوف وأرضية المصلحة ، والمتوضئ فيهم كان يصلي الركعات الجهرية بنبرة الإختناق . كان الضمير يهجم ويسجل نسبة التقدم ،، وكانت الساحة صامتة غامضة ..
فكرت فاطمة :
" هذا الطفل يخطئ في حقي ويأتيني بوسيلة عقابه لما أمره ، ويعري لي عن لحمه الحليبي ، هو يعترف إذن بالجزاء بصيغة فعله المشين . جسارة هي أم يريد أن يعرف حقيقة خطئه رغم أنه خطأ متعمد ، خطأ في المبدأ .. ؟
" أنا التي لا أملك طريقة في التربية ، لا أملك بيداغوجية تصنع من كل مادة أولية مستقبلا .. لا . هذا الطفل صغير جدا ، أصغر من أن تتبادر إلى رأسه الفلسفة ونظريات التعقيد ، كذلك أكدت لي روح إبن رشد المستحضرة بدعوة من الشدة ..
" عيبنا أننا في الرخاء نركب سفينة الإنسلاخ ، ونبتعد ، ونضيع أفيد الفرص في أفيد زمن ، وهذا الطفل في رأسه خبث الكبار ، وكل شر البريئة ..
لا تراجع في عزم فاطمة . العصا في يدها ، والجانب العاطفي أدرك نتيجة الإلغاء ، فل طيبة لدرجة الغباء . لقد ظلت تنتج الوفاء بعد الإمضاء ، لكن الغدر كان يولد وراء ظهرها ، وكانت تنتج أذكى القنابل لتفجر جسدها في أول طلعة فوق الشموخ الباقي . يا لعاقبة الوفاء في تاريخ الدسائس ..
" مد يدك أيها الطفل ، ولست بظالمتك ..
" يدي لا تنتمي لي ..
" مد يدك وكفى كلاما ..
" .. .. ..
" خذ أول ضربة ، ولا زلت أحتفظ لك بمثلها الكثير ..
ومع أول ضربة أسقط القناع عن الوجوه والنوايا ، فبانت كلها سوداء . كان هناك ظلام ، ولا زال ، كأن كل الضوء في الكون استنزف بلا طائل . وكان بدء الصباح يبكي أرداف فاطمة وقد وضعت في الرهان ، وألصقت دعايتها على وسخ الجدران ، على مرافئ الزمان ..
كان بدء النار يبكي شعر فاطمة الأسود ، المحجوب بلون
السماء المستعار . وكان بدء عاصفة الصحراء يبكي بيت الطين الدافئ ، ووجوه كل النساء ، وبراءة كل الأطفال المعلقة على الحدود ..
" ماذا تفيد الأخبار يا أحمد .. ؟
" اسمع تفهم ..
" أنت تعرف أني لا أفهم هذه اللغة الناطقة ..
" قل أنك لا تعرف الموضوع من أصله ، حتى ولو تمت حكايته لك باللغة الدارجة ..
" لماذا تهينني دائما بهذا الشكل يا أحمد .. ؟ ألأني جاهل وأنت ..
.. مقاطعا ..
" أنا لا شئ ، أرجوك ..
" لا ، أنت قارئ ومتعلم ، وأمثالي يطمعون في الإستعانة بك والإستفادة من معلوماتك ومناهجك وطرقك ، وخاصة في مثل هذه الظروف الحاسمة ..
" قد لا تفهم يا علي حتى ولو حاولت أن أشرح لك ..
" لماذا .. ؟ إن جهلي العاري فوق جبيني لا يقصيني عن عالم الأحداث بهذه الصورة التي تظنها . إني عربي ، وهذا دليل على انقباضي في حضرة التشخيص . هذه حجة سهلة تكفيني على الأقل أن أفهم معنى بسمة في ثغر الوطن ، ومعنى دمعة تخدش نعومة خده ..
" صدقني يا أحمد ، إن العروبة شئ فطري في ذوات أبنائها ، تسري في الدماء الجاهزة للفداء ، وتسكن الأفئدة النابضة بالحب . العروبة ليست شعبة في التعليم الشائع لكي تبرر بشهادة كرتونية في نهاية المطاف ، وليست فكرة تجمع من على السبورة لتنشأ في الرأس ، كما تنشأ عملية حسابية تضيع مع أول اكتشاف ، أول تطور ..
" إنها شئ فوق كل هذا وذاك ، شئ أعجز عن أن أعبر لك عنه خارج دائرة الصلاة ، إني أحسه قويا واضحا ، أكبر مني ، وأومن . احذر أن تتجرأ على إيجاد تعبير كلامي متداول للعروبة ، فتسيئ إليها ، ولا تعذر ..
" أوه .. دعنا الآن من ثرثرتك ، هناك أشياء مهمة تتطلب منا كل الإنتباه والجد ..
" أريد أن أعرف تلك الأشياء لأشاركك الإهتمام بكل الإهتمام ..
" لا تستطيع ..
" ولو بأضأل نسبة ..
" لا تستطيع .." لا تحتقرني يا أحمد ، فإني أنفع في ميادين أحسن منك ..
" أرجوك اسكت ..
" سأسكت ، لكن ليس قبل أن أقول لك بمنتهى الصراحة : أنت متكبر بلا فائدة ، فهل تراك يوما تنزل إلى مستواي ، فنتكلم ، ونبتسم سويا ..
" وتبكي وحدك ..
" بل ونبكي سويا إذا ما كان بكاؤنا سلاحنا ، ونصدر بيان عشرتنا بمفهوم جديد ..
" ماذا أفادت الأخبار يا كمال .. ؟
" لقد بدأت الحرب يا علي منذ نصف ساعة ..
" الحرب .. ؟
واستنفر التاريخ هيئات تحريره لكتابة الدمار . أكيد أنه في الوقت الذي كانت تحفر فيه الخنادق ، والقبور ، وتنسج فيه الأكفان بالجملة ، كان التاريخ يضاعف من إنتاج الحبر والأقلام لتكتب الأوراق ..
" يا كمال ، لماذا تقوم هذه الحرب الضارية .. ؟
" لأن حقائب السلام كانت تبقى عند الباب مغلقة على أية محاولة ، ولا تدخل إلى القاعات إلا رابطات الأعناق ، وبذلات المظاهر ، وطقطقات الأصابع . لأن ضمائر السلام كانت تبقى على العتبات رهن الإنتظار ، في حين لا تدخل إلى القاعات إلا تهاديات الأجساد .. " لم أفهمك إلا قليلا جدا ..
" حسنا ..
تدخل أحمد في هذه الآونة بالذات ، ربما ليعرقل بادرة الفهم أو التفاهم فقط . حشر نفسه بينهما بلا استئذان ، ولا نقطة نظام . قال مشيرا بأصبعه إلى علي :
" لن تفهم أبدا ، وأوقف تطاولك على فهم جد قليل ، ابق في حدود اهتماماتك السابقة : الطالع والنازل في سوق الصرف ، البارد والساخن في حالة الجو ، ثمن المتر المربع من الأرض في البلاد ، والإعتناء بأمور الناس البعيدة عنك ..
" لكني أريد أن أفهم . نفسي تخبرني أن شيئا كبيرا يجري في العالم اليوم ، الساعة ، الآن ..
" لن تستطيع ..
" لماذا .. ؟
" لأن المسألة تتطلب مخا في الرأس ، وأنت في رأسك البزلت ..
ضحك من الجماعة من لا زالت تعمل فيه عناصر الضحك ، وبكى منهم من لا زال يواصل الزمن الأول في حضور العمر ..
تساءل علي :
" ما هو البزلت .. ؟
وانتظر الجواب من أحمد الذي قال ساخرا في وضوح :
" أكلة يابانية ..
" كمال ما هو البزلت .. ؟
" هو صخر صلب لا تفتته المراحل البيولوجية إلا بصعوبة ، وأحيانا يستحيل ..
" صخر .. ؟ أنا في رأسي صخر .. ؟ لهذا الحد أنا
ملغى .. ؟ إذن ..
وفي سرعة البرق حمل فنجان قهوته وأفرغه على وجه أحمد ، وبدأت المشادة العنيفة ..
كمال بدأ يقرأ صامتا في ديوان شعري لمحمود درويش ..
أحمد دأب على تتبع الأخبار الواردة من منطقة هبت فيها أعتى عاصفة ، حسب مصالح الأرصاد ..
علي ذهب إلى غرفته وانزوى على نفسه ، كان حزينا لأن الحرب بدأت وهو غير مؤهل لأن يعرف الأسباب والدوافع ، الشئ الوحيد الذي سيفهمه هو عدد الموتى .. والضحايا ..
عبده كان يؤرجح عينيه الثعلبيتين بين شاشة التلفزيون وحليمة الجالسة على يساره ، في حين لا يكف عن التهام قاوقاو بلا قشور ، ويقول ، بين اللحظة والأخرى ، في احتياط وحذر من معارضة قاطعة :
" اعملوا لنا الشبكة 15 ، أكيد فيها فيلم زين ، ودعونا من السياسة ..
تلتفت إليه حليمة ، تزدريه بعينيها القهويتين ، وتقول له :
" لم تعد سياسة ، باتت حربا خطيرة أيها العربي ..
" أنا عربي ، نعم ..
" بالفم ، وما أكثر الأفواه الآكلة سمو الكلمات ..
" حليمة .. لا تتطاولي على الأصل في ، أنا عربي ..
" ربما أنت كذلك ..
" هل لا زلت تشكين .. ؟ لا عليه . تعجبني كل شكوكك لأنك لا تعرفيني عنة حقيقتي ، ولا تعرفين الكثير عن ملفات الرجال وملفات الأنذال ، كل ما تعرفينه وتجيدينه هو الإضطجاع ..
" اخرس أيها الحقير ، خسئت كل اتهاماتك لي من هذا المنظور ..
" لأنك امرأة نصفها ضعف ونصفها شهوة سأتحمل إهانتك لي ، قد تكيلينني المعايرة الثانية أكبر من الأولى فلا أفقد أعصابي ، أبتسم لك ، ولا أكلك كقوقاوة هشة بين الأضراس .. يوم سأفعل ستكونين أخر من يعرف أني أقدر على النقمة ، كما قدرت على الصبر الطويل ..
ورمى بحفنة قاوقاو في فمه ، وبدأ يمضغ محدثا صوتا وفي اعتقاده أنه يرهب حليمة ، ويرهب كل من قد تخول له نفسه بالوقوف في صفها ضده .. يا للغرور .. كان يبدو كالبقرة لحظة وجبة العلف أو لحظة الإجترار ، مجرد بقرة ، لكنه لم يكن يعبأ لأن فوق عينيه كانت غميضة ، ولم يكن يشعر لأن في كل أطرافه كانت الأجراس معلقة ، قارعة حسب ضوابط الرعاة .. وقلبه كان مطبوع عليه ..
قالت حليمة بجرأة وموقف ثابتين :
" الله يفيقنا بعيوبنا ..
" عيبك أنك امرأة تحشرين نفسك في أمور الرجال ..
" امرأة ، واملأ بها فمك ، امرأة خير من كل أشباهك الإنتهازيين ..
" امرأة صالحة للفراش نعم ، للسفر بالجسد إلى يقين الإشتهاء نعم ، أما للتفكير والرأي فلا .. أبدا ..
" يا نذل ، هل نمت معك أم ضبطتني متلبسة بخطيئة .. ؟
" فماذا تفعلين الآن ، في وقت متأخر من الزمان الأسود ، في بنسيون يقطنه العزب والذين فارقوا زوجاتهم منذ عام .. عامين ..
سخرية مقيتة تصطدم بالصمت . ماذا بيد حليمة أن تفعل لما يسيئ لها أقرب مصدر .. ؟ ماذا تفعل لما تصفعها يدها اليمنى وهي طرف من جسد بريئ ..
أضاف عبده قائلا :
" ستنامين معي لما أريد أنا ، ساعتها لا يكون بيدك أن تمنعي عني نفسك .. انا عبده يا حليمة ..
" خير لي ساعتها أن أخنق أنفاسي من أن أذوب تحت أنفاسك الفواحة برائحة الخيانة ، يا وحش ..
" سنرى في أخر الصراع ..
" أتحداك منذ الآن ، سترى لوحدك ، أما أنا فلي إيمان بالله ، وبعقلي ..
" المرأة ناقصة عقل ودين ، وسأوقعك في قبضتي من هذا الباب ..
" قد لا أهرب من أي اعتراف تفرضه فيزيولوجيتي ، قد أكون ناقصة نعم ، أما أنت فعديم كل الأشياء من عقل ودين ، وأخلاق ، ومبدأ ومواقف .. فياحسرتي عليك ، وعلى أمثالك ..
" تنقمين علي وتتحسرين علي ، غريبة .. ؟
" لأنك منا ، ولا نريدك خارج المشوار ..
" أخاف يا حليمة أن تتجاوزي معي حدودك يوما ، فيركبني حمقي وتهوري ، وأجري عليك نوعا من العقاب .. نوعا من العذاب .. لا تضطريني فتندمين كل الندم ..
" لن تستطيع لأني أملك وسيلة دفاع لم تطلع عليها ، ولن يكون لك ذلك قط ، ثم لي الحق المكتوب في دم البطولة ..
" البطولة .. ؟ لو أصدقك فماذا أفعل بالإنهزامات المتواصلة في الساحة .. ؟
" يوم نهزم غباوتك زنذالتك فينا سننتصر ..
" تهزمينني .. ؟ بنهدك الممرغ في لعابات البنسيونات أم بوجنتك الموصومة بالقبلات اللاشرعية .. ؟ أم بمؤخرتك المستورة بسروال قطيفة زرقاء ، تصدقت عليك به إنكريت ، سيدتك ، وصاحبة الفضل عليك لو كنت تعترفين بالجميل .. كان مصيرك الآن عارية تمشين لولاها .. أم ستنصبين لي مكيدة نسوية في فراش وتباشرين في عقلي السفك لحظتها .. ؟
سكتت حليمة . استغل عبده الحالة فاسترسل في ثرثرة مائعة .. تكلم كثيرا لكن ولا أحد كان يبدو عليه أنه يستمع إليه ..
" إنك تدخن بكثرة يا علي بالمقارنة مع أيام سبقت ..
" .. تنهد علي ..
" هل أنت حزين .. ؟
" إني زعفان يا كمال ، قد لا تتصور كيف انهار بنيان نفسيتي المرصوص مرة واحدة . ليلة البارحة لم أذق طعم النوم ، أصابني أرق تجري فيه أطياف شريرة وخيالات شرسة ، رغم أن الليالي المستهلكة كلها لم تكن أقل عذابا من ليلة البارحة . ذهبت إلى العمل بعينين محمرتين وجسد مرخي كأن عظامه ذابت ، وعقل أنهكه عياء البحث عن حقيقة منشودة .. صدقني ، قد يموت الإنسان وفيه رغبة في أن يعيش دقيقة إضافية فقط ، وفيه حب البقاء ، أتعرف لماذا .. ؟ أملا منه في أن يكتشف الحقيقة في تلك الدقيقة ، ويموت مرتاحا راضيا .. لكن هيهات أن تقول للموت انتظري فتستجيب ..
" هون على نفسك يا أخي واعلم أننا في الهم سواء . في كل الأيادي بنادق وأيادينا فارغة إلا من ماء الوضوء ، في كل الأحلام روح وفي أحلامنا نحن تعيش الرصاصات ، نحن الهدف نتقي الطلقات بإيمان .. وصلاة ..
أتعرف يا كمال ماذا علقت على صدري الأيسر في الصباح وأنا داخل المعمل .. ؟
.. ضحك في أسى ..
" بدل أن أدلي ببطاقة الدخول إلى المعمل ، أدليت ببطاقة العروبة ، ألصقتها في المكان المفضوح مني بلا تعمد ، وما كنت أملك أن أخفي نفسي أمام عيون هي ضدي ، هي حقيقة مفجعة ..
" ارتعد البواب في مكانه وأعلن وجهه حالة طوارئ . اختلفت نظراته المريبة بيني وبين حروف مختوم عليها فوق صدري الأيسر ، وغاصت كل نظراته في ملامحي تجود بسري لما سنح لها الإنفضاح ..
" ماذا دهاك ياسيد هينك .. ؟
" استمهلني لحظة ولم ألف منه هذا الفعل من قبل ، لكنه أتاح لي فرصة أن أنتبه إلى غلطتي ، سهو مني كان فقط ، لكن علي أن أجيب على بعض الأسئلة التحقيقية لأنفي تهمة لا أفهمها ،، فسهوي لا يكفي ..
" هل أنت عربي .. ؟
" نعم ..
" معك قنبلة .. ؟
" لا ..
" معك سلاح أبيض .. ؟
" معي مقص الأذافر ، ومفاتيح المنزل والسيارة ..
" معك مواد متفجرة أخرى .. " معي علبة أعواد الثقاب ..
" لماذا تحملها معك .. ؟
" لأني مدخن محترف ، وهذه علبة سجائري المفضلة تؤكد ادعائي ..
" هل تدخن كثيرا .. ؟
" لا يهمك ، الصدر صدري وأنا مولاه ..
" هل تحب الحرب .. ؟
" أنا أحب السلام ..
" هل أنت مع الإرهاب .. ؟
" لا أعرفه ..
" إني أسألك هل أنت معه أو .. ..
" ياسيدي ، غير معقول أن أكون مع أو ضد شئ وأنا لا أعرفه مطلقا ..
" هل تخفي موقفا أو مبدأ .. ؟
" بإمكانك أن تفتشني وتطلع على الجواب ..
" كيف .. ؟
" لست أدري أنا ، فأنت الذي معك صيغة للإتهام لا بد أن تكون لك ألف طريقة للإثبات أو الإدانة ..
" هل تسخر مني يا هذا .. ؟" لا بطبيعة الحال ..
" ضع هنا البلاستيك الذي في يدك ..
" ليس فيه غير تفاحة وكاسكروت اعتدت أن أكلهما في الإستراحة ..
" قلت لك ضعه هنا ، وعد خطوات إلى الوراء ..
" هاهو ، لا حاجة للنرفزة ..
فتح البلاستيك في كامل الحذر كأن به أفاعي الصحراء المهملة . ماذا يجري حولي .. ؟ لو كنت استعرت منك عقلك البارحة في المساء ، يا كمال ، لكنت فهمت أشياء كثيرة .
اعتقاد كبير اجتاحني يعني أني مجرم خطير ، عفوا لا زلت رهن السؤال الملحاح ..
اللحظات كانت قاسية علي ووساوس شؤم تنبثق ولا تهمل . بعض لقطات الأفلام العنيفة وبعض الحكايات الشائعة تفد إلى ذهني ، تحضر ولا تغيب .. أنا الذي لم أفكر أبدا أن أسيئ إلى أحد ولو بكلمة ، فكيف أفكر أن أسيئ بقنبلة دفعة واحدة ، ربما هكذا هم يجعلونني أفكر .. وحتى لو فكرت فلست جريئا إلى هذه الدرجة .. المسألة تحتاج لناس أشداء لهم تأهيل وباع ..
ربما هكذا هم يجعلونني أفكر .. ربما ..
لم يجد شيئا ، فقط التفاحة التي أدارها أمام عينيه عشرة دورات متأنيا متفحصا ، والكاسكروت الذي فتحه فلم يجد غير مربى وزبدة يطليان واجهتي خبز قمحي .. حقيقة ، هي الشكوك كانت تنتابني مع كل كلمة أو نظرة ، أو كل حركة ، حتى خلتني فعلا كما يريدونني أن أكون ، مجرما ، أترقب الإدانة القانونية في أي لحظة .. لكن مم أخاف .. ؟ هكذا أردع كل المشاعر السالبة في قراري ، فكل الأشياء محلية ،، أشياؤهم هي ..
أخرج من البلاستيك أخر محتوى نسيت أن أذكره ، ظرف بريدي جميل مغلق على نفسه كهذا الزمن المجهضة جدواه ..
لفاطمة الساكنة هنا .. وهناك .. كنت أريد إرساله وأنا في طريق عودتي من العمل . على ظهر الظرف عنوان قد يمكث وقد يضيع قبل أن يدركه ساعي البريد .. إلى فاطمة الساكنة في بيت من تراب ، رقم القرار الأخير قد يهدمه فيرمى الخطاب على أنقاض وأحزان ، والشارع طويل يبدأ من ساحل الماء الأزرق إلى سخونة الدم الأحمر ..
" من هذه الفاطمة التي انغرست في ذاكرات سعاة بريدنا من كثرة التكرار .. ؟
" هي حبيبتي أخبرها عن حالي ، وأستخبرها عن حالها الآن ..
" هل تحبها ..
" لا يهمك ..
صمت . مص شفتيه ، وقال يائسا :
" لا شئ يدينك ، يمكن لك أن تنصرف إلى عملك الآن ، لكن هذه عيني منك .. حذاري ثم حذاري ..
" اطمئن أيها الشاف ..
وانصرفت . ولم أنس طيلة اليوم أني موضوع تحت عيون غيري .. وعلي ألا أنسى هذا أبدا .. وفي كل الأيام الباقية في يومية الغربة الفظيعة ..
لكن يا كمال لماذا هذه الأشياء كلها .. ؟ كنت أرى مثلها على التلفزيون ، وكثرت في هذه الآونة الأخيرة ، ولم أكن أظن قط أن تشمل حتى أمثالي الذين لا يفهمونها البتة ، لكنها اليوم شملتني من رأسي حتى قدمي .. لماذا .. ؟
" إنهم يقولون أن العالم كله مهدد بعملياتة إرهابية خطيرة على غرار العاصفة التي تسخف رمال الصحراء .. إنهم مرعوبين كل الرعب ..
" وما هو الإرهاب .. ؟ أفدني حسب طاقتي الله ينورك يا السي كمال ..
" يقولون أن الإرهاب هو تفويت الرعب والهلع ، والموت ، إلى صميم الطرف الآخر ، باستعمال وسائل متطورة كالقنابل والمتفجرات الناسفة في أركان مصالح ثقيلة في ميزان العلاقات والحساسيات ، أو اعتماد القرصنة والرهائن ، أو الإختطاف والقتل .. أو الإغتيالات .. وتنفذ العمليات الإرهابية من الداخل والخارج ، من منظمات وأفراد ، مما يضع الأمن والعلائق موضع الحرج ، وربما التفكك ..
فلا أحد يريد علاقة مع من يقتله ..
" هو أسلوب خطير إذن .. ؟
" بكل تأكيد ، فهو يمارس أحيانا كوسيلة تعبير عن الرفض للمواقف ، وأحيانا هو وسيلة انتقام تام .. هو حرب ..
" وهل هو مقبول .. ؟
" لا بطبيعة الحال ، لكن يا أخي لما تختلط الأوراق ، ويصطدم الحابل بالنابل ، وتعصف أعتى العواصف فتتلف النعيم والهدوء والطمأنينة ، والإستقرار ، وتهدد الكرامة ،، أنذاك يصبح كل عمل مقبول وجائز ، ويصبح كل شئ
سلاح ..
" وفكها يا من وحلتها ..
" صدقت ..
هز كمال رأسه إيجابا وتدعيما ، وابتسم ابتسامته الطيبة الطالعة من تحت رواسب الوجوم التي تؤذي جمال وجهه ، ومن تحت طلاء صبر ثقيل ..
قال علي مواسيا :
" والله لا تستأهل أن تحزن بهذا الكم يا كمال ..
" غصبا عني ، ماذا أفعل .. ؟
" غدا يفرجها ربنا وتعوض غصن الشباب المقوض في شجرة عمرك ..
" أمين يا رب العالمين ، وأرى كل أحبابي يدا واحدة فوق صخرة الوادي ، عقلا واحدا في الأحاديث المغلقة ، رأيا واحدا في الختام ،، وجملة واحدة في إعراب التاريخ .. في تاريخ الإعراب .. سعادتي في سعادة أحبابي ، وشقائي في شقائهم ..
" لن يكون الأحباب قط بهذا الوجه الذي ترسمه على جدار الغد ، ولو أنفقوا الدهر كله في سبيله ، إن لكل منهم وجهة نظر هو معتنقها بصلابة إذا ما نشرت طاولة الكلام ، فما بالك بالتطبيق .. ؟ فهل أنت حالم بمعجزة أم تفكر بجدية .. ؟
" يا علي ، أنا لست ضد تعارض الأفكار من الآن ، لكن على هذا التعارض أن يخدم النتيجة المتوخاة ويدعم الراصخات والثوابت في الأمجاد ، لا أن يفقم الشتات بناء على نية دنيئة مبيتة لفاطمة ..
" توقف يا كمال ، إنها تنادي عليك ، لقد عادت إلى زاوية الإنتظار .. فاطمة ..
" كمال ، كمال .. كمال ..
" أجبها ، ربما تجد في جسدها مكانا لقبلة ، إنك تبدو جوعانا ..
" سأعود ، ونكمل الكلام ..
بنسيون العرب ، بناية من أربع طبقات وسطح لا يستعمله إلا رجال المطافئ . حافته على بركة ماء كبيرة ، وبوابته الرئيسية مفتوحة لشتى أحذية النكبة . على الجدران تتكدس الشعارات المكتوبة بالصباغة المضغوطة : نحن ضحايا توالي المحن ، نصمد لأجل الخبز ،، لكننا لا ننسى الوطن ..
الأصابع ضد سكانه على الطوار تشير ، انقذيهم يا بلادهم من شعور الخوف في بلدان الناس ، ومن زوايا الإختفاء .. في المرحاض تعبيرات تندس خلف الباب ، تختنق ، والسيدة القائمة على النظافة تشي بكل الملاحظات إلى إدارة ذاك البنسيون .. ينساب التهديد من الحناجر والتحذير من العيون ، لهما ذوق طاغي ومقرف في كل الوجبات اليومية ..
وأكلوها .. ؟ فيهم من لأجل الأكل يعيش ، وفيهم من لأجل العيش يأكل ..
هل تتلاقى الرؤوس السوداء وتبكي ، تقيم منوحات ، أم هناك انفراجات قريبة في بعد نظر الخبراء الأمناء ..
صورة المقتول معلقة في أعلى السلم تخل باتزان كل النظرات الأمامية ، بنظام كل الخطوات الصاعدة ،، فالمقتول بريئ خال من كل التهم ..
يا مشنوق ما ذنبك حتى عشقتك هذه الحبال .. ؟
وأنت يا سجين متى تفرج عنك برودة الإسفلت وصمت
الجدران .. ؟
يا كل ضحية ما موبيقاتك في لائحة الكبائر حتى أليت إلى كل هذا الجزاء .. ؟
نهاية .. دسوها لك في درب ليلي أو في وليمة الأحباب .. ؟
أو في دفء أسرتك التي لم تشك فيها أبدا .. ؟ صحيح ..
في الأعماق يقع الإنزلاق ، السير لم يأخذ الوتيرة المتوخاة شعارا ، وعلى جنبات الممر الطويل ثبتت الخرائط الحميمة ، والوجوه العزيزة .. والإعلانات الكثيرة .. وكل البيانات البنسيونية ..
في يد كل عائد من رحلته اليومية قفة ، في القفة رائحة وبرتقال ، والبرتقال مختوم عليه بيافا صفراء مسيجة بأحمر ..
لا أحد انتبه للملصق الذي لا يحفظ حق الإنتاج لصاحبه ، فالكل كان مهتما بالطعم بضغط من جوع يسكنه .. ولما اضطرهم الإنتباه جميعا في لحظة حكم فيها الزمن لصالحه ، سارعوا بالتراجع ، لكن كان قد فات الأوان .. لم تبق إلا القشور فوق غطاءات الموائد ..
" يا ويلنا ، أكلنا حق إخواننا ..
دقوا أجراس الطوارئ ، عقدوا جلسة استباحوا فيها الوقت والعقل ، وأصدروا بيانا يفيد مقاطعة هذا البرتقال ، ومضاعفة الحذر من دسيسة أخرى في لقمة الإستمرار ..
أيأكل هذا البرتقال أم الإفتقار لفيتامين .. س .. أهون .. ؟
أم الجوع بعينه أهون .. ؟ أحلال عصيره في ألة مولينكس الألمانية ، أم حرام قطعا حتى النظر إليه بعين عربية ، والنظر باعث الإشتهاء ونصف أكبر من خطة شيطان .. ؟
ليطرح السؤال على فقيه جدير بأن يكون ملجأ للحيارى ، جدير بجواب لا يحوي أقل نسبة منة الخوف أو النفاق ، جواب لوجه الله خالص .. المسألة تحتاج لجرأة قديمة ، والجرأة شهدت تقلصا حسب أخر إحصاء .. أخر استطلاع للرأي ..
أي فقيه قد لا يكفي الفتوى في موضوع الساعة الأخيرة ، إلا أن يكون من تلك الأرض .. أب لطفل يركب الحلم الأول بالحجر ، والإستمرار حتى النهاية بالصبر .. أب لفتاة تزحف لليلة عرس يأتيها فيها العريس من الخندق .. أو من القبر ..
" يا كمال ، عليك أن تضع نصب عينيك أنك في بلدان الناس ، لا بلادك ..
" طبعا ، لكن هذا لا يعني أن أكل برتقال يافا وأنا أول من يعرف أن حقوق إنتاجه مسلوبة من دفاتر الشرعية ، مسروقة في ليلة لم تنم فيها عين الله .. هذه البلاد حرة ربما في أن تستورد حقي وأنا حر في ألا أستهلكه بوساطة ضدي .. أريد أن أجني ثماري بيدي من رحم بلدي ، من تربة أعشقها ، وأضع عليه بصمتي ..
" طول عمرك عربي ، ولن أتنبأ لك بانقلاب ..
" هي كلمة عربي في قاموسك نقيصة تكسر الهامة ، تعايرني بها الآن يا أحمد ..
" لم أقصد ، فاسحب التهمة ..
" لا يهم ، لكن هل تريدني مثلا أن أكل لحم الخنزير بموجب أني في بلادهم ، وأحتسي الخمرة كالماء ، وأرتبط بامرأتي على أساس المتعة الجنسية فقط ، وأنكح أي امرأة من مؤخرتها أو في فمها .. أو أرتبط برجل وأمارس اللواط قانونا حديثا ، قديما .. هل تريدني أن أتي مثل هذه الأفعال لأرضيهم وأحتقر نفسي .. ؟
" أنت حر في هذا ، ولا رقابة على الأذواق كما تعلم ..
" يا أحمد مسألة لحم الخنزير مثلا ليست مسألة ذوق ، إنما حرام ، والخمرة كذلك .. والنكاح حلال له أخلاق وحدود وهدف سامي ، واللواط شذوذ رهيب لا تقره حتى الغابة ،، أو عندك بقية دفاع ودليل .. ؟
" أنت حر كما ولدتك أرضك ، ولا رقابة على اتجاه الذوات كما تعلم ..
" أكيد ، فلهم دينهم ولي دين ، لهم وطنهم ولي وطني لهم حياتهم ألفوها وهم أحرار فيها ولي حياتي فطمت عليها .. وأنا لا أسعى بعد هذا إلا إلى الإحترام المتبادل ، وكل واحد يعوم بحره ..
سعيد ، أب لطفل في الوطن العزيز ، يرسم لوحة جميلة الظاهر .. أليمة الباطن .. أشأم الألوان حاضرة ، جاهزة ، لا تنقصها إلا الدموع الحبيسة محاجرها ، والريشة فراشة منكوبة في غياب الرائحة من مزهريات البنسيون ، في حركة دائبة بين هنا وهناك .. والقريحة تنزف الإلهام ألما .. ودما ..
" كيف تريدونني أن أعطيكم لوحة مفتوحة الشكل واللون والمعنى وكل العالم بات سوادا ، إنه يحترق ، النار المتوجهة تحجبها المسافات ، لكن سيصلنا الدخان حاملا نعي الإخوان ..
في اللوحة بحر وأرض وسماء . في اللوحة سمكة وبناية وحمامة . في اللوحة سياجات تحتفظ بأشلاء الهاربين ، ولمسات الخارج تغزو بشرة الداخل ،، وفي الأسفل أثار لوطأت فوق الوطأت ..
زرقة البحر صارت سوداء ، عجيب هذا الزمان لما يغير مفاهيم الألوان في ذاكرة رسام لم ينس ماضيه .. وبناية الأرض انهدمت فتحولت أنقاضا فوق جثث ، غريب هذا الزمان لما يمزج السكان بالجدران .. وحمامة السماء في فوهة انفجار ينسف ريشها وبياضها الملائكي ، يا زمان ..
" كم عدد الضحايا لحد الآن .. ؟
" كثيرون لحد الكارثة ..
" يهمني الأطفال والنساء ، والذين لم يفعلوا لا بأيديهم ولا بأرجلهم ..
" الأبرياء ..
" فكيف تريدونني أن أرسم لكم ما تشتهون ، وكل القرائح لبست الحداد .. ؟
الحمل ثقيل ، والإنسان يرفض أن يظل مجرد ظهر في متناول السوط والجلاد ، مجرد ظهر في قاعدة النظام الإقتصادي العالمي .. يرفض أن يكون حمارا .. السفر إلى الحرية المثلى طويل كالأبد المشروح في القاموس ، شاق ، فادخروا الصبر والعناد ولغة الرهان يا عشاق الأرض والإنسان .. والحلم العربي مهدد بلجنة المراقبة والمصادرة فاعلنوه لكي لا يغتال ، لكي يعيش سيدا في كل الدياجير ، إخفاؤه لم يعد ينفع بل يلمع الخنجر المتربص في ثنايا الظلام .. كتمانه مصيبة ، فصيحوا :
" إننا لهذا الحلم حاملون ، فإما أن يكون أو نسلمه ناضجا لأطفالنا قبل أن نموت ..
" لماذا البحر في لوحتك أسود ياسعيد .. ؟
" أخر الأخبار أفادت أنه أقام حفلة اقترانه بعروسته ، فأهداها خاتما غاليا من ذهب أسود ..
" بحرك عجيب لما يقيم الحفلات على شاكلة الإنسان ، على أي مبروك ..
" مبروك .. ؟ لكن السمكة فيه ماتت لتوها ، فماذا يبقى من بحر بدون سمك .. ؟
" هل ترغب في شئ مني أفيدك به الآن .. ؟ ربما أحسن من أن أظل متطفلا ثقيلا عليك في لحظة تود امتلاكها لوحدك ، لحظة إبداعك ..
" براد شاي مشحر ، لكن قل لي : هل بهذا العرض تسعى للتكفير عن غلطتك معي في هذا اليوم .. ؟
" يا سعيد اغلق الموضوع فلقد بسطت لك كل أعذاري واعتذاراتي ، كانت فعلا غلطة مني ..
" وكبيرة بحجم الفشل ، لأن اللوحة بلا لون أخضر ميتة ، لقد اعتمدت عليك في أن تبتاعه لي من رفوف القصائد الحبيبة ، أو من خزينة الوطن الجميل .. وأكدت عليك كل التأكيد ..
" حمق الرياح كان السبب ، نسيت في غياب التوازن ، ولم أتذكر إلا وكل الأقفال تسجن مصاريع الأبواب وتنشر الخجل والوجوم ، ممنوع أن تعطى الرغبات بأي ثمن .. وفي الشارع كان الجميع يتكلم عن احتكار القرار والربا في الأفكار .. " ولا لون الآن ، ولوحتي تشتكي الإفتقار للإخضرار ..
" غدا أحضره لك ..
" الإلهام لما يأتي لا ينتظر الغد ، ومن مثلي عليه ألا يؤجل إلهام اليوم إلى الغد .. ثم أنك ولو حاولت أن تحضره لي غدا ، اللون الأخضر ، فلن تستطيع .. صار مفقودا من كل الواجهات ، غائب في كل المحلات ، وأخر الأخبار فاحت منها رائحة موتى الشوارع المهملين في زحمة الفرار والنجاة بالجلد إن أمكن .. الكلام يعمق الجرح المشترك من زمان ويلهب بكائيات الإغتراب . كفانا ، قم يا أخي الآن وحضر لنا براد الشاي نؤنس به حلوقا فينا أجفتها الحالات .. وننهي الموضوع ..
الماء يغلي وعبد الرحيم يصارع عجزه أمام كل الإستفهام . ما هو الفن .. ؟ وإلى أي مدى يمكن أن يفعل ويتفاعل مع المعاش .. ؟ وهل في مقدوره حقيقة أن يوجه صواريخ باردة إلى الهدف المكاد لنا كما قال سعيد .. ؟ هل يقف الفن عند حدود الجمال أم يتجاوز المفهوم مغامرا باسلا حتى مرافئ الآمال .. ؟
في هذه اللحظة بالذات دخل المطبخ أحمد ، فبادره عبد الرحيم قائلا :
" جئت في وقتك المناسب ..
" زردة أو غردة .. ؟
" .. .. .. وساخنة ، تذكرك بعصا فقيه المسيد ..
" إنكريت ذهبت مع الأولاد عند عائلتها . بقيت وحدي في البيت ، قلت أذهب إلى الجماعة في البنسيون أقتل الوقت حتى تعود زوجتي ..
" تقتل الوقت معنا أم بنا .. ؟
" الله يهديك يا عبد الرحيم ، فنحن إخوة ..
" جئت لتضحك أم لتبكي .. ؟
" الله ينجينا من البكاء ، إن أملي أن يمتلئ العالم نكتا وطرائف ونوادر .. ويغرق كل الناس في الضحك بالمساواة ..
" أملك بعيد إن تجاوزنا لغته الرديئة ، وكل لغة من هذا النوع عمقها خراب ،، ليس هناك الآن إلا ما يبكي بمرارة ..
" الله يسمعنا خير ، ماذا هناك .. ؟
" سعيد ..
" ماله .. ؟ هل ضبطه رجال البوليس وسيبعثون به إلى البلاد ريفولي .. ؟ أعرف أنه بلا أوراق إقامة قانونية هنا ، من مصدر ثرثار عرفت ، أماى أنتم فتخفون عني كل شئ ، تعتبرونني عنصرا مشبوها ، وتخافون أن أبيع الفرص لأصحابها .. هل لكم علي دليل واحد أبيح لكم بهة إعدامي .. ؟
" .. .. .. الخفاء ..
" نعم ، نعم .. الذين يبيعون وجه الوطن وقيمة الدين ، وارتعادات الإخوان ، هم حريصون على قبض الأثمان البخسة في الظلام ، وراء الظهور ، في زوايا الغموض والإلتباس ..
صدقني ، أنا لا أعمل شيئا مؤذيا في الخفاء ..
إني أعرف أن وضعية سعيد هنا مسروقة من قبضة الموت والمجازفة ، وأنه لكي يعيش معترفا به هو بصدد البحث عن نصرانية تتزوجه كل العمر ، أو تعقد معه على بياض لمدة ثلاثة سنوات تجاوبا مع قانون معمول به للحصول على الإقامة ، العربيات هنا أصبحن شيئا أخر ، ضيعهن المال والتحرر الخاطئ وفلسفة غريبة في الحياة ، وأخر مكتسباتهن أنهن صرن بضاعة في المزاد .. ولا من يشتري .. حقا ..
فمن يملك كل ذاك المهر الباهض لا يفكر في أن يغترب ،
له عقله الذي لا يغتر ، ويبقى في البلاد .. الدنيا ..
" سمعت سعيد مرة يتكلم عن شراء أوراق إقامة مزورة ، لم ينتبه لي وإلا ما كان تكلم مطلقا .. إني أعرف كل شئ رغم أن معرفتي بموقعي بينكم تؤذيني ، أحب سعيد والله شاهد ، ففيه أرى نفسي .. وليس بيدي ما أفعله له وإلا كنت بادرت ..
" المسألة أكبر من كل هذا الهراء ، وكل الأنا سقطت في ظل الأحداث الجارية ، هل أنت تعيش خارج الزمن المشتعل محتفظا بضميرك ولا تتعذب ، أم بعت كل رصيدك في السوق السوداء ونحن أخر من سندري .. ؟
" تعودت على نبذكم لي ، جردوني من دمائي وانتمائي واخدعوا أنفسكم في محكمة المسؤولية ، لكني أظل أنا هو أنا المرسوم في أعماقي وتظلون أنتم مسؤولين أمام الوطن والله على أبرياء مثلي تيهتموهم ، مسحتموهم من حضن الأم ومن ذاكرة الأب ، واضطررتموهم أن يمشوا في درب الخيانة قانعين .. و .. مقتنعين ..
" نعود إلى لب الموضوع عسانا ندرك حلم الأجداد ، ونلحم ائتلافنا المشقوق ،، منه الآن يسيل ماء وجهنا ، ويضيع دمنا رخيصا ، كما تضيع مياه الأودية الحارة ..
عنوان الموضوع وطن
وعلى مداه تركض فاطمة عارية
تحمل وعود الحبيب وراية
يسقط منها الصدر وينهزم فيها بريق العين
تخونها قدسية الآية
تبحث بإيمان عن بقية وطن في زحمة المحن
تتشرد ، فلا سكن
أين الوطن .. ؟
" لم أفهم شيئا في لغزك يا هذا ، أفصح ..
" ذاك المرمي في عسر الإلهام ..
" من .. ؟
" حامل ريشتنا الملتزمة بتعاطي واقعنا ..
" من .. ؟ من تعني .. ؟
" سعيد ، إنه الآن يرسم لوحة في غياب لون أخضر كان يتصدر ذاكرة الأماني ، والمطامح ..
لوح بيده مستخفا بالكلام ، ذلك طبعه كلما تكبر الرصاصة في مقاتل الطيور الجميلة ..
قال :
" هذا كل ما في الأمر .. ؟ يا سيدي هو حر في ممارسة الهواية من منظوره الخاص ، لكن لماذا يسعى لتوريط الآخرين في كل هذه الأحزان ، كفاية .. ألا توافقني في أنه يحمل مضامينة عطائه تشاؤما وسوداوية فوق الإحتمال .. ؟
مبالغة كبيرة مسيئة لرسالة الفن إن كانت له رسالة ..
" واقعنا بالغ في التمزق والإنهزام ، هو انعكاس لا رادع
له ..
" لو يرسم بورتريه فتاة لعوب يكون أجدى له في معرض الرجال ..
" الرجال الأحياء في مذلة أفكارهم وتصوراتهم مثلك .. ؟
لكنهم لحسن الحظ قلة ، ووشم العار فوق جباههم واضح يبعث النفور ، وهم يعتقدونه زينة غالية .. يا خسارة الأيام ..
لكن سعيد المسلح بألوانه المتفجرة تحت غطاءات الليل كان
يرسم وجوه ناس .. ناس لا يعرفون حتى وجوههم التي تعنونهم رغم أنهم ينظرون إليها في المرأة كل صباح مرة ، ويغسلونها كل يوم خمسة مرات ..
" الله يا زمان العجائب والغرائب ، حتى أنت دخلتك السياسة ، إذن ربحنا ..
" لا تهزأ بي يا أحمد . أنا مجرد إنسان عادي وانت اول من يعرف ذلك ، لا أعرف من السياسة حرفا .. لكن لي عاطفة نبيلة تجاه كل الناس فما بالك بأحبابي البؤساء ، لي قلب وعين ويد قصيرة كل القصر ، لي غيرة على بلادي العزيزة ، وديني السمح ، ولا أقبل أن أساوم على أبسط شئ بأي ثمن مغري ..
" لكنك قد تتنازل لوحدك إذا ما حاقت بك ضرورة الحياة ..
" أبدا ، إني أشرف من أن تلعب بي عملة اقتصادية لا يملكها النزهاء ، أقف على صخر ممتنع لا يسقطه تحتي أصحاب الإزميلات المشحذة في الخفاء ، لا ضمير ، لا وفاء ، لا إنسانية ..
" الآن هيا تشرب معنا كأس شاي .. هيا ..
" تدعوني من قلبك يا عبد الرحيم إلى جلسة معتبرة ، صينية تنفث بخارها العطر ، تبعث فينا ذكريات هادئة متراصة أكثر منذ يومة ميلادنا ، فنسعد .. ما يؤلمني أن
حلقاتنا حولها باتت تنفض بعد انتحارات الإمضاءات ، في ضيق الحلم وتمادي الإستحالة في أعمار موزعة بين الأمكنة .. في أعمار لا تعتبر في سيل الزمن .. هل فراقنا هذا الذي يبدأنا من فوق جاء قدرا مسطرا لنا في كتاب ، أم هناك يد ثالثة دست لنا فاعلية السحر في طاجين شهي في هذا
البنسيون ..
أكيد هناك أسباب لأزمة تتجذر بيننا ، اعتمدت فيها الحبكة والإحكام والذكاء ضدنا .. أي الأسباب نرشح للإكتشاف اليوم أو غدا .. ؟ الله أعلم ، لكنها أسباب وضعية ، ونحن أبرياء كشعار الفجر ، وهذا ما نقوله ولا نفعل لأننا نملك اللسان ولا نملك السلاح ..
" هيا يا أحمد .. هيا ..
" هل تدعوني إلى كأس شاي بقلبك أم بشفتيك تشدان على سيجارة بانفعال .. ؟
" يلا كنت زين خونا ويلا كنت شين خونا .. فما بيدنا أن نمحو انتماءك لنا ، ثمة ربما المشكلة ..
" سعيد ، كل أفاق لوحتك اكتظت بالغبار ..
" هي عاصفة حمقاء حسب اعترافات اختصاصيين في عقول العواصف ..
" كل أفاق لوحتك تلوثت بالدخان ..
" هي النار تلهب باقي الخطوات بعد أن أبانت عن عجز رجال المطافئ ..
لا بد لأحمد الحاضر أن يتدخل في انتقاد لوحة تواكب التطورات ، من وجهة نظره المألوفة طبعا ، لا نقطة نظام تمهد لوزن الفكرة ..
قال :
" كان بإمكانك أن تخفي شيئا قليلا من ذاك الدخان ، فتدع بذلك فجوة في رحابة السماء ، حتى إذا ما نزلت رحمة الله بعد دعاء مستجاب تجد لها طريقا إلى أكف الثابتين في ديمومة الإنتظار .. لقد أغلقت باب الرجاء ..
" بماذا يفيد التكتم في زمن تعرت فيه كل الأوراق ، وصاحت فيه كل الأرصاد : دمار .. خطر .. د .. ما .. ر ..
" لو أحرقك الآن بقضيب شبع نارا فهل بمقدورك أن تصبر على الكي ، أن تكتم الصراخ .. طرفا من الصراخ .. غير ممكن إذا ما احتكمنا إلى البداهة ، أما الإفتعال فمصيره إلى مظهر مقروء ، يعكس ما يتدمر في الأفئدة والأعماق ويورث أفظع ألم .. الكذب والنفاق لا يخدم استمرارية معمل الإنتاج المتوخاة ، ويد الله التي تمتد من فوق سبع سماوات كيف تعيقها سماؤنا ، لو فكرت أن أعجز نزول الرحمات بجموح الخيال أكون قد كفرت .. وأنت يا أحمد لو فكرت في عظمة الله مليا وفي قدرته على الأخذ والعطاء لربحت نور الإيمان ..
" مسألة الإيمان مسألة ذاتية ، هل كفرتني بهذه البساطة ..
" لا ، إنما أراك تعثر في واضحة الأحداث ، أمام أعين تسجلك مكسبا دنيئا ، وأعين أخرى تبكي شيمتك العربية تنازلت عنها رخيصا ..
" أنت مخطئ مائة في المائة ، فأحمد هو أحمد ولا تغيير طرأ إلا في أوهامكم رخصتم لها العمل في أوسع نطاق ..
" انتفض إذن ، وأقبل علينا بوجهك الأحمر فإننا في انتظارك عند أبواب صينية عزيزة ، حبيبة .. غالية .. على أحر من الشوق ننتظرك لنقدم لك كأس شاي .. وعناق ..
صمت طويل تأتلف فيه المفاجأت مع العواطف والعقول . مذا يبقى من أجساد لا تتحرك ، ماذا يبقى من أمة تنقص بالرصاص .. ؟ إن يحين أجلها اليوم فلقد أدرك الباغي المستتر الذي تقديره هو .. و .. هو .. و .. هو .. والمجموع أحقاد لا تموت بإمضاءات المداد والشامبنيا ، أدرك الباغي مبتغاه ،،
أو يثبت الإقتتال بين الدم الواحد وفصائله ، بين الضمير وأصحابه .. ويعود الباغي إلى موقعه في الإعراب مطمئنا ..
لا تلك الأمة على أرجلها تقوم ، لا في توالي التاريخ الأحادي يشرق يوم .. صعب أن ترمى تلك الأمة في فصل الجذب ، كامرأة في ذمة عاشقها الذي أقسم قبل أن يكتشف العقم .. فلا هي تتجاوز الحالة ، ولا هو بنذل لكي يحنث ..
واقع الجريمة وذكرى الوفاء يلتقيان ، في أخر نسخة للجسد المكوي يبغيان . كيفما يفكر العقل يفشل ، وفقيه البنسيون قال :
" إنه شر القدر فأمنوا به ، ولا تكفوا عن الدعاء ..
عاد أحمد إلى الكلام في موضوع لوحة تدخل أخر طور في الإنجاز :
" سماء لوحتك اكتظت بطيور أجنحتها من حديد ، ومن صدرها تنفث حميم النار .. بيضها ينزل من العلياء متفجرات مكتوب عليها :
" الدمار.. يا كل ساكني الديار ..
" كان هناك ربيع ينشأ ، فكان على تلك الطيور أن تعلن موسم هجرة ، لكي تستفيد بمقتضى نظرية احتكار أجدى الفصول بأي ثمن .. الصحراء ، تلك الصحراء ، لا يجب أن تنجب فصلا ولا وردة ، أو تغضب كثبانها النفطية ، عفوا الرملية ، المصلحة العليا لنظام الأجواء .. فتطلع العواصف والإعصارات من خدعة الهدوء ، وتفشي اللعبة السياسية مسخها في لحظة ، فيتجلى الكبار صغارا .. أصغر من الأطفال في غفلة أمهاتهم ..
" الصيف ، لأجساد طال يبسها فلتحرق إذا ما في يوم منة الأيام تاقت لقطرة ماء وحياة ، والخريف .. لأجساد مشطب عليها في يقين حقوق الإنسان ، والشتاء .. لمواليد لقيطة تبدأ شرعيتها بالأكتاف ، والربيع .. لأجساد عملاقة .. متعملقة فقط .. تكسر رأس كل من ينازع فيها المكانة والريادة ، على وجه السرعة تكسر كل رأس عنيد ..
" صباح الخير أيها الناس ..
" أين الخير لنخبره ماى فعله الشر ، ولا زال يفعله ..
" صباح الموت إذن أيها الناس ..
" صدقت ، صباح العزاء والدمع المختفي فينا ، ما عدنا نستطيع حتى البكاء خوفا من ان يكتشفوا عندنا أخر سلاح ..
" صباح السلوى ننشدها في بعضنا البعض ، فتكلموا ..
" سقط الأبرياء ضحايا للعدوان ..
" كم عددهم .. ؟
" لا يعلمه إلا الله ..
" البقية في حياة الأبرياء الذين يخفون أرواحهم في أركان أجسادهم المبعثرة ..
" يا أمي ، لم لم تحكي لي عن هذا الزمان فأعد له النفسية وأتقي الصدمة المباغتة ، جننت يا عالم ..
" أنا أمي حكت لي وأنا أصغر من عقلي عن زمن سيأتي يموت فيه بعض الناس بالسيف ، وبعضهم بالهيف ، وبعضهم بالكيف ..
" بتنا في زمن الحكاية يا صاحبي ، فها هو الموت يشتهي الأرواح بكل طريقة .." تخاريف في تخاريف ..
" الصباح لله ..
" وهل الصباح .. ديال كمارتك .. ؟
" وهل أمك كانت مجدوبة أو ولية صالحة .. ؟
" اربط فمك يا هذا وقنا عواقب الإنشقاق ، يكفينا أننا في عمق المحنة ..
" لا أحد يريد أن يسمع الرأي الآخر ، ويحلمون بالحلول ..
مستحيل ..
" لكنك يا السي تتجاوز الحدود ..
" كيف .. ؟
" الناس يموتون فرادى وجماعات ولا تحترم حزننا
عليهم ..
" ماذا يجدي أن يموتوا هم وتحزنوا أنتم .. ؟
" على الأقل نفعل ما نقدر عليه ، مشاعرنا الإنسانية والقومية الممنوعة من الرقابة والمتابعة .. نعم ، ولما نعبر نحن بأي وسيلة في متناولنا تتهمنا بالتخاريف ..
" صباح الجدال أيها الناس ..
" لحد الآن لا تزال الفتنة نائمة ..
" لعن الله من يوقظها ..
.. جماعة ..
" الله يلعنه ويخزيه في الدنيا قبل الآخرة ..
" هل كمال هو الفتنة المغتابة .. ؟
" استغفر الله يا بني أدم ، كمال سيدكو وسيدنا أجمعين ، عاقل ورزين ، ظلمه الزمان فقط ، لكن ظلم الزمان تجربة للإنسان مصقولة لو استفاد ،، مدرسة إعداد ..
" لم أقصد ، إنما قلتم أن الفتنة لحد الآن لا تزال نائمة وكمال لا يزال نائما ، فظننت ..
" إن بعض الظن إثم ..
" صباح الكابوس يا جماعة ..
" صباح الحقيقة المفجعة يا كمال ..
دخل كمال شبه مهرول إلى الحمام ، على كتفه فوطة ، في مفكرته جنابة ، في جيب بيجامته علامة تفضح عقم الدوامة ، وفي رأسه أفكار كحشائش صيف جبار تفشيها شيبات البداية ..
بسم الله بعد النية . تعرى من لمسات صبية ، من كلمة خانته قبل أن يقولها ، من فرصة في لعبة الضمير أوقعته .. تعرى من رجعية الأحلام ، من خديعة الأيام ، من سوسة الذكرى .. تعرى من جلد ارتداه منذ الميلاد ، فارتطمت أزرار الصدر فوق حدود بصره الناعس ..
" أحب هانيك لكني أخاف ..
لحظة الإغتسال تستوجب ذكر الله والإستغفار . تعرى من جلد يلبسه ، يشعره بقيمة الحمام ، فأرخى الحزام .. ربما هذا كله تمرين ليوم الجلاد ..
" أخاف لأني بلا أوراق ، لأني أحب هانيك لأجل الأوراق ..
تعرى بالتمام إذن . أطلق الرشاشة الساخنة فسال الماء باردا فوق جسده العاري من كا الإتقاء ، لم يتراجع عن طلاق الجنابة ،، إنه استسلام ..
وجه بنسيون العرب غشاه الثلج ، أبيض كأن كل الذنوب المتقدمة غفرت أو كأن العهد جديد ، لكن العمق كالفحم ، والجريمة فيه تتجمل أمام مرأتها لتوقع الضحايا ، لتبدأ يوما
أخر .. البرد ينعي رفرفة الروح ، أين الدفء يا مسؤول عن ردع الشتاء .. ؟
اليوم أحد . لا عمل . الكل حاضرون يحتسون قهوة الصباح ويلهفون السجائر الأولى ، إلا كمال .. فنجانه مقبور ، هل قرأوه وعرفوه .. ؟ سيجارته خارج المرمدة منطفئة ، مختنقة ، تحتاج للأنفاس .. أحمد حاضر ليعطي المكان والزمان وجه التناقض . سعسد قال في ارتخاء :
" إنكريت ، هل استوحشت أهلها فذهبت تزورهم مبكرة .. ؟
" لا ، تركتها خلف الستار الشفاف نائمة ..
" في أي وضع .. ؟
" على بطنها ، ساقها الأيسر خارج السرير والغطاء ، أسفل أردافها عريان بلا حرج ، خدها الأيمن رازح فوق وردة الوسادة ، وخدها الأيسر يعكس الممنوع في السقف .. شعرها عقدة رغم التبعثر التام .. عيناها كانتا مغمضتين لكنهما ناطقتان ضدي ، تتهماني بالخيانة .. صباحي حزين ، فكيف أرقع ما تمزق .. ؟
" هل خنتها فعلا يا أحمد .. ؟
" نعم ، ومن زمان ..
" مع من .. ؟ أنت بدال .. أنت عشاق ملال ..
التفت سعيد بسرعة عنيفة صوب حليمة . ما أن استقرت عيناه على جسدها الغارق في الأريكة حتى طأطأ رأسه وشهد انتحار فكرة لعينة . ضحكت حليمة جهرا في هذه الأثناء ، ربما لتخبره أنها فهمت كل شئ . حار سعيد . سألها في اعتباط :
" لماذا حضرت مبكرة يا حليمة .. ؟
" اشتقت إليك فعلمني ألا أشتاق ..
" إني أتكلم جادا ، لماذا حضرت مبكرة .. ؟
" لكي أثبت براءتي في نظرتك المتهمة ، هذا كل ما في
الأمر ..
" كنت على يقين إذن أني سأتهمك ..
" بل كنت أخاف أن يلصق بي أحمد الخطيئة وأنا غائبة ، هي الحقيقة المرة ما دامت مفكراتي ملأى بالتهديد والوعيد ..
" سامحك الله يا حليمة ..
قالها أحمد في هدوء ..
" مع من خنت زوجتك إنكريت يا أحمد .. ؟ " مع الوطن ..
" الوطن .. ؟ أنت بعت كل شئ بشهادة السماسرة ..
" ظلمتموني أهول ظلم ..
" لحد البارحة مساء بتوقيت التاريخ المتكلم كنت بالثمن القليل سعيدا ، هل تنكر ووجهك فينا ذكرى كريهة .. ؟
" أتقي الجدل في هذا الباب كعهدي معكم دائما ، ربما لأني أنظف منكم ..
" يا سلام ..
" أسايركم في كل ادعاءاتكم الجاهزة ، حسب ما تشتهون ، بعت الوطن بالأمس بضاعة ولهذا تريدون أن تصلوا ،، فاسمعوه مني إذن واعقلوه .. اليوم دفعة واحدة أسترد كل شئ بأغلى ثمن : ابنتي هالة ، وعمر مني مر في التجربة خاسرا .. التجربة كانت لأجل الوطن ، ولي فيه مساحة مشرعة للغفران على أية حال ..
" هذا اعتراف صريح يصدر منك عن طواعية لأول مرة ، قد تمر في محاكمة البنسيون هذا المساء ، وقد تسجن في المرحاض ..
" حسب ما أردتم أنتم قلت .. وسأقول إن أجبرتموني على القول بأني خائن .. هل رضيتم .. ؟ أه .. على أي المسألة شخصية لا تهمكم لو فكرتم لحظة خارج جهلكم ..
" لكنها أذت المسألة المقدسة ، هل غاب عنك هذا أم
تجاوزته .. ؟
" عجبا لكم يا حملة المبادئ ، يا أمناء القضية وحراسها ، يا من نصبتم نفوسكم نجوما في الظلام وأنتم لا تضيئون ،، تريدون الناس كما لستم أنتم ..
" كيف .. ؟
" منكم الآن من يرمون بأنفسهم في تجربة كتجربتي ، ومنكم من يرجون ذلك ليل نهار .. فلماذا لا يقوا أنفسهم مرارة السقوط إذا كانوا فعلا أقروني ساقطا .. ؟ لماذا لا يستفيدون من الدرس .. ؟ أنا درس معلق فوق سبورة البنسيون ، نعم .. هل لم تفيقوا بعد ، أم ستفيقون بعدما يتبدل حالهم غير حالهم الآن ، لما يترفهون ويذبحون أعناق ماضيهم أمام الأعين المذهولة يأخر شفرة في عالم الإشهار.. لما يضربون كل شئ بركلة ..
" من تعني .. ؟
" العناوين طبعا ، وأنت واحد منهم ..
" إني أحترمها فقط ، فلا يجمح بك تفكيرك يا أحمد إلى أبعد من هذا ، وثانيا هي منا .. من وطننا .. تبكي إذا بكينا ، وتفرح قليلا ..
" الإحترام أساسه الحب والمصلحة ، أليس كذلك يا من يحترمها السي سعيد .. ؟
ظلت حليمة مطرقة الرأس ، صامتة . استطرد أحمد يقول :
" يسعدني أن أرى إبنة البلاد بين ذراعي ولد البلاد معززة مصانة ، تقضي يومها تكتب قصيدة للحياة ، وفي الليل تضطجع أنثى وتحلم أن تلد بطلا ..
" نحن مجرد أناس ..
.. في نرفزة قصوى ..
" فلماذا أنا وحدي تحاسبونني كما لو كنت ملاكا .. ؟
وطني ، وفيك الحبيب يتوسد الماء والشوك ، وحفيف أشجار الشوق .. يشتهي اللسان في صمته رصاصة ، يشتهي الكلام في رحابه جمرة بلون الشفق ،، ليوم من اليوميات الآتية غال ، هو يوم التلاق ..
وتوقظ الشك في حقي ، ترميني بموجبه في منفى لا يرحم ، وأنا أنظف من أنفاس الصبح في استعمال زمانك ، يا وطني ،، أرق من نفحة حنونة في مدن ذكرياتك الغالية .. أنت أغلى ذكرى إن رضيت بي عاشقا يحمل قلبه في جسد من ترابك وهوائك ومائك ، والآن أسعى أن أكون حقيقة فيك ..
حبك ليس بالشعارات وتعاطي الوجاهة ، حبك كريات ثالثة اللون في الدم ، وأنت أقدر على أن تعلم حضورك في غياب بنيك ، لذا أنا جد مقتنع ومرتاح ..
إني أبايعك على كل الإحتراق حتى عطر الرماد ، إلا أن تكون ناري دون عرقي ودمعي حطاما ، أكون معذورا فالوطن لا يكلف عاشقه إلا روحه ، فهل لي فيك موقدا .. وصبرا جميلا .. ؟ باسم شرفي أتهجى حروف المبايعة هذه كتذكرة ، باسم شرفي أحفظها لك في مكامن روحي وأمامي تصميم قبري شهيدا .. غال ياى أنت .. وأنا أت ، وحق قصتي المختمرة في عيونك ، لما تثمر جدوى المسافات ..
أت ، فامتهن العهد طيلة الإنتظار ، وتزود بكلمة مثلى سمعتها مني إذا ما حاقت بك الوساوس ، وخير الزاد إيمانك ببنوتي .. لن أتراجع إذن أبدا .. لن أتراجع ..
" وطني ، وفيك ما ينتظرني ، في فؤاده صانني ولم يتنازل عني ،، لم يصلبني .. أنا حي بالحب إلى أن أموت فداه ..
" وطني ، وفيك تركت الود غصبا عني ، أمانة عظمى ..
" من يصدقك يا أحمد .. ؟
" لا يهم يا سعيد ، المهم أني أعد الآن إحدى ضحايا الحرب خارج مفهومها اللوجستيكي ، فإنكريت حين احتدم الكلام بيني وبينها حطتني في موقف اختيار : إما هي أو الوطن ..
" فماذا اخترت .. ؟
" أنتم .. والوطن .. و .. والله يخرجها على خير ..
" ربما كنت سكرانا فقط ..
" سكرة وفكرة.. وكركبتني مع الدروج .. كنت في غاية السكر نعم ، لكني صحوت في اللحظة التي أهانت في الأصل ، في اللحظة التي أحسست بوسطاها يطلع معي من الوراء ..
" مجنون أو كاذب .. ؟
" ظفرها فضحها ، ففضحت أنا نفسي ..
" لغة بذيئة في موضوع محترم ..
" زمن الصراحة والمكاشفة يلغي الحياء المزيف والتحفظ المغشوش ، والأخلاق التي غالينا فيها خدعتنا .. على أي هل ممكن أن تقبلوني منذ اللحظة في جلساتكم السرية .. ؟
" الأمر صعب ، وإدارة عليا للبنسيون قد ترفض أي طلب..
" أنا عندي أوراق الإقامة ، من هذه الناحية أظن ليس هناك مشكل ، ثم أني أقبل بلا شرط أن أصلب هذا المساء على الجدار الخلفي ، أعرف أن اليوم معرض للأجساد ..
" في كل غرفة أكثر من السكان القانونيين ..
" أشغل أي مكان ، إن شاء الله يكون عتبة الباب ..
" إن قبلناك فأنت مثلنا ، نعطيك مكاننا ، لكن الأمر يبدو صعبا ..
" .. .. ..
" لا تيأس ، فلك الوعد أننا سنرى ..
صمت الجميع صمت الغربة . لا قبول ولا رفض . أدرك أحمد أن كل القرار يتوقف على كمال .. وكمال غائب ..
أينه الآن .. ؟ إنه يهدي القبلة الكبرى لصبية في راحتها الفواحة بعطر اللعبة .. فالعب يا كمال ، واحترص أن تسقط منك القضية لأجل تلك الصبية .. فكم من صبية أردت خيرة العقول فينا ضحية ..
عماد الأقوال التزام ، والحقيقة لا تتعرى إلا في الأخير .. الوقت يمر في موكب أخرس ، وفاطمة ما عادت تذكر ، فهل أكلها النسيان .. ؟ أم هزمت بين يدي طفل دسوا في طعم الإصطياد .. ؟ كانت تعلم كل شئ ، وهذا وحده لا يكفي ..
فاطمة ، قد تعود على اللسان جمرة ، وقد تعود حكاية في ذاكرة الرماد ..
يا أمنية الأحرار متى تحقين .. ؟ متى تولدين .. ؟ أين توجدين .. ؟ الإنتظار أكل باقي الأعمار. الأعمار أجيال . الأجيال قنبلة أقوى وأخطر من الكيمياء .. هي الزغرودة تنتظر فرصة الإعلان ..
كمال وعد لا يخون لكنه بدأ يفكر أن يتنازل أمام عشيقته هانيك لأجل أوراق الإقامة . وضعه من أصله في هذه البلاد ليس على ما يرام ، وضع منذر بالطرد بين لحظة وأخرى ، والطرد في تخطيطه كارثة لذا لا يجب أن يكون .. له أربعة إخوان في البلاد بلا عمل ، له أخت بائرة وأخرى مطلقة بالثلاث ، له والدين تقدم بهما السن بلا ضمان .. من يعيل كل هذه الأفواه .. ؟ هو .. ؟ كيف يفكر .. ؟ ماذا يفعل .. ؟
" هانيك ..
" نعم يا كمال ..
" أحبك .. " أعرف ذلك ..
.. بعد أن لاذ بالصمت لحظة ..
" وما الذي لا تعرفينه .. ؟
نظرت إليه مبتسمة ، خلف الإبتسامة تسترت عن تعجب منه ، من سؤاله هذا .. هي الأخرى تحبه ، بل تعبده ، وتتقي كل ما من شأنه أن يغضبه أو يفجر سخطه . كمال هادئ وعاقل فلتحافظ فيه على عربون الحكمة . أخرجت لسانها وسقت لصقة الدروم بلعابها ، لوت السيجارة ، أشعلتها بطريقة حوائية مثيرة ، وقدمتها لكمال .. فكرت مليا والدليل أنها مططت شفتيها وانكمشت جلدة جبينها . عادت تلوي لنفسها سيجارة . قالت في شبه فجأة وإصرار ، وكأنها تذكرت شيئا ،
لكنها كانت تتمم الحوار :
" أعرف كل شئ ، لذا لا أطالبك بأن تحكي ..
" كل شئ .. مستحيل .. ربما .. فقط ..
طالعته هانيك بنظرة ساكنة ، ملامحه مقروءة تحت ضوء الحالة النفسية ، تجمع بين الإرتباك والخجل ،، وخوف من مجهول .. عناد أم مجرد حالة طبيعية .. ؟ كمال لا يريد أن يتسول الحل ، لا يريد أن يظهر مهانا حتى أمام من جهر لها بالحب ، هكذا حدست هانيك وهمست في أعماقها :
" كرامتك فوق رأسي يا كمال ، رجولتك في عيني لا تنهار ،، فلا تخف ولا تحزن ..
لم تنبس ببنت شفة كأنها تريد أن تجره هو إلى الكلام في موضوع تجلى ، لكنه اكتفى بأن قال متوسلا :
" تكلمي إذن .. قولي كل ما تعرفين ..
" أعرف أني أستطيع أن أفعل بك ما شئت لمدة ثلاث سنوات ..
" ماذا تعنين .. ؟
اندفع في التساؤل ثم أحجم بسرعة . تمثيل . قالت في اعتداد :
" أنت تعرف جيدا ما أعنيه ..
" كيف عرفت .. ؟
" كنت أتكلم أنا وأحمد ..
" كفى ، أرجوك .. فهمت الآن .. وبعد ،،
" كمال ، أنا أريدك كل عمري ، ففيك وجدت حلم ليالي مرت ، فيك وجدت رجلا وأملا .. سنتان مرتا على صحبتنا ، حبنا ، منحتك هذه الشهادة عندي .. هل تعدني .. ؟
" أنت تطلبين مقابلا وأنت في بلادك حرة ، وأنا الخائف من قبضة بوليس الأجانب التي لا تفلت . جاهدت نفسي على ألا أقول لك شيئا كي لا تتهميني بهذا ..
" صدقني ، أنا لا أطلب مقابلا ، ولا أبتغي فيك مصلحة تؤذي حبي لك ..
.. قالتها ببرودة وانصياع ..
" وإذا رفضت من الأول أن أكون لك كل العمر .. ؟
" أنت حر على أية حال ..
" ولا أي رد فعل انتقامي منك .. ؟
" بل ستجدني دائما هانيك التي أحبتك بصدق ، والتي هي رهن إشارتك منذ الآن لكي تنفذ معك عقد زواج أبيض لمدة ثلاث سنوات ، ولن أتصرف فيك إلا بحق الصداقة والحب لا بحق عقد الزواج .. أيكفيك هذا .. ؟
" هانيك ، لو أعدك الآن على أن نشترك الحياة حتى الممات ، وفي سري يكون هدف مبيت ، حيث بعد انقضاء المدة القانونية التي تخول لي الإقامة أطير من حضنك ، وأفك كل الحبال ..
" ستكون أنذاك نذلا ، وربما أنتقم منك بأي طريقة ، لأن المسألة كلمة جريئة ، تقولها من الأول ، وكما قلت لك أنا دائما رهن إشارتك دون حاجة للجوء إلى كذب أو نفاق ، أو تبييت نية الغدر .. أعطيتك روحي ، إذن فلا مبرر أن تفكر خارج أخلاقك ..
" يا حبيبتي يا .. .. ..
.. وتراجع عن تتمة انتفاضة فرحة معبرة ..
" كمال .. ماذا هناك .. ؟
" هناك شروط ..
" أقبل كل شروطك قبل أن تسميها ، أبيعك باقي عمري مقابل أن تقبلني ظلا لك ..
" يا حبيبتي يا هانيك .. .. .. فمتى أهديك قبلة الزفاف .. ؟
" الآن ، في بنسيون العرب أمام عيون تباركنا ، وغدا في عقر البلدية ..
ذات يوم كان الحلم . هذا الصباح ولد الحقيقة والألم . لا تدخنوا أرجوكم فإن التدخين ضار بالصحة . الكل عرف كيف بدأت العاصفة . لكنها انتهت وهذا يكفي . غن للسلام يا عبد السلام . كم تدفعون .. ؟ الحرية والدم لأننا لا نريد أن نبكي أكثر . أريد المرأة أو الأوراق . أنت . هذا الصباح علامته فيكم أن تتذكروا أحلامكم أو تختنقوا . لكن الكل لا يعرف كيف انتهت العاصفة . ومن قال لك أنها انتهت .. ؟ إخواننا ينتظرون أن نبعث لهم الدراهم قبل التحيات . لكن الكل لا يعرف لماذا انتهت العاصفة . إذا ما أعوزتكم بعض الكلمات فاستنجدوا بالمنجد . إذن أنت قارئ يا سيدي .. أذكر أني تعلمت بعض الوضوح من خلف الضرب والخوف والفقر . لولا الفقراء لضاع . أنت مثلنا فغن لنا ..
في المنجد وجدت أن الحب هو الحب . الجميع يعرف كيف انتهت الحرب العالمية الأولى . إذا ما أبنت عن التوبة يا أحمد سنجعلك رأسا ذات شدة . لكن غير ممكن أن تعزل الماء عن الماء . يا سيدي في المنجد وجدت أن الوطن هو الوطن ، والوطن يجب ما بعده . الخطأ هو أن يموت الإنسان خائنا . لكن غير ممكن أن تعزل الماء عن الإنتماء . الجميع يعرف كيف بدأت الحرب العالمية الثانية . وأنا لا أزال حيا وتلك حجتي . إذن فغن . كم تدفعون .. ؟ نصفق لك من أعماقنا ونهديك عريسا للزمن . أوهام ، وأنا أريد المرأة والأوراق . حتى أنت .. ؟
ذات مساء كان العناء . إننا ندخن ضد أفكار الجحيم والأفكار الملعونة فلا تتهمونا بتجاوز اللافتة . لكن . هل عندك وسيلة .. ؟ انتظروا سأقول لكم شكي : كمال لم يعد يعجبني . في المنجد وجدت أن الشك هو الإثم . بعض الشك فقط وأنا عندي دليل . هل تصدقون أن العاصفة انتهت فعلا .. ؟
الرماد والقبور الجماعية والفقيه لم تعد تؤثر فيه الهزائم من كثرة ما صلى الجنازات . من كثرة ما بكى . أممكن هذا يا فقيه البنسيون .. ؟ الله أعلم . لماذا أنت شقي يا سعيد .. ؟ كمال رحل عنا والمحنة قائمة فينا . وأنت يا عبد الرحيم .. ؟ نعم أهدينا له الورد والتهنئة لكننا لم نكن نعتقد أبدا . وأنا من جهتي سوف لن أدخن إلا إذا قهرني المذيع أو الصحفي ..
ذات يوم من الأيام كان الإجتماع . لماذا لا نتفق .. ؟ على الجدران لون القديم . لكن فينا أمل وجديد . عاد الكلام عن كوبا والفيتنام . في المنجد وجدت أن السلام يعني السلام فغن يا عبد السلام . لكن كمال لم يعد يزورنا إلا نادرا . المشكلة أننا لا زلنا نؤمن به رأسا . هل أحضرتم ما يكفيكم من سجائر وقهوة وصمت .. ؟ لا نريد أن نتكلم أكثر من الكلام . المهم أن نطيح برأسنا الذي تنكر لإشتباكات أمعائنا . أحب الشاي حبا لا يضاهى فلماذا لم تأخذوا بعين الإعتبار ذوقي .. ؟ بسيطة يا سيدي وأنا عبد الرحيم الحاصل على شهادة تقدير في إعداد البراد المشحر ، سأهيئه لك متى حاق بك الإشتهاء ، الثمن هو أن ترسمني لوحة في الغربة . اضحكوا مرة على مرة لكي لا يفجرنا الهم والقنوط ..
" ألو .. مع علي ..
" ألو .. مع كمال .. اقطع المكالمة يا علي بسرعة ..
" امحوا رقم هاتفنا من تحت حذائه ، فإنه لم يعد يتذكرنا إلا إذا عثر ..
" لا نريد من يعطينا تعاليمه من بعيد ونحن عصبة ..
" اقطع ..
في المنجد وجدت أن الخيانة تعني الخيانة . حقا أن الجميع يحلم فقط . لكن الخيانة تبدأ من الشبع . حقا أن الجميع يتألم والسبب جرح واحد . لكن المنجد لا ينافق . يا جرحنا .. غن لنا يا صاحبنا فإن لنا أرواح مرهفة . هل تذكرون تلك الليلة وكيف جمعنا مصابنا كل الجمع .. ؟ هل حب الوطن سياسة
يا .. .. .. ؟ ابحث عنها في المنجد لوحدك ودعنا نستمع لأغنية الأرض . الوقت إذا لم يجد بالجدوى فلا تيأسوا . دخنوا واشربوا القهوة والمهم لا تيأسوا . ياسيدي أنت اشرب شايا أصله طفولتي وارسم ..
النهود إذا لم تجد بالحليب المطلوب فاعلموا أن الوضع يتربى . في المنجد وجدت أن السياسة طبقة ونحن طبقة .
إذا كنتم تنتظرون مولودا فاختاروا له الإسم قبل المجيئ .
كم تكون المغامرة شيقة لما تتطاول على الأقدار ..
أحبك يا حليمة فلماذا لم تأت منذ .. ؟
أعرف أنهم قالوا لك أني متزوج ولي طفل في الوطن ..
أكره ما أكره في الرجل هو الكذب والنفاق ..
لكني أرمل لأن زوجتي ماتت وهي تلد لي إبني وسام ..
إخواننا ينتظرون منا المواقف لا العواطف . وأنا أريد أن أكون بطلا فانتظري يا حليمة حتى تنتهي المعركة من جهة واحدة . إنها انتهت . من قالها لك .. ؟ الشمس تكره الشموع لأنها تهزم الليل في روعة . لكن الشمس تكون لحظتها في الجهة الأخرى من عالمنا المر . هذا يعني أنها لا تستطيع أن تحرق العالم كله كما تتمنى ..
أنت فيلسوف أم مغترب عن وطنه يا ذا العينين
العسليتين .. ؟ لا ..
والحقيقة أني أتكلم عن عجزنا أكثر مما أتكلم عن قوتنا . في المنجد وجدت أن فلسطين هي فلسطين إلى الأبد . لأنها تلد عشاقها في الليالي الحالكات . لأنها وردة . حليمة أنت الأخرى وردة تعين على التمسك بالذكريات الغالية . فأرجوك لا تقبلني على مرأى من رجال البنسيون إن اشتعلت فيك الغريزة . على ذكر الغريزة لا تغريني لحد المذلة . لكني حليمة ولست إنكريت أو هانيك . حقا إنما الشيطان في زوايانا يحلم وينتظر . إطمئن يا سعيد فإن حد إغرائي قد يبلغ قراءة وجدانية للنشيد عند جذع نخلة . هنا لا نخيل . من هاجرت معه الدفلى لا ينسى . قد يبلغ أن أخذ منك قبلة تحت العلم والشعار . إذن فأنت حليمة البلاد .. .. .. فارسم ليس إبنك اليتيم منذ جاء فأنا لا أعرفه . سأحاول فقط لأن ترجمة كل براءته تستحيل ..
الديمقراطية هي أن يقول كل واحد رأيه . لا تهربوا عن الواقع لحظة المباشرة . هي أن يختار كل واحد . لا تبتعدوا عن الموضوعية لحظة الممارسة . هي أن يعبر كل واحد ويشعر . لا تنسوا المنطق لحظة الديمقراطية ..
هي ذي الأغلفة تحوي الألوان ..
لماذا أنت قلق يا أحمد .. ؟ كلنا شهود اليوم على أننا شهداء الغد . عيونك تفضحك فانطق . لن تستطيع توحيد الآراء والإختيارات أبدا ثمة ربما المشكلة . لكننا قلنا لك يا أحمد أننا نسينا الماضي والجراح . في المنجد وجدت أن الديمقراطية يحبها الفائز فوزا ويكرهها الذي سقط سقوطا . لكن الكراسي لم توجد للمؤخرات المتهادية يا ناس ..
هل نبدأ عملية الفرز والإعلان .. ؟
الكراسي وجدت للعقول والمشاعل التي تقهر الظلام . اللون الأخضر سبعة . الأمل . نرجو أن الذي سيفوز يكون له
ضمير . اللون الأصفر واحد . نرجو ألا تذبل الوردة النابتة في الغيب . لكن الذكريات صعب أن تنجلي فكيف يحق لأحمد أن يطمع . اللون الأبيض أربعة . عجبا هذه الديمقراطية لا تعير أهمية لتفاسير الألوان في كتاب المألوف والمعتاد . هل عندك فكرة أو تعليق يا عاشق الألوان .. ؟ يبتسم سعيد . نرجو أن الذي سيفوز لا يطلب منا تهاني بل تعازي . اللون الأزرق صفر . قد ينزل المطر أو القدر . عبدو لا يهمه أن يفوز لكنه اختار من منطلقه الخاص وذهب ليجلس أمام التلفزة غير مكترث . اللون الأسود عشرة . اللهم احفظ واستر . هل تعلمتم كيف تفرحون وتحزنون .. ؟ سعيد يريد كأس شاي وعبد الرحيم يحبه ويأمل ..
اللون الأحمر عشرون ومفاجأة كبيرة . من كان ينوي .. ؟ المهم أن حليمة وقع عليها الإختيار لتكون رأسنا . الذي يحيرني هو هل اختاروها لأنها أنوثة تنادي أم لأنها عقل رفيع .. ؟ سنسلمها للمأزق العربي ونرى . لكن . حدث الإنشقاق . هي امرأة وفينا الرجال . اجمعوا رؤوسكم فلقد سجلت حليمة رأسنا . الأحمر خطر . والأحمر لون الحب كذلك فدعونا
نبدأ ..
سيداتي وسادتي لم أكن أتوقع أن تختاروني . هل ستكونين مفيدة .. ؟ أما وقد كان ما كان فاشهدوا أني سأكون أمينة على أحلامكم وتطلعاتكم . القنوط في نفوسنا والحدود نار . يدا في يد والصبر طريق . الضجيج يوصل إلى الضجيج ونحن كم تمنينا . سنتعلم سويا كيف نهدأ . ونسعد . وقوموني بقسوة وجهر إذا أحسستم بالإنزلاق . أنت تغيرت فجأة يا حليمة . ولدت من رحم المسؤولية التي نجحت لها . لكن لماذا سعيد شقي وهادئ .. ؟ لأنه يرسم عبد الرحيم في هجرته ، ويرسمني أنا رأسا عليه أن يفكر وينتصر ، ويرسم إبنه
اليتيم ..
في المنجد وجدت أن الخيانة الكبرى منا . لا تبك فأنت البطل فينا . هلا تسأل عنك عائلتك يا حليمة ، رغم أنك بت تغيبين عنها بكثرة .. ؟ سؤال شخصي وأنا بعت نفسي لإستجوابات في الموضوع العام . فقط نريد أن نعرف . إذن فعائلتي تعرف أني هتا منذ البداية . لا زال الناس يقولون عنك امرأة يقسم عبدو على أن ينام معها في الفراش . هل لأني امرأة تطرحون علي هذا السؤال .. ؟
من يبيع جسده يبيع الإنتماء بسهولة . هل كنتم ستسألون عبدو لو لمع لونه على أن امرأة تقسم على أن تغير فيه القرار من خلال النزوة .. ؟ على ذكر النزوة هل أعددتم أنفسكم جميعا للإنضباط لما تلبس فيكم حليمة فساتين المراسيم .. ؟
على أي أنا لم أحقد على عبدو أبدا ، ولم أكرهه ، ولكي تصدقوني هأنذي أعينه على رأس مصلحة النظافة من الآن .
مصلحة النظافة .. ؟ يا عبدو إن عندنا مشاكل بيئة لا تعد
ولا تحصى . اضحكوا مرة على مرة لكي لا يفجرنا الهم والقنوط ..
" ألو .. مع علال ..
" ألو .. مع كمال .. اقطع بسرعة يا علال فإننا دخلنا مرحلة النسيان حقا ..
غواية الحمق تجتبي خيرة العقول لكي لا يأتي الربيع . فقيه البنسيون حاضر وشاهد . المؤامرة كانت مدبرة وعمال كل الحدائق اعترفوا سرا وجهرا . الكل يعرف الذين تعاطوا سبيل الإستقالة ويعرف الأسباب . واجهة الأحداث فضحت الفاعل والمفعول والنعت والحال . أكان كل ذلك مجرد كابوس رأه كل الناس .. ؟
حليمة ، إننا نريدك امرأة غير المرأة فاعقلي . في المنجد وجدت أن ناس الغيوان قالوا جماعة أن هذه الدنيا مهمومة .
فإذا ما رأيتمونا ندخن بكثرة فاعلموا أن الضحايا سقطوا بكثرة . كم بالضبط .. ؟ يقولون أن المقابر امتلأت والإنسان شم رائحة جثث عفنتها حرارة الشوارع . لماذا نحن وليسوا
هم .. ؟ غدا تفهم ..
العنف شئ غير جميل لكن لا بد أن يكون لنا منه نصيب لوقته . كلنا نتألم لكن بعضنا يصنع ألامه بنفسه . نحن لا نتكلم عن الذين رموا أنفسهم في البئر ..
" لقد رأيتك في المنام يا علي ..
" خير وسلام ..
" رأيتك وأنت تسقط في بئر عميقة قعرها تنبت فيه
الأفاعي ..
" أعوذ بالله منك ومن منامك .. " حكيت لك بأمانة ولا يهم الجزاء ..
" هل قتلتني الأفاعي .. ؟
" الحقيقة أني تركتك وأنت لا تزال تسقط ، واستفقت ، ولا أدري مصيرك ، ربما هذه الليلة سأرى التتمة ..
" احكها لي غدا إن كانت فيها نجاة ، وغلا فاصمت لأعرف كل شئ ..
لكنهم غير مفهومين لحد الساعة . تابع تفهم أو اغلق الفم . فينا من يزرع الورد في أرض المستحيل ، لكنه يقول لا أعرف أو لا أستطيع . اللاءات حين توفر السلامة . يخاف أن يعدموه ويرموه طعما لحيتانهم التي تسبح فوق جدران قاعات جلوسهم . وللحلم بقية قد تكون لك أو عليك . أرجوك توضأ قبل أن تنام يا من سترى المنام ..
أنت عربي . ومنذ ولدت أيها الغبي . إحك لنا إذن حكاية ..
" ذات مساء بحثت عن نفسي فوجدتها هاربة مني . قلت يا لعينة أريد أن أقول الحقيقة فانتظريني . كان الشارع يخلو من المارة رويدا رويدا . وكان قلبي يتذكر قصة حب . لم أنس فاطمة ولو لحظة . كنت أمشي ويداي في جيبي ورأسي مدلى إلى أسفل . ربما كنت أبحث عن عثرة ولم أشعر . فجأة ..
صادروا في الخطوة والضياع الذي فتشت له عن دواء فلم ينفع . سيارتهم كانت بيضاء عادية . لكن لما تسمع الإتصالات التي تتم داخلها يتبدل اعتقادك ، وتلعن الزمن الذي أتى بك إلى هنا . هم الآخرون يضطهدون ويظلمون الإنسان فلا تندهشوا . الإتصالات كانت تجري حتى قبل أن تفهم أي شئ ..
نحن هنا وسنبدأ
حول
إذا احتجتم الحديد أو الحبال أو الرجال فاتصلوا
حول
قلنا لكم سنبدأ
حول
إذا احتجتم سيارة إسعاف فاتصلوا
حول
قلنا لكم سنبدأ
حول
إذا احتجتم رجال الوقاية أو رجال المطافئ فاتصلوا
حول
قلنا لكم سنبدأ
حول
إذا احتجتم فاتصلوا
حول
قلنا لكم
حول
تساءلت :
ما الذي يجري .. ؟
التساؤل ولد عجزي . العجز ولد خوفي . الخوف ولد رغبتي في البول على سروالي . قد أكون ارتكبت حماقة خطيرة ، ونسيت ، والآن وقعت ..
" من أنتم .. ؟
" هاهي بطائقنا . نحن ضدك ..
" ماذا تريدون مني .. ؟
" هل أنت عربي .. ؟
" منذ ..
" هل معك قنبلة .. ؟
" لا ..
" العجب ..
" أي عجب .. ؟
" عربي ولا قنبلة معك .. ؟
رأيت في العيون جنون . أيها الماضي لم تمضي هكذا .. ؟
لولا بعض الأشكال القانونية لعروني من جلدي . أيها الآتي هل ستأتي هكذا .. ؟
لاشئ
حول
" شككنا فيك لأننا رأيناك تمشي وتتمايل ..
" أهي القنبلة ثقيلة لحد أن يترنح حاملها .. ؟
" الحقيقة هناك أنواع ، هل سبق لك أن عرفت نوعا أو سمعت به .. ؟
" أن تكون لي معلومات في المجال معناه أني متهم ..
" هو سؤال ليس إلا ..
" أنا لا أعرف ما هي القنبلة ، ولم يسبق لي أن صادفت هذه الكلمة في منجدي ..
" أي المناجد تستعمل .. ؟
" لا يهمك ..
" هناك مناجد حديثة تشتمل على ..
.. مقاطعا ..
" كل واحد يعرف مصلحته ..
" والقنبلة .. ؟
" .. .. .. ..
.. التزام بالصمت دلالة على اللاكتراث ..
" هي الغضب المهرب ، هي النقمة المباغتة ..
" لا أريد أن أعرف فاحتفظ بشروحك عندك ..
" هي بوم ، بوم ، بوم .. بوم ..
" ألا تزال تتكلم .. ؟
" ألم تكن تسمعني .. ؟ إذن لقد انتهت التعرية بالإيجاب ، فقل لنا فكرة ..
" ليس لدي ما أقول ..
" العجب ..
" أي عجب .. ؟
" عربي ولا فكرة في رأسك .. ؟
لو كنت أعرف أن البحر عميق جدا ما أبحرت . الحكاية مماثلة لما سمعناه وحفظنته ذات يوم . لو كنت أعرف أن الهجرة مرة ما هاجرت . الحكاية معادة بنفس الأحداث مع تغيير المكان والزمان واللسان . هي نفس الحكاية طالت الجميع لذا كبرت الأحزان . منجد الأزمة يسهل الفهم . لا تتهمني يا صاحبي بالكذب والإدعاء . حاشى لله فأنت رجل . منجد الأزمة هو المرجع دائما . لو كنت أعرف أن كل هذا المصاب عندكم ما جئتكم . كل واحد حر تحت ظل الديمقراطية . بالإمكان الذهاب الآن فلا تزال خطوط الأوتوبيس مفتوحة . لما ترى العين وتسمع الأذن ويتخذ القلب والعقل موقفا يكون قد فات الأوان . بالإمكان الموت .
سأجرب ..
أيتها المرأة لقد جعلناك رأسا لنا لتجمعي شملنا وتوحدي صفنا ، لا لكي تجلسي أمام المرأة أطول وقت . بعض العالم شهد أننا لا نستأهل كل هذه المأساة لكن الشهادة وحدها لا تكفي لأنها مجرد كلام سجلناه . وجدت في المنجد أن القنبلة يخاف منها صانعها . يا حليمة هل سنصنع قنابل غدا
ونخاف .. ؟ إخواننا في الوطن ينتظرون منا العملات قبل التحيات فلا تنسوا أرجوكم . هل تبينتم أسرار محنتنا .. ؟ أنت احك لنا حكاية نراوغ بها صعوبة التفكير . حكاية غربتي حكاية طويلة . هناك صيغ كثيرة للإختصار ..
" الحكاية من النهاية . وقفوني عند شارع الهوى . في صدري رغبة وموعد وعنوان . طلبوا مني الأوراق بصفة رسمية ..
" ها هي ..
" أنت تعمل هنا .. ؟
" نعم .. " لماذا لا تعمل في بلدك .. ؟
" هل ضروري أن أجيب .. ؟
" لا .. أريد أن أعرف فقط ..
" ما عليك إذن إلا أن تسأل وزارة الشغل ، أكيد عندها الجواب والإقناع ..
حدجني بنظرة قاسية . أرجع لي أوراقي وقال :
" كل شئ على ما يرام ، ممكن أن تذهب ..
المهدي تكلم لأول مرة . محمد قال أنكم خير الناس . وهذا البنسيون هل هو وطنكم الراحل بلا جواز سفر ولا تأشيرة هو الآخر .. ؟ هل هو هويتكم .. ؟ هل هو قوميتكم .. ؟ هل هو عروبتكم .. ؟ ستحل كل المشاكل لما ينتهي البحث عن كل الإستفهامات . المهدي لما كان صامتا كانت له قيمة ، ولما فتح فمه هدم شخصيته . يا حليمة سنعلق صورتك في صدورنا إن ناهضت الأشباح المحيقة بنا . والمنام الذي كانت فيه البئر والقعر والأفاعي والسقوط ما نهايته .. ؟ السكوت أيها السادة فالراديو بدأ يتكلم عن كل الذي جرى بالتفاصيل . في المنجد وجدت أن الغد الأفضل هو الإعتماد على النفس . ونهاية المنام لا تزال معلقة ..
الرسائل التي حملها البريد اليوم كلها قطعة من الأسى . أخر فرصة عندكم أن تتعلموا كيف تصاحبون المأساة .
يا عبد الرحيم لست وحدك الذي ماتت أمه وهو في ديار الغربة . اقرأوا الجرائد من أجل قتل الفراغ والثقافة . واضحكوا مرة على مرة لكي لا يفجركم الهم والقنوط . غن لنا يا عبد السلام فإن عندنا أزمة . عظم الله أجرك في أمك يا عبد الرحيم ..
علينا أن ننسى نهائيا أننا انهزمنا . صعب أن نبني البداية في النهاية لكن حليمة عليها أن تفكر في الأمر . أنا لا أتنكر لمن فعل في الخير والجميل . الناس لبعضهم البعض
يا صاحبي ، فلا داعي لأن تشعر بهذه الإهانة التي لا وجود لها . ليس عيبا أن يتزوج كمال إنما العيب أن يضيعنا في الجسد النسوي . قلنا لننسى كل الهزيمة . لكن ولا أحد يستطيع أن ينسى التاريخ فما العمل .. ؟
سيجارة . ممنوع . يا سيدي إني أفكر حتى الباب المسدود فلم تحرمني من الهروب .. ؟ أوه .. أنتم غير مفهومين لحد الساعة . ممكن أن تكون نفسك في الإستماع فإنه الطريق . كلما أسكت يقولون عني راض . حليمة هي المرأة فاسقط كل ادعاءاتهم ضدك . الكل يتذكر قضية تشرنوبل . العلم الذي يقتل أو يخيف الأبرياء ليس بعلم ، فما رأيكم .. ؟ اختلطت الأوراق يا رفاق . ألم تتعبوا بعد .. ؟
كلما دقت ساعة النوم التقت عيونكما ياى سعيد ويا حليمة .
كان الحب قبل أن أصير .. فأتوسل إليكم دعوني له كلما انتهيتم مني . كلما دقت ساعة النوم تحولت إلى امرأة . بعدها يرسمني سعيد بالماء الذي لا لون له . بإمكاننا جميعا . هل جننتم أم هو فقط مزاح .. ؟ لا يمكن لأني تجاوزت المراهقة وعازمة على أن أتصدى للمحنة . سنهديك باقات التهاني وملفات المشاكل في ليلة زفافك . قبلت كل حالاتكم منذ بدأت حمراء . سعيد لما يريد أن يرسمك هل يبدأ من أعلاك أو من أسفلك .. ؟ ألا تخجلوا .. ؟ إننا نضحك مرة على مرة لكي لا يفجرنا الهم والقنوط . جميل . غاب عبد السلام وحضر العود فمن يجرب الغناء حتى يعود .. ؟ صمت ..
جاء الصباح . وجئت يا حليمة متأخرة شيئا ما . لا فقط نحن جد متأخرين . كان يعاكسني رجل في الشارع وهذا هو السبب . هي شهادة من ذلك الشارع بأنك جميلة . ثم اليوم أحد ، فدعونا نغير العادة يا سادة لكي لا نصير ضحية الملل والنظرة الأحادية . هل في رأسك يدور مشروع . سنتكلم لما يستيقظ الجميع ويغسلون وجوههم ..
في المنجد وجدت أن الرجعية هي العيش على الطريقة التي لم تنقذنا . ورطة تدوم . البارحة بعد أن ذهبت زارتنا امرأة تلبس كل شئ أحمرا . هي أول المؤامرة فلا تثقوا لأن الأحمر عمق وليس غطاء . أنا اكتشفتها بسرعة لأنها لا تجيد تهجي بعض حروف اللغة العربية . حاولنا أن نرفع عنها الغطاء لنقرأ السر ، لكن الوقت داهمنا فأجلنا ذلك لمناسبة أخرى .
إذا جاءتكم وأنا فيكم فسأكفيكم شرها . العلماء قالوا إن حاولتم أن تعروها ستقول لكم : عندي فرج ومؤخرة ونهدان فاخجلوأ . لكن لا حياء في المقاومة وأخذ الإحتياط . فقيه البنسيون هز رأسه إيجابا وابتسم . عندما يستيقظ الجميع سنحكي أحلامنا ونتفق على أجمل حلم . أكيد كل واحد منا رأى . ماذا رأيت يا حليمة .. ؟ في العجلة الندامة فاصبر ..
المهدي حالة غامضة فدعوه ينفضح كلما تكلم . لا زال عندنا وقت . حزننا كبير ونحن ما عدنا نطيق . انظروا إن أحمد ينظر إلى القطار ويبكي . ربما لأن القطار يمر ويصدر العويل . إنه يبكي إبنته هالة أو تجربة فشلت . رمز القطار جميل لكنه يسرع ضدنا . لا نريد سوى أعيادا وزهورا لا تذبل في شرفتنا . لكن غدر الأحباب أهول من غدر الأعداء . يا حليمة كوني واعية بكل المسؤولية وهذا مجرد تذكير . في المنجد وجدت أن المرأة إما أن تصنع العظمة والمجد وإما أن تلعنها الأرض والسماء . لماذا يحسدني أحبابي وأنا التعس فيهم .. ؟ لأنك تضغط على البنزين حتى تكاد تنتحر وهم لا يعلمون . عليهم أن يعلموا قبل أن أذهب ضحية بنزين وسفر ..
المهدي يبذل كل جهده لكي لا ينكشف لكن الكلام طويل واللسان طويل . هل استيقظ الجميع .. ؟ إني أسمع الغناء في الحمام . وأنا أسمع الرياح في المرحاض . وأنا رأيت فوطة صفراء فوق منكب . وأنا رأيت السرير رقم خمسة خلا منذ لحظة . إذن سنأكل الحلوى قبل أن يموت فينا الذوق . لكن أين الحلوى يا من يقتلهم الإشتهاء العسير .. ؟ لو أحضرنا الدقيق والبيض والسكر لصنعتها لنا ونحن لا زلنا نيام . على رأسي وعيني . وهناك يا حليمة من لم يأكل الكسكس منذ جاء . بعد رأسكم أنا أمكم وأختكم وخادمتكم وطباختكم ، وحبيبة سعيد في أوقات الفراغ ..
بتنا رهائن للحالات النفسية الجد متدهورة . الجميع يشكو تقوقع العجز في ذاته فمن يواسي ومن يحكي النوادر والطرائف .. ؟ الخطر أحمر . الحب أحمر . الدم أحمر . الطريق حمراء . حليمة لم تعد تلبس إلا الأحمر . ممنوع البكاء لأنكم رجال . ممنوع التدخين لأنكم في حاجة لصحتكم .
نريد فقط أن نخفف الرعب بضعفنا . أشداء على الواقع يعريكم أمناء على الأصل يثبت فيكم . نعم هي الظروف الإقتصادية التي أتت بنا إلى هنا لكنا لا نريد أن نفقد الحب الأول . هل سمعت .. ؟ هل فهمت .. ؟ إنهم فقط يحبون وطنهم وإخوانهم وأحبابهم . فلماذا يضعون بين السياسة وحبهم علاقة .. ؟ أنت مواطن ما دمت تحب الوطن ولا تهم المسافات والسنوات . ها هو المهدي يتكلم ويظهر . هل استيقظ الجميع .. ؟ إذن نبدأ ..
" هذا البنسيون علينا أن نغيره رأسا على عقب ..
" ربما هذا لا يفيد في شئ ، لكن سنسمع لك يا حليمة حتى الآخر ونطيعك ..
" سنزيل أغلب الصور والشعارات ، وسنمزق كل البيانات ، وسنمحو الذاكرة ..
" وما يسمى بالماضي .. ؟
" نتوق للبداية والغد يا علال ، لذا سنصبغ كل الجدارات والأسقف بالأحمر ..
" ونعلق صورتك يا حليمة في قاعة الجلوس ، وعند مدخل البنسيون ..
" لا داعي لذلك لأني معكم صباح مساء ..
" ثم ..
" سنحاول أن نحصل على رخصة من البلدية لكي نغير لون وهندسة واجهة البنسيون طبقا للداخل الذي انقلب ..
" لن يمنحونا تلك الرخصة ..
" قلت سنحاول ..
" ونعلق صورتك يا حليمة في قاعة الجلوس ، وعند مدخل البنسيون ..
" لما يرسمني سعيد وأعجبكم ..
" والمرحاض .. ؟
" سنجعل فيه قلما وممحاة ، لكننا سنصبغه هو الآخر بالأحمر ..
" ونعلق صورتك يا حليمة في .. .. ..
" علقوني في صدوركم إن كنت أهلا لذلك ..
المساء . عبد السلام يغني للسلام . عبدو يشاهد التلفزيون .
أحمد يدخن في صمت ويده تسند رأسه دلالة على أنه يفكر بعيدا . عبد الرحيم يخيط أزرار قميصه التي انفصلت إثر مداعبة . سعيد يتابع رسم لوحة لم يتضح بعد موضوعها .
حليمة تعد الحلوى الموعودة . محمد يقرأ في كتاب . علال يغسل الأواني في المطبخ ويسب الغربة . المهدي ممدد في سريره في غرفته نصفه شبه نائم ونصفه صامت . علي كان مجرد جالس لكن حليمة نادته . أحمد لا زال يدخن . عبدو يكتب رسالة . سعيد مشدود إلى الإلهام . محمد يقلب أربعة صفحات . احمد يتذكر ويندم . عبد السلام يصبن ملابسه في الحمام ويغني . عبد الرحيم يحكي حياته جرحا جرحا . سعيد ينادي يا ولدي ..
هناك الجرائد وهناك المجلات . عبد الرحيم يهيئ الشاي ويعود ليحكي . الراديو لم يسكت أبدا . محمد يتساءل : منذ متى ونحن هنا .. ؟ وردتنا حمراء . منذ جئنا ونحن نحلم . سنسقيك أيتها الوردة بكل ما نملك من ماء والمهم أن نستنشقك ذات فجر . هل تكتب لي رسالة إلى أهلي يا عبدو .. ؟ الجهل عار . أين كنت لما كان الناس يتعلمون الكتابة .. ؟ صاروا عائلة حميمة فهل يتخلى الواحد منهم عن الآخر .. ؟ لكن لا بد من المداعبة . العلم نور طبعا . قل لهم يا عبدو أني بخير وهل لا زالوا يذكرونني .. ؟ إخواننا ينتظرون منا الدراهم قبل الكلام . الله غالب . أجمل ما فيهم أنهم يحبون بعضهم البعض حبا لا تزحزحه الأخطاء اليومية والظرفية . هكذا الحياة يرددها علي بين كل شهقة وزفرة ..
في الأسواق الممتازة وجدنا كل سلعنا تباع لكننا لم نجد لغتنا . كنا كثرة . ولا يهمكم جهلهم لنا إذا ما ظللنا نحفظ دلائل الفخر . إنهم يتجاهلون فقط .. كانت هناك ذبابة تطن في كل الأركان . أجهد علي نفسه لكي يقتلها ولا نتيجة . أحمد قال له دعها فلربما تعقل . لكن الجو عليه ان يصفو كل الصفاء . الجرثوم قدر كالشر فلا تتعبوا أنفسكم . امرأة واحدة وسط خليط من الرجال ولا تؤذى . شئ عجيب .. يا صاحب النقد إننا أمة قبل الغريزة . التلفزيون أفة هذا العصر فانتبه
يا عبدو ..
أنا أخطئ رغم حرصي فما رأيكم .. ؟ المهم أن يكون فيك الصواب سبعين في المائة . علي وعبد الرحيم وعلال وأحمد سيسافرون هذا العام إلى الوطن ، فهل عندكم هدايا تريدون أن تبعثوا بها إلى الأهل والأحباب .. ؟ لهم التحيات والأشواق .
قلنا انهم يريدون العملات . زروني كل سنة مرة حرام تنسوني بالمرة . امرأة واحدة وسط خليط من الرجال ولا تؤذى . شئ عجيب .. يا صاحب النقد إن لنا عقولا قبل النفس . الله كان موجودا في تلك الليلة وسجل الحسنات والسيئات . لكن كم عدد الناس الذين ماتوا .. ؟ الله كان موجودا وهو وحده يعلم الرقم .. أوه .. إنكم غير مفهومين لحد الساعة ..
كثير من الناس يحبونك يا حليمة . هي امرأة وجميلة ما في ذلك شك . ونحن أحببناها لأننا رشحناها لكسب القضايا التي سرقت منا . ذلك يهمكم أنتم والناس لها عيون . نتمنى ألا يختاروك أشيك امرأة في العالم يا حليمة وتقبلين . هي في مطبخكم وفيى ملفاتكم تقتل عمرها فلماذا تمنعونها هي الأخرى من أن تحلم . أعطيناك سعيد من قلوبنا فلا تزيغ شهوتك ..
وأنا الآخر أخطئ فما رأيكم .. ؟ المهم ألا تتعمد وتسقط
عنوة ..
الكل يعرف الأسماء والأفكار . هذا البنسيون تراه كل العيون . لهم فيه قصد ومأرب لذا لم يداهموه . لم يحاصروه . لم يدعوا عصافيره المهاجرة تطير في هلع ذات ليل ، أو أخر الليل . لكن ولا أحد حصل له الشرف بأن يرى الإسم جسدا والفكرة لسانا . هل أنتم سكان أم مهاجرون إلى بقايا الفرصة .. ؟ عندنا جوازات السفر والمغامرة والخوف . لكنكم بلا تأشيرات حسب القوانين المبتكرة . لما كان الإبتكار في غير صالحنا كنا هنا ، فمن أين نحصل على التأشيرات وكيف .. ؟ تعودون ثم تجيئون إن أمكن ..
أرجوكم يا سادة المشكل بات يتطلب عقلا في قمة الحل ..
أرجوكم يا سادة المشكل بات يتطلب لسانا في قمة البيان ..
أرجوكم يا سادة المشكل بات يتطلب صمتا في قمة الحكمة..
علينا أن نبدأ من الأول ونفكر . نحن في أمس الحاجة إلى الأكل والمرحاض . لأننا نجوع كلنا فهذه أصواتنا . يا علي إن الأرض تسع ضروراتنا فاسقط عنادك . لكن المرحاض يصبح أزمة قاتلة لما تشتهينا المدن العالمية . معه حق لأن الأشياء في غاية الإرتباط . يضحكون . إذن هم يضحكون مرة على مرة لكي لا يفجرهم الهم والقنوط . جميل ..
العلاقة بينكم وبين الأرض أنكم أينما ذهبتم أشقياء . الظلم والشكوى والخرس والصمم . إنما الأرض واسعة فلا تطلقوا ابتساماتكم . إذا أردت أن تدخل المرحاض في هذا الزمان عليك أن تدفع . بطبيعة الحال تدفع الباب قبل الدخول . غبي كأمك التي ماتت يا عبد الرحيم .. إنه يعني النقوذ النقوذ النقوذ.
انظر إنه يبكي لأنه تأكد من أنه لن يرى أمه أبدا . لم يكن قصدي أن أورد الموت لحظة البحث عن الحياة يا عبد الرحيم.
لا عليه ..
البول صار له ثمن فما بالك بالإستراحات الأخرى الكبرى .. ؟ إذن فما دام المرحاض هو المرحاض فلماذا نتحاشى أن نطلبه منهم .. ؟ صدقوني إنكم غير مفهومين لحد الساعة . وأخر دعوانا أن يا رب أحسن مثوى أم الذي لا زال يبكي .. أمين ..
الحصيلة .. ؟ هل تريد أن تنام يا سعيد ولوحتك لا تنام .. ؟ لا . فقط يجب أن تعود حليمة إلى منزلها قبل وقت الخطر . الحرب لما قامت معناه أن السياسة فشلت . كذبت . انفضحت . تعرت . كل الذين مانوا أبرياء كفراشات الضحى . إذا أرادت حليمة أن تذهب فلا مانع . يا أحمق إنها الحمراء ، أنسيت .. ؟
كل الذين أجرموا لم يموتوا لذلك تراني حائرا في فلسفة هذه الحياة . كم من جدران تهدم .. ؟ مدن وقرى ومساكن متفرقة والبقية في حياتنا . لا يهم أن تذهب حليمة فالبنسيون صار كله أحمرا . يا أحمق عليها أن توقع الحصيلة بحبر الدواة . حب الوطن ليس سياسة يا ناس فلا تكرهوا وطنكم خوفا منهم . تلك الدواة مملوءة بقطرات من دمائنا والفصيلة واحدة . لأن الحب في القلب واحد . حان الوقت وحليمة تريد أن تذهب . نؤجل ما تبقى من عمل اليوم إلى الغد وتذهب بالسلامة . هل تريد أن تنعت أنت الآخر بالحماقة .. ؟ للغد عمل أخر بكل تأكيد . يا للظروف اللعينة .. متى تتزوجها يا سعيد لينتهي هذا الشتات
.. ؟ من .. ؟ حليمة أم الظروف التي لعنتم .. ؟ تضحكون . رائع .. فاضحكوا مرة على مرة لكي لا يفجركم الهم والقنوط . فقيه البنسيون يقول بعد الإسناد : إن كثرة الضحك تميت
القلب . صمت ..
أيها السادة الغير مفهومين لحد الساعة ، أشكركم جزيل الشكر على أنكم مزجتموني مع الظروف تلعنونها لأنها ضدكم ، جد مسرورة بكم ، وتصبحون على خير ..
لما يمر الزمان بلا طعم معناه أنكم لا زلتم تائهين . لكن الروح فينا تزغرد دوما . لماذا تقضم أظافرك لحد الجرح يا علال .. ؟ أشياء بلعها النسيان ولم يبلع ذكراها . اليوم رأيت كمال يشتري البنزين فاحترقت . المطر هطل هذا العام بغزارة إيجابية في غير بلادنا . صعب أن تعزل الهراء عن الكلام لأنه ربما أكثر من نصف الحياة . ببساطة أنا احترقت لأني كنت أحمل نارا ولا أعبأ . سعيد يكون مفيدا للغاية كلما بالغ في الصمت والإنزواء . لكن أحمد حزين اليوم بقدر ما كنا نراه عبثيا في الماضي . رأني كمال طبعا كما رأيته وتذكرت . تأخرت حليمة اليوم ونحن دائما في حاجة وانتظار . ونحن في حاجة للسرعة . قلت له هالو وليس السلام عليكم ، فاكتفى هو بأن هز رأسه بلا تفسير . لن تأتي حليمة اليوم لأنها مدعوة لحضور زفاف شقيقتها . مبروك فيا جيراننا قولوا لجيرانكم . زوجته هانيك كانت معه طبعا وردت على تحيتي بالجهر والإبتسام . هاتفيا قالت حليمة أنها ابتاعت الهدية والورود واختارت فستان الحفل . الصديد تحت جلودنا وهي تحتفل .. ؟
يا إخواني كونوا منصفين ، فمن حقها أن تبوس شقيقتها العروسة على الخد أو الجبين وتعود . هل هانيك زوجة كمال بريئة .. ؟ لقد ثبت بلا أدنى شك أن كمال يناديها يا حبيبتي . يا روحي . يا قلبي . يا عقلي . يا قرة عيني . يا كل حياتي . يا عمري . الله الله الله .. فماذا بقي منه .. ؟
ن أأ
لعبة أعصاب . احذروا أن تسقطوا في الكمينات حتى لا يكتبوا عليكم بشراهة في الجرائد ويبيعونكم . لا تتعارضوا إلا في سبيل الغد الذي نحلم به جميعا لكي نلتقي فيه جميعا . لا تتفرقوا لكي لا يسودوا . لا تتكلموا في أي ميكروفون
يصادفكم ..
" عندك حق ، فالميكروفونات مزروعة في كل الممرات والإتجاهات ، تتربص بنا كما يتربص قطاع الطرق بالقوافل الثرية ..
لكن ماذا نفعل وألف وسيلة تشتهينا ، وألف تيار يلعب بنا .. ؟
ابذروا في الصبر وردة ، واجنوا من الأحزان بسمة . تناقض . لا توجد حياة سهلة جاهزة فاحترصوا أن يستحوذ عليكم الخيال سلبا . الإنتصار خطة . عقولنا تستطيع كذلك أن تفرز الأرض عن الوطأت . عندنا الدهاء والمكر والعبقرية والتفكير .
ما هي مشكلتكم إذن .. ؟
إننا نفكر في أن نهدي هدية لحليمة إذا ما ولدت لنا شمس الضحى أو قمر الليالي . ابتاعوا لها سيارة من نوع فياط أونو تنفع بها نفسها وتنفعكم . قد تساهم معنا حتى إدارة البنسيون من باب الإنسانية أو التجارة . من يقولها لها .. ؟ أنت .. ؟ أنا .. ؟ ولماذا لا تقولها لها أنت .. ؟ يا سادة .. هل هو منكم خوف أم وقاية لماء وجه الوطن .. ؟
وفكرت حليمة طويلا .. طويلا فكرت في ناطق رسمي يجيد اللغات ، وهي لحد الآن تنطق رسميا بإسم .. .. ..
ابك أو لا تبك فهذا الزمان استباح دمعنا . يموت العربي قبل المفاوضات . ما هذا .. ؟ يموت العربي بعد المفاوضات .
وهذا .. ؟ يلبس العربي السواد ، ينكس هامته حدادا ، ويرسم أقواس التنديد على صفحة مائنا .. على دفء دمنا ..
" يا سيدي المقبور على فمه وبصره لكي لا يتكلم ولا يرى ، قل أي شئ وكسر حصار الصمت هنا واهزم تضارب الأفكار هناك ..
الواحد منا أغلى من أرواحنا نفديه لحظة استغاثته فلم لا نطبق النظرية . اللغة لا تعدو مجرد رنة . لكن وراء كل رنة يختبئ المعنى فتعلموا كيف تضربون على الأوتار . إذن نحن لا نعيش للخيال فقط .. افهم . وإذا لم .. ؟ هز شفتيك رقصا وابتساما ونم . أنا لا أسكن هنا . ممنوع اختلاق الأسباب . إني أتكلم جادا فارحمني . تعاطي المواقف من باب الشعور دائما خسارة . هنا أزمة سرير واضحة فلم لا تصدق عينيك . نحن أغنياء بالمساحة وعندنا غطاءات إضافية ، فهل عندك قليل من تضحية .. ؟
" وأنا حليمة ، قد أمنحك فستاني غطاءا إذا حقت الأزمة ، فما رأيك .. ؟
" قد تقلبين الفكرة نزوة متوحشة إذا ما صبغك العري ، وأكون أنا نائما تحت تأثير روائحك العطرة ..
" لن ينالني إلا الذي أعطيه إشارة ..
" هذا عمل نساء تافهات ..
" ألا تخجل من نفسك .. ؟ على أي أنا غالية ، أغلى عند نفسي وهذا هو المهم ، أحب الرجل الذي أحدث في القلب ضجة ، وأحب الأحمر والهم والوهم .. ربما ..
لكل واحد منكم وسادة واحدة فقط وأنا عندي رأس . يبحث هذا الإنسان عن اعتزال ناس يحبونه ويريدون أن يبقى معهم . إنك تستطيع أن تدخل رأسك في بدنك على شاكلة القنفد أو السلحفاة أيها الخائف من أن يبيت رأسك بلا وسادة ..
" لماذا لا تنطقين يا حليمة .. ؟
" ماذا أقول .. ؟
" تقولين نهد مني وسادة في زمن العسر ..
" يا عبدو لا تضطرني لأن أربط الماضي بالحاضر وأنعتك بقلة الأدب ..
" فقط أريد أن أضحك مرة على مرة لكي لا يفجرني الهم والقنوط ..
" للضحك حدود ، ثم مشكلتك يا عبدو كلها تنحصر في المرأة والجنس ..
" بالعكس ، فلقد لعبت بكم من واحدة ، واشتهتني كم من واحدة وكنت سيد قرارات الرفض . أنا عبدو يا حليمة ، هل نسيت .. ؟
" لكنك لم تستطع أن تفرق بين المرأة المتعة والمرأة الإنسان ، فخبرني عن نساء لعبك ونساء اشتهائك ..
" بهذا أنت تحتقريني ..
" لا ، لكني امرأة تعرف في الرجال مائة صنف ، فهل تريد أن تسمع صنفك .. ؟
يقوم الذي يريد أن يذهب . يدير عينيه في الوجوه والصور وباب القاعة . هو حر . قالوا له أن بإمكانه إدخال رأسه في بدنه على شاكلة الحيوانات . تذكر وفكر . هل هي دعوة للتضحية فعلا أم سخرية في شأن الجبناء كلهم . هو حر . قال أن الموعد دين كبير في ذاكرته حتى يفي به في وقته المضبوط . قالوا له ابق معنا أو انطلق إلى حال سبيلك ، فأنت دائما سيد نفسك ، المهم كفى من هذه الثرثرة حتى لا يتهمنا الناس بالحمق ..
اتفق العرب على ألا يتفقوا
الجميع يعرف الفرق بين الحكمة والنكتة فلا داعي لإستعمال المنجد . عيبكم أنكم عاجزون عن نفض الغبار عن صفحات التاريخ المقروء ضدكم . أنت الآخر منا فتكلم بصيغة الجمع المتكلم .. نريد أن نتفق على الخطوط العريضة فقط ..
عربي ينزل في قبره مكفنا بلون الجرح . عربي يبكيه خلسة وسبابته تخاف أن تشير . منطق هذه الحياة هو أن يكون لك أعداء ألداء تهاجمهم ويكون لك أحباب يحمون ظهرك من الخدعة . عربي يضحك ، ويضحك .. ويضحك .. الزغرودة سلاحكم لذا حاربوها فيكم بأخطر سلاح ..
وأنا المغلف في أذهانكم بحكاية تألفت قبل مولدي بكم من عمر .. من أنت .. ؟ رقم البطاقة في القصيدة ونوع الحلم دائم في المخاض . أنا بريئ كغلالة عذراء . أملنا أن نصدق بعضنا البعض ونبدأ . أنا أعيش هموما بلا مواقع وجواز سفري حجة قاطعة على أني اخترقت كم من حدود . البداية قد تكون زحفا فقط . اليوم على الحدود جنود ..
محمد حمل فنجان قهوته وخرج إلى الشرفة ليجلس هناك ساعة ، كعادته في كل الأماسي الصيفية . تبعه علي وفي يده سيجارة تحترق ..
" سحنتك أنبتت ضيقا واضحا يا محمد ، ماذا بك .. ؟
" حبيبتي بعثت لي اليوم قصيدة ..
" جميل أن تحب امرأة شاعرة تنظر من خلالها إلى ما تبقى لك من عمر ، فتبتسم ..
" هي في الوطن ، وأنا هنا بينكم قطعة من شوق ، ولا مؤشر بعد على الجمع بيننا ..
" نعم نعم .. هي في الوطن .. ؟ هل أنت مجنون أم سحرتك قبل أن تأتي .. ؟
هز رأسه هزات تفيد الإيجاب والأسف ، وقال :
" إن كان ولا بد من جنون في موضوع حب عميق فلقد جننت حقا وإلى أبعد حد .. وإن كانت قد سحرتني فعلا فبخفقة منها روحية ، وبنظرة منها امتزج فيها جمال الشعر بفتنة المقلتين .. ولم تسحرني بشعوذة الحومة أو الركن المظلم في سوق ..
" محمد .. فكر خارج عاطفتك التي رافقتك لحظة ، لقد جئت إلى هذا العالم لتبني نفسك ومستقبلك ، قد تناديك فرصة ذات يوم ، فهل ترفضها لأجل حبيبة مذيلة بالإستفهام في الوطن .. ؟
" إني أحبها بصدق قبل أن تقوم فينا العاصفة ..
ضحك الذي يسمع ، ربما بلا سبب ، فاضطر محمد للصمت برهة .. تنهد . ثم واصل يقول في هدوء ورزانة :
" قبل أن أتي إلى هنا كانت قصة الحب قد أدركت عنفها ، هي أمنت بي ، وأنا لا أستطيع أن أغدر بها وأحيا باقي عمري نذلا ..
" لكن المرأة هنا تعني ربح كل الأوراق ..
" مثلا .. ؟ " ورقة الإقامة ، ورقة الزوجة التي تعرف هذا المجتمع ، ورقة الغد ، ورقة حل مشاكل كثيرة هاجرت بسببها ..
" عفوا ، إني أعرف كل هذا ..
" إنه مجرد تذكير ..
" أريد أن أسألك يا علي وأحصل منك على جواب صريح : هل بحثت في المنجد عماذا تعني حبيبة في الوطن .. ؟
" بمنتهى الصراحة لا ..
" إذن لقد أجبرتني على قراءة قصيدتها جهرا .. قصيدة سوداء مغلفة ببياض الطهر والسلام ..
" العود يا عبد السلام ..
" .. .. ..
.. .. ..
.. .. ..
يا سادة ..
إن القضايا دائمة . والقضية العربية دامية . السيجارة لا تحل المشكلة لهذا قررت ألا أدخن بعد اليوم . والقصيدة التي بدأت بالوجع المزمن .. ؟ جاءت من الوطن الغالي عبر البريد بعد أن تسولت الحبيبة ثمن الطابع البريدي . كل شئ في سبيل الحب يهون . المهم أن يبقى الحب حبا . فليسمع العالم نشيدنا أو ليرفع أسوار كبريائه الخاطئ . بعدها كيف تريده ، يا هاوي المناقشة ، أن يتنازل عن وعده بالتضحية والوفاء ، يا علي ..؟
السيجارة قالت على ذمة الأوائل المجربين : يعود إلي مدمني الذي نساني بعد أربعين عاما من القطيعة ، فعلى الذي اتخذ قرارا أن يضع في حسابه لغة التحدي . كانت القصيدة عشاءكم الليلة أيها المغتربون لأجل الوضعية الإقتصادية ، فهل شبعتم .. ؟
" لذيذة ..
" رأيتكم تتلمظون أصدائي فأتمنى ألا تكونوا غاوين ، لأن منبع القصيدة غير هائم ..
" كلما جاءتك قصيدة من عند حبيبتك يا محمد ، فلا تبخل علينا ، أقم لنا مأدبة شعرية ..
" على راسي وعيني ، إنما ادعوا معي الله أن يجمعني بها ذات ليلة يحق فيها الحلم والقمر ..
" يا الله ، يا الله .. يا الله ..
الليل . كل عانق الوحدة والكابوس وأطبق جفنيه على الرجاء . ولا أحد نسي العاصفة لأن الخسائر في كل مكان والقبور طرية . كثيرة هي الأحلام الجميلة لكنها لا تتحقق . هو زمن المستحيل . عز الليل يعرف بالسهر والدفء . نحن هنا لكننا نائمون على أرض غير مريحة ..
من يفكر في الماضي يكبت الصراخ ومن يفكر في الآتي يحار . الماضي يهدده النسيان والآتي يلبس ثوب الإغراء .
يا حليمة هل تنقذينا أم تمنينا .. ؟ هناك من يتذكر أمه قبل أن ينام . هناك من يتذكر إخوانه التائهين في شوارع المدن الراعفة . هناك من يتذكر علاقات الصداقة والمقهى . وهناك من يتذكر كل الوطن في قبضة الزمن والمحن ..
محمد يتذكر حبيبته ، وحبيبته في الوطن ، لا يأتيه النوم حتى يحمق ويشسع الفاصل بين تعبه وعقله .. كم يكلف الوصول من تحدي ومغامرة .. ؟ أه .. حدث نفسك يا محمد حتى يجود عليك الليل بغفوة ..
" مرة تراني أفك العقدة ، ومرة تراني أربط هدب عيني لمجهر يطل على أغوار المصيبة . من قبل كانت أمي ترتاح لفعلي وتقول لي : العب وتلهى واعفني من الصداع لحظة ، أما اليوم هي ترقبني من خلف وشاح مهترئ ، واجمة التجاعيد مكدودة الملامح ، وتقول لي كلما حاولت أن أحررها من أغلال العجز والصمت : لا أفهمك يا ولدي ..
انس الدنيا وريح بالك . أهي دعوة للجبن أم للإصرار .. ؟ لسان من الألسن قال أن علال خطب إبنة عمه التي ولدت في بلاد الغربة . دائما لأجل الأوراق . لا ، إن بنت البلاد شئ أخر . بنت العائلة مشروع يتنزه فوق اللعبة الجارية . كل واحد فينا يبحث عن الإستقرار . من وجد امرأة طيبة المنبت وصالحة ، في إحدى زوايا مدينة الحظ ، يفتح بها باب السعد لن يفكر بعقل المصلحة وعدد السنوات . فرصة العمر من يضيعها لا بد وأن يعالج سكرات الندم . المرأة إذن في كل هذا الإلتباس قد تكون خيرا ، فيا فرحة الظافر ..
البيان المرقم أحمرا . نبكي إخواننا يسقطون تحت ريح مصنوعة في مختبر ، تحت ريح خريف مخترع ضد كل الأوراق التي تكتب غد خضرتها ويناعتها . العلماء الذين اخترعوا الموت الظالم أنذال ..
نبكي إخواننا يدفنون تحت الأرض وهم في ذروة الأمل ، ينتشلون أشلاءهم ليمنحوها شكليات الجنازة وهم شهداء بلا نفاق . لا شئ ينفع ما دامت أحلامهم ماتت بلا صلاة ..
لسنا أنانيين يا أيها النقاد ، فنحن نبكي السود المطبوخين وجبات في قدر البيض ، هلامات الكرامة تبعث الرائحة فلم لا تشمها المنظمات . نبكي السود الضحايا في حرب الجوع ، ونبكي عيونا تنتظر طائرات الخبز أن تحط .. ولا تحط ..
كما نبكي أنفسنا نبكي كل الإنسان الذي يتعذب في هذه الأرض ، الذي ينزل إلى الأسفل بعد أن يغرب الشعاع في عمره ، وتتعطل المبادرة بعد نداءاته ..
نبكي كل الناس أكثر مما نبكي أنفسنا ، لأننا جيل تجربة ، لأننا ناس على البؤس ولدنا وعلى الرجاء نعيش .. من يدري ، قد نموت بسكتة يأس أعنف وأهول من يأس القصص والروايات . لكن التاريخ لن يتوقف ، فهناك من سيولد نصفه عربيا ونصفه أملا عنيدا ..
لا يجمعكم إلا المساء أو منتصف الليل أو عطلة الأسبوع . العمل على مدى الأمل وإلا كنا مجرد هراء . قليلكم يملك بطاقة عمل وكثيركم لا بد أم يأخذ الإحتياط . شكرا للذين يستخدموننا حتى ونحن نعلم أنهم يستغلوننا . شكرا لصاحب البنسيون الذي يتستر عن وضعيتنا مقابل ثمن ..
إن تقرأ علينا قصيدة من قصائد الحبيبة في بريدك يا محمد نمنحها بطاقة انخراط شرفية . من سيعترف بكلامكم أيها الحمقى . لا حاجة لنا بالإعتراف لأننا نبرر وجودنا بالأنفاس . نحن نحب الوطن وهذا يكفي . نحن لم ننس العاصفة لأن أنقاضها لا تزال ساخنة . لقد عشنا ضغوطها الجوية هنا وهذا شئ فوق الحب ..
" اقرأ علينا يا محمد قصيدة ..
" ما أنا بشاعر كما تعلمون ..
" لحبيبتك ديوان عندك ..
" قد تصير القراءة عادة وأكون المسؤول ..
" نتمنى ذلك من قلوبنا الحزينة ..
" هل تمنحون حبيبتي ما وعدتموها وأنا شاهد .. ؟
" هناك غموض يعرقل اتخاذ قرار أخير ..
" يا سادة ، بين الحب والسياسة علاقة وشيجة وكفى ..
" فاقرأ ، بسرعة .. اقرأ ..
الألم يفتت الأكباد . البعاد يستهلك الأعمار . سيدة الجمال الباهر لماذا تنكر جمالها وهي الإلهة هنا وفينا . مرابط الخيل تحفظ سر البدايات الملهمة لكن داء العمي انتشر . أوه .. كثر الكلام لحد اللغو فبرمجوا الإستراحات . إننا نملك أن نحلم فلم لا نحلم .. ؟ للحلم حدود . سنتكللم لكي لا يستغلوا صمتنا .. وسنحلم لكي لا يستغلوا يأسنا ..
مرابط الخيل تفضح أسباب الكبوات . لكننا لم ننته كما في مخطط منتصف الليل وكمين الويل وفلسفة العدو الذي يضحك . سيدة الجمال لماذا لا تريدني أن أحب في الجمال بعد الرائحة والإيمان .. ؟ هو الخوف من الغرور يوجب الإحتياط
والردع ..
الراديو نقل الخبر ساعتها وأنتم تذكرون دقات قلوبكم هلعا . فارس مات في المعركة وهو صامد كالجبل ، وهو يضرب حتى أخر روحه ويبتسم . أمه كانت أشجع الأمهات ، زغردت لحظة جاءها بلاغ الموت وابتسمت هي الأخرى ، وصاحت :
" قسما لأشعلن وزوجي فراش الليلة ، وأحمل بفارس الليلة المقبلة ، وأضعه في الليلة الموالية على عجل ليتسلم غضبه قبل الفجر . حكاية الليالي حكاية لذة وسط المأتم ، حكاية صعبة البدء والسرد ،، حكاية نسل وفروسية وبقاء ..
" كم نفتخر بك يا أم فارس .. يا أم كل فارس ..
" فقولوا للذين صدروا لنا رغبتهم في فنائنا أننا سنبقى كالأرض ، كسموم الأفاعي سنتربى في المنافي وعلى هوامش أصلنا ، وكورود الياسمين ستنشق عنا تربتنا في كل مكان ، ونفتح ألواننا وأوراقنا وشذانا لمن يأتينا برعاية وماء ..
قولوا للذين صدروا لنا نظرية تحديد النسل وتربية الكلاب أننا لم نسقط صيدا ، لأننا أدركنا في زمن شاعت فيه الشهادة أننا في حاجة دائمة للأطفال ، للأبطال ..
" شكرا جزيلا يا أم فارس .. يا أم كل فارس ..
الحب سعادة فتأملوا الأشياء خارج الأنانية . من يفهم الحب يسعد طبعا . الحب الذي تشتركونه يا سكان بنسيون العرب هو حب الوطن . فلذات مغتربة والذكرى المقدسة لم تضع قط
فيا للعظمة .. حبكم هذا تهمتكم حتى تخونون دماءكم فخذوا بالكم من المساومة أو الضغوط . تمخض الفقيه المكسو بالنور فولد حكمة صريحة وجريئة . حب الوطن من الإيمان
يا إخوان ..
" ل أنتم حمقى أو داخل الموضوع .. ؟
" ألم تفهم بعد .. ؟ ألا ما أغباك .. نحن حمقى لحد الوطن ..
حيطان المرحاض حمراء قانية . الكتابة عليها بالأسود معقدة شيئا ما . لا بد من المحاولة . يا عبدو القائم على مصلحة النظافة بأمر من حمرائنا ، عليك أن تكتب التقارير اليومية بأمانة وبخط واضح وتضعها بين يديها . الأوساخ كثيرة . مهمة يجدر بصاحبها أن يعرف كيف لا يتنفس أولا . يدخلونه ويتخففون من أثقالهم ويدوسون فيه أعقاب سجائرهم ويكتبون . الروائح تخنق . من يرى ينتابه الغثيان . سهل أن تغمض عينيك متى شئت وكم من وقت شئت . علينا أن نتجاوز المراحل إلى جدواها لهذا نحن نعري أمكنتنا وأزمنتنا .. مستحيل إيقاف الأنفاس يا ناس أكثر من الممكن ..
" هل هناك فائدة .. ؟
على أساس معرفة المسكوت عنه والمتستر عنه تستطيع حليمة أن تصنف الذي يأكل أكثر ، والذي يفكر أكثر ، والمدمن على قراءة الجريدة ، وعبد نفسه السيئة ..
" هل هناك فائدة .. ؟
حليمة تبحث لنا عن انطلاقة ، وأكيد لما تعثر عليها في اليقظة أو المنام ستدعونا لعقد حفلة استثنائية ، وعلى عجل ..
" هل هناك فائدة بلا لف ولا دوران .. ؟
من لا يفهم يلتزم الصمت حتى تصقله الأحداث ، ويحظى بعقل ..
" المرأة التي تعشقها لحد العبادة يا محمد لي فيها رأي ..
" هل تعرفها .. ؟
سأله محمد في اندفاع وربما في غيرة تحضر في مثل هذه المواقف ..
" نعم ..
قالها عبد السلام وهو يهز رأسه تأكيدا ويضحك ..
" كيف عرفتها .. ؟
" من خلال المأدبات الشعرية وكلامك الدائم عنها ..
" .. .. ..
أسقط رأسه فوق نبضات صدره ، تماثل للهدوء بسرعة كأنه أدرك أن تأويله كانت خاطئة ، وقال :
" ستجد عندي دائما رحابة الصدر وسعة الروح ، فتكلم وهات ما عندك ..
" المرأة . إما أن تجعلك أسعد السعداء وإما أشقى الأشقياء..
" على أي أنا أنوي الخير وأتمناه ..
" وأنا من صميم أعماقي أدعو لك بالخير ، لكن حالتك إن حكمنا فيها العقل والقلب لا يجتمعان على نتيجة ،، هي مني أقسى صراحة ، فأنت أشبه بمن يراهن على ورقة رابحة لا وجود لها بتاتا وسط رزمات الأوراق ..
" من المستحيل بدأت كل الحكاية ، حكاية امرأة وحب ووطن ، وأقسمت على ترويض ذاك المستحيل حرفا حرفا ، ولا مناص من تعاطي الأيام قوارب لبلوغ الساحل ، ولو كلفني ذلك عمري برمته .. أليس هذا هو نهج الإيمان في خضم حياة لا تهديك الرغبات بمقياس الأحلام والآمال .. ؟
" عجبا .. تؤمن بالوهم لهذه الدرجة .. ؟
" الذي تسميه وهما يا عبد السلام حققه ناس أخرون كثيرون وبرروه بحواسهم ..
" عجبا .. تقسم على ترويض شئ وأنت تسميه مستحيلا ..؟
" من هذه الناحية أنا جد مرتاح لأني حققت فيه أطوارا
بنجاح ..
" تمنع نفسك من تعاطي الإختيار ، من ديمقراطية ذاتية ، وتمشي في طريق تملأه رائحة امرأة قابلة للزيغان في محنة البعاد ..
" عبد السلام ، إني أحترمك لأنك ديسكو لأغاني السلام ، فلا تضطرني لأن أغير نحوك أخلاقي بقذفك لإمرأتي في وطني ..
" معذرة ، لكنك تعزف بشدة عن أي منعطف يسوي وضعية مسيرك في أرض ليست أرضك ، بين ناس أكثرهم يكرهونك ..
" إني على عهد وثيق كما أسلفت لك الإعتراف ..
" للضرورة أحكام ، هو منطق لن يؤاخذك عليه أحد بدءا منا ، لأنه معمول به ..
" أنا لا أضع في حسابي كلام الناس ، لكني أخاف من عذاب نفسي بعد أن أرتد عن حكاية أيام وكلام ..
تدخل عبد الرحيم قائلا دون نقطة نظام ، ولهجته في أوج الإنفعال :
" المرأة المرأة المرأة ، ألا تفصلونها عن تفكيركم لحظة ، وتدعونا في المفيد نتخبط عسانا نلهم مخرجا .. ؟
" لم نبتعد عن المفيد لحظة ، نحن في فلكه ندور ، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ..
" لكن لماذا تذكرون المرأة كما لا تذكرون أنفسكم .. ؟
" لأنها امرأة حطمت فينا روتين اللحظات ، أشعارها هاجرت إلينا مكتوبة بدمع الأحداق ، نابعة من مساحة
الأشواق .. أه .. حكاية الأعماق ..
" هل بت شاعرا أنت الآخر يا حبيبها .. ؟
" المرأة علامة ، لأن بينها وبين الأحداث ارتباط ..
" افصح ، فأنا إما بليد أو ثقيل الفهم ..
" بين المرأة والسياسة علاقة ، فهمت الآن .. ؟
" كيف .. ؟
" لأنهما تنتهيان على السواء بتاء مربوطة مؤنثة .. التأنيث صيغة في الإعراب صعبة ، والربط مستحيل الفك ..
ضحكوا جميعا . عبد الرحيم وحده الذي جسد حالة الضد واندس خلف قتامة وجهه :
" اضحكوا مرة على مرة لكي لا يفجركم الهم والقنوط ..
" كثرة الضحك تميت القلب ..
لما يتعدى المجلس الساعة المحددة معناه أنه راق . عبد الرحيم فريسة اليوم لحد فقد معه صبره . صاح ملء صوته :
" بليد لوحدي .. ألا من ينصرني على عقلي .. ؟ ألا من يفهمني .. ؟
" محمد ، أنت سبب اتلمشكلة وعليك أن تسويها حالا بقراءة قصيدة ..
" المسألة بسيطة إن وجدت عندكم رغبة وصمتا وإنصاتا ..
" فليهاجر الشعر ، ولتنطق امرأة عمت صورها جنبات سريرك والجدران ..
ألهة تمشي فيكم ظلما وهي أضعف من أن تحمي نفسها . تذيبها الحرارة . يقلصها البرد . خوفكم في غير محله فإما أن تقاطعوا السلاسة المستعملة في النشرات الإخبارية أو لا تلوموا إلا أنفسكم . إن الفرق بين الصباح والمساء يشبه الفرق بين الحياة والموت ، فكم من صباح مر عليكم وكم من مساء أسلمكم إلى الظلام .. ؟
فقيه البنسيون قليل الكلام غزير الحكمة ، قال لما احتدم الصراع :
" لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ..
حدثنا في الجهاد أيها الفقيه . التزام الصمت في أوج الحرج إما عار وإما حماية لمعنى الكلمات المقدسة . نحن نتكلم فقط .. ونحلم .. من أكبر وأخطر الممنوعات أن تسمي أحلامك لفظا فاصمت .. لكن العاصفة حفرت الأرض وصنعت للبحر ساحلا من نار وروعت السماء ..
" ما هموني غير الرجال يلا ضاعوا ، الحيوط يلا رابوا كلها يبني دارو ..
علال ، هأنتذا بحثت لنفسك عن مخرج . امرأة ومستقبل والله يبارك . زوجة عمه لم توافق بسهولة . هكذا كل أمهات المخطوبات في بلاد الغربة لأنهن صرن بابا ونافذة وفناءا ينتهي فيه التعب . هذا مهاجر بلا أوراق حمل صراحة وهدية غالية أبخسوها . هذا مهاجر ثاني يعاني نفس الوضع حمل حيرة ووردا أذبلوه . وهذا أخر وليس أخيرا حمل رجاء وزجاجة عطر كسروها على العتبة . الزواج قسمة ونصيب . لا تحتقروا الناس عسى أن يكونوا خيرا منكم . لعنة الله على من ينسى الماضي . الزواج مهر ومساومة دنيئة . لكن يبقى الإنسان إنسانا حتى ولو هاجمته الحضارة الأخيرة من قبل ومن دبر ، فما أقل الإنسان ..
زوجة عمه لم توافق حتى أرته نجوما في منتصف النهار . ارسم لنا الصورة يا سعيد لكي نفهم أكثر . زوجة عمه امرأة تتظاهر بأنها مرفوعة الآخر وهي خبر مطلق لكان . عمه كان جنبه لا مكره ولا مجبر لأنه يحفظ محنته على شفتيه ، جازاه الله خيرا . عندما تلتقي المرأة الخطأ بالرجل الصواب يصفق الشيطان . احذر يا علال أن تطلق إبنة عمك لما تحس أنك قضيت منها وطرك ، فنشهد بنذالتك اليوم وغدا . نيتي ألا أفشل يا إخواني . زغردي يا حليمة فإنك مهما صرت فأنت لا تزالين امرأة عربية ، وأنت لون الدم فينا . حقيقة ..
الحقيقة أنها تخاف من حبيبة محمد ولا تخاف من إبنة عم علال . تلك حبيبة وهذي خطيبة .. وأنت حليمة .. فلا تخلطي بين الأشياء .. لكن الغيرة تأكل صدر حواء لما تشعر بالتفوق يجانبها . ألا إن الإفتراء على الناس انطلاقا من حزازات نفسية ذنب كبير ، حليمة بريئة كأمي ، فاتقوا ويلات ضمائركم ، واربطوا ألسنتكم لكي لا تنطلق منكم نابية ..
حبيبة محمد شاعرة ومجنونة وجميلة . خطيبتك يا علال عصرية ولا تتكلم اللغة العربية . وحليمة حمراء كرغبة في ساحة الوغى ، تسيل تحت الشمس مدرارا ، وتتكبد إذا ما سقطت حواليها الجدارات .. الفرق بين هي وتلك .. وأنت .. جلي لكن لكل عاشق إشارة تنعت إرادة القلب . هل هناك من يعيش بلا قلب .. ؟ من فضلكم ، استحضروا عقولكم فقط .
طبعا أيها الحارس اليقظ ، كلامك على صواب ، فكل العشاق لهم عقولا تلغيها القلوب لما تهفو .. لكن كل هذا ليس بالخطإ فلا بد أن يعمل العقل في وعورة التفكير ..
فقيه البنسيون قليل الكلام حاسم المواقف . قال بعد أن تنحنح :
" لا إفراط ولا تفريط ، كلوا من طيبات ما رزقكم الله ، واحمدوا واشكروا واتقوا ..
" هل اقتنعتم .. ؟
" نعم ، لكن يبقى في كل الأجساد يسار ..
" أكيد ، فلولا وجود يسار ما وجد يمين ..
" كالشر والخير ..
" كالشقاء والسعادة ..
" كالحرب والسلام ..
" كالموت والحياة ..
" كفى ، فلقد قلنا أننا اقتنعنا ..
" إذن تصبحون على خير ، ولا تنسوا أن تحلموا ..
تريدون أن تموتوا معشر سكان بنسيون العرب لكن ذكر الحياة يعيقكم . تريدون أن تكسبوا الحياة لونا ونوعا لكن ذكر الموت يعيقكم . من أراد أن يرتاح فليترك الفلسفة جانبا . الطريق لاحب لهذا كسدت تجارة الخرائط والمعلومات في وطنكم . ببساطة أنتم أبناء أمكم .. أرضكم .. الدمعة في العين لا تفسروها دائما ضعفا فللفرح دموع كالمطر أيضا . أحبكم لأني مثلكم . من ينكرني سيعيش في عذاب ضميره ..
" من أين أنت يا أخانا بالضبط .. ؟
" ولدتني نخلة ، ما رأيكم .. ؟
" أنت إذن تمرة حلوة ..
" نعم ، إنما إذا عزمنا على المشي سويا حتى الوطن فلا يأكل بعضنا البعض ..
" الإشتهاء فينا لعنة ..
" لا يأكل مرنا حلونا ..
" نريد أن ننتصر بأي ثمن ..
" لا أذكر بالضبط من قال أن الإنتصار خطة ، لكني أذكر أني صدقته ولا أزال ..
جاءت الجوابات محملة بالتحيات وفياضة بالمتمنيات . الإنتظار كان طويلا حتى ملأ رهائنه شكا وعذابا . الذي يعرف القراءة قرأ على الذي لا يعرف . وأنتم .. ؟ لماذا لا تقرأوا علينا رسائلكم جهرا فنتساوى .. ؟ يا سعد الذي يقرأ
أسراره سرا .. وصلتنا مشاعركم يا أحبابنا فرفرفت في عمقنا الذكريات . لا زلنا فيكم هكذا فهمنا . نتمنى ألا تكذبوا علينا فنحن في أمس الحاجة لصدقكم وإخلاصكم لنا .. هنا ..
لا زلتم أحياء رغم الوباء هكذا فهمنا . تحبوننا . الكلمات والقبلات . اختلاف أحجام وألوان الأظرفة والأوراق ليس عائقا فأديموا الصلة بالحبر والصور . إياكم أن تمنعوا عنا أخباركم ولو كانت رمادا . طوابع البريد يجمعها صاحب الهواية . من أتاه فرح فطالبوه بحقكم ولا تخجلوا ، ومن أتاه قرح مسطر بالصديد فكونوا له عونا . هه .. ما دمنا نملك الوسيلة فإننا ندعوكم إلى الفعل . تواصلوا معنا ضد النسيان .
ضد الضياع حردونا بين السطور . في أول سطر اذكروا الله ثم قولوا ما شئتم . في أخر سطر اكتبوا لنا وعودكم وعهودكم ..
" أمك يا أحمد استوحشتك كثيرا ، وهي تقول لك أن خمسة سنوات لم تنسها لمحة واحدة شردت في وجهك ذات يوم ، فمتى تعود لحضن أهلكه فراغك .. ؟
" أحقا هي مشتاقة إلي هكذا .. ؟
" وتطلب منك أن تحمل لها مطحنة قهوة يدوية لما
تأتي ..
" يدوية .. ؟ أه .. لم يستفد حينا القديم بعد من الكهرباء ..
" وتقول لك أن بنات المدينة كلهن كبرن ، واكتمل جمالهن ، وصرن عروسات ما شاء الله .. فهل ستعود يا ولدي .. ؟
" أخوك يا عبد الرحيم محتاج إلى نقوذ ، فإذا كانت هناك سعة فلا تبخل عليه ..
" ما أبشعك أيتها الظروف ..
" ويعدك أن تزورا قبر المرحومة أمكما سويا لما تأتي ، وتبكيانها دمعة .. دموعا ..
"أهلك يا علال يستعدون لحفل عرسك ، للفرح ، ويهيؤون لك الزغاريد وأهازيج قلوبهم الصافية ليلة دخلتك ببنت
العم ..
" على الله تسير الأمور كما نشتهي ..
" وأختك الكبرى تقول لك أن تعلم خطيبتك بعض الكلمات العربية ، حتى إذا ما صرخت لحظة يفور دمها معانا طهرها كان الصراخ مفهوما .. شيئا ما مفهوما ..
" عبدو ، أبوك مريض ، طريح الفراش منذ سنة ، الروماتيزم : هكذا قال له الأطباء .. كلفة العلاج باهضة ، ومصاريف البيت ترتبك تحت المعدل الأدنى ..
" أبي ، أبي .. أبي ..
" لم نرد أن نخبرك لكي لا نسلمك للقلق وسوداوية التصورات . أبوك ظل يمانع بشدة من أن نكتب لك مرضه وفقرنا ،، واليوم نحن نفعل دون علمه سامحنا الله ..
تحلقت العيون حول رأس محمد المدفون في قصيدة . وانطلقت كل الألسنة ترجوه قراءة جهرية تفصلنا عن بشائر وطن عكرها أسى وطن . قال محمد :
" نعم ..
يذكرنا الورد المترعرع في أصداغ الفضاء بالوطن . كلما تستهلكنا الروائح العطرة يجيش فينا حبنا . نشوة عارمة طالعة من دروب عزيزة مطلية بطين طاوع كل الأمطار والأقدار .. قدرنا هذا البليد الذي يسألنا الآن :
" هل تحبون وطنكم حقيقة ، وبكل هذا التفاني .. ؟
" نعم ..
" ما دليلكم لأثبته وأبعثه برقية مستعجلة .. ؟
" لم يكسبه النسيان في ذاكراتنا بعد مراودات شتى ومؤامرات إلكترونية ، هو فينا خالد ..
للوطن ثمن . الذكرى في ديمومتها لا تتعب ولا تخفت . الورد في أحواضه يتناوب على رسم الربيع ، ووردنا ذا فصل لا يأفل .. لا يذبل .. وإنا لنذكر الوطن لنطمئن ..
هذا الفضاء مزرعة بدء وجذور ، جثث الموتى الشهداء سماد والأمل يقطر بالحياة .. في القلوب إيمان وبرهان ، وأنتم تحاولون شرخ الجسد .. ؟ تحاولون جرح من يسكن أرض الحوض وشذى الورد ، وعنف العشق .. ؟ يا لكم من أغبياء أيها السادة الأعداء ..
خرسى لا تنبسون ببنت شفة إلا إذا كان الموضوع حليفا أو شرطيا في منطقة ، أو قرأتم موقعكم في خريطة الإهتزاز . أصابكم الصمم ، ألا تسمعون أصداء البنوة تؤنس مساحات الأمومة وتخترق الحدود .. ؟ ألا تسمعون صراخات الميلاد ..؟ مصير كل صدى أن يتجمع كلمة جبارة في وجه الإفتراء ، ومصير كل ميلاد أن يهدي عاشقا للوطن ، خوفي عليكم يوم تقفون على عجز ألاتكم أمام ثقافة الجنين ، هل لم تخبركم الكمبيوترات بأنباء الغيب .. ؟
عميان البصر والبصيرة ، ألا ترون في كل يد سيفا مهندا .. ؟ على أي هي سيوف عاقلة ، لأنها تود لو تظل مغمدة .. عناد ، ألا تقرأون حبا مفتوحا لمن رغب في عناقنا .. ؟ ليس حبا ساذجا فاحذروا أن تخرجوا من مدلولات المفردات ، احذروا أن تفسروا أعرق وأطيب أخلاقنا حسب مزاجكم .. إن لدينا ألاف العلماء في اللغة الترابية ، ولدينا كل روح للفداء ..
" نريد علماء في الزراعة والصناعة
فاطمة
كالنجوم المتمردة أحلامها ، تطغى في لون أسود . هذه ليلة سوداء وزيادة ، يتعاطى فيها الوقت عدا عكسيا بالساعات ، بالدقائق ، بالثواني ، وبأجزاء المائة . وكل علامات الإنذار أسقطت رعبها فوق طبلات الآذان . هاهي القلوب تدق على أوتار السكتات ، وكل الأرواح بدأت تختار زوايا للموت ، للإختفاء ، للنجاة ..
" لا حياة لكم بعد اليوم ولا أنتم تعيشون ..
" كاذبون ..
" لا حركة لكم بعد اليوم ولا أنتم تقومون ، وتحلمون ..
" كاذبون ..
" لا ذل لكم بعد اليوم ولا أنتم تنتكسون ..
" صادقون ، والله صادقون ..
هذه ليلة النهاية ، البداية ، فأخر إعلان رسمي تناقلته السماء ، وتاجرت فيه وكالات الأنباء ، وربحت . هل تستجيب الأذن للحروف المتذبذبة لوعيدات الأثير .. ؟ هل يركع الصمت العتيد أمام جوقة الكلام .. ؟ وهل يذوب الإصرار أمام صورة الإتحاد ، اتحادهم هم لا اتحاد الأشلاء .. ؟
" تصبحين على خير يا فاطمة ..
" دعك معنا عسانا نتعاون على الشبح ، والأرق ..
" لها حق ، فالليل بدأ يختنق ..
" عندي شغل كما تعلم ..
" تصبحين على فجر يا فاطمة ..
" حتى أنت .. ؟
" تصبحين على ورد يا فاطمة ..
" .. .. ..
" فلتصبحوا كلكم على وطن وزمن ومحن ..
فاطمة ، كم ذبول حلقات العمر في غمرة فصول اليناعة ، ولا تزال . باعت كل عقودها لأجل حبيبها عروه من الجلد ، وقرأوا عليه عناوين الحب الأحمر . سحروه أو أخافوه أو بتروا منه أعضاء ترد الفعل .. ؟ الليلة عليها أن تتجاوز الموت يدب صوبها في صورة نعش منحوت بأنكى تراتيل الجنازة . الليلة عليها أن تتجاوز بطش القدر القريب ، إنه يمشي إليها ، فيها ، صار على قاب خطوتين منها ، يتراءى لها في صحراء ترقص في فضاءاتها عقبان ونسور ..
هو عرسك وشيك من مأتم الإنسان يا كل أكلة لحم الكرامة ، فهل جعت لهذا العرس سنة أم قرنا .. ؟ أم قضيت كل الماضي صائمة لتفطري في هذا الزمكان بلذة .. ؟
بدأت فاطمة تتعذب أكثر بالقياس مع عذاباتها بالأمس ، فالكارثة على مشارف الوقوع . لم تبتسم منذ رأت في نومها رجلا غريب الملامح والهيئة ، منفر الصوت ، يغتصبها ، فهبت من فراشها مذعورة ، مبللة النظرات الهلعة بدمع وعرق ..
ولم تنم منذ تلك النومة الشريرة خوفا من اغتصاب يتكرر .
إنها أشرف من الشرف تأبى أن تهان ، أو يداس جسدها حتى في حلم ممنوع من الإعتراف . الحلم مغفور ، لكن على أبواب هذه اليقظة المثقلة بالهم والغم يقبع كل
المصير ..
لم تتجمل للحبيب منذ بال فوق محياها الغرباء بولهم الأشقر ، منذ زمن النجاسة التي لا يلغيها سبغ الوضوء . ولم تأكل لقمة منذ فرغت خزائن يوسف الجميل في كل اعترافات النسوة . غدا في الصباح ستفطر بغمامة ، وببقايا ريش حمامة ، في الغذاء ستلتهم وجبة من دموع ثلجية ، وقبل العشاء ستحتسي والطفل سويا دماء القتلى مكبدة ، وستنام بعد مراودة طويلة على أنات الجرحى ..
أعياها الوقوف في شرفة الوطن ، تطل على الصمت والظلام وتوجسات الآتي المريب ، ربما كانت في انتظار معجزة ولم تنل غير عاصفة .. عاصفة ستنطلق من فوهة عدو سليل ، ومن قلب الحبيب الأول ..
رباه .. أتأتي الهزيمة من السماء ، أم من الأعداء ، أم من افتضاح الإخاء .. ؟ ولا أحد لحد الهزيمة يدري ، لكن كثيرة هي الأيادي التي تعتنق تربية التصافح والسلام اليوم ، وتلطم في الغد ، وتدمي ، فاحترسوا الأيادي ..
دخلت فاطمة لحظتها الجديدة ، ثبتت على الحيطان ذكريات جديدة ، مرة في لغة التذوق . نظرت إلى وجهها في المرأة ثم بصقت عليه . هربت من لعنة في ذاك الوجه صبغوه بها كما يصبغون نعاج الأسواق ، وصموه بها كما يوصمون جباه العاهرات ذات النوع الممتاز . يقولون إنها السياسة أدركت هدفا مبيتا لجميلة تقطن الدرب المائي ، لكنها السياسة لا تدخل بيوتات عامة أولائك الناس ، لأنها مرة حرام ، ومرة أخرى هي محرمة بالقطع طبقا لأحدث اجتهاد ملائم لحالة الطقس ..
همت فاطمة بأن تستلقي في فراشها ، وتخفف عن نفسها بلحظة غزيرة الذكرى ، أو لحظة ساخنة الدمع . لكنه كان هناك يعلن حضوره بغمزة بهلوانية ، الطفل المشاكس ، كان يهيئ المعركة ضدها بكل ما يملك من سم ، وأدوات الإبادة والتصفية ..
" أيها الطفل ، هناك في أخر هذا الليل الأخرس ستقوم معركة رهيبة ، كفاك الآن .. ستتفرج علي أتمزق بعد كل التمزق ، وأندحر بعد كل الأمل ونور منتصف الليل ، وأوخذ سبية إلى بيت بلون الجير ، ليمارسوا علي كل أنواع النكاح في كل المخادع المرقمة ، إلى قصر أتزوج فيه بأميرة تهوى السحاق ، إلى خيمة تقتسمني فيها الأوراق الرابحة .. ثم إلى أي شارع شعبي يتردد فيه المتشردون على بقاياي الممسوخة ، ولا أمنعها عنهم . عندها متع نفسك بفرجة مجانية ، وانتقم ، نادي أقرانك للتسلية ، وانتقم ..
لا يسمعها الطفل ، مشاكس ، عنيد ، يعبث بكل شئ يصادفه وينوي أن يعبث حتى بالجسد كما يفعل الرجال في هذا المجال ..
" طفل ..
الشيطان في عينيه يوضح النية ، ويرسم في نظرته الصغيرة أكبر هدف . بدأ يداعب نهديها الرخوتين . دفعته قليلا واحتضنت الخواء إلى صدرها بعنف بعد أن لمت أطراف قميصها ، في عينيها اندهاش ومقت فجائي . لم تفكر أبدا أنه سيرغب في إيذائها بهذه الطريقة في يوم ما ، لكن هذا ما وقع . والواقع لما يقع يتنكر لما مضى من أفكار واعتقادات والتزامات ، ويسحق الباقي في العقول والأذهان ، ربما ثمة تكمن المصيبة المزمنة ..
اقترب منها الطفل . فك يديها المتشابكتين على صدرها المنزعج ، وعاد يداعب نهديها وفي نظرته ليونة مجنونة .
في داخلها بدأت تتفرق الأعضاء ، بعضها يتجاوب مع اللمسات المبعثرة ، وبعضها يرفض أن يسقط ضحية الرغبة المفتوحة ،
وهي ، فاطمة ، ساهية غائبة ، عاجزة عن أن تدرك الرجاء في الأغلبية لتتخذ القرار ضد الدمار ..
قبل حلمتي نهديها البنيتين بلهفة ، وبدأ يمتصهما في عناد . ضغط على حدودها بقوة اجتهادا منه في إذابة أخر صلابة في القلب .. ارتعشت فاطمة بالرغم منها وارتجفت فيها مجاري الحياة . ما هذا بفعل صغار ، وهذا الطفل خدعوا به مكتب الولادات لكي تتبناه ، دوخوا به حارس الباب لكي يدسوه عينا مخبرة تبعد الشك فيها ، أو جرثومة فتاكة لا يجدي معها برنامج تلقيح ..
نحن نعرف الأقزام ..
" هل أنت جائع أيها الطفل .. ؟
" نعم ، لجسدك المنفي عني ، في حضوري فيه ، بحجة عمري ..
" هل حمقت .. ؟
" وفيك أفتش عن عقلي النامي ..
ألمها بعضة من أسنانه التي لم يبدلها بعد ، فدفعت به بقوة حتى كاد يسقط من على السرير . لقد كان يرضع حليبها على طريقة العشاق الأذكياء ، المتمرسين في أكل وجبات الأجساد ، لا على طريقة الأطفال اليتامى ..
" من اليوم فصاعدا ستنام في غرفتك لوحدك ، سامع .. ؟ أو سافر إلى أصلك وأرحني . لقد ظهرت عليك علامات الكبر المبكر ..
من اليوم سأمنع عليك أن تنظر إلى جسدي لحظة الإستحمام بالماء والدم ، أو لحظة استبدال ثيابي هذه الممزقة بثياب جديدة ، لن ترى مني إلا الوجه واليدين كما في تعاليم الإسلام . لقد ظهرت عليك علامات الكبر المدبر ..
حملت فاطمة قلما وهمت أن تغمسه في حبر دال ، لكنها ما وجدت الحبر مكانه . التفتت إلى الطفل لتسأله عنه ، لكن الكلمات انحبست في فمها المفغور ، وسطت على نظراتها دهشة وغضب . كان يعبث به كما يعبث بلعب الصغار..
" ذاك الحبر غالي أيها الطفل ، لقد اقتنيته من مزاد الشهداء لأوقع به فصولا من تاريخ الشقاء والألم ..
لا يكترث . ينشر أحد فساتينها الداخلية ويسيح عليها الحبر حسب ما تشاء عقليته ، وحسب ما توحي به تدفقات إلهامه .
ذاك فستان ثمين أهداه لها رجل مهم من هناك قودها له رجل أهم من هنا . الطفل يدري كل التفاصيل ويسكت ، فهل ينتقم من أمه ولدته لا شرعا .. ؟ هل ينتقم من معشوقته خانته في حضن الغير ، والبرهان في الدولاب مطوي .. ؟ غصبا عنها في كل الحالات ، فهناك سوق تطاع فيها البضائع كطاعة الجليد لشمس الضحى ، والبائع رجل مؤتمن عليها ، هي الأمانة ، يتحول إلى نخاس في الضمير الغائب ، يبيعها ويعود فرحانا ليدلي بالثمن البخس في ميكروفون ، والمشتري المستفيد من جسدها هو رجل ضدها ..
فاطمة ، أشقى الشقيات إذا ما رنت إلى فوق ، ولا تسعد إذا ما أسقطت نظراتها في القعر ، ولا حبر . جرحت يدها وتألمت . اعتصرت نقطة دم وضعتها في متناول قلم يريد أن يكتب ذكرى ليلة ، وليلة حمق فيها العالم ..
وكتبت ..
" الليلة .. نعم قد تكون هي النهاية ، لكن أصعب ما في المشاوير الحميمة هي نهايتها . وأنا أردت في يوم ما أن أعتنق كل الجرأة والإيمان وأضمن الغيب ، هو تحدي . ربما كانت مني مغامرة خطيرة لما أيقنت من بواري في زمن الرجال . ما أكثر الرجال بلا نفع .. مغامرة مني حين لم تبق في يدي سوى تذكرة مغامرة ، لكني قد أنهار حتى الصفر ، حتى تحت الصفر . ما كنت أضع في حسابي نفسي فقط ، صدقني أيها المتعاطي النبش عن فحوى السطور . لم أفكر أبدا بأنانية ، ولم أهتم قط بكلام الناس . لكني كنت أفكر في أن يستقل جسدي من القرار المزدوج ، لأكون أنا ، ويكون غيري ، ونكون كلنا سواء ..
" هكذا .. لسان الليلة يهمس النعي القريب ، لقد أضعت من عمري الأبدي كم من شموع ، واليوم قبل أن تسقط الشمس في البحر كنت لا أزال ألد الصبر ، وأتمنى . إنما شمعة الآن تهزها رياح الخفاء بعنف ، ستنطفئ لأن عناصر وقايتي تمزقت ، وأول صباح مهول لم يطلع بعد ، لكنها لن تنطفئ نهائيا إلا بعد أن توقع قصة المصير بدماء الخسارة الكبرى ، وقصيدة الرثاء وسواد الحداد ، شئ مؤلم ..
" ربما أنا أكتب مجازيا في موضوع ساخن ، ابتاعته كل وكالات الأنباء بالمجان . ماذا أفعل .. ؟ غصبا عني ، وإلا أقصيت من وليمة لم تعد فيها إلا فضلات حقوق الإنسان ، هنا ، لا هناك . لكن لي اليقين أن كل العالم يفهم ، ولم يرتكب الحمق إلا في قضيتي ..
" الليلة تزحف بحذر نحو اشتعال رهيب . النار في الإنتظار ، وسأصير رمادا ، أنا فاطمة ، التي أشتعل بعقب سيجارة فما بالكم بصاروخ . أشتعل بعبث الأطفال فما بالكم بأنفاس الرجال . إن في أحشائي يبس وفتيل مدلى . ياحرمتي ، يا شرفي ، ويا قيمتي .. هل من حقي أن أراهن أن تنقذ أعضائي أعضائي ، وتكون لبعضها في المحنة عن جدارة .. ؟
فعلا .. ؟
أم على الشفاه ما ليس في القلوب .. ؟
" التبست علي اتجاهات التصريحات والألسنة الرسمية ، من ضد من .. ؟ ومن مع من .. ؟ وأنا ما موقعي من كل الكلام .. ؟ أشعر أني فقط على الشفاه وفي ملفات مظهرية تخدع الأبرياء المتتبعين ، والمصلحة الدنيئة فوقي قوية تعمي الأبصار وتسفه المبادئ ، لذا أعلن المأساة في عمق المأساة ، وأركن لصمت يسود هذه الليلة . إني أنتظر في جلسة القرفصاء ، فلينزل القدر الشرير من السماء الأولى ، ولتنزل المعجزة من السماء السابعة ،، يا الله ..
" دمي ينتهي
وقلمي يجهد نفسه حتى أخر الأحاسيس
العاطفة تجيش بالحب المقدس
اعذروني
هي شجاعتي أفشت جبني
وهي صراحتي كشفت نقاط خوفي وضعفي
لكني لا أزال أفكر في ربح الأمل الذي حاق به
الصهد المسموم ..
الطفل العدو ولا تفكر فاطمة في قتله ، لأنها تعتقد بتعايش الشر والخير في بيت واحد ، في جسد واحد ، في قرار واحد . الطفل يلطخ يديه الناعمتين باللون الأسود ويبصم في كل بياض غرفتها ، خمسة ..
" من يستخدمك لإيلامي أيها القط الذي لا يموء .. ؟ قلت لك كم من مرة لا تدخل غرفتي إلا بإذني أو حضوري ، أو ادخل واعقل ..
تريد أن تربيه تربية صالحة عله ينفع الأحفاد ، لكن الطفل بكى ليحرك العواطف لما جفته الأفكار . سمعت فاطمة إجهاشه الطفولي في البكاء ، ولم تفتح له صدرها ، وتغدق عليه شفقتها ، حتى لا يألف هذه الطريق بعد كل خطإ ، بعد كل عبث ، بعد كل عداء . لم ترد رحمته ، فهدأ مرة واحدة ، وأجحظ عينيه كأنه سيموت لتوه ، وقال في عصبية :
" إني أريد أن أرسم لأوحة كيان بلا رأس في هذه الغرفة ، غرفتك أنت ، وبعدهاى أدعو الزوار ليشاهدوا الإنتصار ، انتصاري أنا ..
غضبت فاطمة الغضب الأكبر . لم تستطع أن تتمالك نفسها الموضوعة في رهان مقيت ، فانهالت عليه بالصفعات وهي تصرخ :
" أيها الصغير الحقير ، تفكر بالتشهير بمأساتي وأنا الكتومة ، العنيدة . تفكر في حشو الخطيئة في بطني وأنا مثال الطهر والعفة . طفل في طور البلاهة والحماقة يطمع في أن يشوهني على واجهة كل التاريخ ، وينزلني إلى مستوى سيدات الشوارع المسماة في طوبوغرافية المدينة ، والفنادق الحمراء من الداخل ، والمخادع التي تقايض فيها العملة بالمصلحة ،، لا يمكن ..
" وراءك يا فاطمة ، الجميلة ، حتى يصير اللاممكن
ممكنا . المشوار ممدد تحت خطواتنا يشكله الطول والوعر.
كلانا يمشي وفق أفكاره ، لكنك ستتعبين ، ستسقطين ، ستشارف فيك الأنفاس نهايتها ، أنذاك أنتظر منك التفاتة مكسورة عند بدء ذكراك في ذاكرات تولد ، وتلتفتين صوبي وفي عينيك دمعة انهزام وفي خاطرك قنبلة ، حسرة . ستصرخين يائسة في مكبرات الصوت :
" النجدة ، النجدة .. النجدة ..
وأنا الذي أحمل كل الإنتماءات لكل دوائر الإعانات ، طبعا ، سأغدق عليك كل نجدة لحظتها بيدي الظاهرة للعيان على شاشة صغيرة ، كبيرة . أمد وأمد ، وأمد ، وبيدي المخفية أكون أقبض كل طلباتي ، وبلا أدنى مساومة منك ..
" اللعنة عليك ، ما أبشعك .. إنما اعلم أنك لن تنال مني أقل ما تطمع به عندي . تعتقدني سهلة تافهة . أموت ولا أرضخ ، ولا أنحني ، ولا أركع . صدق عنادي الحديدي ولا تتعب نفسك ، لا تضيع حياتك في ملاحقة سراب ، ولا إدراك بالقطع . إني فاطمة وأجرك على الله ، سيدة التجارب المؤرخة في مفكرتي ، في حاسوبك القاصر ، وفوق قبور أسلافك الملعونين في علانيتي . لقد تجاوزت كل مراحل المحنة والخطر بنجاح ، وخيبت كل مراودات مثيلة لهذه التي تأتيها الآن ، ولا تعي غيبها . وفر على نفسك الجهد ، وانفق عمرك في شئ ينفعك ويسعدك ..
" ينفعني أن أرسم جسدي فيك ، تتمة لجسدي ، بمني حقنت به في مختبر ، وأقسمت على ألا أنفقه إلا في فراشك هذا ..
يكون الكيان فيك والرأس في أحشاء البعد ، ويصير كيانا مألوفا في نباهة كل القابلات . هو قسم المهمة مزروع في طراوتي ، وأنت لا بد أن تعيشي على تهمة أحبائك لك بجريمة تاريخية ، ويعيشون هم على طرح قضايا قضم الفأر عنوانها ، وعلى تقديم ملفات براءتهم بلا أمل . ثمة أسعد ، وأرقص على جسد فاطمة رقصة أبدية ، ومنة يدها أشرب دمعها محلى بلعابي رغما عنها . حفلة ..
" لا سعدت إذن كما تشتهي أيها النذل منذ المخاض ..
ومدت يدها إلى عنقه وهي تتأكل في إقبال الثورة ، وبدأت تخنقه خنقا حتى ليخيل إلى الرائي أنها لا تريد أن تميته فقط ، بل أن تفصل رأسه عن جسده ، وتقطع ذكره . فهو جرثوم أعلن رغبته في التطور داخل جلدها المجروح ، فلا يجب أن تبقي منه إلا ذكرى شر كبير اندفن ..
هو ذا مبدأ المعاملة بالمثل ..
صاح الطفل صياحا أكبر من طاقته ، إنه في خطر ، فألفت إليه انتباه الجماعة الموجودة في الصالون المطل على موقف واسع للسيارات ، فهرع الكل إلى حيث الصياح يخفت بسرعة ، حشرجة تنكتم . كانت طبعا فاطمة تضغط على عنق الطفل وهو يرتخي ، يكاد يغشاه الإرتخاء
الأخير ..
أسرع أحمد وفرق بين الجهتين بقامته الطويلة وجسده العريض ، في حين تدخل علي فجذب فاطمة إلى الوراء .
طاوعته في مسألة الرجوع ، التراجع ، وفي عينيها يضطرم الغضب ، وعلى شفتيها تتمزق الوعيدات والتهديدات . لا أحد يرضى بأن يساوموا فيه العورة بنظرة ، فما بالك بفاطمة التي كشفت كل جسدها أمام فم طفل حقير ، بين جدران المكيدة الناطقة . قال لها علي وفي وجهه مسحة اندهاش وتجاعيد حيرة ثقيلة :
" عهدنا بك أعقل العاقلات يا فاطمة ، فما الذي جرى .. ؟
" لقد عاث هذا الطفل في غرفتي ، في جسدي ، عيثا ألمني فانتهرته ، لكنه لم يقف عند حدوده كذي من قبل ، فأفصح لي عن نيته القبيحة التي ظل يطاردني بها . هل تعرفون ماذا فعل .. ؟ لقد راودني عن نفسي ..
" غير ممكن ..
" ثمة المشكلة ، لما يأتي مثل هذا الوقح عملا غير ممكن في تصوركم ، لما أحكي لكم الحكاية ، وأبقى أنا وحدي أتحمل مرارة الحقيقة ..
" لكن .. يا فاطمة .. حتى ولو راودك على نفسك فهو طفل لا يعي معنى ما يفعل ..
" لكنكم أنتم تعون أبعاد الزنا في صفحة الغد ، تزغردون لإبن الحلال إذا ما صاح ، وترمون بإبن الحرام في مزبلة حين تصير أمه نكرة ..
" معرفة أنت يافاطمة ، وفوق كل شك وشبهة ، وهذا الطفل سيظل طفلا حتى ولو شهد له أمهر الأطباء بقدرة
الإنجاب ..
" ثمة المشكلة ، لما يؤذيني هذا الخبيث الصغير أمكر إيذاء وهو في كامل قوى فهمه ، والناس يقولون عنه طفل ، صغير ، لا يفهم ..
" سوف لن يصدقه أحد ، تأكدي من هذا ، وتوسدي كل اليقين ..
" ثمة المشكلة ، لأنهم بالمقابل سيكذبونني ، ويرمونني في ماخور الجريمة ..
" ربما أنت تكبرين المسألة ..
ثمة دائما المشكلة ، وفي حدودي وحدي باتت إشكالية ..
هدأت فاطمة . استدارت إلى الطفل ، وقالت :
" اذهب إلى الغرفة رقم كذا ، تطهر فيها من أحقادك علي ، وتعال لأقبلك ونبدأ رحلة التعايش والسلام ، هيا اسرع ..
انفلت من أمامها بسرعة توهم الضعيف يبأنه أقوى الأقوياء . غاب قليلا . رجع يضحك ويمص قطعة ثلج أصفر ..
" ماذا فعلت أيها الشيطان .. ؟
" فعلت ما أمرتني به ، بلت في الغرفة التي فيها سجادة للصلاة ، وفيلا الوقت نفسه كنت أستغل الفرصة وأغسل يدي ببولي ، أنا حر في نفسي ..
" يا ولد الحرام .. ثم ماذا بعد ذلك .. ؟
" ثم فتحت الثلاجة ، وأخرجت هذه القطعة الثلجية التي أمتص طبقاتها المتجمدة الآن ، بول البارحة تجمد وصار قابلا للإستهلاك . هل أحضر لك قطعة .. ؟
وصفعته بغلظة . فقد التوازن وسقط أرضا ، في حين تناثرت القطعة الثلجية الصفراء . همت أن تسقط فوقه وتعمل فيه أسلوب خنق أخر ، لكن أحمد كان هناك يرقب القول والفعل . حال دونها والطفل الذي بدأ يجمع أطرافه بعد السقوط المسجل ، ويستعيد لون الخدعة ..
" العني الشيطان يا فاطمة ، واهدئي ..
" لعنته ما عادت تكفي ، يجب أن أقتله ..
" تقتلينه .. ؟
" ولم لا .. ؟ هل يؤلمك أن تراه صريعا في ساحة القرار .. ؟ لقد أتاني وتحت جلده قسم غليظ لكي يصيرني لا شئ ، ومن باب الدفاع عن النفس يتوجب علي أن أفكر هكذا وألقى دعمكم ..
" بقتله .. ؟
" نعم .. قالتها في عصبية وثورة ..
" وما كنت أعرف أنه غال عندك ، يزداد غلاوة عندك في زمن تتهددني فيه كيماوية التركيع .. لن أركع لأحد ..
" لا تفهميني خطأ ..
" بلقمة خبز اشتروك في سوق مكتظة بالحملات ضدي . بالأمس كنت واليوم من أنت .. ؟ من .. ؟ خير لك أن تموت جوعا من أن يعطفوا فيك على المعدة لأجل عقلك ، ويصادروا فيك اللاءات وذكريات الشموخ
" يا فاطمة ..
" هل أنت معه أم معي .. ؟
" يا فاطمة عليك أن تفهمي ..
.. مقاطعة في حدة ..
" أريد جوابا لا يحتاج لأبسط مهلة تفكير ، أريد موقفا بلا مجاز ..
" يا فاطمة ، اسمعيني ..
" أنا لا أفهم في السياسة ، معذرة ..
" يا فاطمة ..
" ما كان من حقك أن تزيديني حزنا فوق أحزاني الراسبة ، وكان بإمكانك أن تمنحني ذخيرة للتعويض عما كان في كلمة ، وذخيرة للشموخ في قنبلة ، في قبلة .. أنت خائن . أنت نذل . أنت شماتة . أنت كلب . أنت ..
" يا فاطمة ، يا ..
" أنت أنت أنت ..
وبلهجة نمت عن فقدان الصبر ، استدارت إلى الطفل ،
وقالت :
" اذهب إلى غرفة كذا واحضر السوط رقم كذا ، واحضر ظهرك ، هيا بسرعة ..
ذهب . نفذ أوامرها . أحضر السوط وفي عينيه انكسار حقيقي ، أنذاك فقط شعرت فاطمة بقليل من الشفقة عليه تتدفق في صدرها ، وأشكت أن تتراجع عن تطبيق قرار العصا ضده . لكنه استسلام ، ورفع العصا في وجه العاصي جائز في زمن جيز فيه استخدام العنف ..
إنها صورة شوهت وجه السلام ، فلماذا ينزف قلبك يا فاطمة في أخر قصة غرام .. ؟ لماذا تسلب عيناك في رحلة الإلتباس والظلام .. ؟ لماذا يستباح صدرك للحذاء المستورد ، ولعجلات النسور الحديدية المنطلقة
منك إليك .. ؟ لماذا يستباح إكليلك باللغو ونزعات الدم .. ؟
لا أحد يعارض بالحب الرسمي ، ولا أحد يقبل الماجريات في لحظة ، ويركع في الوراء كل الباقي من الزمن ، ويوفر على نفسه الإختفاء تحت جلده الشفاف . اقتلوا الأمهات وانزووا في السخط ، واقتلوا الأبناء وانحبسوا في ظلمات الضمير ..
كل الجماعة عادت إلى الصالون ، تتعاطى سمع الأخبار على معزوفات ناي جريح ، تتبادل الأفكار من منطلق الخوف وأرضية المصلحة ، والمتوضئ فيهم كان يصلي الركعات الجهرية بنبرة الإختناق . كان الضمير يهجم ويسجل نسبة التقدم ،، وكانت الساحة صامتة غامضة ..
فكرت فاطمة :
" هذا الطفل يخطئ في حقي ويأتيني بوسيلة عقابه لما أمره ، ويعري لي عن لحمه الحليبي ، هو يعترف إذن بالجزاء بصيغة فعله المشين . جسارة هي أم يريد أن يعرف حقيقة خطئه رغم أنه خطأ متعمد ، خطأ في المبدأ .. ؟
" أنا التي لا أملك طريقة في التربية ، لا أملك بيداغوجية تصنع من كل مادة أولية مستقبلا .. لا . هذا الطفل صغير جدا ، أصغر من أن تتبادر إلى رأسه الفلسفة ونظريات التعقيد ، كذلك أكدت لي روح إبن رشد المستحضرة بدعوة من الشدة ..
" عيبنا أننا في الرخاء نركب سفينة الإنسلاخ ، ونبتعد ، ونضيع أفيد الفرص في أفيد زمن ، وهذا الطفل في رأسه خبث الكبار ، وكل شر البريئة ..
لا تراجع في عزم فاطمة . العصا في يدها ، والجانب العاطفي أدرك نتيجة الإلغاء ، فل طيبة لدرجة الغباء . لقد ظلت تنتج الوفاء بعد الإمضاء ، لكن الغدر كان يولد وراء ظهرها ، وكانت تنتج أذكى القنابل لتفجر جسدها في أول طلعة فوق الشموخ الباقي . يا لعاقبة الوفاء في تاريخ الدسائس ..
" مد يدك أيها الطفل ، ولست بظالمتك ..
" يدي لا تنتمي لي ..
" مد يدك وكفى كلاما ..
" .. .. ..
" خذ أول ضربة ، ولا زلت أحتفظ لك بمثلها الكثير ..
ومع أول ضربة أسقط القناع عن الوجوه والنوايا ، فبانت كلها سوداء . كان هناك ظلام ، ولا زال ، كأن كل الضوء في الكون استنزف بلا طائل . وكان بدء الصباح يبكي أرداف فاطمة وقد وضعت في الرهان ، وألصقت دعايتها على وسخ الجدران ، على مرافئ الزمان ..
كان بدء النار يبكي شعر فاطمة الأسود ، المحجوب بلون
السماء المستعار . وكان بدء عاصفة الصحراء يبكي بيت الطين الدافئ ، ووجوه كل النساء ، وبراءة كل الأطفال المعلقة على الحدود ..
" ماذا تفيد الأخبار يا أحمد .. ؟
" اسمع تفهم ..
" أنت تعرف أني لا أفهم هذه اللغة الناطقة ..
" قل أنك لا تعرف الموضوع من أصله ، حتى ولو تمت حكايته لك باللغة الدارجة ..
" لماذا تهينني دائما بهذا الشكل يا أحمد .. ؟ ألأني جاهل وأنت ..
.. مقاطعا ..
" أنا لا شئ ، أرجوك ..
" لا ، أنت قارئ ومتعلم ، وأمثالي يطمعون في الإستعانة بك والإستفادة من معلوماتك ومناهجك وطرقك ، وخاصة في مثل هذه الظروف الحاسمة ..
" قد لا تفهم يا علي حتى ولو حاولت أن أشرح لك ..
" لماذا .. ؟ إن جهلي العاري فوق جبيني لا يقصيني عن عالم الأحداث بهذه الصورة التي تظنها . إني عربي ، وهذا دليل على انقباضي في حضرة التشخيص . هذه حجة سهلة تكفيني على الأقل أن أفهم معنى بسمة في ثغر الوطن ، ومعنى دمعة تخدش نعومة خده ..
" صدقني يا أحمد ، إن العروبة شئ فطري في ذوات أبنائها ، تسري في الدماء الجاهزة للفداء ، وتسكن الأفئدة النابضة بالحب . العروبة ليست شعبة في التعليم الشائع لكي تبرر بشهادة كرتونية في نهاية المطاف ، وليست فكرة تجمع من على السبورة لتنشأ في الرأس ، كما تنشأ عملية حسابية تضيع مع أول اكتشاف ، أول تطور ..
" إنها شئ فوق كل هذا وذاك ، شئ أعجز عن أن أعبر لك عنه خارج دائرة الصلاة ، إني أحسه قويا واضحا ، أكبر مني ، وأومن . احذر أن تتجرأ على إيجاد تعبير كلامي متداول للعروبة ، فتسيئ إليها ، ولا تعذر ..
" أوه .. دعنا الآن من ثرثرتك ، هناك أشياء مهمة تتطلب منا كل الإنتباه والجد ..
" أريد أن أعرف تلك الأشياء لأشاركك الإهتمام بكل الإهتمام ..
" لا تستطيع ..
" ولو بأضأل نسبة ..
" لا تستطيع .." لا تحتقرني يا أحمد ، فإني أنفع في ميادين أحسن منك ..
" أرجوك اسكت ..
" سأسكت ، لكن ليس قبل أن أقول لك بمنتهى الصراحة : أنت متكبر بلا فائدة ، فهل تراك يوما تنزل إلى مستواي ، فنتكلم ، ونبتسم سويا ..
" وتبكي وحدك ..
" بل ونبكي سويا إذا ما كان بكاؤنا سلاحنا ، ونصدر بيان عشرتنا بمفهوم جديد ..
" ماذا أفادت الأخبار يا كمال .. ؟
" لقد بدأت الحرب يا علي منذ نصف ساعة ..
" الحرب .. ؟
واستنفر التاريخ هيئات تحريره لكتابة الدمار . أكيد أنه في الوقت الذي كانت تحفر فيه الخنادق ، والقبور ، وتنسج فيه الأكفان بالجملة ، كان التاريخ يضاعف من إنتاج الحبر والأقلام لتكتب الأوراق ..
" يا كمال ، لماذا تقوم هذه الحرب الضارية .. ؟
" لأن حقائب السلام كانت تبقى عند الباب مغلقة على أية محاولة ، ولا تدخل إلى القاعات إلا رابطات الأعناق ، وبذلات المظاهر ، وطقطقات الأصابع . لأن ضمائر السلام كانت تبقى على العتبات رهن الإنتظار ، في حين لا تدخل إلى القاعات إلا تهاديات الأجساد .. " لم أفهمك إلا قليلا جدا ..
" حسنا ..
تدخل أحمد في هذه الآونة بالذات ، ربما ليعرقل بادرة الفهم أو التفاهم فقط . حشر نفسه بينهما بلا استئذان ، ولا نقطة نظام . قال مشيرا بأصبعه إلى علي :
" لن تفهم أبدا ، وأوقف تطاولك على فهم جد قليل ، ابق في حدود اهتماماتك السابقة : الطالع والنازل في سوق الصرف ، البارد والساخن في حالة الجو ، ثمن المتر المربع من الأرض في البلاد ، والإعتناء بأمور الناس البعيدة عنك ..
" لكني أريد أن أفهم . نفسي تخبرني أن شيئا كبيرا يجري في العالم اليوم ، الساعة ، الآن ..
" لن تستطيع ..
" لماذا .. ؟
" لأن المسألة تتطلب مخا في الرأس ، وأنت في رأسك البزلت ..
ضحك من الجماعة من لا زالت تعمل فيه عناصر الضحك ، وبكى منهم من لا زال يواصل الزمن الأول في حضور العمر ..
تساءل علي :
" ما هو البزلت .. ؟
وانتظر الجواب من أحمد الذي قال ساخرا في وضوح :
" أكلة يابانية ..
" كمال ما هو البزلت .. ؟
" هو صخر صلب لا تفتته المراحل البيولوجية إلا بصعوبة ، وأحيانا يستحيل ..
" صخر .. ؟ أنا في رأسي صخر .. ؟ لهذا الحد أنا
ملغى .. ؟ إذن ..
وفي سرعة البرق حمل فنجان قهوته وأفرغه على وجه أحمد ، وبدأت المشادة العنيفة ..
كمال بدأ يقرأ صامتا في ديوان شعري لمحمود درويش ..
أحمد دأب على تتبع الأخبار الواردة من منطقة هبت فيها أعتى عاصفة ، حسب مصالح الأرصاد ..
علي ذهب إلى غرفته وانزوى على نفسه ، كان حزينا لأن الحرب بدأت وهو غير مؤهل لأن يعرف الأسباب والدوافع ، الشئ الوحيد الذي سيفهمه هو عدد الموتى .. والضحايا ..
عبده كان يؤرجح عينيه الثعلبيتين بين شاشة التلفزيون وحليمة الجالسة على يساره ، في حين لا يكف عن التهام قاوقاو بلا قشور ، ويقول ، بين اللحظة والأخرى ، في احتياط وحذر من معارضة قاطعة :
" اعملوا لنا الشبكة 15 ، أكيد فيها فيلم زين ، ودعونا من السياسة ..
تلتفت إليه حليمة ، تزدريه بعينيها القهويتين ، وتقول له :
" لم تعد سياسة ، باتت حربا خطيرة أيها العربي ..
" أنا عربي ، نعم ..
" بالفم ، وما أكثر الأفواه الآكلة سمو الكلمات ..
" حليمة .. لا تتطاولي على الأصل في ، أنا عربي ..
" ربما أنت كذلك ..
" هل لا زلت تشكين .. ؟ لا عليه . تعجبني كل شكوكك لأنك لا تعرفيني عنة حقيقتي ، ولا تعرفين الكثير عن ملفات الرجال وملفات الأنذال ، كل ما تعرفينه وتجيدينه هو الإضطجاع ..
" اخرس أيها الحقير ، خسئت كل اتهاماتك لي من هذا المنظور ..
" لأنك امرأة نصفها ضعف ونصفها شهوة سأتحمل إهانتك لي ، قد تكيلينني المعايرة الثانية أكبر من الأولى فلا أفقد أعصابي ، أبتسم لك ، ولا أكلك كقوقاوة هشة بين الأضراس .. يوم سأفعل ستكونين أخر من يعرف أني أقدر على النقمة ، كما قدرت على الصبر الطويل ..
ورمى بحفنة قاوقاو في فمه ، وبدأ يمضغ محدثا صوتا وفي اعتقاده أنه يرهب حليمة ، ويرهب كل من قد تخول له نفسه بالوقوف في صفها ضده .. يا للغرور .. كان يبدو كالبقرة لحظة وجبة العلف أو لحظة الإجترار ، مجرد بقرة ، لكنه لم يكن يعبأ لأن فوق عينيه كانت غميضة ، ولم يكن يشعر لأن في كل أطرافه كانت الأجراس معلقة ، قارعة حسب ضوابط الرعاة .. وقلبه كان مطبوع عليه ..
قالت حليمة بجرأة وموقف ثابتين :
" الله يفيقنا بعيوبنا ..
" عيبك أنك امرأة تحشرين نفسك في أمور الرجال ..
" امرأة ، واملأ بها فمك ، امرأة خير من كل أشباهك الإنتهازيين ..
" امرأة صالحة للفراش نعم ، للسفر بالجسد إلى يقين الإشتهاء نعم ، أما للتفكير والرأي فلا .. أبدا ..
" يا نذل ، هل نمت معك أم ضبطتني متلبسة بخطيئة .. ؟
" فماذا تفعلين الآن ، في وقت متأخر من الزمان الأسود ، في بنسيون يقطنه العزب والذين فارقوا زوجاتهم منذ عام .. عامين ..
سخرية مقيتة تصطدم بالصمت . ماذا بيد حليمة أن تفعل لما يسيئ لها أقرب مصدر .. ؟ ماذا تفعل لما تصفعها يدها اليمنى وهي طرف من جسد بريئ ..
أضاف عبده قائلا :
" ستنامين معي لما أريد أنا ، ساعتها لا يكون بيدك أن تمنعي عني نفسك .. انا عبده يا حليمة ..
" خير لي ساعتها أن أخنق أنفاسي من أن أذوب تحت أنفاسك الفواحة برائحة الخيانة ، يا وحش ..
" سنرى في أخر الصراع ..
" أتحداك منذ الآن ، سترى لوحدك ، أما أنا فلي إيمان بالله ، وبعقلي ..
" المرأة ناقصة عقل ودين ، وسأوقعك في قبضتي من هذا الباب ..
" قد لا أهرب من أي اعتراف تفرضه فيزيولوجيتي ، قد أكون ناقصة نعم ، أما أنت فعديم كل الأشياء من عقل ودين ، وأخلاق ، ومبدأ ومواقف .. فياحسرتي عليك ، وعلى أمثالك ..
" تنقمين علي وتتحسرين علي ، غريبة .. ؟
" لأنك منا ، ولا نريدك خارج المشوار ..
" أخاف يا حليمة أن تتجاوزي معي حدودك يوما ، فيركبني حمقي وتهوري ، وأجري عليك نوعا من العقاب .. نوعا من العذاب .. لا تضطريني فتندمين كل الندم ..
" لن تستطيع لأني أملك وسيلة دفاع لم تطلع عليها ، ولن يكون لك ذلك قط ، ثم لي الحق المكتوب في دم البطولة ..
" البطولة .. ؟ لو أصدقك فماذا أفعل بالإنهزامات المتواصلة في الساحة .. ؟
" يوم نهزم غباوتك زنذالتك فينا سننتصر ..
" تهزمينني .. ؟ بنهدك الممرغ في لعابات البنسيونات أم بوجنتك الموصومة بالقبلات اللاشرعية .. ؟ أم بمؤخرتك المستورة بسروال قطيفة زرقاء ، تصدقت عليك به إنكريت ، سيدتك ، وصاحبة الفضل عليك لو كنت تعترفين بالجميل .. كان مصيرك الآن عارية تمشين لولاها .. أم ستنصبين لي مكيدة نسوية في فراش وتباشرين في عقلي السفك لحظتها .. ؟
سكتت حليمة . استغل عبده الحالة فاسترسل في ثرثرة مائعة .. تكلم كثيرا لكن ولا أحد كان يبدو عليه أنه يستمع إليه ..
" إنك تدخن بكثرة يا علي بالمقارنة مع أيام سبقت ..
" .. تنهد علي ..
" هل أنت حزين .. ؟
" إني زعفان يا كمال ، قد لا تتصور كيف انهار بنيان نفسيتي المرصوص مرة واحدة . ليلة البارحة لم أذق طعم النوم ، أصابني أرق تجري فيه أطياف شريرة وخيالات شرسة ، رغم أن الليالي المستهلكة كلها لم تكن أقل عذابا من ليلة البارحة . ذهبت إلى العمل بعينين محمرتين وجسد مرخي كأن عظامه ذابت ، وعقل أنهكه عياء البحث عن حقيقة منشودة .. صدقني ، قد يموت الإنسان وفيه رغبة في أن يعيش دقيقة إضافية فقط ، وفيه حب البقاء ، أتعرف لماذا .. ؟ أملا منه في أن يكتشف الحقيقة في تلك الدقيقة ، ويموت مرتاحا راضيا .. لكن هيهات أن تقول للموت انتظري فتستجيب ..
" هون على نفسك يا أخي واعلم أننا في الهم سواء . في كل الأيادي بنادق وأيادينا فارغة إلا من ماء الوضوء ، في كل الأحلام روح وفي أحلامنا نحن تعيش الرصاصات ، نحن الهدف نتقي الطلقات بإيمان .. وصلاة ..
أتعرف يا كمال ماذا علقت على صدري الأيسر في الصباح وأنا داخل المعمل .. ؟
.. ضحك في أسى ..
" بدل أن أدلي ببطاقة الدخول إلى المعمل ، أدليت ببطاقة العروبة ، ألصقتها في المكان المفضوح مني بلا تعمد ، وما كنت أملك أن أخفي نفسي أمام عيون هي ضدي ، هي حقيقة مفجعة ..
" ارتعد البواب في مكانه وأعلن وجهه حالة طوارئ . اختلفت نظراته المريبة بيني وبين حروف مختوم عليها فوق صدري الأيسر ، وغاصت كل نظراته في ملامحي تجود بسري لما سنح لها الإنفضاح ..
" ماذا دهاك ياسيد هينك .. ؟
" استمهلني لحظة ولم ألف منه هذا الفعل من قبل ، لكنه أتاح لي فرصة أن أنتبه إلى غلطتي ، سهو مني كان فقط ، لكن علي أن أجيب على بعض الأسئلة التحقيقية لأنفي تهمة لا أفهمها ،، فسهوي لا يكفي ..
" هل أنت عربي .. ؟
" نعم ..
" معك قنبلة .. ؟
" لا ..
" معك سلاح أبيض .. ؟
" معي مقص الأذافر ، ومفاتيح المنزل والسيارة ..
" معك مواد متفجرة أخرى .. " معي علبة أعواد الثقاب ..
" لماذا تحملها معك .. ؟
" لأني مدخن محترف ، وهذه علبة سجائري المفضلة تؤكد ادعائي ..
" هل تدخن كثيرا .. ؟
" لا يهمك ، الصدر صدري وأنا مولاه ..
" هل تحب الحرب .. ؟
" أنا أحب السلام ..
" هل أنت مع الإرهاب .. ؟
" لا أعرفه ..
" إني أسألك هل أنت معه أو .. ..
" ياسيدي ، غير معقول أن أكون مع أو ضد شئ وأنا لا أعرفه مطلقا ..
" هل تخفي موقفا أو مبدأ .. ؟
" بإمكانك أن تفتشني وتطلع على الجواب ..
" كيف .. ؟
" لست أدري أنا ، فأنت الذي معك صيغة للإتهام لا بد أن تكون لك ألف طريقة للإثبات أو الإدانة ..
" هل تسخر مني يا هذا .. ؟" لا بطبيعة الحال ..
" ضع هنا البلاستيك الذي في يدك ..
" ليس فيه غير تفاحة وكاسكروت اعتدت أن أكلهما في الإستراحة ..
" قلت لك ضعه هنا ، وعد خطوات إلى الوراء ..
" هاهو ، لا حاجة للنرفزة ..
فتح البلاستيك في كامل الحذر كأن به أفاعي الصحراء المهملة . ماذا يجري حولي .. ؟ لو كنت استعرت منك عقلك البارحة في المساء ، يا كمال ، لكنت فهمت أشياء كثيرة .
اعتقاد كبير اجتاحني يعني أني مجرم خطير ، عفوا لا زلت رهن السؤال الملحاح ..
اللحظات كانت قاسية علي ووساوس شؤم تنبثق ولا تهمل . بعض لقطات الأفلام العنيفة وبعض الحكايات الشائعة تفد إلى ذهني ، تحضر ولا تغيب .. أنا الذي لم أفكر أبدا أن أسيئ إلى أحد ولو بكلمة ، فكيف أفكر أن أسيئ بقنبلة دفعة واحدة ، ربما هكذا هم يجعلونني أفكر .. وحتى لو فكرت فلست جريئا إلى هذه الدرجة .. المسألة تحتاج لناس أشداء لهم تأهيل وباع ..
ربما هكذا هم يجعلونني أفكر .. ربما ..
لم يجد شيئا ، فقط التفاحة التي أدارها أمام عينيه عشرة دورات متأنيا متفحصا ، والكاسكروت الذي فتحه فلم يجد غير مربى وزبدة يطليان واجهتي خبز قمحي .. حقيقة ، هي الشكوك كانت تنتابني مع كل كلمة أو نظرة ، أو كل حركة ، حتى خلتني فعلا كما يريدونني أن أكون ، مجرما ، أترقب الإدانة القانونية في أي لحظة .. لكن مم أخاف .. ؟ هكذا أردع كل المشاعر السالبة في قراري ، فكل الأشياء محلية ،، أشياؤهم هي ..
أخرج من البلاستيك أخر محتوى نسيت أن أذكره ، ظرف بريدي جميل مغلق على نفسه كهذا الزمن المجهضة جدواه ..
لفاطمة الساكنة هنا .. وهناك .. كنت أريد إرساله وأنا في طريق عودتي من العمل . على ظهر الظرف عنوان قد يمكث وقد يضيع قبل أن يدركه ساعي البريد .. إلى فاطمة الساكنة في بيت من تراب ، رقم القرار الأخير قد يهدمه فيرمى الخطاب على أنقاض وأحزان ، والشارع طويل يبدأ من ساحل الماء الأزرق إلى سخونة الدم الأحمر ..
" من هذه الفاطمة التي انغرست في ذاكرات سعاة بريدنا من كثرة التكرار .. ؟
" هي حبيبتي أخبرها عن حالي ، وأستخبرها عن حالها الآن ..
" هل تحبها ..
" لا يهمك ..
صمت . مص شفتيه ، وقال يائسا :
" لا شئ يدينك ، يمكن لك أن تنصرف إلى عملك الآن ، لكن هذه عيني منك .. حذاري ثم حذاري ..
" اطمئن أيها الشاف ..
وانصرفت . ولم أنس طيلة اليوم أني موضوع تحت عيون غيري .. وعلي ألا أنسى هذا أبدا .. وفي كل الأيام الباقية في يومية الغربة الفظيعة ..
لكن يا كمال لماذا هذه الأشياء كلها .. ؟ كنت أرى مثلها على التلفزيون ، وكثرت في هذه الآونة الأخيرة ، ولم أكن أظن قط أن تشمل حتى أمثالي الذين لا يفهمونها البتة ، لكنها اليوم شملتني من رأسي حتى قدمي .. لماذا .. ؟
" إنهم يقولون أن العالم كله مهدد بعملياتة إرهابية خطيرة على غرار العاصفة التي تسخف رمال الصحراء .. إنهم مرعوبين كل الرعب ..
" وما هو الإرهاب .. ؟ أفدني حسب طاقتي الله ينورك يا السي كمال ..
" يقولون أن الإرهاب هو تفويت الرعب والهلع ، والموت ، إلى صميم الطرف الآخر ، باستعمال وسائل متطورة كالقنابل والمتفجرات الناسفة في أركان مصالح ثقيلة في ميزان العلاقات والحساسيات ، أو اعتماد القرصنة والرهائن ، أو الإختطاف والقتل .. أو الإغتيالات .. وتنفذ العمليات الإرهابية من الداخل والخارج ، من منظمات وأفراد ، مما يضع الأمن والعلائق موضع الحرج ، وربما التفكك ..
فلا أحد يريد علاقة مع من يقتله ..
" هو أسلوب خطير إذن .. ؟
" بكل تأكيد ، فهو يمارس أحيانا كوسيلة تعبير عن الرفض للمواقف ، وأحيانا هو وسيلة انتقام تام .. هو حرب ..
" وهل هو مقبول .. ؟
" لا بطبيعة الحال ، لكن يا أخي لما تختلط الأوراق ، ويصطدم الحابل بالنابل ، وتعصف أعتى العواصف فتتلف النعيم والهدوء والطمأنينة ، والإستقرار ، وتهدد الكرامة ،، أنذاك يصبح كل عمل مقبول وجائز ، ويصبح كل شئ
سلاح ..
" وفكها يا من وحلتها ..
" صدقت ..
هز كمال رأسه إيجابا وتدعيما ، وابتسم ابتسامته الطيبة الطالعة من تحت رواسب الوجوم التي تؤذي جمال وجهه ، ومن تحت طلاء صبر ثقيل ..
قال علي مواسيا :
" والله لا تستأهل أن تحزن بهذا الكم يا كمال ..
" غصبا عني ، ماذا أفعل .. ؟
" غدا يفرجها ربنا وتعوض غصن الشباب المقوض في شجرة عمرك ..
" أمين يا رب العالمين ، وأرى كل أحبابي يدا واحدة فوق صخرة الوادي ، عقلا واحدا في الأحاديث المغلقة ، رأيا واحدا في الختام ،، وجملة واحدة في إعراب التاريخ .. في تاريخ الإعراب .. سعادتي في سعادة أحبابي ، وشقائي في شقائهم ..
" لن يكون الأحباب قط بهذا الوجه الذي ترسمه على جدار الغد ، ولو أنفقوا الدهر كله في سبيله ، إن لكل منهم وجهة نظر هو معتنقها بصلابة إذا ما نشرت طاولة الكلام ، فما بالك بالتطبيق .. ؟ فهل أنت حالم بمعجزة أم تفكر بجدية .. ؟
" يا علي ، أنا لست ضد تعارض الأفكار من الآن ، لكن على هذا التعارض أن يخدم النتيجة المتوخاة ويدعم الراصخات والثوابت في الأمجاد ، لا أن يفقم الشتات بناء على نية دنيئة مبيتة لفاطمة ..
" توقف يا كمال ، إنها تنادي عليك ، لقد عادت إلى زاوية الإنتظار .. فاطمة ..
" كمال ، كمال .. كمال ..
" أجبها ، ربما تجد في جسدها مكانا لقبلة ، إنك تبدو جوعانا ..
" سأعود ، ونكمل الكلام ..
بنسيون العرب ، بناية من أربع طبقات وسطح لا يستعمله إلا رجال المطافئ . حافته على بركة ماء كبيرة ، وبوابته الرئيسية مفتوحة لشتى أحذية النكبة . على الجدران تتكدس الشعارات المكتوبة بالصباغة المضغوطة : نحن ضحايا توالي المحن ، نصمد لأجل الخبز ،، لكننا لا ننسى الوطن ..
الأصابع ضد سكانه على الطوار تشير ، انقذيهم يا بلادهم من شعور الخوف في بلدان الناس ، ومن زوايا الإختفاء .. في المرحاض تعبيرات تندس خلف الباب ، تختنق ، والسيدة القائمة على النظافة تشي بكل الملاحظات إلى إدارة ذاك البنسيون .. ينساب التهديد من الحناجر والتحذير من العيون ، لهما ذوق طاغي ومقرف في كل الوجبات اليومية ..
وأكلوها .. ؟ فيهم من لأجل الأكل يعيش ، وفيهم من لأجل العيش يأكل ..
هل تتلاقى الرؤوس السوداء وتبكي ، تقيم منوحات ، أم هناك انفراجات قريبة في بعد نظر الخبراء الأمناء ..
صورة المقتول معلقة في أعلى السلم تخل باتزان كل النظرات الأمامية ، بنظام كل الخطوات الصاعدة ،، فالمقتول بريئ خال من كل التهم ..
يا مشنوق ما ذنبك حتى عشقتك هذه الحبال .. ؟
وأنت يا سجين متى تفرج عنك برودة الإسفلت وصمت
الجدران .. ؟
يا كل ضحية ما موبيقاتك في لائحة الكبائر حتى أليت إلى كل هذا الجزاء .. ؟
نهاية .. دسوها لك في درب ليلي أو في وليمة الأحباب .. ؟
أو في دفء أسرتك التي لم تشك فيها أبدا .. ؟ صحيح ..
في الأعماق يقع الإنزلاق ، السير لم يأخذ الوتيرة المتوخاة شعارا ، وعلى جنبات الممر الطويل ثبتت الخرائط الحميمة ، والوجوه العزيزة .. والإعلانات الكثيرة .. وكل البيانات البنسيونية ..
في يد كل عائد من رحلته اليومية قفة ، في القفة رائحة وبرتقال ، والبرتقال مختوم عليه بيافا صفراء مسيجة بأحمر ..
لا أحد انتبه للملصق الذي لا يحفظ حق الإنتاج لصاحبه ، فالكل كان مهتما بالطعم بضغط من جوع يسكنه .. ولما اضطرهم الإنتباه جميعا في لحظة حكم فيها الزمن لصالحه ، سارعوا بالتراجع ، لكن كان قد فات الأوان .. لم تبق إلا القشور فوق غطاءات الموائد ..
" يا ويلنا ، أكلنا حق إخواننا ..
دقوا أجراس الطوارئ ، عقدوا جلسة استباحوا فيها الوقت والعقل ، وأصدروا بيانا يفيد مقاطعة هذا البرتقال ، ومضاعفة الحذر من دسيسة أخرى في لقمة الإستمرار ..
أيأكل هذا البرتقال أم الإفتقار لفيتامين .. س .. أهون .. ؟
أم الجوع بعينه أهون .. ؟ أحلال عصيره في ألة مولينكس الألمانية ، أم حرام قطعا حتى النظر إليه بعين عربية ، والنظر باعث الإشتهاء ونصف أكبر من خطة شيطان .. ؟
ليطرح السؤال على فقيه جدير بأن يكون ملجأ للحيارى ، جدير بجواب لا يحوي أقل نسبة منة الخوف أو النفاق ، جواب لوجه الله خالص .. المسألة تحتاج لجرأة قديمة ، والجرأة شهدت تقلصا حسب أخر إحصاء .. أخر استطلاع للرأي ..
أي فقيه قد لا يكفي الفتوى في موضوع الساعة الأخيرة ، إلا أن يكون من تلك الأرض .. أب لطفل يركب الحلم الأول بالحجر ، والإستمرار حتى النهاية بالصبر .. أب لفتاة تزحف لليلة عرس يأتيها فيها العريس من الخندق .. أو من القبر ..
" يا كمال ، عليك أن تضع نصب عينيك أنك في بلدان الناس ، لا بلادك ..
" طبعا ، لكن هذا لا يعني أن أكل برتقال يافا وأنا أول من يعرف أن حقوق إنتاجه مسلوبة من دفاتر الشرعية ، مسروقة في ليلة لم تنم فيها عين الله .. هذه البلاد حرة ربما في أن تستورد حقي وأنا حر في ألا أستهلكه بوساطة ضدي .. أريد أن أجني ثماري بيدي من رحم بلدي ، من تربة أعشقها ، وأضع عليه بصمتي ..
" طول عمرك عربي ، ولن أتنبأ لك بانقلاب ..
" هي كلمة عربي في قاموسك نقيصة تكسر الهامة ، تعايرني بها الآن يا أحمد ..
" لم أقصد ، فاسحب التهمة ..
" لا يهم ، لكن هل تريدني مثلا أن أكل لحم الخنزير بموجب أني في بلادهم ، وأحتسي الخمرة كالماء ، وأرتبط بامرأتي على أساس المتعة الجنسية فقط ، وأنكح أي امرأة من مؤخرتها أو في فمها .. أو أرتبط برجل وأمارس اللواط قانونا حديثا ، قديما .. هل تريدني أن أتي مثل هذه الأفعال لأرضيهم وأحتقر نفسي .. ؟
" أنت حر في هذا ، ولا رقابة على الأذواق كما تعلم ..
" يا أحمد مسألة لحم الخنزير مثلا ليست مسألة ذوق ، إنما حرام ، والخمرة كذلك .. والنكاح حلال له أخلاق وحدود وهدف سامي ، واللواط شذوذ رهيب لا تقره حتى الغابة ،، أو عندك بقية دفاع ودليل .. ؟
" أنت حر كما ولدتك أرضك ، ولا رقابة على اتجاه الذوات كما تعلم ..
" أكيد ، فلهم دينهم ولي دين ، لهم وطنهم ولي وطني لهم حياتهم ألفوها وهم أحرار فيها ولي حياتي فطمت عليها .. وأنا لا أسعى بعد هذا إلا إلى الإحترام المتبادل ، وكل واحد يعوم بحره ..
سعيد ، أب لطفل في الوطن العزيز ، يرسم لوحة جميلة الظاهر .. أليمة الباطن .. أشأم الألوان حاضرة ، جاهزة ، لا تنقصها إلا الدموع الحبيسة محاجرها ، والريشة فراشة منكوبة في غياب الرائحة من مزهريات البنسيون ، في حركة دائبة بين هنا وهناك .. والقريحة تنزف الإلهام ألما .. ودما ..
" كيف تريدونني أن أعطيكم لوحة مفتوحة الشكل واللون والمعنى وكل العالم بات سوادا ، إنه يحترق ، النار المتوجهة تحجبها المسافات ، لكن سيصلنا الدخان حاملا نعي الإخوان ..
في اللوحة بحر وأرض وسماء . في اللوحة سمكة وبناية وحمامة . في اللوحة سياجات تحتفظ بأشلاء الهاربين ، ولمسات الخارج تغزو بشرة الداخل ،، وفي الأسفل أثار لوطأت فوق الوطأت ..
زرقة البحر صارت سوداء ، عجيب هذا الزمان لما يغير مفاهيم الألوان في ذاكرة رسام لم ينس ماضيه .. وبناية الأرض انهدمت فتحولت أنقاضا فوق جثث ، غريب هذا الزمان لما يمزج السكان بالجدران .. وحمامة السماء في فوهة انفجار ينسف ريشها وبياضها الملائكي ، يا زمان ..
" كم عدد الضحايا لحد الآن .. ؟
" كثيرون لحد الكارثة ..
" يهمني الأطفال والنساء ، والذين لم يفعلوا لا بأيديهم ولا بأرجلهم ..
" الأبرياء ..
" فكيف تريدونني أن أرسم لكم ما تشتهون ، وكل القرائح لبست الحداد .. ؟
الحمل ثقيل ، والإنسان يرفض أن يظل مجرد ظهر في متناول السوط والجلاد ، مجرد ظهر في قاعدة النظام الإقتصادي العالمي .. يرفض أن يكون حمارا .. السفر إلى الحرية المثلى طويل كالأبد المشروح في القاموس ، شاق ، فادخروا الصبر والعناد ولغة الرهان يا عشاق الأرض والإنسان .. والحلم العربي مهدد بلجنة المراقبة والمصادرة فاعلنوه لكي لا يغتال ، لكي يعيش سيدا في كل الدياجير ، إخفاؤه لم يعد ينفع بل يلمع الخنجر المتربص في ثنايا الظلام .. كتمانه مصيبة ، فصيحوا :
" إننا لهذا الحلم حاملون ، فإما أن يكون أو نسلمه ناضجا لأطفالنا قبل أن نموت ..
" لماذا البحر في لوحتك أسود ياسعيد .. ؟
" أخر الأخبار أفادت أنه أقام حفلة اقترانه بعروسته ، فأهداها خاتما غاليا من ذهب أسود ..
" بحرك عجيب لما يقيم الحفلات على شاكلة الإنسان ، على أي مبروك ..
" مبروك .. ؟ لكن السمكة فيه ماتت لتوها ، فماذا يبقى من بحر بدون سمك .. ؟
" هل ترغب في شئ مني أفيدك به الآن .. ؟ ربما أحسن من أن أظل متطفلا ثقيلا عليك في لحظة تود امتلاكها لوحدك ، لحظة إبداعك ..
" براد شاي مشحر ، لكن قل لي : هل بهذا العرض تسعى للتكفير عن غلطتك معي في هذا اليوم .. ؟
" يا سعيد اغلق الموضوع فلقد بسطت لك كل أعذاري واعتذاراتي ، كانت فعلا غلطة مني ..
" وكبيرة بحجم الفشل ، لأن اللوحة بلا لون أخضر ميتة ، لقد اعتمدت عليك في أن تبتاعه لي من رفوف القصائد الحبيبة ، أو من خزينة الوطن الجميل .. وأكدت عليك كل التأكيد ..
" حمق الرياح كان السبب ، نسيت في غياب التوازن ، ولم أتذكر إلا وكل الأقفال تسجن مصاريع الأبواب وتنشر الخجل والوجوم ، ممنوع أن تعطى الرغبات بأي ثمن .. وفي الشارع كان الجميع يتكلم عن احتكار القرار والربا في الأفكار .. " ولا لون الآن ، ولوحتي تشتكي الإفتقار للإخضرار ..
" غدا أحضره لك ..
" الإلهام لما يأتي لا ينتظر الغد ، ومن مثلي عليه ألا يؤجل إلهام اليوم إلى الغد .. ثم أنك ولو حاولت أن تحضره لي غدا ، اللون الأخضر ، فلن تستطيع .. صار مفقودا من كل الواجهات ، غائب في كل المحلات ، وأخر الأخبار فاحت منها رائحة موتى الشوارع المهملين في زحمة الفرار والنجاة بالجلد إن أمكن .. الكلام يعمق الجرح المشترك من زمان ويلهب بكائيات الإغتراب . كفانا ، قم يا أخي الآن وحضر لنا براد الشاي نؤنس به حلوقا فينا أجفتها الحالات .. وننهي الموضوع ..
الماء يغلي وعبد الرحيم يصارع عجزه أمام كل الإستفهام . ما هو الفن .. ؟ وإلى أي مدى يمكن أن يفعل ويتفاعل مع المعاش .. ؟ وهل في مقدوره حقيقة أن يوجه صواريخ باردة إلى الهدف المكاد لنا كما قال سعيد .. ؟ هل يقف الفن عند حدود الجمال أم يتجاوز المفهوم مغامرا باسلا حتى مرافئ الآمال .. ؟
في هذه اللحظة بالذات دخل المطبخ أحمد ، فبادره عبد الرحيم قائلا :
" جئت في وقتك المناسب ..
" زردة أو غردة .. ؟
" .. .. .. وساخنة ، تذكرك بعصا فقيه المسيد ..
" إنكريت ذهبت مع الأولاد عند عائلتها . بقيت وحدي في البيت ، قلت أذهب إلى الجماعة في البنسيون أقتل الوقت حتى تعود زوجتي ..
" تقتل الوقت معنا أم بنا .. ؟
" الله يهديك يا عبد الرحيم ، فنحن إخوة ..
" جئت لتضحك أم لتبكي .. ؟
" الله ينجينا من البكاء ، إن أملي أن يمتلئ العالم نكتا وطرائف ونوادر .. ويغرق كل الناس في الضحك بالمساواة ..
" أملك بعيد إن تجاوزنا لغته الرديئة ، وكل لغة من هذا النوع عمقها خراب ،، ليس هناك الآن إلا ما يبكي بمرارة ..
" الله يسمعنا خير ، ماذا هناك .. ؟
" سعيد ..
" ماله .. ؟ هل ضبطه رجال البوليس وسيبعثون به إلى البلاد ريفولي .. ؟ أعرف أنه بلا أوراق إقامة قانونية هنا ، من مصدر ثرثار عرفت ، أماى أنتم فتخفون عني كل شئ ، تعتبرونني عنصرا مشبوها ، وتخافون أن أبيع الفرص لأصحابها .. هل لكم علي دليل واحد أبيح لكم بهة إعدامي .. ؟
" .. .. .. الخفاء ..
" نعم ، نعم .. الذين يبيعون وجه الوطن وقيمة الدين ، وارتعادات الإخوان ، هم حريصون على قبض الأثمان البخسة في الظلام ، وراء الظهور ، في زوايا الغموض والإلتباس ..
صدقني ، أنا لا أعمل شيئا مؤذيا في الخفاء ..
إني أعرف أن وضعية سعيد هنا مسروقة من قبضة الموت والمجازفة ، وأنه لكي يعيش معترفا به هو بصدد البحث عن نصرانية تتزوجه كل العمر ، أو تعقد معه على بياض لمدة ثلاثة سنوات تجاوبا مع قانون معمول به للحصول على الإقامة ، العربيات هنا أصبحن شيئا أخر ، ضيعهن المال والتحرر الخاطئ وفلسفة غريبة في الحياة ، وأخر مكتسباتهن أنهن صرن بضاعة في المزاد .. ولا من يشتري .. حقا ..
فمن يملك كل ذاك المهر الباهض لا يفكر في أن يغترب ،
له عقله الذي لا يغتر ، ويبقى في البلاد .. الدنيا ..
" سمعت سعيد مرة يتكلم عن شراء أوراق إقامة مزورة ، لم ينتبه لي وإلا ما كان تكلم مطلقا .. إني أعرف كل شئ رغم أن معرفتي بموقعي بينكم تؤذيني ، أحب سعيد والله شاهد ، ففيه أرى نفسي .. وليس بيدي ما أفعله له وإلا كنت بادرت ..
" المسألة أكبر من كل هذا الهراء ، وكل الأنا سقطت في ظل الأحداث الجارية ، هل أنت تعيش خارج الزمن المشتعل محتفظا بضميرك ولا تتعذب ، أم بعت كل رصيدك في السوق السوداء ونحن أخر من سندري .. ؟
" تعودت على نبذكم لي ، جردوني من دمائي وانتمائي واخدعوا أنفسكم في محكمة المسؤولية ، لكني أظل أنا هو أنا المرسوم في أعماقي وتظلون أنتم مسؤولين أمام الوطن والله على أبرياء مثلي تيهتموهم ، مسحتموهم من حضن الأم ومن ذاكرة الأب ، واضطررتموهم أن يمشوا في درب الخيانة قانعين .. و .. مقتنعين ..
" نعود إلى لب الموضوع عسانا ندرك حلم الأجداد ، ونلحم ائتلافنا المشقوق ،، منه الآن يسيل ماء وجهنا ، ويضيع دمنا رخيصا ، كما تضيع مياه الأودية الحارة ..
عنوان الموضوع وطن
وعلى مداه تركض فاطمة عارية
تحمل وعود الحبيب وراية
يسقط منها الصدر وينهزم فيها بريق العين
تخونها قدسية الآية
تبحث بإيمان عن بقية وطن في زحمة المحن
تتشرد ، فلا سكن
أين الوطن .. ؟
" لم أفهم شيئا في لغزك يا هذا ، أفصح ..
" ذاك المرمي في عسر الإلهام ..
" من .. ؟
" حامل ريشتنا الملتزمة بتعاطي واقعنا ..
" من .. ؟ من تعني .. ؟
" سعيد ، إنه الآن يرسم لوحة في غياب لون أخضر كان يتصدر ذاكرة الأماني ، والمطامح ..
لوح بيده مستخفا بالكلام ، ذلك طبعه كلما تكبر الرصاصة في مقاتل الطيور الجميلة ..
قال :
" هذا كل ما في الأمر .. ؟ يا سيدي هو حر في ممارسة الهواية من منظوره الخاص ، لكن لماذا يسعى لتوريط الآخرين في كل هذه الأحزان ، كفاية .. ألا توافقني في أنه يحمل مضامينة عطائه تشاؤما وسوداوية فوق الإحتمال .. ؟
مبالغة كبيرة مسيئة لرسالة الفن إن كانت له رسالة ..
" واقعنا بالغ في التمزق والإنهزام ، هو انعكاس لا رادع
له ..
" لو يرسم بورتريه فتاة لعوب يكون أجدى له في معرض الرجال ..
" الرجال الأحياء في مذلة أفكارهم وتصوراتهم مثلك .. ؟
لكنهم لحسن الحظ قلة ، ووشم العار فوق جباههم واضح يبعث النفور ، وهم يعتقدونه زينة غالية .. يا خسارة الأيام ..
لكن سعيد المسلح بألوانه المتفجرة تحت غطاءات الليل كان
يرسم وجوه ناس .. ناس لا يعرفون حتى وجوههم التي تعنونهم رغم أنهم ينظرون إليها في المرأة كل صباح مرة ، ويغسلونها كل يوم خمسة مرات ..
" الله يا زمان العجائب والغرائب ، حتى أنت دخلتك السياسة ، إذن ربحنا ..
" لا تهزأ بي يا أحمد . أنا مجرد إنسان عادي وانت اول من يعرف ذلك ، لا أعرف من السياسة حرفا .. لكن لي عاطفة نبيلة تجاه كل الناس فما بالك بأحبابي البؤساء ، لي قلب وعين ويد قصيرة كل القصر ، لي غيرة على بلادي العزيزة ، وديني السمح ، ولا أقبل أن أساوم على أبسط شئ بأي ثمن مغري ..
" لكنك قد تتنازل لوحدك إذا ما حاقت بك ضرورة الحياة ..
" أبدا ، إني أشرف من أن تلعب بي عملة اقتصادية لا يملكها النزهاء ، أقف على صخر ممتنع لا يسقطه تحتي أصحاب الإزميلات المشحذة في الخفاء ، لا ضمير ، لا وفاء ، لا إنسانية ..
" الآن هيا تشرب معنا كأس شاي .. هيا ..
" تدعوني من قلبك يا عبد الرحيم إلى جلسة معتبرة ، صينية تنفث بخارها العطر ، تبعث فينا ذكريات هادئة متراصة أكثر منذ يومة ميلادنا ، فنسعد .. ما يؤلمني أن
حلقاتنا حولها باتت تنفض بعد انتحارات الإمضاءات ، في ضيق الحلم وتمادي الإستحالة في أعمار موزعة بين الأمكنة .. في أعمار لا تعتبر في سيل الزمن .. هل فراقنا هذا الذي يبدأنا من فوق جاء قدرا مسطرا لنا في كتاب ، أم هناك يد ثالثة دست لنا فاعلية السحر في طاجين شهي في هذا
البنسيون ..
أكيد هناك أسباب لأزمة تتجذر بيننا ، اعتمدت فيها الحبكة والإحكام والذكاء ضدنا .. أي الأسباب نرشح للإكتشاف اليوم أو غدا .. ؟ الله أعلم ، لكنها أسباب وضعية ، ونحن أبرياء كشعار الفجر ، وهذا ما نقوله ولا نفعل لأننا نملك اللسان ولا نملك السلاح ..
" هيا يا أحمد .. هيا ..
" هل تدعوني إلى كأس شاي بقلبك أم بشفتيك تشدان على سيجارة بانفعال .. ؟
" يلا كنت زين خونا ويلا كنت شين خونا .. فما بيدنا أن نمحو انتماءك لنا ، ثمة ربما المشكلة ..
" سعيد ، كل أفاق لوحتك اكتظت بالغبار ..
" هي عاصفة حمقاء حسب اعترافات اختصاصيين في عقول العواصف ..
" كل أفاق لوحتك تلوثت بالدخان ..
" هي النار تلهب باقي الخطوات بعد أن أبانت عن عجز رجال المطافئ ..
لا بد لأحمد الحاضر أن يتدخل في انتقاد لوحة تواكب التطورات ، من وجهة نظره المألوفة طبعا ، لا نقطة نظام تمهد لوزن الفكرة ..
قال :
" كان بإمكانك أن تخفي شيئا قليلا من ذاك الدخان ، فتدع بذلك فجوة في رحابة السماء ، حتى إذا ما نزلت رحمة الله بعد دعاء مستجاب تجد لها طريقا إلى أكف الثابتين في ديمومة الإنتظار .. لقد أغلقت باب الرجاء ..
" بماذا يفيد التكتم في زمن تعرت فيه كل الأوراق ، وصاحت فيه كل الأرصاد : دمار .. خطر .. د .. ما .. ر ..
" لو أحرقك الآن بقضيب شبع نارا فهل بمقدورك أن تصبر على الكي ، أن تكتم الصراخ .. طرفا من الصراخ .. غير ممكن إذا ما احتكمنا إلى البداهة ، أما الإفتعال فمصيره إلى مظهر مقروء ، يعكس ما يتدمر في الأفئدة والأعماق ويورث أفظع ألم .. الكذب والنفاق لا يخدم استمرارية معمل الإنتاج المتوخاة ، ويد الله التي تمتد من فوق سبع سماوات كيف تعيقها سماؤنا ، لو فكرت أن أعجز نزول الرحمات بجموح الخيال أكون قد كفرت .. وأنت يا أحمد لو فكرت في عظمة الله مليا وفي قدرته على الأخذ والعطاء لربحت نور الإيمان ..
" مسألة الإيمان مسألة ذاتية ، هل كفرتني بهذه البساطة ..
" لا ، إنما أراك تعثر في واضحة الأحداث ، أمام أعين تسجلك مكسبا دنيئا ، وأعين أخرى تبكي شيمتك العربية تنازلت عنها رخيصا ..
" أنت مخطئ مائة في المائة ، فأحمد هو أحمد ولا تغيير طرأ إلا في أوهامكم رخصتم لها العمل في أوسع نطاق ..
" انتفض إذن ، وأقبل علينا بوجهك الأحمر فإننا في انتظارك عند أبواب صينية عزيزة ، حبيبة .. غالية .. على أحر من الشوق ننتظرك لنقدم لك كأس شاي .. وعناق ..
صمت طويل تأتلف فيه المفاجأت مع العواطف والعقول . مذا يبقى من أجساد لا تتحرك ، ماذا يبقى من أمة تنقص بالرصاص .. ؟ إن يحين أجلها اليوم فلقد أدرك الباغي المستتر الذي تقديره هو .. و .. هو .. و .. هو .. والمجموع أحقاد لا تموت بإمضاءات المداد والشامبنيا ، أدرك الباغي مبتغاه ،،
أو يثبت الإقتتال بين الدم الواحد وفصائله ، بين الضمير وأصحابه .. ويعود الباغي إلى موقعه في الإعراب مطمئنا ..
لا تلك الأمة على أرجلها تقوم ، لا في توالي التاريخ الأحادي يشرق يوم .. صعب أن ترمى تلك الأمة في فصل الجذب ، كامرأة في ذمة عاشقها الذي أقسم قبل أن يكتشف العقم .. فلا هي تتجاوز الحالة ، ولا هو بنذل لكي يحنث ..
واقع الجريمة وذكرى الوفاء يلتقيان ، في أخر نسخة للجسد المكوي يبغيان . كيفما يفكر العقل يفشل ، وفقيه البنسيون قال :
" إنه شر القدر فأمنوا به ، ولا تكفوا عن الدعاء ..
عاد أحمد إلى الكلام في موضوع لوحة تدخل أخر طور في الإنجاز :
" سماء لوحتك اكتظت بطيور أجنحتها من حديد ، ومن صدرها تنفث حميم النار .. بيضها ينزل من العلياء متفجرات مكتوب عليها :
" الدمار.. يا كل ساكني الديار ..
" كان هناك ربيع ينشأ ، فكان على تلك الطيور أن تعلن موسم هجرة ، لكي تستفيد بمقتضى نظرية احتكار أجدى الفصول بأي ثمن .. الصحراء ، تلك الصحراء ، لا يجب أن تنجب فصلا ولا وردة ، أو تغضب كثبانها النفطية ، عفوا الرملية ، المصلحة العليا لنظام الأجواء .. فتطلع العواصف والإعصارات من خدعة الهدوء ، وتفشي اللعبة السياسية مسخها في لحظة ، فيتجلى الكبار صغارا .. أصغر من الأطفال في غفلة أمهاتهم ..
" الصيف ، لأجساد طال يبسها فلتحرق إذا ما في يوم منة الأيام تاقت لقطرة ماء وحياة ، والخريف .. لأجساد مشطب عليها في يقين حقوق الإنسان ، والشتاء .. لمواليد لقيطة تبدأ شرعيتها بالأكتاف ، والربيع .. لأجساد عملاقة .. متعملقة فقط .. تكسر رأس كل من ينازع فيها المكانة والريادة ، على وجه السرعة تكسر كل رأس عنيد ..
" صباح الخير أيها الناس ..
" أين الخير لنخبره ماى فعله الشر ، ولا زال يفعله ..
" صباح الموت إذن أيها الناس ..
" صدقت ، صباح العزاء والدمع المختفي فينا ، ما عدنا نستطيع حتى البكاء خوفا من ان يكتشفوا عندنا أخر سلاح ..
" صباح السلوى ننشدها في بعضنا البعض ، فتكلموا ..
" سقط الأبرياء ضحايا للعدوان ..
" كم عددهم .. ؟
" لا يعلمه إلا الله ..
" البقية في حياة الأبرياء الذين يخفون أرواحهم في أركان أجسادهم المبعثرة ..
" يا أمي ، لم لم تحكي لي عن هذا الزمان فأعد له النفسية وأتقي الصدمة المباغتة ، جننت يا عالم ..
" أنا أمي حكت لي وأنا أصغر من عقلي عن زمن سيأتي يموت فيه بعض الناس بالسيف ، وبعضهم بالهيف ، وبعضهم بالكيف ..
" بتنا في زمن الحكاية يا صاحبي ، فها هو الموت يشتهي الأرواح بكل طريقة .." تخاريف في تخاريف ..
" الصباح لله ..
" وهل الصباح .. ديال كمارتك .. ؟
" وهل أمك كانت مجدوبة أو ولية صالحة .. ؟
" اربط فمك يا هذا وقنا عواقب الإنشقاق ، يكفينا أننا في عمق المحنة ..
" لا أحد يريد أن يسمع الرأي الآخر ، ويحلمون بالحلول ..
مستحيل ..
" لكنك يا السي تتجاوز الحدود ..
" كيف .. ؟
" الناس يموتون فرادى وجماعات ولا تحترم حزننا
عليهم ..
" ماذا يجدي أن يموتوا هم وتحزنوا أنتم .. ؟
" على الأقل نفعل ما نقدر عليه ، مشاعرنا الإنسانية والقومية الممنوعة من الرقابة والمتابعة .. نعم ، ولما نعبر نحن بأي وسيلة في متناولنا تتهمنا بالتخاريف ..
" صباح الجدال أيها الناس ..
" لحد الآن لا تزال الفتنة نائمة ..
" لعن الله من يوقظها ..
.. جماعة ..
" الله يلعنه ويخزيه في الدنيا قبل الآخرة ..
" هل كمال هو الفتنة المغتابة .. ؟
" استغفر الله يا بني أدم ، كمال سيدكو وسيدنا أجمعين ، عاقل ورزين ، ظلمه الزمان فقط ، لكن ظلم الزمان تجربة للإنسان مصقولة لو استفاد ،، مدرسة إعداد ..
" لم أقصد ، إنما قلتم أن الفتنة لحد الآن لا تزال نائمة وكمال لا يزال نائما ، فظننت ..
" إن بعض الظن إثم ..
" صباح الكابوس يا جماعة ..
" صباح الحقيقة المفجعة يا كمال ..
دخل كمال شبه مهرول إلى الحمام ، على كتفه فوطة ، في مفكرته جنابة ، في جيب بيجامته علامة تفضح عقم الدوامة ، وفي رأسه أفكار كحشائش صيف جبار تفشيها شيبات البداية ..
بسم الله بعد النية . تعرى من لمسات صبية ، من كلمة خانته قبل أن يقولها ، من فرصة في لعبة الضمير أوقعته .. تعرى من رجعية الأحلام ، من خديعة الأيام ، من سوسة الذكرى .. تعرى من جلد ارتداه منذ الميلاد ، فارتطمت أزرار الصدر فوق حدود بصره الناعس ..
" أحب هانيك لكني أخاف ..
لحظة الإغتسال تستوجب ذكر الله والإستغفار . تعرى من جلد يلبسه ، يشعره بقيمة الحمام ، فأرخى الحزام .. ربما هذا كله تمرين ليوم الجلاد ..
" أخاف لأني بلا أوراق ، لأني أحب هانيك لأجل الأوراق ..
تعرى بالتمام إذن . أطلق الرشاشة الساخنة فسال الماء باردا فوق جسده العاري من كا الإتقاء ، لم يتراجع عن طلاق الجنابة ،، إنه استسلام ..
وجه بنسيون العرب غشاه الثلج ، أبيض كأن كل الذنوب المتقدمة غفرت أو كأن العهد جديد ، لكن العمق كالفحم ، والجريمة فيه تتجمل أمام مرأتها لتوقع الضحايا ، لتبدأ يوما
أخر .. البرد ينعي رفرفة الروح ، أين الدفء يا مسؤول عن ردع الشتاء .. ؟
اليوم أحد . لا عمل . الكل حاضرون يحتسون قهوة الصباح ويلهفون السجائر الأولى ، إلا كمال .. فنجانه مقبور ، هل قرأوه وعرفوه .. ؟ سيجارته خارج المرمدة منطفئة ، مختنقة ، تحتاج للأنفاس .. أحمد حاضر ليعطي المكان والزمان وجه التناقض . سعسد قال في ارتخاء :
" إنكريت ، هل استوحشت أهلها فذهبت تزورهم مبكرة .. ؟
" لا ، تركتها خلف الستار الشفاف نائمة ..
" في أي وضع .. ؟
" على بطنها ، ساقها الأيسر خارج السرير والغطاء ، أسفل أردافها عريان بلا حرج ، خدها الأيمن رازح فوق وردة الوسادة ، وخدها الأيسر يعكس الممنوع في السقف .. شعرها عقدة رغم التبعثر التام .. عيناها كانتا مغمضتين لكنهما ناطقتان ضدي ، تتهماني بالخيانة .. صباحي حزين ، فكيف أرقع ما تمزق .. ؟
" هل خنتها فعلا يا أحمد .. ؟
" نعم ، ومن زمان ..
" مع من .. ؟ أنت بدال .. أنت عشاق ملال ..
التفت سعيد بسرعة عنيفة صوب حليمة . ما أن استقرت عيناه على جسدها الغارق في الأريكة حتى طأطأ رأسه وشهد انتحار فكرة لعينة . ضحكت حليمة جهرا في هذه الأثناء ، ربما لتخبره أنها فهمت كل شئ . حار سعيد . سألها في اعتباط :
" لماذا حضرت مبكرة يا حليمة .. ؟
" اشتقت إليك فعلمني ألا أشتاق ..
" إني أتكلم جادا ، لماذا حضرت مبكرة .. ؟
" لكي أثبت براءتي في نظرتك المتهمة ، هذا كل ما في
الأمر ..
" كنت على يقين إذن أني سأتهمك ..
" بل كنت أخاف أن يلصق بي أحمد الخطيئة وأنا غائبة ، هي الحقيقة المرة ما دامت مفكراتي ملأى بالتهديد والوعيد ..
" سامحك الله يا حليمة ..
قالها أحمد في هدوء ..
" مع من خنت زوجتك إنكريت يا أحمد .. ؟ " مع الوطن ..
" الوطن .. ؟ أنت بعت كل شئ بشهادة السماسرة ..
" ظلمتموني أهول ظلم ..
" لحد البارحة مساء بتوقيت التاريخ المتكلم كنت بالثمن القليل سعيدا ، هل تنكر ووجهك فينا ذكرى كريهة .. ؟
" أتقي الجدل في هذا الباب كعهدي معكم دائما ، ربما لأني أنظف منكم ..
" يا سلام ..
" أسايركم في كل ادعاءاتكم الجاهزة ، حسب ما تشتهون ، بعت الوطن بالأمس بضاعة ولهذا تريدون أن تصلوا ،، فاسمعوه مني إذن واعقلوه .. اليوم دفعة واحدة أسترد كل شئ بأغلى ثمن : ابنتي هالة ، وعمر مني مر في التجربة خاسرا .. التجربة كانت لأجل الوطن ، ولي فيه مساحة مشرعة للغفران على أية حال ..
" هذا اعتراف صريح يصدر منك عن طواعية لأول مرة ، قد تمر في محاكمة البنسيون هذا المساء ، وقد تسجن في المرحاض ..
" حسب ما أردتم أنتم قلت .. وسأقول إن أجبرتموني على القول بأني خائن .. هل رضيتم .. ؟ أه .. على أي المسألة شخصية لا تهمكم لو فكرتم لحظة خارج جهلكم ..
" لكنها أذت المسألة المقدسة ، هل غاب عنك هذا أم
تجاوزته .. ؟
" عجبا لكم يا حملة المبادئ ، يا أمناء القضية وحراسها ، يا من نصبتم نفوسكم نجوما في الظلام وأنتم لا تضيئون ،، تريدون الناس كما لستم أنتم ..
" كيف .. ؟
" منكم الآن من يرمون بأنفسهم في تجربة كتجربتي ، ومنكم من يرجون ذلك ليل نهار .. فلماذا لا يقوا أنفسهم مرارة السقوط إذا كانوا فعلا أقروني ساقطا .. ؟ لماذا لا يستفيدون من الدرس .. ؟ أنا درس معلق فوق سبورة البنسيون ، نعم .. هل لم تفيقوا بعد ، أم ستفيقون بعدما يتبدل حالهم غير حالهم الآن ، لما يترفهون ويذبحون أعناق ماضيهم أمام الأعين المذهولة يأخر شفرة في عالم الإشهار.. لما يضربون كل شئ بركلة ..
" من تعني .. ؟
" العناوين طبعا ، وأنت واحد منهم ..
" إني أحترمها فقط ، فلا يجمح بك تفكيرك يا أحمد إلى أبعد من هذا ، وثانيا هي منا .. من وطننا .. تبكي إذا بكينا ، وتفرح قليلا ..
" الإحترام أساسه الحب والمصلحة ، أليس كذلك يا من يحترمها السي سعيد .. ؟
ظلت حليمة مطرقة الرأس ، صامتة . استطرد أحمد يقول :
" يسعدني أن أرى إبنة البلاد بين ذراعي ولد البلاد معززة مصانة ، تقضي يومها تكتب قصيدة للحياة ، وفي الليل تضطجع أنثى وتحلم أن تلد بطلا ..
" نحن مجرد أناس ..
.. في نرفزة قصوى ..
" فلماذا أنا وحدي تحاسبونني كما لو كنت ملاكا .. ؟
وطني ، وفيك الحبيب يتوسد الماء والشوك ، وحفيف أشجار الشوق .. يشتهي اللسان في صمته رصاصة ، يشتهي الكلام في رحابه جمرة بلون الشفق ،، ليوم من اليوميات الآتية غال ، هو يوم التلاق ..
وتوقظ الشك في حقي ، ترميني بموجبه في منفى لا يرحم ، وأنا أنظف من أنفاس الصبح في استعمال زمانك ، يا وطني ،، أرق من نفحة حنونة في مدن ذكرياتك الغالية .. أنت أغلى ذكرى إن رضيت بي عاشقا يحمل قلبه في جسد من ترابك وهوائك ومائك ، والآن أسعى أن أكون حقيقة فيك ..
حبك ليس بالشعارات وتعاطي الوجاهة ، حبك كريات ثالثة اللون في الدم ، وأنت أقدر على أن تعلم حضورك في غياب بنيك ، لذا أنا جد مقتنع ومرتاح ..
إني أبايعك على كل الإحتراق حتى عطر الرماد ، إلا أن تكون ناري دون عرقي ودمعي حطاما ، أكون معذورا فالوطن لا يكلف عاشقه إلا روحه ، فهل لي فيك موقدا .. وصبرا جميلا .. ؟ باسم شرفي أتهجى حروف المبايعة هذه كتذكرة ، باسم شرفي أحفظها لك في مكامن روحي وأمامي تصميم قبري شهيدا .. غال ياى أنت .. وأنا أت ، وحق قصتي المختمرة في عيونك ، لما تثمر جدوى المسافات ..
أت ، فامتهن العهد طيلة الإنتظار ، وتزود بكلمة مثلى سمعتها مني إذا ما حاقت بك الوساوس ، وخير الزاد إيمانك ببنوتي .. لن أتراجع إذن أبدا .. لن أتراجع ..
" وطني ، وفيك ما ينتظرني ، في فؤاده صانني ولم يتنازل عني ،، لم يصلبني .. أنا حي بالحب إلى أن أموت فداه ..
" وطني ، وفيك تركت الود غصبا عني ، أمانة عظمى ..
" من يصدقك يا أحمد .. ؟
" لا يهم يا سعيد ، المهم أني أعد الآن إحدى ضحايا الحرب خارج مفهومها اللوجستيكي ، فإنكريت حين احتدم الكلام بيني وبينها حطتني في موقف اختيار : إما هي أو الوطن ..
" فماذا اخترت .. ؟
" أنتم .. والوطن .. و .. والله يخرجها على خير ..
" ربما كنت سكرانا فقط ..
" سكرة وفكرة.. وكركبتني مع الدروج .. كنت في غاية السكر نعم ، لكني صحوت في اللحظة التي أهانت في الأصل ، في اللحظة التي أحسست بوسطاها يطلع معي من الوراء ..
" مجنون أو كاذب .. ؟
" ظفرها فضحها ، ففضحت أنا نفسي ..
" لغة بذيئة في موضوع محترم ..
" زمن الصراحة والمكاشفة يلغي الحياء المزيف والتحفظ المغشوش ، والأخلاق التي غالينا فيها خدعتنا .. على أي هل ممكن أن تقبلوني منذ اللحظة في جلساتكم السرية .. ؟
" الأمر صعب ، وإدارة عليا للبنسيون قد ترفض أي طلب..
" أنا عندي أوراق الإقامة ، من هذه الناحية أظن ليس هناك مشكل ، ثم أني أقبل بلا شرط أن أصلب هذا المساء على الجدار الخلفي ، أعرف أن اليوم معرض للأجساد ..
" في كل غرفة أكثر من السكان القانونيين ..
" أشغل أي مكان ، إن شاء الله يكون عتبة الباب ..
" إن قبلناك فأنت مثلنا ، نعطيك مكاننا ، لكن الأمر يبدو صعبا ..
" .. .. ..
" لا تيأس ، فلك الوعد أننا سنرى ..
صمت الجميع صمت الغربة . لا قبول ولا رفض . أدرك أحمد أن كل القرار يتوقف على كمال .. وكمال غائب ..
أينه الآن .. ؟ إنه يهدي القبلة الكبرى لصبية في راحتها الفواحة بعطر اللعبة .. فالعب يا كمال ، واحترص أن تسقط منك القضية لأجل تلك الصبية .. فكم من صبية أردت خيرة العقول فينا ضحية ..
عماد الأقوال التزام ، والحقيقة لا تتعرى إلا في الأخير .. الوقت يمر في موكب أخرس ، وفاطمة ما عادت تذكر ، فهل أكلها النسيان .. ؟ أم هزمت بين يدي طفل دسوا في طعم الإصطياد .. ؟ كانت تعلم كل شئ ، وهذا وحده لا يكفي ..
فاطمة ، قد تعود على اللسان جمرة ، وقد تعود حكاية في ذاكرة الرماد ..
يا أمنية الأحرار متى تحقين .. ؟ متى تولدين .. ؟ أين توجدين .. ؟ الإنتظار أكل باقي الأعمار. الأعمار أجيال . الأجيال قنبلة أقوى وأخطر من الكيمياء .. هي الزغرودة تنتظر فرصة الإعلان ..
كمال وعد لا يخون لكنه بدأ يفكر أن يتنازل أمام عشيقته هانيك لأجل أوراق الإقامة . وضعه من أصله في هذه البلاد ليس على ما يرام ، وضع منذر بالطرد بين لحظة وأخرى ، والطرد في تخطيطه كارثة لذا لا يجب أن يكون .. له أربعة إخوان في البلاد بلا عمل ، له أخت بائرة وأخرى مطلقة بالثلاث ، له والدين تقدم بهما السن بلا ضمان .. من يعيل كل هذه الأفواه .. ؟ هو .. ؟ كيف يفكر .. ؟ ماذا يفعل .. ؟
" هانيك ..
" نعم يا كمال ..
" أحبك .. " أعرف ذلك ..
.. بعد أن لاذ بالصمت لحظة ..
" وما الذي لا تعرفينه .. ؟
نظرت إليه مبتسمة ، خلف الإبتسامة تسترت عن تعجب منه ، من سؤاله هذا .. هي الأخرى تحبه ، بل تعبده ، وتتقي كل ما من شأنه أن يغضبه أو يفجر سخطه . كمال هادئ وعاقل فلتحافظ فيه على عربون الحكمة . أخرجت لسانها وسقت لصقة الدروم بلعابها ، لوت السيجارة ، أشعلتها بطريقة حوائية مثيرة ، وقدمتها لكمال .. فكرت مليا والدليل أنها مططت شفتيها وانكمشت جلدة جبينها . عادت تلوي لنفسها سيجارة . قالت في شبه فجأة وإصرار ، وكأنها تذكرت شيئا ،
لكنها كانت تتمم الحوار :
" أعرف كل شئ ، لذا لا أطالبك بأن تحكي ..
" كل شئ .. مستحيل .. ربما .. فقط ..
طالعته هانيك بنظرة ساكنة ، ملامحه مقروءة تحت ضوء الحالة النفسية ، تجمع بين الإرتباك والخجل ،، وخوف من مجهول .. عناد أم مجرد حالة طبيعية .. ؟ كمال لا يريد أن يتسول الحل ، لا يريد أن يظهر مهانا حتى أمام من جهر لها بالحب ، هكذا حدست هانيك وهمست في أعماقها :
" كرامتك فوق رأسي يا كمال ، رجولتك في عيني لا تنهار ،، فلا تخف ولا تحزن ..
لم تنبس ببنت شفة كأنها تريد أن تجره هو إلى الكلام في موضوع تجلى ، لكنه اكتفى بأن قال متوسلا :
" تكلمي إذن .. قولي كل ما تعرفين ..
" أعرف أني أستطيع أن أفعل بك ما شئت لمدة ثلاث سنوات ..
" ماذا تعنين .. ؟
اندفع في التساؤل ثم أحجم بسرعة . تمثيل . قالت في اعتداد :
" أنت تعرف جيدا ما أعنيه ..
" كيف عرفت .. ؟
" كنت أتكلم أنا وأحمد ..
" كفى ، أرجوك .. فهمت الآن .. وبعد ،،
" كمال ، أنا أريدك كل عمري ، ففيك وجدت حلم ليالي مرت ، فيك وجدت رجلا وأملا .. سنتان مرتا على صحبتنا ، حبنا ، منحتك هذه الشهادة عندي .. هل تعدني .. ؟
" أنت تطلبين مقابلا وأنت في بلادك حرة ، وأنا الخائف من قبضة بوليس الأجانب التي لا تفلت . جاهدت نفسي على ألا أقول لك شيئا كي لا تتهميني بهذا ..
" صدقني ، أنا لا أطلب مقابلا ، ولا أبتغي فيك مصلحة تؤذي حبي لك ..
.. قالتها ببرودة وانصياع ..
" وإذا رفضت من الأول أن أكون لك كل العمر .. ؟
" أنت حر على أية حال ..
" ولا أي رد فعل انتقامي منك .. ؟
" بل ستجدني دائما هانيك التي أحبتك بصدق ، والتي هي رهن إشارتك منذ الآن لكي تنفذ معك عقد زواج أبيض لمدة ثلاث سنوات ، ولن أتصرف فيك إلا بحق الصداقة والحب لا بحق عقد الزواج .. أيكفيك هذا .. ؟
" هانيك ، لو أعدك الآن على أن نشترك الحياة حتى الممات ، وفي سري يكون هدف مبيت ، حيث بعد انقضاء المدة القانونية التي تخول لي الإقامة أطير من حضنك ، وأفك كل الحبال ..
" ستكون أنذاك نذلا ، وربما أنتقم منك بأي طريقة ، لأن المسألة كلمة جريئة ، تقولها من الأول ، وكما قلت لك أنا دائما رهن إشارتك دون حاجة للجوء إلى كذب أو نفاق ، أو تبييت نية الغدر .. أعطيتك روحي ، إذن فلا مبرر أن تفكر خارج أخلاقك ..
" يا حبيبتي يا .. .. ..
.. وتراجع عن تتمة انتفاضة فرحة معبرة ..
" كمال .. ماذا هناك .. ؟
" هناك شروط ..
" أقبل كل شروطك قبل أن تسميها ، أبيعك باقي عمري مقابل أن تقبلني ظلا لك ..
" يا حبيبتي يا هانيك .. .. .. فمتى أهديك قبلة الزفاف .. ؟
" الآن ، في بنسيون العرب أمام عيون تباركنا ، وغدا في عقر البلدية ..
ذات يوم كان الحلم . هذا الصباح ولد الحقيقة والألم . لا تدخنوا أرجوكم فإن التدخين ضار بالصحة . الكل عرف كيف بدأت العاصفة . لكنها انتهت وهذا يكفي . غن للسلام يا عبد السلام . كم تدفعون .. ؟ الحرية والدم لأننا لا نريد أن نبكي أكثر . أريد المرأة أو الأوراق . أنت . هذا الصباح علامته فيكم أن تتذكروا أحلامكم أو تختنقوا . لكن الكل لا يعرف كيف انتهت العاصفة . ومن قال لك أنها انتهت .. ؟ إخواننا ينتظرون أن نبعث لهم الدراهم قبل التحيات . لكن الكل لا يعرف لماذا انتهت العاصفة . إذا ما أعوزتكم بعض الكلمات فاستنجدوا بالمنجد . إذن أنت قارئ يا سيدي .. أذكر أني تعلمت بعض الوضوح من خلف الضرب والخوف والفقر . لولا الفقراء لضاع . أنت مثلنا فغن لنا ..
في المنجد وجدت أن الحب هو الحب . الجميع يعرف كيف انتهت الحرب العالمية الأولى . إذا ما أبنت عن التوبة يا أحمد سنجعلك رأسا ذات شدة . لكن غير ممكن أن تعزل الماء عن الماء . يا سيدي في المنجد وجدت أن الوطن هو الوطن ، والوطن يجب ما بعده . الخطأ هو أن يموت الإنسان خائنا . لكن غير ممكن أن تعزل الماء عن الإنتماء . الجميع يعرف كيف بدأت الحرب العالمية الثانية . وأنا لا أزال حيا وتلك حجتي . إذن فغن . كم تدفعون .. ؟ نصفق لك من أعماقنا ونهديك عريسا للزمن . أوهام ، وأنا أريد المرأة والأوراق . حتى أنت .. ؟
ذات مساء كان العناء . إننا ندخن ضد أفكار الجحيم والأفكار الملعونة فلا تتهمونا بتجاوز اللافتة . لكن . هل عندك وسيلة .. ؟ انتظروا سأقول لكم شكي : كمال لم يعد يعجبني . في المنجد وجدت أن الشك هو الإثم . بعض الشك فقط وأنا عندي دليل . هل تصدقون أن العاصفة انتهت فعلا .. ؟
الرماد والقبور الجماعية والفقيه لم تعد تؤثر فيه الهزائم من كثرة ما صلى الجنازات . من كثرة ما بكى . أممكن هذا يا فقيه البنسيون .. ؟ الله أعلم . لماذا أنت شقي يا سعيد .. ؟ كمال رحل عنا والمحنة قائمة فينا . وأنت يا عبد الرحيم .. ؟ نعم أهدينا له الورد والتهنئة لكننا لم نكن نعتقد أبدا . وأنا من جهتي سوف لن أدخن إلا إذا قهرني المذيع أو الصحفي ..
ذات يوم من الأيام كان الإجتماع . لماذا لا نتفق .. ؟ على الجدران لون القديم . لكن فينا أمل وجديد . عاد الكلام عن كوبا والفيتنام . في المنجد وجدت أن السلام يعني السلام فغن يا عبد السلام . لكن كمال لم يعد يزورنا إلا نادرا . المشكلة أننا لا زلنا نؤمن به رأسا . هل أحضرتم ما يكفيكم من سجائر وقهوة وصمت .. ؟ لا نريد أن نتكلم أكثر من الكلام . المهم أن نطيح برأسنا الذي تنكر لإشتباكات أمعائنا . أحب الشاي حبا لا يضاهى فلماذا لم تأخذوا بعين الإعتبار ذوقي .. ؟ بسيطة يا سيدي وأنا عبد الرحيم الحاصل على شهادة تقدير في إعداد البراد المشحر ، سأهيئه لك متى حاق بك الإشتهاء ، الثمن هو أن ترسمني لوحة في الغربة . اضحكوا مرة على مرة لكي لا يفجرنا الهم والقنوط ..
" ألو .. مع علي ..
" ألو .. مع كمال .. اقطع المكالمة يا علي بسرعة ..
" امحوا رقم هاتفنا من تحت حذائه ، فإنه لم يعد يتذكرنا إلا إذا عثر ..
" لا نريد من يعطينا تعاليمه من بعيد ونحن عصبة ..
" اقطع ..
في المنجد وجدت أن الخيانة تعني الخيانة . حقا أن الجميع يحلم فقط . لكن الخيانة تبدأ من الشبع . حقا أن الجميع يتألم والسبب جرح واحد . لكن المنجد لا ينافق . يا جرحنا .. غن لنا يا صاحبنا فإن لنا أرواح مرهفة . هل تذكرون تلك الليلة وكيف جمعنا مصابنا كل الجمع .. ؟ هل حب الوطن سياسة
يا .. .. .. ؟ ابحث عنها في المنجد لوحدك ودعنا نستمع لأغنية الأرض . الوقت إذا لم يجد بالجدوى فلا تيأسوا . دخنوا واشربوا القهوة والمهم لا تيأسوا . ياسيدي أنت اشرب شايا أصله طفولتي وارسم ..
النهود إذا لم تجد بالحليب المطلوب فاعلموا أن الوضع يتربى . في المنجد وجدت أن السياسة طبقة ونحن طبقة .
إذا كنتم تنتظرون مولودا فاختاروا له الإسم قبل المجيئ .
كم تكون المغامرة شيقة لما تتطاول على الأقدار ..
أحبك يا حليمة فلماذا لم تأت منذ .. ؟
أعرف أنهم قالوا لك أني متزوج ولي طفل في الوطن ..
أكره ما أكره في الرجل هو الكذب والنفاق ..
لكني أرمل لأن زوجتي ماتت وهي تلد لي إبني وسام ..
إخواننا ينتظرون منا المواقف لا العواطف . وأنا أريد أن أكون بطلا فانتظري يا حليمة حتى تنتهي المعركة من جهة واحدة . إنها انتهت . من قالها لك .. ؟ الشمس تكره الشموع لأنها تهزم الليل في روعة . لكن الشمس تكون لحظتها في الجهة الأخرى من عالمنا المر . هذا يعني أنها لا تستطيع أن تحرق العالم كله كما تتمنى ..
أنت فيلسوف أم مغترب عن وطنه يا ذا العينين
العسليتين .. ؟ لا ..
والحقيقة أني أتكلم عن عجزنا أكثر مما أتكلم عن قوتنا . في المنجد وجدت أن فلسطين هي فلسطين إلى الأبد . لأنها تلد عشاقها في الليالي الحالكات . لأنها وردة . حليمة أنت الأخرى وردة تعين على التمسك بالذكريات الغالية . فأرجوك لا تقبلني على مرأى من رجال البنسيون إن اشتعلت فيك الغريزة . على ذكر الغريزة لا تغريني لحد المذلة . لكني حليمة ولست إنكريت أو هانيك . حقا إنما الشيطان في زوايانا يحلم وينتظر . إطمئن يا سعيد فإن حد إغرائي قد يبلغ قراءة وجدانية للنشيد عند جذع نخلة . هنا لا نخيل . من هاجرت معه الدفلى لا ينسى . قد يبلغ أن أخذ منك قبلة تحت العلم والشعار . إذن فأنت حليمة البلاد .. .. .. فارسم ليس إبنك اليتيم منذ جاء فأنا لا أعرفه . سأحاول فقط لأن ترجمة كل براءته تستحيل ..
الديمقراطية هي أن يقول كل واحد رأيه . لا تهربوا عن الواقع لحظة المباشرة . هي أن يختار كل واحد . لا تبتعدوا عن الموضوعية لحظة الممارسة . هي أن يعبر كل واحد ويشعر . لا تنسوا المنطق لحظة الديمقراطية ..
هي ذي الأغلفة تحوي الألوان ..
لماذا أنت قلق يا أحمد .. ؟ كلنا شهود اليوم على أننا شهداء الغد . عيونك تفضحك فانطق . لن تستطيع توحيد الآراء والإختيارات أبدا ثمة ربما المشكلة . لكننا قلنا لك يا أحمد أننا نسينا الماضي والجراح . في المنجد وجدت أن الديمقراطية يحبها الفائز فوزا ويكرهها الذي سقط سقوطا . لكن الكراسي لم توجد للمؤخرات المتهادية يا ناس ..
هل نبدأ عملية الفرز والإعلان .. ؟
الكراسي وجدت للعقول والمشاعل التي تقهر الظلام . اللون الأخضر سبعة . الأمل . نرجو أن الذي سيفوز يكون له
ضمير . اللون الأصفر واحد . نرجو ألا تذبل الوردة النابتة في الغيب . لكن الذكريات صعب أن تنجلي فكيف يحق لأحمد أن يطمع . اللون الأبيض أربعة . عجبا هذه الديمقراطية لا تعير أهمية لتفاسير الألوان في كتاب المألوف والمعتاد . هل عندك فكرة أو تعليق يا عاشق الألوان .. ؟ يبتسم سعيد . نرجو أن الذي سيفوز لا يطلب منا تهاني بل تعازي . اللون الأزرق صفر . قد ينزل المطر أو القدر . عبدو لا يهمه أن يفوز لكنه اختار من منطلقه الخاص وذهب ليجلس أمام التلفزة غير مكترث . اللون الأسود عشرة . اللهم احفظ واستر . هل تعلمتم كيف تفرحون وتحزنون .. ؟ سعيد يريد كأس شاي وعبد الرحيم يحبه ويأمل ..
اللون الأحمر عشرون ومفاجأة كبيرة . من كان ينوي .. ؟ المهم أن حليمة وقع عليها الإختيار لتكون رأسنا . الذي يحيرني هو هل اختاروها لأنها أنوثة تنادي أم لأنها عقل رفيع .. ؟ سنسلمها للمأزق العربي ونرى . لكن . حدث الإنشقاق . هي امرأة وفينا الرجال . اجمعوا رؤوسكم فلقد سجلت حليمة رأسنا . الأحمر خطر . والأحمر لون الحب كذلك فدعونا
نبدأ ..
سيداتي وسادتي لم أكن أتوقع أن تختاروني . هل ستكونين مفيدة .. ؟ أما وقد كان ما كان فاشهدوا أني سأكون أمينة على أحلامكم وتطلعاتكم . القنوط في نفوسنا والحدود نار . يدا في يد والصبر طريق . الضجيج يوصل إلى الضجيج ونحن كم تمنينا . سنتعلم سويا كيف نهدأ . ونسعد . وقوموني بقسوة وجهر إذا أحسستم بالإنزلاق . أنت تغيرت فجأة يا حليمة . ولدت من رحم المسؤولية التي نجحت لها . لكن لماذا سعيد شقي وهادئ .. ؟ لأنه يرسم عبد الرحيم في هجرته ، ويرسمني أنا رأسا عليه أن يفكر وينتصر ، ويرسم إبنه
اليتيم ..
في المنجد وجدت أن الخيانة الكبرى منا . لا تبك فأنت البطل فينا . هلا تسأل عنك عائلتك يا حليمة ، رغم أنك بت تغيبين عنها بكثرة .. ؟ سؤال شخصي وأنا بعت نفسي لإستجوابات في الموضوع العام . فقط نريد أن نعرف . إذن فعائلتي تعرف أني هتا منذ البداية . لا زال الناس يقولون عنك امرأة يقسم عبدو على أن ينام معها في الفراش . هل لأني امرأة تطرحون علي هذا السؤال .. ؟
من يبيع جسده يبيع الإنتماء بسهولة . هل كنتم ستسألون عبدو لو لمع لونه على أن امرأة تقسم على أن تغير فيه القرار من خلال النزوة .. ؟ على ذكر النزوة هل أعددتم أنفسكم جميعا للإنضباط لما تلبس فيكم حليمة فساتين المراسيم .. ؟
على أي أنا لم أحقد على عبدو أبدا ، ولم أكرهه ، ولكي تصدقوني هأنذي أعينه على رأس مصلحة النظافة من الآن .
مصلحة النظافة .. ؟ يا عبدو إن عندنا مشاكل بيئة لا تعد
ولا تحصى . اضحكوا مرة على مرة لكي لا يفجرنا الهم والقنوط ..
" ألو .. مع علال ..
" ألو .. مع كمال .. اقطع بسرعة يا علال فإننا دخلنا مرحلة النسيان حقا ..
غواية الحمق تجتبي خيرة العقول لكي لا يأتي الربيع . فقيه البنسيون حاضر وشاهد . المؤامرة كانت مدبرة وعمال كل الحدائق اعترفوا سرا وجهرا . الكل يعرف الذين تعاطوا سبيل الإستقالة ويعرف الأسباب . واجهة الأحداث فضحت الفاعل والمفعول والنعت والحال . أكان كل ذلك مجرد كابوس رأه كل الناس .. ؟
حليمة ، إننا نريدك امرأة غير المرأة فاعقلي . في المنجد وجدت أن ناس الغيوان قالوا جماعة أن هذه الدنيا مهمومة .
فإذا ما رأيتمونا ندخن بكثرة فاعلموا أن الضحايا سقطوا بكثرة . كم بالضبط .. ؟ يقولون أن المقابر امتلأت والإنسان شم رائحة جثث عفنتها حرارة الشوارع . لماذا نحن وليسوا
هم .. ؟ غدا تفهم ..
العنف شئ غير جميل لكن لا بد أن يكون لنا منه نصيب لوقته . كلنا نتألم لكن بعضنا يصنع ألامه بنفسه . نحن لا نتكلم عن الذين رموا أنفسهم في البئر ..
" لقد رأيتك في المنام يا علي ..
" خير وسلام ..
" رأيتك وأنت تسقط في بئر عميقة قعرها تنبت فيه
الأفاعي ..
" أعوذ بالله منك ومن منامك .. " حكيت لك بأمانة ولا يهم الجزاء ..
" هل قتلتني الأفاعي .. ؟
" الحقيقة أني تركتك وأنت لا تزال تسقط ، واستفقت ، ولا أدري مصيرك ، ربما هذه الليلة سأرى التتمة ..
" احكها لي غدا إن كانت فيها نجاة ، وغلا فاصمت لأعرف كل شئ ..
لكنهم غير مفهومين لحد الساعة . تابع تفهم أو اغلق الفم . فينا من يزرع الورد في أرض المستحيل ، لكنه يقول لا أعرف أو لا أستطيع . اللاءات حين توفر السلامة . يخاف أن يعدموه ويرموه طعما لحيتانهم التي تسبح فوق جدران قاعات جلوسهم . وللحلم بقية قد تكون لك أو عليك . أرجوك توضأ قبل أن تنام يا من سترى المنام ..
أنت عربي . ومنذ ولدت أيها الغبي . إحك لنا إذن حكاية ..
" ذات مساء بحثت عن نفسي فوجدتها هاربة مني . قلت يا لعينة أريد أن أقول الحقيقة فانتظريني . كان الشارع يخلو من المارة رويدا رويدا . وكان قلبي يتذكر قصة حب . لم أنس فاطمة ولو لحظة . كنت أمشي ويداي في جيبي ورأسي مدلى إلى أسفل . ربما كنت أبحث عن عثرة ولم أشعر . فجأة ..
صادروا في الخطوة والضياع الذي فتشت له عن دواء فلم ينفع . سيارتهم كانت بيضاء عادية . لكن لما تسمع الإتصالات التي تتم داخلها يتبدل اعتقادك ، وتلعن الزمن الذي أتى بك إلى هنا . هم الآخرون يضطهدون ويظلمون الإنسان فلا تندهشوا . الإتصالات كانت تجري حتى قبل أن تفهم أي شئ ..
نحن هنا وسنبدأ
حول
إذا احتجتم الحديد أو الحبال أو الرجال فاتصلوا
حول
قلنا لكم سنبدأ
حول
إذا احتجتم سيارة إسعاف فاتصلوا
حول
قلنا لكم سنبدأ
حول
إذا احتجتم رجال الوقاية أو رجال المطافئ فاتصلوا
حول
قلنا لكم سنبدأ
حول
إذا احتجتم فاتصلوا
حول
قلنا لكم
حول
تساءلت :
ما الذي يجري .. ؟
التساؤل ولد عجزي . العجز ولد خوفي . الخوف ولد رغبتي في البول على سروالي . قد أكون ارتكبت حماقة خطيرة ، ونسيت ، والآن وقعت ..
" من أنتم .. ؟
" هاهي بطائقنا . نحن ضدك ..
" ماذا تريدون مني .. ؟
" هل أنت عربي .. ؟
" منذ ..
" هل معك قنبلة .. ؟
" لا ..
" العجب ..
" أي عجب .. ؟
" عربي ولا قنبلة معك .. ؟
رأيت في العيون جنون . أيها الماضي لم تمضي هكذا .. ؟
لولا بعض الأشكال القانونية لعروني من جلدي . أيها الآتي هل ستأتي هكذا .. ؟
لاشئ
حول
" شككنا فيك لأننا رأيناك تمشي وتتمايل ..
" أهي القنبلة ثقيلة لحد أن يترنح حاملها .. ؟
" الحقيقة هناك أنواع ، هل سبق لك أن عرفت نوعا أو سمعت به .. ؟
" أن تكون لي معلومات في المجال معناه أني متهم ..
" هو سؤال ليس إلا ..
" أنا لا أعرف ما هي القنبلة ، ولم يسبق لي أن صادفت هذه الكلمة في منجدي ..
" أي المناجد تستعمل .. ؟
" لا يهمك ..
" هناك مناجد حديثة تشتمل على ..
.. مقاطعا ..
" كل واحد يعرف مصلحته ..
" والقنبلة .. ؟
" .. .. .. ..
.. التزام بالصمت دلالة على اللاكتراث ..
" هي الغضب المهرب ، هي النقمة المباغتة ..
" لا أريد أن أعرف فاحتفظ بشروحك عندك ..
" هي بوم ، بوم ، بوم .. بوم ..
" ألا تزال تتكلم .. ؟
" ألم تكن تسمعني .. ؟ إذن لقد انتهت التعرية بالإيجاب ، فقل لنا فكرة ..
" ليس لدي ما أقول ..
" العجب ..
" أي عجب .. ؟
" عربي ولا فكرة في رأسك .. ؟
لو كنت أعرف أن البحر عميق جدا ما أبحرت . الحكاية مماثلة لما سمعناه وحفظنته ذات يوم . لو كنت أعرف أن الهجرة مرة ما هاجرت . الحكاية معادة بنفس الأحداث مع تغيير المكان والزمان واللسان . هي نفس الحكاية طالت الجميع لذا كبرت الأحزان . منجد الأزمة يسهل الفهم . لا تتهمني يا صاحبي بالكذب والإدعاء . حاشى لله فأنت رجل . منجد الأزمة هو المرجع دائما . لو كنت أعرف أن كل هذا المصاب عندكم ما جئتكم . كل واحد حر تحت ظل الديمقراطية . بالإمكان الذهاب الآن فلا تزال خطوط الأوتوبيس مفتوحة . لما ترى العين وتسمع الأذن ويتخذ القلب والعقل موقفا يكون قد فات الأوان . بالإمكان الموت .
سأجرب ..
أيتها المرأة لقد جعلناك رأسا لنا لتجمعي شملنا وتوحدي صفنا ، لا لكي تجلسي أمام المرأة أطول وقت . بعض العالم شهد أننا لا نستأهل كل هذه المأساة لكن الشهادة وحدها لا تكفي لأنها مجرد كلام سجلناه . وجدت في المنجد أن القنبلة يخاف منها صانعها . يا حليمة هل سنصنع قنابل غدا
ونخاف .. ؟ إخواننا في الوطن ينتظرون منا العملات قبل التحيات فلا تنسوا أرجوكم . هل تبينتم أسرار محنتنا .. ؟ أنت احك لنا حكاية نراوغ بها صعوبة التفكير . حكاية غربتي حكاية طويلة . هناك صيغ كثيرة للإختصار ..
" الحكاية من النهاية . وقفوني عند شارع الهوى . في صدري رغبة وموعد وعنوان . طلبوا مني الأوراق بصفة رسمية ..
" ها هي ..
" أنت تعمل هنا .. ؟
" نعم .. " لماذا لا تعمل في بلدك .. ؟
" هل ضروري أن أجيب .. ؟
" لا .. أريد أن أعرف فقط ..
" ما عليك إذن إلا أن تسأل وزارة الشغل ، أكيد عندها الجواب والإقناع ..
حدجني بنظرة قاسية . أرجع لي أوراقي وقال :
" كل شئ على ما يرام ، ممكن أن تذهب ..
المهدي تكلم لأول مرة . محمد قال أنكم خير الناس . وهذا البنسيون هل هو وطنكم الراحل بلا جواز سفر ولا تأشيرة هو الآخر .. ؟ هل هو هويتكم .. ؟ هل هو قوميتكم .. ؟ هل هو عروبتكم .. ؟ ستحل كل المشاكل لما ينتهي البحث عن كل الإستفهامات . المهدي لما كان صامتا كانت له قيمة ، ولما فتح فمه هدم شخصيته . يا حليمة سنعلق صورتك في صدورنا إن ناهضت الأشباح المحيقة بنا . والمنام الذي كانت فيه البئر والقعر والأفاعي والسقوط ما نهايته .. ؟ السكوت أيها السادة فالراديو بدأ يتكلم عن كل الذي جرى بالتفاصيل . في المنجد وجدت أن الغد الأفضل هو الإعتماد على النفس . ونهاية المنام لا تزال معلقة ..
الرسائل التي حملها البريد اليوم كلها قطعة من الأسى . أخر فرصة عندكم أن تتعلموا كيف تصاحبون المأساة .
يا عبد الرحيم لست وحدك الذي ماتت أمه وهو في ديار الغربة . اقرأوا الجرائد من أجل قتل الفراغ والثقافة . واضحكوا مرة على مرة لكي لا يفجركم الهم والقنوط . غن لنا يا عبد السلام فإن عندنا أزمة . عظم الله أجرك في أمك يا عبد الرحيم ..
علينا أن ننسى نهائيا أننا انهزمنا . صعب أن نبني البداية في النهاية لكن حليمة عليها أن تفكر في الأمر . أنا لا أتنكر لمن فعل في الخير والجميل . الناس لبعضهم البعض
يا صاحبي ، فلا داعي لأن تشعر بهذه الإهانة التي لا وجود لها . ليس عيبا أن يتزوج كمال إنما العيب أن يضيعنا في الجسد النسوي . قلنا لننسى كل الهزيمة . لكن ولا أحد يستطيع أن ينسى التاريخ فما العمل .. ؟
سيجارة . ممنوع . يا سيدي إني أفكر حتى الباب المسدود فلم تحرمني من الهروب .. ؟ أوه .. أنتم غير مفهومين لحد الساعة . ممكن أن تكون نفسك في الإستماع فإنه الطريق . كلما أسكت يقولون عني راض . حليمة هي المرأة فاسقط كل ادعاءاتهم ضدك . الكل يتذكر قضية تشرنوبل . العلم الذي يقتل أو يخيف الأبرياء ليس بعلم ، فما رأيكم .. ؟ اختلطت الأوراق يا رفاق . ألم تتعبوا بعد .. ؟
كلما دقت ساعة النوم التقت عيونكما ياى سعيد ويا حليمة .
كان الحب قبل أن أصير .. فأتوسل إليكم دعوني له كلما انتهيتم مني . كلما دقت ساعة النوم تحولت إلى امرأة . بعدها يرسمني سعيد بالماء الذي لا لون له . بإمكاننا جميعا . هل جننتم أم هو فقط مزاح .. ؟ لا يمكن لأني تجاوزت المراهقة وعازمة على أن أتصدى للمحنة . سنهديك باقات التهاني وملفات المشاكل في ليلة زفافك . قبلت كل حالاتكم منذ بدأت حمراء . سعيد لما يريد أن يرسمك هل يبدأ من أعلاك أو من أسفلك .. ؟ ألا تخجلوا .. ؟ إننا نضحك مرة على مرة لكي لا يفجرنا الهم والقنوط . جميل . غاب عبد السلام وحضر العود فمن يجرب الغناء حتى يعود .. ؟ صمت ..
جاء الصباح . وجئت يا حليمة متأخرة شيئا ما . لا فقط نحن جد متأخرين . كان يعاكسني رجل في الشارع وهذا هو السبب . هي شهادة من ذلك الشارع بأنك جميلة . ثم اليوم أحد ، فدعونا نغير العادة يا سادة لكي لا نصير ضحية الملل والنظرة الأحادية . هل في رأسك يدور مشروع . سنتكلم لما يستيقظ الجميع ويغسلون وجوههم ..
في المنجد وجدت أن الرجعية هي العيش على الطريقة التي لم تنقذنا . ورطة تدوم . البارحة بعد أن ذهبت زارتنا امرأة تلبس كل شئ أحمرا . هي أول المؤامرة فلا تثقوا لأن الأحمر عمق وليس غطاء . أنا اكتشفتها بسرعة لأنها لا تجيد تهجي بعض حروف اللغة العربية . حاولنا أن نرفع عنها الغطاء لنقرأ السر ، لكن الوقت داهمنا فأجلنا ذلك لمناسبة أخرى .
إذا جاءتكم وأنا فيكم فسأكفيكم شرها . العلماء قالوا إن حاولتم أن تعروها ستقول لكم : عندي فرج ومؤخرة ونهدان فاخجلوأ . لكن لا حياء في المقاومة وأخذ الإحتياط . فقيه البنسيون هز رأسه إيجابا وابتسم . عندما يستيقظ الجميع سنحكي أحلامنا ونتفق على أجمل حلم . أكيد كل واحد منا رأى . ماذا رأيت يا حليمة .. ؟ في العجلة الندامة فاصبر ..
المهدي حالة غامضة فدعوه ينفضح كلما تكلم . لا زال عندنا وقت . حزننا كبير ونحن ما عدنا نطيق . انظروا إن أحمد ينظر إلى القطار ويبكي . ربما لأن القطار يمر ويصدر العويل . إنه يبكي إبنته هالة أو تجربة فشلت . رمز القطار جميل لكنه يسرع ضدنا . لا نريد سوى أعيادا وزهورا لا تذبل في شرفتنا . لكن غدر الأحباب أهول من غدر الأعداء . يا حليمة كوني واعية بكل المسؤولية وهذا مجرد تذكير . في المنجد وجدت أن المرأة إما أن تصنع العظمة والمجد وإما أن تلعنها الأرض والسماء . لماذا يحسدني أحبابي وأنا التعس فيهم .. ؟ لأنك تضغط على البنزين حتى تكاد تنتحر وهم لا يعلمون . عليهم أن يعلموا قبل أن أذهب ضحية بنزين وسفر ..
المهدي يبذل كل جهده لكي لا ينكشف لكن الكلام طويل واللسان طويل . هل استيقظ الجميع .. ؟ إني أسمع الغناء في الحمام . وأنا أسمع الرياح في المرحاض . وأنا رأيت فوطة صفراء فوق منكب . وأنا رأيت السرير رقم خمسة خلا منذ لحظة . إذن سنأكل الحلوى قبل أن يموت فينا الذوق . لكن أين الحلوى يا من يقتلهم الإشتهاء العسير .. ؟ لو أحضرنا الدقيق والبيض والسكر لصنعتها لنا ونحن لا زلنا نيام . على رأسي وعيني . وهناك يا حليمة من لم يأكل الكسكس منذ جاء . بعد رأسكم أنا أمكم وأختكم وخادمتكم وطباختكم ، وحبيبة سعيد في أوقات الفراغ ..
بتنا رهائن للحالات النفسية الجد متدهورة . الجميع يشكو تقوقع العجز في ذاته فمن يواسي ومن يحكي النوادر والطرائف .. ؟ الخطر أحمر . الحب أحمر . الدم أحمر . الطريق حمراء . حليمة لم تعد تلبس إلا الأحمر . ممنوع البكاء لأنكم رجال . ممنوع التدخين لأنكم في حاجة لصحتكم .
نريد فقط أن نخفف الرعب بضعفنا . أشداء على الواقع يعريكم أمناء على الأصل يثبت فيكم . نعم هي الظروف الإقتصادية التي أتت بنا إلى هنا لكنا لا نريد أن نفقد الحب الأول . هل سمعت .. ؟ هل فهمت .. ؟ إنهم فقط يحبون وطنهم وإخوانهم وأحبابهم . فلماذا يضعون بين السياسة وحبهم علاقة .. ؟ أنت مواطن ما دمت تحب الوطن ولا تهم المسافات والسنوات . ها هو المهدي يتكلم ويظهر . هل استيقظ الجميع .. ؟ إذن نبدأ ..
" هذا البنسيون علينا أن نغيره رأسا على عقب ..
" ربما هذا لا يفيد في شئ ، لكن سنسمع لك يا حليمة حتى الآخر ونطيعك ..
" سنزيل أغلب الصور والشعارات ، وسنمزق كل البيانات ، وسنمحو الذاكرة ..
" وما يسمى بالماضي .. ؟
" نتوق للبداية والغد يا علال ، لذا سنصبغ كل الجدارات والأسقف بالأحمر ..
" ونعلق صورتك يا حليمة في قاعة الجلوس ، وعند مدخل البنسيون ..
" لا داعي لذلك لأني معكم صباح مساء ..
" ثم ..
" سنحاول أن نحصل على رخصة من البلدية لكي نغير لون وهندسة واجهة البنسيون طبقا للداخل الذي انقلب ..
" لن يمنحونا تلك الرخصة ..
" قلت سنحاول ..
" ونعلق صورتك يا حليمة في قاعة الجلوس ، وعند مدخل البنسيون ..
" لما يرسمني سعيد وأعجبكم ..
" والمرحاض .. ؟
" سنجعل فيه قلما وممحاة ، لكننا سنصبغه هو الآخر بالأحمر ..
" ونعلق صورتك يا حليمة في .. .. ..
" علقوني في صدوركم إن كنت أهلا لذلك ..
المساء . عبد السلام يغني للسلام . عبدو يشاهد التلفزيون .
أحمد يدخن في صمت ويده تسند رأسه دلالة على أنه يفكر بعيدا . عبد الرحيم يخيط أزرار قميصه التي انفصلت إثر مداعبة . سعيد يتابع رسم لوحة لم يتضح بعد موضوعها .
حليمة تعد الحلوى الموعودة . محمد يقرأ في كتاب . علال يغسل الأواني في المطبخ ويسب الغربة . المهدي ممدد في سريره في غرفته نصفه شبه نائم ونصفه صامت . علي كان مجرد جالس لكن حليمة نادته . أحمد لا زال يدخن . عبدو يكتب رسالة . سعيد مشدود إلى الإلهام . محمد يقلب أربعة صفحات . احمد يتذكر ويندم . عبد السلام يصبن ملابسه في الحمام ويغني . عبد الرحيم يحكي حياته جرحا جرحا . سعيد ينادي يا ولدي ..
هناك الجرائد وهناك المجلات . عبد الرحيم يهيئ الشاي ويعود ليحكي . الراديو لم يسكت أبدا . محمد يتساءل : منذ متى ونحن هنا .. ؟ وردتنا حمراء . منذ جئنا ونحن نحلم . سنسقيك أيتها الوردة بكل ما نملك من ماء والمهم أن نستنشقك ذات فجر . هل تكتب لي رسالة إلى أهلي يا عبدو .. ؟ الجهل عار . أين كنت لما كان الناس يتعلمون الكتابة .. ؟ صاروا عائلة حميمة فهل يتخلى الواحد منهم عن الآخر .. ؟ لكن لا بد من المداعبة . العلم نور طبعا . قل لهم يا عبدو أني بخير وهل لا زالوا يذكرونني .. ؟ إخواننا ينتظرون منا الدراهم قبل الكلام . الله غالب . أجمل ما فيهم أنهم يحبون بعضهم البعض حبا لا تزحزحه الأخطاء اليومية والظرفية . هكذا الحياة يرددها علي بين كل شهقة وزفرة ..
في الأسواق الممتازة وجدنا كل سلعنا تباع لكننا لم نجد لغتنا . كنا كثرة . ولا يهمكم جهلهم لنا إذا ما ظللنا نحفظ دلائل الفخر . إنهم يتجاهلون فقط .. كانت هناك ذبابة تطن في كل الأركان . أجهد علي نفسه لكي يقتلها ولا نتيجة . أحمد قال له دعها فلربما تعقل . لكن الجو عليه ان يصفو كل الصفاء . الجرثوم قدر كالشر فلا تتعبوا أنفسكم . امرأة واحدة وسط خليط من الرجال ولا تؤذى . شئ عجيب .. يا صاحب النقد إننا أمة قبل الغريزة . التلفزيون أفة هذا العصر فانتبه
يا عبدو ..
أنا أخطئ رغم حرصي فما رأيكم .. ؟ المهم أن يكون فيك الصواب سبعين في المائة . علي وعبد الرحيم وعلال وأحمد سيسافرون هذا العام إلى الوطن ، فهل عندكم هدايا تريدون أن تبعثوا بها إلى الأهل والأحباب .. ؟ لهم التحيات والأشواق .
قلنا انهم يريدون العملات . زروني كل سنة مرة حرام تنسوني بالمرة . امرأة واحدة وسط خليط من الرجال ولا تؤذى . شئ عجيب .. يا صاحب النقد إن لنا عقولا قبل النفس . الله كان موجودا في تلك الليلة وسجل الحسنات والسيئات . لكن كم عدد الناس الذين ماتوا .. ؟ الله كان موجودا وهو وحده يعلم الرقم .. أوه .. إنكم غير مفهومين لحد الساعة ..
كثير من الناس يحبونك يا حليمة . هي امرأة وجميلة ما في ذلك شك . ونحن أحببناها لأننا رشحناها لكسب القضايا التي سرقت منا . ذلك يهمكم أنتم والناس لها عيون . نتمنى ألا يختاروك أشيك امرأة في العالم يا حليمة وتقبلين . هي في مطبخكم وفيى ملفاتكم تقتل عمرها فلماذا تمنعونها هي الأخرى من أن تحلم . أعطيناك سعيد من قلوبنا فلا تزيغ شهوتك ..
وأنا الآخر أخطئ فما رأيكم .. ؟ المهم ألا تتعمد وتسقط
عنوة ..
الكل يعرف الأسماء والأفكار . هذا البنسيون تراه كل العيون . لهم فيه قصد ومأرب لذا لم يداهموه . لم يحاصروه . لم يدعوا عصافيره المهاجرة تطير في هلع ذات ليل ، أو أخر الليل . لكن ولا أحد حصل له الشرف بأن يرى الإسم جسدا والفكرة لسانا . هل أنتم سكان أم مهاجرون إلى بقايا الفرصة .. ؟ عندنا جوازات السفر والمغامرة والخوف . لكنكم بلا تأشيرات حسب القوانين المبتكرة . لما كان الإبتكار في غير صالحنا كنا هنا ، فمن أين نحصل على التأشيرات وكيف .. ؟ تعودون ثم تجيئون إن أمكن ..
أرجوكم يا سادة المشكل بات يتطلب عقلا في قمة الحل ..
أرجوكم يا سادة المشكل بات يتطلب لسانا في قمة البيان ..
أرجوكم يا سادة المشكل بات يتطلب صمتا في قمة الحكمة..
علينا أن نبدأ من الأول ونفكر . نحن في أمس الحاجة إلى الأكل والمرحاض . لأننا نجوع كلنا فهذه أصواتنا . يا علي إن الأرض تسع ضروراتنا فاسقط عنادك . لكن المرحاض يصبح أزمة قاتلة لما تشتهينا المدن العالمية . معه حق لأن الأشياء في غاية الإرتباط . يضحكون . إذن هم يضحكون مرة على مرة لكي لا يفجرهم الهم والقنوط . جميل ..
العلاقة بينكم وبين الأرض أنكم أينما ذهبتم أشقياء . الظلم والشكوى والخرس والصمم . إنما الأرض واسعة فلا تطلقوا ابتساماتكم . إذا أردت أن تدخل المرحاض في هذا الزمان عليك أن تدفع . بطبيعة الحال تدفع الباب قبل الدخول . غبي كأمك التي ماتت يا عبد الرحيم .. إنه يعني النقوذ النقوذ النقوذ.
انظر إنه يبكي لأنه تأكد من أنه لن يرى أمه أبدا . لم يكن قصدي أن أورد الموت لحظة البحث عن الحياة يا عبد الرحيم.
لا عليه ..
البول صار له ثمن فما بالك بالإستراحات الأخرى الكبرى .. ؟ إذن فما دام المرحاض هو المرحاض فلماذا نتحاشى أن نطلبه منهم .. ؟ صدقوني إنكم غير مفهومين لحد الساعة . وأخر دعوانا أن يا رب أحسن مثوى أم الذي لا زال يبكي .. أمين ..
الحصيلة .. ؟ هل تريد أن تنام يا سعيد ولوحتك لا تنام .. ؟ لا . فقط يجب أن تعود حليمة إلى منزلها قبل وقت الخطر . الحرب لما قامت معناه أن السياسة فشلت . كذبت . انفضحت . تعرت . كل الذين مانوا أبرياء كفراشات الضحى . إذا أرادت حليمة أن تذهب فلا مانع . يا أحمق إنها الحمراء ، أنسيت .. ؟
كل الذين أجرموا لم يموتوا لذلك تراني حائرا في فلسفة هذه الحياة . كم من جدران تهدم .. ؟ مدن وقرى ومساكن متفرقة والبقية في حياتنا . لا يهم أن تذهب حليمة فالبنسيون صار كله أحمرا . يا أحمق عليها أن توقع الحصيلة بحبر الدواة . حب الوطن ليس سياسة يا ناس فلا تكرهوا وطنكم خوفا منهم . تلك الدواة مملوءة بقطرات من دمائنا والفصيلة واحدة . لأن الحب في القلب واحد . حان الوقت وحليمة تريد أن تذهب . نؤجل ما تبقى من عمل اليوم إلى الغد وتذهب بالسلامة . هل تريد أن تنعت أنت الآخر بالحماقة .. ؟ للغد عمل أخر بكل تأكيد . يا للظروف اللعينة .. متى تتزوجها يا سعيد لينتهي هذا الشتات
.. ؟ من .. ؟ حليمة أم الظروف التي لعنتم .. ؟ تضحكون . رائع .. فاضحكوا مرة على مرة لكي لا يفجركم الهم والقنوط . فقيه البنسيون يقول بعد الإسناد : إن كثرة الضحك تميت
القلب . صمت ..
أيها السادة الغير مفهومين لحد الساعة ، أشكركم جزيل الشكر على أنكم مزجتموني مع الظروف تلعنونها لأنها ضدكم ، جد مسرورة بكم ، وتصبحون على خير ..
لما يمر الزمان بلا طعم معناه أنكم لا زلتم تائهين . لكن الروح فينا تزغرد دوما . لماذا تقضم أظافرك لحد الجرح يا علال .. ؟ أشياء بلعها النسيان ولم يبلع ذكراها . اليوم رأيت كمال يشتري البنزين فاحترقت . المطر هطل هذا العام بغزارة إيجابية في غير بلادنا . صعب أن تعزل الهراء عن الكلام لأنه ربما أكثر من نصف الحياة . ببساطة أنا احترقت لأني كنت أحمل نارا ولا أعبأ . سعيد يكون مفيدا للغاية كلما بالغ في الصمت والإنزواء . لكن أحمد حزين اليوم بقدر ما كنا نراه عبثيا في الماضي . رأني كمال طبعا كما رأيته وتذكرت . تأخرت حليمة اليوم ونحن دائما في حاجة وانتظار . ونحن في حاجة للسرعة . قلت له هالو وليس السلام عليكم ، فاكتفى هو بأن هز رأسه بلا تفسير . لن تأتي حليمة اليوم لأنها مدعوة لحضور زفاف شقيقتها . مبروك فيا جيراننا قولوا لجيرانكم . زوجته هانيك كانت معه طبعا وردت على تحيتي بالجهر والإبتسام . هاتفيا قالت حليمة أنها ابتاعت الهدية والورود واختارت فستان الحفل . الصديد تحت جلودنا وهي تحتفل .. ؟
يا إخواني كونوا منصفين ، فمن حقها أن تبوس شقيقتها العروسة على الخد أو الجبين وتعود . هل هانيك زوجة كمال بريئة .. ؟ لقد ثبت بلا أدنى شك أن كمال يناديها يا حبيبتي . يا روحي . يا قلبي . يا عقلي . يا قرة عيني . يا كل حياتي . يا عمري . الله الله الله .. فماذا بقي منه .. ؟
ن أأ
لعبة أعصاب . احذروا أن تسقطوا في الكمينات حتى لا يكتبوا عليكم بشراهة في الجرائد ويبيعونكم . لا تتعارضوا إلا في سبيل الغد الذي نحلم به جميعا لكي نلتقي فيه جميعا . لا تتفرقوا لكي لا يسودوا . لا تتكلموا في أي ميكروفون
يصادفكم ..
" عندك حق ، فالميكروفونات مزروعة في كل الممرات والإتجاهات ، تتربص بنا كما يتربص قطاع الطرق بالقوافل الثرية ..
لكن ماذا نفعل وألف وسيلة تشتهينا ، وألف تيار يلعب بنا .. ؟
ابذروا في الصبر وردة ، واجنوا من الأحزان بسمة . تناقض . لا توجد حياة سهلة جاهزة فاحترصوا أن يستحوذ عليكم الخيال سلبا . الإنتصار خطة . عقولنا تستطيع كذلك أن تفرز الأرض عن الوطأت . عندنا الدهاء والمكر والعبقرية والتفكير .
ما هي مشكلتكم إذن .. ؟
إننا نفكر في أن نهدي هدية لحليمة إذا ما ولدت لنا شمس الضحى أو قمر الليالي . ابتاعوا لها سيارة من نوع فياط أونو تنفع بها نفسها وتنفعكم . قد تساهم معنا حتى إدارة البنسيون من باب الإنسانية أو التجارة . من يقولها لها .. ؟ أنت .. ؟ أنا .. ؟ ولماذا لا تقولها لها أنت .. ؟ يا سادة .. هل هو منكم خوف أم وقاية لماء وجه الوطن .. ؟
وفكرت حليمة طويلا .. طويلا فكرت في ناطق رسمي يجيد اللغات ، وهي لحد الآن تنطق رسميا بإسم .. .. ..
ابك أو لا تبك فهذا الزمان استباح دمعنا . يموت العربي قبل المفاوضات . ما هذا .. ؟ يموت العربي بعد المفاوضات .
وهذا .. ؟ يلبس العربي السواد ، ينكس هامته حدادا ، ويرسم أقواس التنديد على صفحة مائنا .. على دفء دمنا ..
" يا سيدي المقبور على فمه وبصره لكي لا يتكلم ولا يرى ، قل أي شئ وكسر حصار الصمت هنا واهزم تضارب الأفكار هناك ..
الواحد منا أغلى من أرواحنا نفديه لحظة استغاثته فلم لا نطبق النظرية . اللغة لا تعدو مجرد رنة . لكن وراء كل رنة يختبئ المعنى فتعلموا كيف تضربون على الأوتار . إذن نحن لا نعيش للخيال فقط .. افهم . وإذا لم .. ؟ هز شفتيك رقصا وابتساما ونم . أنا لا أسكن هنا . ممنوع اختلاق الأسباب . إني أتكلم جادا فارحمني . تعاطي المواقف من باب الشعور دائما خسارة . هنا أزمة سرير واضحة فلم لا تصدق عينيك . نحن أغنياء بالمساحة وعندنا غطاءات إضافية ، فهل عندك قليل من تضحية .. ؟
" وأنا حليمة ، قد أمنحك فستاني غطاءا إذا حقت الأزمة ، فما رأيك .. ؟
" قد تقلبين الفكرة نزوة متوحشة إذا ما صبغك العري ، وأكون أنا نائما تحت تأثير روائحك العطرة ..
" لن ينالني إلا الذي أعطيه إشارة ..
" هذا عمل نساء تافهات ..
" ألا تخجل من نفسك .. ؟ على أي أنا غالية ، أغلى عند نفسي وهذا هو المهم ، أحب الرجل الذي أحدث في القلب ضجة ، وأحب الأحمر والهم والوهم .. ربما ..
لكل واحد منكم وسادة واحدة فقط وأنا عندي رأس . يبحث هذا الإنسان عن اعتزال ناس يحبونه ويريدون أن يبقى معهم . إنك تستطيع أن تدخل رأسك في بدنك على شاكلة القنفد أو السلحفاة أيها الخائف من أن يبيت رأسك بلا وسادة ..
" لماذا لا تنطقين يا حليمة .. ؟
" ماذا أقول .. ؟
" تقولين نهد مني وسادة في زمن العسر ..
" يا عبدو لا تضطرني لأن أربط الماضي بالحاضر وأنعتك بقلة الأدب ..
" فقط أريد أن أضحك مرة على مرة لكي لا يفجرني الهم والقنوط ..
" للضحك حدود ، ثم مشكلتك يا عبدو كلها تنحصر في المرأة والجنس ..
" بالعكس ، فلقد لعبت بكم من واحدة ، واشتهتني كم من واحدة وكنت سيد قرارات الرفض . أنا عبدو يا حليمة ، هل نسيت .. ؟
" لكنك لم تستطع أن تفرق بين المرأة المتعة والمرأة الإنسان ، فخبرني عن نساء لعبك ونساء اشتهائك ..
" بهذا أنت تحتقريني ..
" لا ، لكني امرأة تعرف في الرجال مائة صنف ، فهل تريد أن تسمع صنفك .. ؟
يقوم الذي يريد أن يذهب . يدير عينيه في الوجوه والصور وباب القاعة . هو حر . قالوا له أن بإمكانه إدخال رأسه في بدنه على شاكلة الحيوانات . تذكر وفكر . هل هي دعوة للتضحية فعلا أم سخرية في شأن الجبناء كلهم . هو حر . قال أن الموعد دين كبير في ذاكرته حتى يفي به في وقته المضبوط . قالوا له ابق معنا أو انطلق إلى حال سبيلك ، فأنت دائما سيد نفسك ، المهم كفى من هذه الثرثرة حتى لا يتهمنا الناس بالحمق ..
اتفق العرب على ألا يتفقوا
الجميع يعرف الفرق بين الحكمة والنكتة فلا داعي لإستعمال المنجد . عيبكم أنكم عاجزون عن نفض الغبار عن صفحات التاريخ المقروء ضدكم . أنت الآخر منا فتكلم بصيغة الجمع المتكلم .. نريد أن نتفق على الخطوط العريضة فقط ..
عربي ينزل في قبره مكفنا بلون الجرح . عربي يبكيه خلسة وسبابته تخاف أن تشير . منطق هذه الحياة هو أن يكون لك أعداء ألداء تهاجمهم ويكون لك أحباب يحمون ظهرك من الخدعة . عربي يضحك ، ويضحك .. ويضحك .. الزغرودة سلاحكم لذا حاربوها فيكم بأخطر سلاح ..
وأنا المغلف في أذهانكم بحكاية تألفت قبل مولدي بكم من عمر .. من أنت .. ؟ رقم البطاقة في القصيدة ونوع الحلم دائم في المخاض . أنا بريئ كغلالة عذراء . أملنا أن نصدق بعضنا البعض ونبدأ . أنا أعيش هموما بلا مواقع وجواز سفري حجة قاطعة على أني اخترقت كم من حدود . البداية قد تكون زحفا فقط . اليوم على الحدود جنود ..
محمد حمل فنجان قهوته وخرج إلى الشرفة ليجلس هناك ساعة ، كعادته في كل الأماسي الصيفية . تبعه علي وفي يده سيجارة تحترق ..
" سحنتك أنبتت ضيقا واضحا يا محمد ، ماذا بك .. ؟
" حبيبتي بعثت لي اليوم قصيدة ..
" جميل أن تحب امرأة شاعرة تنظر من خلالها إلى ما تبقى لك من عمر ، فتبتسم ..
" هي في الوطن ، وأنا هنا بينكم قطعة من شوق ، ولا مؤشر بعد على الجمع بيننا ..
" نعم نعم .. هي في الوطن .. ؟ هل أنت مجنون أم سحرتك قبل أن تأتي .. ؟
هز رأسه هزات تفيد الإيجاب والأسف ، وقال :
" إن كان ولا بد من جنون في موضوع حب عميق فلقد جننت حقا وإلى أبعد حد .. وإن كانت قد سحرتني فعلا فبخفقة منها روحية ، وبنظرة منها امتزج فيها جمال الشعر بفتنة المقلتين .. ولم تسحرني بشعوذة الحومة أو الركن المظلم في سوق ..
" محمد .. فكر خارج عاطفتك التي رافقتك لحظة ، لقد جئت إلى هذا العالم لتبني نفسك ومستقبلك ، قد تناديك فرصة ذات يوم ، فهل ترفضها لأجل حبيبة مذيلة بالإستفهام في الوطن .. ؟
" إني أحبها بصدق قبل أن تقوم فينا العاصفة ..
ضحك الذي يسمع ، ربما بلا سبب ، فاضطر محمد للصمت برهة .. تنهد . ثم واصل يقول في هدوء ورزانة :
" قبل أن أتي إلى هنا كانت قصة الحب قد أدركت عنفها ، هي أمنت بي ، وأنا لا أستطيع أن أغدر بها وأحيا باقي عمري نذلا ..
" لكن المرأة هنا تعني ربح كل الأوراق ..
" مثلا .. ؟ " ورقة الإقامة ، ورقة الزوجة التي تعرف هذا المجتمع ، ورقة الغد ، ورقة حل مشاكل كثيرة هاجرت بسببها ..
" عفوا ، إني أعرف كل هذا ..
" إنه مجرد تذكير ..
" أريد أن أسألك يا علي وأحصل منك على جواب صريح : هل بحثت في المنجد عماذا تعني حبيبة في الوطن .. ؟
" بمنتهى الصراحة لا ..
" إذن لقد أجبرتني على قراءة قصيدتها جهرا .. قصيدة سوداء مغلفة ببياض الطهر والسلام ..
" العود يا عبد السلام ..
" .. .. ..
.. .. ..
.. .. ..
يا سادة ..
إن القضايا دائمة . والقضية العربية دامية . السيجارة لا تحل المشكلة لهذا قررت ألا أدخن بعد اليوم . والقصيدة التي بدأت بالوجع المزمن .. ؟ جاءت من الوطن الغالي عبر البريد بعد أن تسولت الحبيبة ثمن الطابع البريدي . كل شئ في سبيل الحب يهون . المهم أن يبقى الحب حبا . فليسمع العالم نشيدنا أو ليرفع أسوار كبريائه الخاطئ . بعدها كيف تريده ، يا هاوي المناقشة ، أن يتنازل عن وعده بالتضحية والوفاء ، يا علي ..؟
السيجارة قالت على ذمة الأوائل المجربين : يعود إلي مدمني الذي نساني بعد أربعين عاما من القطيعة ، فعلى الذي اتخذ قرارا أن يضع في حسابه لغة التحدي . كانت القصيدة عشاءكم الليلة أيها المغتربون لأجل الوضعية الإقتصادية ، فهل شبعتم .. ؟
" لذيذة ..
" رأيتكم تتلمظون أصدائي فأتمنى ألا تكونوا غاوين ، لأن منبع القصيدة غير هائم ..
" كلما جاءتك قصيدة من عند حبيبتك يا محمد ، فلا تبخل علينا ، أقم لنا مأدبة شعرية ..
" على راسي وعيني ، إنما ادعوا معي الله أن يجمعني بها ذات ليلة يحق فيها الحلم والقمر ..
" يا الله ، يا الله .. يا الله ..
الليل . كل عانق الوحدة والكابوس وأطبق جفنيه على الرجاء . ولا أحد نسي العاصفة لأن الخسائر في كل مكان والقبور طرية . كثيرة هي الأحلام الجميلة لكنها لا تتحقق . هو زمن المستحيل . عز الليل يعرف بالسهر والدفء . نحن هنا لكننا نائمون على أرض غير مريحة ..
من يفكر في الماضي يكبت الصراخ ومن يفكر في الآتي يحار . الماضي يهدده النسيان والآتي يلبس ثوب الإغراء .
يا حليمة هل تنقذينا أم تمنينا .. ؟ هناك من يتذكر أمه قبل أن ينام . هناك من يتذكر إخوانه التائهين في شوارع المدن الراعفة . هناك من يتذكر علاقات الصداقة والمقهى . وهناك من يتذكر كل الوطن في قبضة الزمن والمحن ..
محمد يتذكر حبيبته ، وحبيبته في الوطن ، لا يأتيه النوم حتى يحمق ويشسع الفاصل بين تعبه وعقله .. كم يكلف الوصول من تحدي ومغامرة .. ؟ أه .. حدث نفسك يا محمد حتى يجود عليك الليل بغفوة ..
" مرة تراني أفك العقدة ، ومرة تراني أربط هدب عيني لمجهر يطل على أغوار المصيبة . من قبل كانت أمي ترتاح لفعلي وتقول لي : العب وتلهى واعفني من الصداع لحظة ، أما اليوم هي ترقبني من خلف وشاح مهترئ ، واجمة التجاعيد مكدودة الملامح ، وتقول لي كلما حاولت أن أحررها من أغلال العجز والصمت : لا أفهمك يا ولدي ..
انس الدنيا وريح بالك . أهي دعوة للجبن أم للإصرار .. ؟ لسان من الألسن قال أن علال خطب إبنة عمه التي ولدت في بلاد الغربة . دائما لأجل الأوراق . لا ، إن بنت البلاد شئ أخر . بنت العائلة مشروع يتنزه فوق اللعبة الجارية . كل واحد فينا يبحث عن الإستقرار . من وجد امرأة طيبة المنبت وصالحة ، في إحدى زوايا مدينة الحظ ، يفتح بها باب السعد لن يفكر بعقل المصلحة وعدد السنوات . فرصة العمر من يضيعها لا بد وأن يعالج سكرات الندم . المرأة إذن في كل هذا الإلتباس قد تكون خيرا ، فيا فرحة الظافر ..
البيان المرقم أحمرا . نبكي إخواننا يسقطون تحت ريح مصنوعة في مختبر ، تحت ريح خريف مخترع ضد كل الأوراق التي تكتب غد خضرتها ويناعتها . العلماء الذين اخترعوا الموت الظالم أنذال ..
نبكي إخواننا يدفنون تحت الأرض وهم في ذروة الأمل ، ينتشلون أشلاءهم ليمنحوها شكليات الجنازة وهم شهداء بلا نفاق . لا شئ ينفع ما دامت أحلامهم ماتت بلا صلاة ..
لسنا أنانيين يا أيها النقاد ، فنحن نبكي السود المطبوخين وجبات في قدر البيض ، هلامات الكرامة تبعث الرائحة فلم لا تشمها المنظمات . نبكي السود الضحايا في حرب الجوع ، ونبكي عيونا تنتظر طائرات الخبز أن تحط .. ولا تحط ..
كما نبكي أنفسنا نبكي كل الإنسان الذي يتعذب في هذه الأرض ، الذي ينزل إلى الأسفل بعد أن يغرب الشعاع في عمره ، وتتعطل المبادرة بعد نداءاته ..
نبكي كل الناس أكثر مما نبكي أنفسنا ، لأننا جيل تجربة ، لأننا ناس على البؤس ولدنا وعلى الرجاء نعيش .. من يدري ، قد نموت بسكتة يأس أعنف وأهول من يأس القصص والروايات . لكن التاريخ لن يتوقف ، فهناك من سيولد نصفه عربيا ونصفه أملا عنيدا ..
لا يجمعكم إلا المساء أو منتصف الليل أو عطلة الأسبوع . العمل على مدى الأمل وإلا كنا مجرد هراء . قليلكم يملك بطاقة عمل وكثيركم لا بد أم يأخذ الإحتياط . شكرا للذين يستخدموننا حتى ونحن نعلم أنهم يستغلوننا . شكرا لصاحب البنسيون الذي يتستر عن وضعيتنا مقابل ثمن ..
إن تقرأ علينا قصيدة من قصائد الحبيبة في بريدك يا محمد نمنحها بطاقة انخراط شرفية . من سيعترف بكلامكم أيها الحمقى . لا حاجة لنا بالإعتراف لأننا نبرر وجودنا بالأنفاس . نحن نحب الوطن وهذا يكفي . نحن لم ننس العاصفة لأن أنقاضها لا تزال ساخنة . لقد عشنا ضغوطها الجوية هنا وهذا شئ فوق الحب ..
" اقرأ علينا يا محمد قصيدة ..
" ما أنا بشاعر كما تعلمون ..
" لحبيبتك ديوان عندك ..
" قد تصير القراءة عادة وأكون المسؤول ..
" نتمنى ذلك من قلوبنا الحزينة ..
" هل تمنحون حبيبتي ما وعدتموها وأنا شاهد .. ؟
" هناك غموض يعرقل اتخاذ قرار أخير ..
" يا سادة ، بين الحب والسياسة علاقة وشيجة وكفى ..
" فاقرأ ، بسرعة .. اقرأ ..
الألم يفتت الأكباد . البعاد يستهلك الأعمار . سيدة الجمال الباهر لماذا تنكر جمالها وهي الإلهة هنا وفينا . مرابط الخيل تحفظ سر البدايات الملهمة لكن داء العمي انتشر . أوه .. كثر الكلام لحد اللغو فبرمجوا الإستراحات . إننا نملك أن نحلم فلم لا نحلم .. ؟ للحلم حدود . سنتكللم لكي لا يستغلوا صمتنا .. وسنحلم لكي لا يستغلوا يأسنا ..
مرابط الخيل تفضح أسباب الكبوات . لكننا لم ننته كما في مخطط منتصف الليل وكمين الويل وفلسفة العدو الذي يضحك . سيدة الجمال لماذا لا تريدني أن أحب في الجمال بعد الرائحة والإيمان .. ؟ هو الخوف من الغرور يوجب الإحتياط
والردع ..
الراديو نقل الخبر ساعتها وأنتم تذكرون دقات قلوبكم هلعا . فارس مات في المعركة وهو صامد كالجبل ، وهو يضرب حتى أخر روحه ويبتسم . أمه كانت أشجع الأمهات ، زغردت لحظة جاءها بلاغ الموت وابتسمت هي الأخرى ، وصاحت :
" قسما لأشعلن وزوجي فراش الليلة ، وأحمل بفارس الليلة المقبلة ، وأضعه في الليلة الموالية على عجل ليتسلم غضبه قبل الفجر . حكاية الليالي حكاية لذة وسط المأتم ، حكاية صعبة البدء والسرد ،، حكاية نسل وفروسية وبقاء ..
" كم نفتخر بك يا أم فارس .. يا أم كل فارس ..
" فقولوا للذين صدروا لنا رغبتهم في فنائنا أننا سنبقى كالأرض ، كسموم الأفاعي سنتربى في المنافي وعلى هوامش أصلنا ، وكورود الياسمين ستنشق عنا تربتنا في كل مكان ، ونفتح ألواننا وأوراقنا وشذانا لمن يأتينا برعاية وماء ..
قولوا للذين صدروا لنا نظرية تحديد النسل وتربية الكلاب أننا لم نسقط صيدا ، لأننا أدركنا في زمن شاعت فيه الشهادة أننا في حاجة دائمة للأطفال ، للأبطال ..
" شكرا جزيلا يا أم فارس .. يا أم كل فارس ..
الحب سعادة فتأملوا الأشياء خارج الأنانية . من يفهم الحب يسعد طبعا . الحب الذي تشتركونه يا سكان بنسيون العرب هو حب الوطن . فلذات مغتربة والذكرى المقدسة لم تضع قط
فيا للعظمة .. حبكم هذا تهمتكم حتى تخونون دماءكم فخذوا بالكم من المساومة أو الضغوط . تمخض الفقيه المكسو بالنور فولد حكمة صريحة وجريئة . حب الوطن من الإيمان
يا إخوان ..
" ل أنتم حمقى أو داخل الموضوع .. ؟
" ألم تفهم بعد .. ؟ ألا ما أغباك .. نحن حمقى لحد الوطن ..
حيطان المرحاض حمراء قانية . الكتابة عليها بالأسود معقدة شيئا ما . لا بد من المحاولة . يا عبدو القائم على مصلحة النظافة بأمر من حمرائنا ، عليك أن تكتب التقارير اليومية بأمانة وبخط واضح وتضعها بين يديها . الأوساخ كثيرة . مهمة يجدر بصاحبها أن يعرف كيف لا يتنفس أولا . يدخلونه ويتخففون من أثقالهم ويدوسون فيه أعقاب سجائرهم ويكتبون . الروائح تخنق . من يرى ينتابه الغثيان . سهل أن تغمض عينيك متى شئت وكم من وقت شئت . علينا أن نتجاوز المراحل إلى جدواها لهذا نحن نعري أمكنتنا وأزمنتنا .. مستحيل إيقاف الأنفاس يا ناس أكثر من الممكن ..
" هل هناك فائدة .. ؟
على أساس معرفة المسكوت عنه والمتستر عنه تستطيع حليمة أن تصنف الذي يأكل أكثر ، والذي يفكر أكثر ، والمدمن على قراءة الجريدة ، وعبد نفسه السيئة ..
" هل هناك فائدة .. ؟
حليمة تبحث لنا عن انطلاقة ، وأكيد لما تعثر عليها في اليقظة أو المنام ستدعونا لعقد حفلة استثنائية ، وعلى عجل ..
" هل هناك فائدة بلا لف ولا دوران .. ؟
من لا يفهم يلتزم الصمت حتى تصقله الأحداث ، ويحظى بعقل ..
" المرأة التي تعشقها لحد العبادة يا محمد لي فيها رأي ..
" هل تعرفها .. ؟
سأله محمد في اندفاع وربما في غيرة تحضر في مثل هذه المواقف ..
" نعم ..
قالها عبد السلام وهو يهز رأسه تأكيدا ويضحك ..
" كيف عرفتها .. ؟
" من خلال المأدبات الشعرية وكلامك الدائم عنها ..
" .. .. ..
أسقط رأسه فوق نبضات صدره ، تماثل للهدوء بسرعة كأنه أدرك أن تأويله كانت خاطئة ، وقال :
" ستجد عندي دائما رحابة الصدر وسعة الروح ، فتكلم وهات ما عندك ..
" المرأة . إما أن تجعلك أسعد السعداء وإما أشقى الأشقياء..
" على أي أنا أنوي الخير وأتمناه ..
" وأنا من صميم أعماقي أدعو لك بالخير ، لكن حالتك إن حكمنا فيها العقل والقلب لا يجتمعان على نتيجة ،، هي مني أقسى صراحة ، فأنت أشبه بمن يراهن على ورقة رابحة لا وجود لها بتاتا وسط رزمات الأوراق ..
" من المستحيل بدأت كل الحكاية ، حكاية امرأة وحب ووطن ، وأقسمت على ترويض ذاك المستحيل حرفا حرفا ، ولا مناص من تعاطي الأيام قوارب لبلوغ الساحل ، ولو كلفني ذلك عمري برمته .. أليس هذا هو نهج الإيمان في خضم حياة لا تهديك الرغبات بمقياس الأحلام والآمال .. ؟
" عجبا .. تؤمن بالوهم لهذه الدرجة .. ؟
" الذي تسميه وهما يا عبد السلام حققه ناس أخرون كثيرون وبرروه بحواسهم ..
" عجبا .. تقسم على ترويض شئ وأنت تسميه مستحيلا ..؟
" من هذه الناحية أنا جد مرتاح لأني حققت فيه أطوارا
بنجاح ..
" تمنع نفسك من تعاطي الإختيار ، من ديمقراطية ذاتية ، وتمشي في طريق تملأه رائحة امرأة قابلة للزيغان في محنة البعاد ..
" عبد السلام ، إني أحترمك لأنك ديسكو لأغاني السلام ، فلا تضطرني لأن أغير نحوك أخلاقي بقذفك لإمرأتي في وطني ..
" معذرة ، لكنك تعزف بشدة عن أي منعطف يسوي وضعية مسيرك في أرض ليست أرضك ، بين ناس أكثرهم يكرهونك ..
" إني على عهد وثيق كما أسلفت لك الإعتراف ..
" للضرورة أحكام ، هو منطق لن يؤاخذك عليه أحد بدءا منا ، لأنه معمول به ..
" أنا لا أضع في حسابي كلام الناس ، لكني أخاف من عذاب نفسي بعد أن أرتد عن حكاية أيام وكلام ..
تدخل عبد الرحيم قائلا دون نقطة نظام ، ولهجته في أوج الإنفعال :
" المرأة المرأة المرأة ، ألا تفصلونها عن تفكيركم لحظة ، وتدعونا في المفيد نتخبط عسانا نلهم مخرجا .. ؟
" لم نبتعد عن المفيد لحظة ، نحن في فلكه ندور ، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ..
" لكن لماذا تذكرون المرأة كما لا تذكرون أنفسكم .. ؟
" لأنها امرأة حطمت فينا روتين اللحظات ، أشعارها هاجرت إلينا مكتوبة بدمع الأحداق ، نابعة من مساحة
الأشواق .. أه .. حكاية الأعماق ..
" هل بت شاعرا أنت الآخر يا حبيبها .. ؟
" المرأة علامة ، لأن بينها وبين الأحداث ارتباط ..
" افصح ، فأنا إما بليد أو ثقيل الفهم ..
" بين المرأة والسياسة علاقة ، فهمت الآن .. ؟
" كيف .. ؟
" لأنهما تنتهيان على السواء بتاء مربوطة مؤنثة .. التأنيث صيغة في الإعراب صعبة ، والربط مستحيل الفك ..
ضحكوا جميعا . عبد الرحيم وحده الذي جسد حالة الضد واندس خلف قتامة وجهه :
" اضحكوا مرة على مرة لكي لا يفجركم الهم والقنوط ..
" كثرة الضحك تميت القلب ..
لما يتعدى المجلس الساعة المحددة معناه أنه راق . عبد الرحيم فريسة اليوم لحد فقد معه صبره . صاح ملء صوته :
" بليد لوحدي .. ألا من ينصرني على عقلي .. ؟ ألا من يفهمني .. ؟
" محمد ، أنت سبب اتلمشكلة وعليك أن تسويها حالا بقراءة قصيدة ..
" المسألة بسيطة إن وجدت عندكم رغبة وصمتا وإنصاتا ..
" فليهاجر الشعر ، ولتنطق امرأة عمت صورها جنبات سريرك والجدران ..
ألهة تمشي فيكم ظلما وهي أضعف من أن تحمي نفسها . تذيبها الحرارة . يقلصها البرد . خوفكم في غير محله فإما أن تقاطعوا السلاسة المستعملة في النشرات الإخبارية أو لا تلوموا إلا أنفسكم . إن الفرق بين الصباح والمساء يشبه الفرق بين الحياة والموت ، فكم من صباح مر عليكم وكم من مساء أسلمكم إلى الظلام .. ؟
فقيه البنسيون قليل الكلام غزير الحكمة ، قال لما احتدم الصراع :
" لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ..
حدثنا في الجهاد أيها الفقيه . التزام الصمت في أوج الحرج إما عار وإما حماية لمعنى الكلمات المقدسة . نحن نتكلم فقط .. ونحلم .. من أكبر وأخطر الممنوعات أن تسمي أحلامك لفظا فاصمت .. لكن العاصفة حفرت الأرض وصنعت للبحر ساحلا من نار وروعت السماء ..
" ما هموني غير الرجال يلا ضاعوا ، الحيوط يلا رابوا كلها يبني دارو ..
علال ، هأنتذا بحثت لنفسك عن مخرج . امرأة ومستقبل والله يبارك . زوجة عمه لم توافق بسهولة . هكذا كل أمهات المخطوبات في بلاد الغربة لأنهن صرن بابا ونافذة وفناءا ينتهي فيه التعب . هذا مهاجر بلا أوراق حمل صراحة وهدية غالية أبخسوها . هذا مهاجر ثاني يعاني نفس الوضع حمل حيرة ووردا أذبلوه . وهذا أخر وليس أخيرا حمل رجاء وزجاجة عطر كسروها على العتبة . الزواج قسمة ونصيب . لا تحتقروا الناس عسى أن يكونوا خيرا منكم . لعنة الله على من ينسى الماضي . الزواج مهر ومساومة دنيئة . لكن يبقى الإنسان إنسانا حتى ولو هاجمته الحضارة الأخيرة من قبل ومن دبر ، فما أقل الإنسان ..
زوجة عمه لم توافق حتى أرته نجوما في منتصف النهار . ارسم لنا الصورة يا سعيد لكي نفهم أكثر . زوجة عمه امرأة تتظاهر بأنها مرفوعة الآخر وهي خبر مطلق لكان . عمه كان جنبه لا مكره ولا مجبر لأنه يحفظ محنته على شفتيه ، جازاه الله خيرا . عندما تلتقي المرأة الخطأ بالرجل الصواب يصفق الشيطان . احذر يا علال أن تطلق إبنة عمك لما تحس أنك قضيت منها وطرك ، فنشهد بنذالتك اليوم وغدا . نيتي ألا أفشل يا إخواني . زغردي يا حليمة فإنك مهما صرت فأنت لا تزالين امرأة عربية ، وأنت لون الدم فينا . حقيقة ..
الحقيقة أنها تخاف من حبيبة محمد ولا تخاف من إبنة عم علال . تلك حبيبة وهذي خطيبة .. وأنت حليمة .. فلا تخلطي بين الأشياء .. لكن الغيرة تأكل صدر حواء لما تشعر بالتفوق يجانبها . ألا إن الإفتراء على الناس انطلاقا من حزازات نفسية ذنب كبير ، حليمة بريئة كأمي ، فاتقوا ويلات ضمائركم ، واربطوا ألسنتكم لكي لا تنطلق منكم نابية ..
حبيبة محمد شاعرة ومجنونة وجميلة . خطيبتك يا علال عصرية ولا تتكلم اللغة العربية . وحليمة حمراء كرغبة في ساحة الوغى ، تسيل تحت الشمس مدرارا ، وتتكبد إذا ما سقطت حواليها الجدارات .. الفرق بين هي وتلك .. وأنت .. جلي لكن لكل عاشق إشارة تنعت إرادة القلب . هل هناك من يعيش بلا قلب .. ؟ من فضلكم ، استحضروا عقولكم فقط .
طبعا أيها الحارس اليقظ ، كلامك على صواب ، فكل العشاق لهم عقولا تلغيها القلوب لما تهفو .. لكن كل هذا ليس بالخطإ فلا بد أن يعمل العقل في وعورة التفكير ..
فقيه البنسيون قليل الكلام حاسم المواقف . قال بعد أن تنحنح :
" لا إفراط ولا تفريط ، كلوا من طيبات ما رزقكم الله ، واحمدوا واشكروا واتقوا ..
" هل اقتنعتم .. ؟
" نعم ، لكن يبقى في كل الأجساد يسار ..
" أكيد ، فلولا وجود يسار ما وجد يمين ..
" كالشر والخير ..
" كالشقاء والسعادة ..
" كالحرب والسلام ..
" كالموت والحياة ..
" كفى ، فلقد قلنا أننا اقتنعنا ..
" إذن تصبحون على خير ، ولا تنسوا أن تحلموا ..
تريدون أن تموتوا معشر سكان بنسيون العرب لكن ذكر الحياة يعيقكم . تريدون أن تكسبوا الحياة لونا ونوعا لكن ذكر الموت يعيقكم . من أراد أن يرتاح فليترك الفلسفة جانبا . الطريق لاحب لهذا كسدت تجارة الخرائط والمعلومات في وطنكم . ببساطة أنتم أبناء أمكم .. أرضكم .. الدمعة في العين لا تفسروها دائما ضعفا فللفرح دموع كالمطر أيضا . أحبكم لأني مثلكم . من ينكرني سيعيش في عذاب ضميره ..
" من أين أنت يا أخانا بالضبط .. ؟
" ولدتني نخلة ، ما رأيكم .. ؟
" أنت إذن تمرة حلوة ..
" نعم ، إنما إذا عزمنا على المشي سويا حتى الوطن فلا يأكل بعضنا البعض ..
" الإشتهاء فينا لعنة ..
" لا يأكل مرنا حلونا ..
" نريد أن ننتصر بأي ثمن ..
" لا أذكر بالضبط من قال أن الإنتصار خطة ، لكني أذكر أني صدقته ولا أزال ..
جاءت الجوابات محملة بالتحيات وفياضة بالمتمنيات . الإنتظار كان طويلا حتى ملأ رهائنه شكا وعذابا . الذي يعرف القراءة قرأ على الذي لا يعرف . وأنتم .. ؟ لماذا لا تقرأوا علينا رسائلكم جهرا فنتساوى .. ؟ يا سعد الذي يقرأ
أسراره سرا .. وصلتنا مشاعركم يا أحبابنا فرفرفت في عمقنا الذكريات . لا زلنا فيكم هكذا فهمنا . نتمنى ألا تكذبوا علينا فنحن في أمس الحاجة لصدقكم وإخلاصكم لنا .. هنا ..
لا زلتم أحياء رغم الوباء هكذا فهمنا . تحبوننا . الكلمات والقبلات . اختلاف أحجام وألوان الأظرفة والأوراق ليس عائقا فأديموا الصلة بالحبر والصور . إياكم أن تمنعوا عنا أخباركم ولو كانت رمادا . طوابع البريد يجمعها صاحب الهواية . من أتاه فرح فطالبوه بحقكم ولا تخجلوا ، ومن أتاه قرح مسطر بالصديد فكونوا له عونا . هه .. ما دمنا نملك الوسيلة فإننا ندعوكم إلى الفعل . تواصلوا معنا ضد النسيان .
ضد الضياع حردونا بين السطور . في أول سطر اذكروا الله ثم قولوا ما شئتم . في أخر سطر اكتبوا لنا وعودكم وعهودكم ..
" أمك يا أحمد استوحشتك كثيرا ، وهي تقول لك أن خمسة سنوات لم تنسها لمحة واحدة شردت في وجهك ذات يوم ، فمتى تعود لحضن أهلكه فراغك .. ؟
" أحقا هي مشتاقة إلي هكذا .. ؟
" وتطلب منك أن تحمل لها مطحنة قهوة يدوية لما
تأتي ..
" يدوية .. ؟ أه .. لم يستفد حينا القديم بعد من الكهرباء ..
" وتقول لك أن بنات المدينة كلهن كبرن ، واكتمل جمالهن ، وصرن عروسات ما شاء الله .. فهل ستعود يا ولدي .. ؟
" أخوك يا عبد الرحيم محتاج إلى نقوذ ، فإذا كانت هناك سعة فلا تبخل عليه ..
" ما أبشعك أيتها الظروف ..
" ويعدك أن تزورا قبر المرحومة أمكما سويا لما تأتي ، وتبكيانها دمعة .. دموعا ..
"أهلك يا علال يستعدون لحفل عرسك ، للفرح ، ويهيؤون لك الزغاريد وأهازيج قلوبهم الصافية ليلة دخلتك ببنت
العم ..
" على الله تسير الأمور كما نشتهي ..
" وأختك الكبرى تقول لك أن تعلم خطيبتك بعض الكلمات العربية ، حتى إذا ما صرخت لحظة يفور دمها معانا طهرها كان الصراخ مفهوما .. شيئا ما مفهوما ..
" عبدو ، أبوك مريض ، طريح الفراش منذ سنة ، الروماتيزم : هكذا قال له الأطباء .. كلفة العلاج باهضة ، ومصاريف البيت ترتبك تحت المعدل الأدنى ..
" أبي ، أبي .. أبي ..
" لم نرد أن نخبرك لكي لا نسلمك للقلق وسوداوية التصورات . أبوك ظل يمانع بشدة من أن نكتب لك مرضه وفقرنا ،، واليوم نحن نفعل دون علمه سامحنا الله ..
تحلقت العيون حول رأس محمد المدفون في قصيدة . وانطلقت كل الألسنة ترجوه قراءة جهرية تفصلنا عن بشائر وطن عكرها أسى وطن . قال محمد :
" نعم ..
يذكرنا الورد المترعرع في أصداغ الفضاء بالوطن . كلما تستهلكنا الروائح العطرة يجيش فينا حبنا . نشوة عارمة طالعة من دروب عزيزة مطلية بطين طاوع كل الأمطار والأقدار .. قدرنا هذا البليد الذي يسألنا الآن :
" هل تحبون وطنكم حقيقة ، وبكل هذا التفاني .. ؟
" نعم ..
" ما دليلكم لأثبته وأبعثه برقية مستعجلة .. ؟
" لم يكسبه النسيان في ذاكراتنا بعد مراودات شتى ومؤامرات إلكترونية ، هو فينا خالد ..
للوطن ثمن . الذكرى في ديمومتها لا تتعب ولا تخفت . الورد في أحواضه يتناوب على رسم الربيع ، ووردنا ذا فصل لا يأفل .. لا يذبل .. وإنا لنذكر الوطن لنطمئن ..
هذا الفضاء مزرعة بدء وجذور ، جثث الموتى الشهداء سماد والأمل يقطر بالحياة .. في القلوب إيمان وبرهان ، وأنتم تحاولون شرخ الجسد .. ؟ تحاولون جرح من يسكن أرض الحوض وشذى الورد ، وعنف العشق .. ؟ يا لكم من أغبياء أيها السادة الأعداء ..
خرسى لا تنبسون ببنت شفة إلا إذا كان الموضوع حليفا أو شرطيا في منطقة ، أو قرأتم موقعكم في خريطة الإهتزاز . أصابكم الصمم ، ألا تسمعون أصداء البنوة تؤنس مساحات الأمومة وتخترق الحدود .. ؟ ألا تسمعون صراخات الميلاد ..؟ مصير كل صدى أن يتجمع كلمة جبارة في وجه الإفتراء ، ومصير كل ميلاد أن يهدي عاشقا للوطن ، خوفي عليكم يوم تقفون على عجز ألاتكم أمام ثقافة الجنين ، هل لم تخبركم الكمبيوترات بأنباء الغيب .. ؟
عميان البصر والبصيرة ، ألا ترون في كل يد سيفا مهندا .. ؟ على أي هي سيوف عاقلة ، لأنها تود لو تظل مغمدة .. عناد ، ألا تقرأون حبا مفتوحا لمن رغب في عناقنا .. ؟ ليس حبا ساذجا فاحذروا أن تخرجوا من مدلولات المفردات ، احذروا أن تفسروا أعرق وأطيب أخلاقنا حسب مزاجكم .. إن لدينا ألاف العلماء في اللغة الترابية ، ولدينا كل روح للفداء ..
" نريد علماء في الزراعة والصناعة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
شكرا على التعليق