04 فبراير، 2009

بلا رأسي

قد يأتون بك من ساحة التحام فوضوي ، من محطة سفر ، من سوق أسبوعي ، من شارع الرخام ، من الزحام ، من زقاق التراب ، من على المحراب ، من مقهى شعبي ، من محكمة .. في استعجال يكون الإتيان بك ، تؤكد ذلك كلاكصونات سيارة الإسعاف ، وضوؤها المنذر بالخطر .. وقد يدخلونك قاعة عمليات ، أو مجزرة متطورة ، أو خلوة بلا شرعية .. في استعجال يكون إدخالك ، يؤكد ذلك الخطو المصوت على الإسفلت .. ويباشرون فيك القطع ، والأخذ ، واللاتعويض .. يقطعون رأسك دفعة واحدة ، يأخذونه ، لا يعوضونه ، وتنجح العملية ، ولا تموت ..
صدق أو لا تصدق .. دع الكلام عن المعجزة جانبا ، فنحن في إطار الممكن نحلم ، ونيأس .. جرب غن كنت لا تخاف مصيري ، بلا رأس صرت ، هذا كل ما في المصير ..
ما أنا بفيلسوف لأبرر لك الحقيقة ، فقط أنا الدليل على نفسي ، قطعوا رأسي .. وحييت .. وصفق الجراح منتشيا ، وابتسم لظفره ، ستقبله أمه الليلة على الجبين ، ستقبله امرأته في صدغه .. هل هي أول عملية جراحية تجرى للإنسان ، في هذا الميدان ، في هذا المكان ، في هذا الزمان .. ؟ وهل برأسي كنت سأموت يقينا وأنقذوني .. ؟
لما قمت بزيارة ، وزيارة .. وزيارة .. شاكيا موقعا وواقعا ، لم أقل شيئا سوى أن برأسي صداعا حادا سببه محرك سيارة أؤدي ، أنا ، ثمن أزيزه . ثمة وجع مركب ، ثمة ألم يفوت علي تخطي المستنقع إلى الجنة الموعودة حدثني عنها مصدر لم يلوث ، لسان لم يقطع ..
جنون .. اطلبوا مني أبسط وجه لحياتي لا أعطيه لكم ، لا أصفه لكم ، ففاقد الشئ لا يعطيه .. لأنه لا يملكه .. ربما يصفه . أما أنا فلا ، لا .. لا .. أخاف أن أكتب مرة إضافية في عمري ، فكل الكذب الماضي كان ضدي ..
سألوني وكأنهم اقتربوا من اكتشاف مرض استنفذ كل البحوث والتجارب ..
" منذ متى وأنت على هذه الحال .. ؟
" أي حال ياى صاحب السؤال .. ؟
" غبي ، منذ متى وأنت تحمل هذه الرأس ، نقصد رأسك هذه .. ؟
" منذ ميلادي .. " أغبى ، منذ متى وهي تؤلمك .. ؟
" أه .. فهمت الآن ، منذ كانت الوعود الأولى إلى يومنا هذا المؤرخ بالغيوم ، ارفعوا عيونكم إلى السماء لتستبينوا لونها الحزين ، وعود لاحقة ، وعود طويلة المدى ، لا تتحقق ، كاذبة .. إلى ربها شاكية حقوق الذين عاشوا على الوعود .. وماتوا على الوعود ..
وسألوني :
" هل وحدك من تحس بهذا الألم ، أم لك أشباه .. ؟
" لست أدري ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكرا على التعليق