امرأة تنحتها البخارات ، تتصاعد زفرات بعد شهقات ، تصير سحابات ، تمطر أو تبكي حسب الحالات .. وتغرقني .. بعد أن أقرأ إيجازا في كتاب الذكريات ، لقد قيل لي ذات يوم : اكتب للحب والحياة ..
محمد عطاف . فينندال . هولندا
لما الكتابة تغار أحار ، وأجدني فوق لوح صلد كالمسمار ، طبعا فوق رأسي مطرقة تنزل وتطلع ، وعلي أن أنزل أنا إلى الأسفل .. إلى الأعماق ، وأوثق الشد بين الأطراف ، وأنهي التوزع و الشتات .. على أن أنزل على إيقاع ضربة فوق رأسي وضربة في الهواء .. أو أعوج أمام المستحيل ، فيتركونني نصفي مدفون ونصفي يصرخ .. ويصرخ .. أو يقطعونني على حد ما انغرست كشجرة في طريق مشروع ، فأتوزع وأنشتت .. أو يقتلونني من غمرة الجذور ..
" أسرع في الجواب ..
ذلك رجاء من امرأة ولدتك في رحاب قصيدة رائعة ، وكتبت طالعك بالدمع والجنون .. امرأة تحبك ، وتحكي لك مع كل فجر فصلا من حكاية إلزا
و أراكون ..
لكن الكلام أضرب عن الطلوع من الأعماق ، وتمرد عن الإنصياع والطاعة ، هناك رغبة في أن أطير لكن الباب انغلق ،، أنادي :
" يا لغة الكلام ، أنا هنا ..
صارت صماء خرساء .. ماذا حدث .. ؟ أحاول رد الأوضاع في كياني إلى حالنها العادية ، أتفاوض على مرأى من طيفك يا امرأة يتربع في عرشا ، ويضحك من فوضى تأكلني من كل جانب .. الرحمة ..
" ما هي مطالبك يا أيتها الكتابة .. ؟
" تنصفني أو أديم النفور منك ..
" لكنك من دمي حقيقة ..
" ولن تملكني كما تشتهي إلا أن أريد أنا ، وأنا الآن لا أريد ..
" لا تضطريني لأن أفكر في اغتصابك ..
" لن تستطيع ، وعلى أي جرب ..
" أرجوك ، أريد أن أسافر عبرك ، فكوني الوسيلة كما عهدتك دوما ..
" ألا ترى أنك عدت لضعفك بسرعة ، الإدعاء ليس طريقا إلى المبتغى ، دعنا نتواجه ونتطارح كل المرارة بكل وضوح ..
" طيب ، ماذا هناك .. ؟ افهميني فأعذرك ، أو أذبح رقبتك وأبكيك ..
" أن تعذرني لا يكفيني ، وأن تذبحني ستموت ، أنا روحك أيها الشقي ..
" نعم ، لكني قد أختار الموت راضيا مرضيا إذا ما استهلكتني بلا عطية .. بل عطايا ..
" تطلب ثمنا إذن .. ؟ وبمنتهى الجهر .. ؟
" لأجل امرأتي ، حبيبتي ، أقسمت أن أطلب جدوى كل عمري ، أن أروض المستحيل ..
" بلغنا بيت القصيدة على يدك ، وما نفعتك مراوغة ركبتها منذ البداية ..
" ماذا تعنين .. ؟
" الحب ..
" الحب .. ؟
.. فوضى الروح ، تمرد فوق العادة ، ازدحام الشوق ، ارتقابك أيها الآتي إلي من وحشة البحر يروضني على مجازفة العاصفة ، والعاصفة تخرج مني بشكل طوفان أزرق ، يداعب ما تبقى في عمري من أشلاء ، كان يغريني حد الغرق ذلك الموج المتربع عتبة البحر ، وكنت أحمله في القلب
حتى تراني صاخبة متموجة كمساحات عشقي لما يكبر .. ويكبر حتى تضيق به السماء ..
" وماذا في ذلك أيتها الكتابة .. ؟
" أنت تحب بطريقة عنيفة لم يسلق لك أن تعاطيت بها عواطفك من قبل ..
هنا قفزت ، صحت كطفل بريئ اكتشف سارق الحلوى :
" هذه شهادة لصالحك يا امرأة بايعتك للقلب ..
.. أما وقد أتاني العشق يرتجف تحت قدمي خشية اندثار أو احتضار ، أو ربما خشية شموخ ، فذاك قدري ، أني قددت من وهمي الإيروسي سيوفا أشهرتها في وجه زمن يحاصرني بغيابك حد الموت .. نعم حد الموت ..
.. أما هي ، بلاغاتك و أرقامك ، فقد توجت بها قمة الروح وأعلنت الولادة ، فذاك قدري الثاني ، أن أذوب في عشق رجل يكابرني بألف مساومة بوسعها ترويض المستحيل ، فرحك المصادر بين المسافة والتذاكر والسفر ..
" إنها أعلى درجات صدقي ووفائي ، أيتها الكتابة ، وأنه والله حب حقيقي .. لقد سماني زماني منكوبا لما خلت كل دروبي تباعا من الدفء اللطيف ، فشلت ، اقتعدت الرصيف وحاولت أن أتسول التعويض ، كانت الأرقام بحجم الأيام والآلام ..
لكني مت فتعاطتني الباقيات في الممشى شهوة ولم أرفض .. استسلمت .. قلت أنا مت فلأسقط عني أعلام الرقابة و الخوف ، وأساير العصر و القدر ..
" لكن كان فيك عرق ينبض في غفلة عنك ..
" لم أكن أشعر ..
" كان فيك أمل ينبت ..
" لا أذكر ..
" كنت فيك أنا ..
" وحدك كنت أحيا بك لحظات جميلة ، وأدافع بك عن حقي في الحياة ، وسرعان ما أعود للموت ..
" ربما لم أنفعك فكنت تعود إلى البدء التعس إثر كل انطلاق حالم ..
" لست أدري ..
" ما كان بيدي فعل شئ ولم أفعله ..
" لم ألمك ..
" رويدا رويدا فكرت في أن تحب المستحيل ، وتنطلق ..
" نسيت أغلب الماضي ، فذكريني ..
" قبل أن أذكرك عليك أن تنصفني ..
" كيف .. ؟
" لا تطلقني لحساب أحاسيسك التي هاجت لحد بعيد ..
" لم أفهم شيئا ، هل بت بليدا يا عالم ..
" استجمع عقلك فأنت في حضرتي ..
" أين عقلي مني .. ؟
" أخذته ..
" من .. ؟
" هي ، وهل هناك غيرها .. " من .. ؟
" ضمير مؤنث فاتن ، يستتر في قلبك ، ويتوالى في عمرك كالأنفاس ، هو الحياة صار ، هو الروح التي تخفق ..
" من .. ؟
" فاعلة جبارة استطاعت أن تعربك مفعولا به لا يزيغ ..
" أنت تتكلمين على طريقة امرأة ، وما أنت كذلك .. فمن يا ترى .. ؟
" أنت تتغابى ..
" أوه .. أرجوك ليس لي استعداد لأن أهذي اليوم و غدا ، ورائي التزامات بموجب وعد و قسم ..
.. ما زلت حبيبي تسير على وهج أحلامي ، وتعتق الذات بشهوة الإبحار .. وهذا المساء انجرفت ، حتى غطى جسدي زبد التيار ، كنت سأذوب زسط ألاف الحبات من رمل أصفر كذهب النساء ، وكنت فجأة سأرفع راية العدم ، ويحضرني في غيبتك ملاك الموت ، وأستنطق :
" كم رجل تسلق أعمدة الريح لأجلك .. ؟
" واحذ وتسعون ..
" أين ذهبوا .. ؟
" كانوا يبحثون في عن طيف امرأة بلا لجام ، عن رائحة البحر ، عن رقصة الشهب ، عن وداعة الحمام .. لكنهم اكتشفوا في أبهة الكلمة ففروا جميعا ، وطلقوا طيفي بلا رجعة ..
" وماذا فعلت أنت .. ؟
" مازحتهم لما وقعوا تأشيرة الوداع ..
لما الكتابة تغار أحار ، فإذا ما انعدمت .. وقد كانت صهوة وثيرة .. ماذا تساوي كل الأفكار .. ؟ ماذا .. ؟
" وعدتها وأقسمت لها .. ؟
" نعم أيتها الكتابة .. لا ، من تعنين .. ؟
" .. مبتسمة .. فاعلم أنك في وعدك زرعت أملا كبر بسرعة غريبة ، ومن قسمك تجرع الإيمان ..
" من هي ندك في ، سميها ..
" لا تراوغ معي فأنا قرأت حلمك الكبير قبل أن يراودك بعنف ، وتتبناه بلهفة ، أنت تعرفها كما لم تعد تعرفني ، أنت تحبها كما لم تعد ..
وهنا انحبس الكلام في حلقها ، وأجهشت باكية كصبية ..
" تبكين يا أيتها الكتابة ، دموعك أحسها تدغدغ دمي ، لأول مرة أذوقها منك حارة ساخنة بعد أن اعتقدت أنك لست من الباكيات ، أنت الأخرى ضعيفة إذن .. ؟
" على شاكلة كل أنثى لما يضيعها قلب حملها بلا شريك سنين ..
" ياه .. المسألة ترسمها ملامحك بجد ، ودموعك كتبت أول حرف ، لكنه لا يكفي ..
" أتمنى ألا أبكي ثانية ، لأن الأنثى تبكي مرة أولى ضعفا لا تنكره ، وتبكي مرة موالية لإنتقام ترتكبه للتعادل ، وإشفاء الغليل .. أو لم تعلمك امرأتك كيف تحتاط من الكيد العظيم ..
" بدأت أخاف منك ولما أفهم شيئا بعد ، هأنذا أرتجف ..
" هذه دلالة على أنك تبيت لي نبذا ..
" أبدا ، هي رجفة أورثها شعور مجهول ..
" برئ نفسك .. " مم .. ؟
" من شعورك المجهول .. " لا أستطيع .. صدقني ..
" جرب فقط لأسجل جهدك لصالحي ..
" أنا لا أعدو أن أكون إنسانا ..
" غير كاف ، لأن تذرعك بالإنسانية المحدودة ليس عذرا ، كما أن تشدقك بالإنسانية النابغة أو العبقرية ليس وساما يفيد الكمال ..
" حائر ..
" لأنك ضيعت الأفكار وسط عاصفة عاطفية لا تهدأ فيك ..
" الحب حلال يا ناس ..
" ومن قال غير هذا .. ؟
" كل الأفكار نصفها من العقل ونصفها من القلب ..
" غلب القلب ونؤيدك ، قل ثلثي الأفكار هزلا وباقيها جد ،، لكنك لحد الآن لم تنطق ..
" كل الذي قلته ولم أنطق .. ؟ أتوسل إليك ، إذا انثقبت فيك المسامع ، فارحميني ، إني تعبت ..
.. ذباب يلتصق بجسدي ، كأني دجاجة منتحرة ، بيوت يدخلها النور من شقوق ضيقة ، منازل كالقبور ، نساؤها يلدن أطفالا بسحنات الهلع ، بعيون ملؤها الفقر والتوسل ، بيوت نساؤها يزرعن الحناء في بهو الراحتين ، ويحتفلن بحرق الزمن ، لاشئ يشبه الحياة هنا .. هنا .. في هذه المقهى يمتزج الصباح والصراخ والصياح ، والجوع القاتل ، ورائحة القهوة .. بفقر وتخلف ، زسواد قاتم يغلف وجوه الذين ينتظرون الذي لن يأتي ..
" كل الذي قلته ولم أنطق .. ؟ كل الكلام الصادر عني كان مجرد ثرثرة ، هراء ..
" عنيت أنك لم تتقدم خطوة مرجوة نحو براءتك ..
" هل ركبتك عقلية قاضي تحقيق أبله ، هل جننت .. ؟
" في خانتك شك ..
" إن بعض الشك ظلم ، وأنا ما عهدتك إلا مناهضة لأدنى الذنوب ، فكيف يهون عليك أن تشكي فيمن ولدته من أحشائك أشبه بنبي .. ؟
" الشك في اصطلاح اللحظة تهمة حتى تدلي بتبرير ..
" حرام عليك ، ما أفتأ طمعانا في أن تسقطي كل شكوكك في حقي حتى تبادريني بتصعيد ..
" انطق فالوقت من عمرك ..
" أنا بريئ كالندى ..
" والرجفة .. ؟
" أتيتها بسبب أفصحت عنه ..
" أن تفصح معناه أن تعري الألوان المختفية فيك ، لا أن تقول ، شعور مجهول ..
" اللعنة عليك ..
" كل الذين يلعنونني في الصباح يستغفرونني في المساء ..
" انفعلت فقط ، أستغفرك الآن ..
" لا علي ، لكن الرجفة ولدت لعنة ..
" قد تلد اللعنة مشادة فأصير الخصمين والميدان ، والهزيمة ، اعفني الآن من التتمة ، تعبت ..
" كل الإعترافات تأتي بعد تعب المتهم ، لذا سأواصل ..
" أرجوك ..
.. إني أحمل الآن في خاطري ذكرى شروق جميل شهدت خلال الطريق الطويل . إذا حرت يوما فيما سأهديك في عيد ميلاد حبنا الألف ، وقررت أن أهديك ملخص ذاك الشروق الذي تولد ذات يوم ..
هل ستقبلها .. ؟ قل لي ، أم تراك تصدني ، مجنونة لا تفقه المعاني ولا تعرف من الحياة غير الرسم بالكلمات ..
" تأذن لي بسؤال عن التي غدت منافستي فيك .. ؟
" منذ كان الحب ..
" لكني لم أغير شيئا حيالك ، فلا تغيري ما عودتني عليه من طبع و سلوك ..
" بالأمس نعم ، كنت أنا وحدي وكنت أنت عبدي ..
" لا تزالين ولا أزال ..
" وهم ، أغنية صامتة بين أوتار ممزقة ، اليوم علي أن أقرع أبوابك و أنتظر ، قد تقبلني إذا ما صادفتك شاغرا ، وقد تردني على أعقابي بأدب مفلس إذا ما كدت أفضحك في حضنها ، تتسلقها بين حين وحين ، وتجني قبلة و قبلة ، وتنسى العالم ..
" أنت حرة في فضاءاتي كسيرتك الأولى عندي ،
فلماذا تتصورين حذف اندفاعاتك ..
" لا بد من الإحتياط يا عزيزي ، حتى لا نلتقي فيك يوما وتحتدم النظرات ، وتشتعل النار ..
" سأحترق ساعتها حتى الرماد ..
" وأنا ، من جهتي ، لا أريدك تحترق ..
" شكرا أيتها النار ..
" ماذا .. ؟
" عفوا أيتها الكتابة ..
" هل تأذن لي بالسؤال .. ؟
" طبعا ، تفضلي ..
" أين امرأتك .. ؟
" .. .. ..
" أظنك لا تعشق الشراب لمجرد أنه يلمع ، وما مثلك من يغيب عنه طعم البعد على مدى المسافات ..
" لا ، امرأتي موجودة حقيقة مبرهنة ، في الوطن تمشي مرفوعة الرأس في كل الأسواق ، تأكل الطعام ، وتحبني بين كل الرجال ، وتحلم بالأطفال ..
امرأتي في ذاتي ، تزرع في صمتي روعة الضجيج ، وتصغي إلي إذا ما مولت اشتياقي وناديت ملء لوعتي .. في الزمن هي تاريخ مقروء ، وفي المكان هي قلعة أو برج .. أو سور لا ينحني للرياح الناطقة بلغة العتو أو الإغراء ..
ربما هي في طنجة تتعرى على شاطئ مالاباطا ، أو تتوسل الصبر في سيدي بوعراقية .. ربما هي في أصيلة تنظر إلى أطلال الأعراس الثقافية بعين هادئة .. ربما هي في العرائش تتذكر .. ربما هي في القصر الكبير مبتدأها في الواقع ومنتهاها في الخيال يتألف .. ربما هي في الدار البيضاء تصفق وتزغرد وترقص .. ربما هي في الجديدة ، تتعرى على شاطئ الوليدية وتشتهيني ماء غير مالح ..
ربما هي في العيون ، تعترض سبيل المارة وتسألهم عن الطريق إلى عين الدفلى ، حيث لن تجدني سوى طيفا يواريه الغبار و النسيان ..
وربما هي في وجدة ، تحتفل برأس السنة الجديدة ..
امرأتي في ذاتي ، وخير الكلام ما قل و دل ..
" أنت تحبها .. ؟
" نعم ..
" امرأة موسومة بالجمال و الجنون ..
" نعم ..
نشاطرني فيك ..
" نعم ..
" وغدا ستطلقني لأجلها ..
" لا ..
" اعطني ما يؤمنني فيك ..
" أنت كتابة وهي امرأة ..
" سأدمرك إن خنت ..
" وستدمرني هي كذلك إن خنت ، هكذا قالت لي ..
" أنت الضحية دائما ..
" فمن أدمر أنا إن خنتماني باتفاق أو صدفة .. ؟
من .. ؟ من .. ؟ من .. ؟
" أعنا على تدمير نفسك ..