07 فبراير، 2009

إعلان للموت صامت






ويقهقه الهاجس الخناس في أعماقه ساخرا ، فيضطره لبلع ريقه ممزوجا بفشل قبل الأوان ، ولم يكن في الحسبان . يواجهه برد ورعد وبرق ومطر ، وتتفهه نقمة سواد جبار . لولا لمحات برق خاطف بين الحين والحين ، لجزم عبد الرحمن أن الدنيا أظلمت ظلمة لا ضياء بعدها .. ويستأنس بلمحات البرق ، في حين يستعد لقصفات الرعد بوضع يديه فوق أذنيه ، بعد أن يكون قد استحضر درسا في السرعة : فضوء البرق يليه قصف الرعد .. الطريق إلى الجنة قبل لفظ الأنفاس ، طالما تمنى أن يكون بين قارعتيها يبتاع ضرورة ورغبة ومشاعر بالأمان ، ويبيع قوته العضلية والذهنية بالمزاد .. لكنه الآن يسير على طريق مملة تفضي إلى مدينة تنام في غطيط ، تحلم ، تهذي ، وترزح تحت قهر الأشباح .. المدينة . في المدخل حيث تثبت يافطة حفاوة : المدينة ترحب بكم .. يجد أشخاصا موتى بالجملة ، وأخرين يئنون ويموتون بالتقسيط . يجتاحه خوف هائل عقب منظر الموت المؤثر . لماذا يخاف الإنسان الموت وهو ميت وإن طال زمانه .. ؟ الإصرار على البقاء يزداد في اللحظات الحرجة ، وإثر معالجة كل شهقة نهاية حتى اللانهاية .. ما كان يحسب أن يصادف مأساة كهذه في هذا الوقت المتأخر من الليل ، في هذا الطقس الشتائي المحض .. هل كان هناك إعلان للموت فاته الإطلاع عليه .. ؟ يسرع في خطوه مبتغيا الهروب إلى حيث البراءة . يقفز البركات المائية المتجمعة متحاشيا الوقوع فيها ثم البلل والإنغماس ، مرة ينجو ومرات يقع فيها . الماء يغدو في عينيه أحمرا قانيا كدماء الشهداء ، أو الضعفاء . والشهداء أنفسهم يقبلون على الموت وجلين منه ، إنه منهم أخر اختيار ، تضحية ، لعبة حظ رهانها الأرواح : إما حياة كريمة أو موت شريف .. لهم الحياة السرمدية فلا تحسبوهم أمواتا ، لهم الجنة .. كان يود الإبتعاد عن الموت والموتى والمعالجين سكرات الموت ، خوفا من أن يضبط في عين المكان أو على مقربة منه ، وتلصق به شبهة ، تهمة هو في غنى عنها .. قد يضايق المرء من حيث لم يحترص ، وقد يذهب ضحية تحري خاطئ أو مقصود أو متعسف ، والبراءة في صدره مكنونة لكنها خانعة . من يرحمه بعدها ، من يرد إليه الإعتبار .. ؟ هارب وعلى وجهه هلع وخيوط أمنية بالنجاة ، وفي صدره يتردد صوت : جبان ، جبان .. جبان .. فيحدث له صدى لا ينقطع .. عبث هو فراره من قدره .. تحت أشعة كهربائية باهتة تتراقص حبات المطر ، تتلاحق وكأنها في سباق مع دموع أشقياء الأرض ، تتوهج ، تسطع كأنها في عز لياليها التي لا تعود ، ولا تعاد . وتقع تلك الحبات على ميت موتا لانهائيا ، على ميتين وثلاثة وأربعة و .. وأموات أجمعين .. إنها تسقيهم عساهم ينبتون ، ويتبرعمون ، ويتفتحون ، ويزهرون ، كذلك إلا التكذيب .. هم كذابون أفاقون في كلتا الحالتين : كثرة الطلب على الحقوق ، على الحظوظ ، أو نقصها .. ألا تلاحظ أن الفشل ، فشلي أنا ، رقم واحد .. لكني رغم ذلك لا أموت وإلا أخليت لهم المجال ، ومضوا بلا عسر في طريق بلا سدود ممتنعة . لا ولن أموت مادام الموت بالآجال .. لن أموت إلا بأجل .. تفتح عينيك في انفزاع . كنت قد غفوت وقد أنهكك حفر قبرك . وتتلفت إلى كل الجهات بحثا عن لسان نطق في غفوتك ، عن لسان قرأ عليك فصلا من قصة حياته ، أخر فصل يفقم المأساة ، وانتهى إلى التعلق بالحياة والإستماتة فيها إلى أخر رمق . من كان يتكلم معك .. ؟ أين ذاك الهاتف بمعاناته وألامه في فصاحة .. ؟ أينه .. ؟ ولم تر إلا الفضاء تميله شمس أصيلية . العالم مال ولم يسقط ، ولن يسقط . الزمن يدنو من الغروب . يذهب يوم لينوب عنه أخر في موعد جد دقيق ، وأنت ، إن ذهبت فإلى غير رجعة ولن يبكيك حتى إخوان لك في المحنة ، أو يفوقونك .. هل تعي الآن هذه الأشياء ، أم ما تزال ملكا لإصرار الشيطان .. ؟ تنتصب واقفا لتعرض عن كل الأحاسيس إلا إحساس بالنار . الكل في قلب النار يأبى الإحتراق بكل الوسع ، فلست وحدك ، إنها الحياة .. في عينيك الجحود يتربى كاللقيط . تحمل الفأس وتهم بمتابعة الحفر . لا بد أن تموت مع موت النهار ، مع غروب الدنيا .. فكر بنبوغ سهل ، إن الدنيا تشرق غدا بجديد ، ولو كان هذا الجديد مجرد تغيير الأرقام ، وأنت ستتعفن تحت التراب وفي الذاكرات ، وتنسى .. فكر قبل أن تنتهي وتصير عفنا ومنسيا ، فكر فلن تحوز بعدها فرصة ندم أو حسرة .. " سبحان خالق الأفكار والأحاسيس ، وملهم الصواب .. وترجع على عقبك . تبتسم ابتسامة الإنعتاق من المصير السادي كنت سترمي نفسك فيه ، لكنك سمعت قصة هاتف إن لم تكن مثل قصتك فهي أسوأ ، وتراجعت .. وكنت الشجاع يمحو في رمشة عين ما مضى به من جبن . تسير في اتجاه المغرب كأنك تسعى لإدراك شئ قبل غوص الشمس خلف الجبال . أينك يا مياه الفضة تغسل بها دنس العزم ، والحفرة ، والغبار ، والعرق والأدوات التي أعانتك .. ؟ في عينيك لألأة ، إنها دموع البراءة منك ، فأنت صادق في توليك عن القرار .. على شفتيك نفس الإبتسامة الإنعتاقية ،