08 فبراير، 2009

مدامع امرأة

بعد أن فتحت نانة الباب إثر رنات الجرس ، دخلت العمة يامنة
وهي تلهث أكوام العياء ، وتستدل على وعثاء الطريق بزفرات متكررة كادت تتحول إلى صفير.
كانت العمة يامنة كبيرة في السن ، تقول أنها تذكر قليلا يوم زحف الإستعمار على البلاد ، كانت تستعمل كبر سنها عنصر مفاخرة و مباهاة على أنها واكبت تحولات جذرية ، وأحيانا تستعمله لإستدرار الشفقة والرثاء ..
سلمت على نانة عند الباب . قبل أن تتجاوز مدخل الدار قالت بلا توطئة :
" ألم يصلكم خبر عن التاجر الحاج عبد الرحمان .. ؟ ردت نانة بالنفي وقالت بصوت خفيض كأنها تستعد به للمفاجأة :
" خير إن شاء الله ..
قالت العمة يامنة :
" دائما تحبين الخير للناس يا ابنتي ، فلن ينساك الله أبدا ..
تسمرت عبيدة خلف الباب ، وشحذت كل مسامعها لإلتقاط الأنباء . الجديد .. ؟ يحضر بحضور العمة يامنة . كانت بحق وكالة أنباء كبيرة متنقلة ، حاملة لأسرار المدينة ونبضاتها الخفية ، لا أحد يعلم كيف تتهيأ لها المواد وكيف تحقق فيها أحيانا السبق الصحفي .. عندها أخبار المعارك والشجارا ت ،
والولادات والوفيات ، والمرضى وأمراضهم والأدوية التي تنفعهم والتي لا تنفعهم ، والزواجات والطلاقات ، والعائدين إلى الوطن في عطلة أو مطرودين .. والآتين منه مخاطرين أو مستأشرين ، والعاملين والعاطلين ، وتفاصيل حوادث السير ..
فليتصور أبسط مجتهد حجم الخطأ والعبث لدى هذع الوكالة الشائخة ..
كم من مرة تساءلت عبيدة عن لو أن العمة يامنة وظفت طاقتها هذه ، أو هوايتها هذه ، بنفس الحذاقة والتفاني ، في ما يعود عليها وعلى الناس بالنفع ، لكانت مثالا لإمرأة مجتمعية .. لكن عبيدة كانت تخلص بسرعة كعادتها إلى قولها :
سهل جدا أن نؤذي بعضنا البعض بتكالبنا مع الظروف السيئة على الضحايا ، فنأتي الكذب والنفاق والإشاعة لنشوه الوجوه بناء على غرائزنا الآثمة ، أو نأتي الصدق لنحفظ المستترات ،، وصعب أن نفيد بعضنا البعض لأن إدارة الخير فينا مهملة بإسهاب ..
عبيدة لم تتزوج لحد الآن ، تجاوزت عامها الخامس و الثلاثين فأذرفت دمعتين حارتين على قدر متحجر لم تضعه في الحسبان ، لم تثمر الدعاءات جدوى ولا الإستغفار توبة ولا زيارات الأضرحة
بركة ، ولا تمائم السحار غاية .. كانت صغيرة شابة ناضجة تحلم ، فرسان عدة تعاقبوا على أحلامها ، فضاعوا في صحاري العجز أو اندمجواكما أحبوا في الحياة ، أو خانوا ..
منهم من مكنتهم من نفسها ، من كؤوس طافحة بشهدها ، من أطباق فيها عطر وإغراء وطاعة .
حديث النساء أغرب وأعجب في أذان براعم على الطريق ، على أساسه اعتنقت عبيدة فكرة لا تغرقها الأمطار ، أغرقتها الدموع يا زمن ..
كانت تعتقد أن جسد الفتاة المشتهى بحر لا يرعوي عن تهيجه إلا أن يغرق فيه ملاح ماهر ، ليس بسهولة يحدث هذا ، وعلى الفتاة أن ترمي منها قطعة ثم قطعة أخرى طعما متواصلا توقع به الضالة ، لا تمنع لدرجة البخل ولا حياء لدرجة العقدة ، تلك هي الفكرة التي ضمها الرأس لإدراك البغية .. منهم من نظرت إليهم فقط ، من كلمتهم على هوامش أمنية في الصدر فقط ، ومن حلمت بهم من بعيد فقط ..
حلمت بإبن عمها ردحا من العمر ، واشتد الحلم حتى أوشك أن يصرخ يوم نال شهادة الباكلوريا ، أحبته و أحبها وسرى بينهما عهد ووفاء ، لكنها سمعتهم يتكلمون ذات يوم ويقولون : عبيدة محرمة على المهدي لأنها أخته في الرضاعة ..
تهاوى الحلم بين الثنايا بعد أن تطاول حتى أعناق السماء ، بقانون من السماء تهاوى ، انطفأ كل الإشتعال الذي كانت تذكيه البسمة والشوق و العناق ، بماء من السماء انطفأ ..
لم تبق إلا ذكرى تؤنب القلب الذي أحب من غير أن يتعاطى السؤال ، وهي تندم كلما تذكرت تبادل قبلات غرامية مع المهدي حتى تشرف الشفاه على ذوبان هائل ، عناقات يحترق على مداها الجسدان ليعاد تشكيلهما بصهد الأنفاس ، كانت تصغر له وكان يسكن بين ذراعيها كطفل وديع ويهمس لها أنه يحبها ، وسيتزوجها هي لا غيرها ، وسيعقدان مع الحياة وشائج تغدق عليهما سعادة مثلى .. هي الآن تجد الأشياء جميلة كلما تذكرت ، وتجدها حراما فتندم ، لكنها تعزي نفسها بأن ما وقع كان قبل أن تعلم ..
قالت العمة يامنة لنانة :
" إن الحاج عبد الرحمان خطب لإبنه الأكبر نزهة بنت السي الحموتي ، الذي يسكن في عمارة بيكان ، والأسبوع القادم سيذهبان إلى القنصلية بأمستردام ليكتبا عقد الزواج ..
سمعت عبيدة نانة تردد في غمغمة يائسة :
" نسأل الله التوفيق لهما ..
الأمر لا يهمها ، فهي الأخرى تود أن تسمع بشرى عن إبنتها العانس ، فتحقق كل ما نذرته لله من ذبائح وصدقات وعبادات وحج . انسكبت دمعة عنيفة ، غزيرة ، من مقلتي عبيدة . كرهت العمة يامنة ، وكل النساء اللواتي يفتحن النار على كومة من إنسان ، تزداد ضألة وذبولا ونحولا ويبسا مع الأيام .
العمة يامنة ليست عمتها أخت أبيها ، إنما هي عبارة أدب تطلقها عليها منذ أن نشأت العلاقة في بلاد المهجر ، وبدأت تتردد على البيت لتفرغ الجديد من الأخبار ، وتعيد ترتيب القديم منها . لقد استبشرت بها في الأول متمنية أن تكون لها خاطبة في أسواق العرسان ، أو تقيم لها دعاية تأتي أكلها ،، كانت تقول لنفسها :
" قد يأتي الفرج من حيث لا نحتسب ، اصبري يا نفسي ، العمة يامنة ستجعل الرجال يتهافتون عليك ، إنها تعرف جيدا أنك تجيدين الغسيل والطبخ وترتيب المنزل والخياطة ، إنها تعرف كذلك أنك صامتة متأدبة وابنة أصل و ناس ، وكم من مرة أشادت بك وأبدت الإعجاب ، وكم من مرة قالت عنك أنك جميلة .. أجمل من فلانة وفلانة و .. وكم من مرة استغربت فيها لتأخر إبن الحلال عن طرق الباب كما طرق باب فلانة و فلانة و فلانة و ..
كانت عبيدة تبني عليها أملا سرعان ما تقوض ، فنفرت منها ، وكرهتها ، وودت لو أنها تقطع المجيئ إلى البيت نهائيا ، فهي كلما جاءت فجرت عبوات أحزان سليلة ، وأجلت كل أسباب الغيرة حتى يلوم اليائس نفسه ، وتسقط منه حلقات إيمان قديم ، و لا تغادر إلا وقد تركت القلوب تنتحب وتندب تعاسة الحظ ، كأنها ، العمة يامنة ، كانت تتعمد إيفاد بقايا أرواح قائمة إلى حالات الإنهيار ..
ترامى إلى عبيدة سؤال العمة يامنة عنها :
" أين زينة العزاب .. ؟ إني لم ألمح لها طرفا ولم أسمع لها حسا ، هل هي خارج البيت كعادتها .. ؟
كانت تتوقع أن تسأل عنها العمة يامنة بمثل هذه الدعابة القاتلة ، أو أكثر .. كم تحب أن يكون أبوها ، أو أخوها ، حاضرا خلال زيارات هذه العجوز ، لكي تخجل منهما مضطرة فلا تجهر بهذه الدعابات الموجعة في ذات دامت أوجاعها ، ولا تصول وتجول في استعراض الهراء و الثرثرة ..
عبيدة أحبت عقلية الرجال انطلاقا من عقليتي أبيها و أخيها ، لهم عيويبهم لكن ،،
إنهم لا يتكلمون كالعمة يامنة ومثيلاتها الكثيرات . أبوها لم يقل لها كلمة قط في الموضوع رغم أنها تستشف في عينيه تقهقرا أمام واقع مر في الصدور . أخوها مصطفى كذلك لا يستهويه الوقوف على أرصفة مثل هذا الكلام ، رغم أنه هو الآخر يعجز عن إخفاء أساه ، إذا ما اضطره الموضوع اضطرارا ، وحاصر صمته وهروبه ، أو ربما لامبالته ، اكتفى بالقول :
" للصبر منال ، وتشبيه حياتنا بحيوات الآخرين يورثنا شقاء لا نستحمله ، فدعونا لأنفسنا ومصائرنا ، ودعوا شؤون الناس للناس ترتاحون ..
ثم يضيف بعد أن يضحك في اعتداد :
" كل امرأة جميلة مهما شانوها ، لها نصيبها مهما تأخر ، وسيسوق لها الله إبن الحلال في الوقت المناسب ، ومن استعجل الخير عثر ..
ويلتفت إلي ويسألني وفي نظرته إلي عزم على إسقاط خوف أحبل به :
" يا عبيدة ، اذكري لي امرأة واحدة لم تتزوج في هذه الحياة .. ؟ دعي إذن الأقدار تتصرف واعفي نفسك من التعب ..
" لا أجيبه . سؤاله يسليني ويرميني في رياض أمل وفرحة ، وترقب ، لأنه سؤال بلا جواب ، ولأن الحياة الواسعة التي أعرفها تندر فيها امرأة بلا زواج تصلح لأن تكون جوابا وقاعدة للتهويل والتخويف ..
سمعت عبيدة نانة تناديها بصوتها المبحوح :
" يا عبيدة ، عبيدة ، اخرجي لتسلمي على عمتك ، وتعدي لها مشروبها الخاص ..
تصورت عبيدة عينل العمة يامنة تتراوحان بين الأبواب المغلقة ، وفي سرها تراهن على أي باب ، ستخرج عبيدة من هنا ، ستخرج من هنا ، من هنا ، لا من هنا ..
تمنت لو أن نانة لم تنادها وابتكرت لذلك أي كذب أو عذر يقنع العجوز ، لكن نانة باتت أشبه بالمريضة المزمنة ، منهكة الأوصال متعبة النظرات ، لا تستحمل الوقوف طويلا ولا المشي باعتدال ، فلا بد من إعانتها على استقبال الضيوف ، وخاصة ضيفة من الوزن الثقيل كالعمة يامنة ..
وخرجت عبيدة من باب غرفة أخويها الصغيرين ، كانت تقوم على ترتيب سريريهما وإعادة النظام لمكتبهما الصغير ، وخزانة ملابسهما . هربت منها أول نظرة إلى الباب الخارجي وقالت في نفسها :
" أريد أن أخرج من هنا ..
ثم خطت نحو العمة يامنة لتلقي عليها التحية ، وتسألها عن الصحة و الحال ، ولتسمع منها كلمات مهجنة تلمع قشور الجروح ، وتقيم مداولات للكأبة المنتشرة ة للغيض المكتوم .. لكن عليدة تبتسم لها فقط ، فإنه يعز عليها أن تغضب نانة التي أوصتها مرارا أن تتجاوز ما يسيئها من لهجة العمة يامنة ..
وكانت عبيدة فعلا تصبر وتكتم أعتى انفعالاتها ، لأنها ما كانت لتتهاون لحظة في إيقاف العجوز عند حدها أو طردها من البيت لو كانت سيدته ، الآمرة و الناهية فيه ، لأن البيت النقي في نظر عبيدة كحقل فلاح ماهر يشذب منه كل الزوائد والطفيليات لأجل مردود وافر .. لكن الزمن لا زال يحرمها من بيت أعدت له نظريات شتى للبناء ، لا زال يحرمها من أن تكون ذلك الفلاح الذي يحمل بيد ماء الحياة وسمادها لينعش نباته ، وبيد أخرى يحمل مقصا ضد العوائق والتهديدات ..
قالت لها العمة يامنة :
" ظننتك خرجت لتوقعي أجمل صياد في شركك ..
قالت عبيدة في هدوء :
" ليأت الصياد إلينا إن كان يرغب حقا في الغزلان ..
انتفضت العمة يامنة وقالت :
" وما لك .. ؟ غزالة و نصف ، ولم تطلبي أكثر من حقك ، يأتي هو ، وسيأتي حقا وفيما قريب يا عروسة ..
انشدت عبيدة إلى هذه الكلمات الأخيرة :
" .. سيأتي .. قريب .. عروسة .. هل هي فقط مواساة مألوفة .. ؟ هل هي رمز لشئ أشاع بوادره في رأس ممتلئ بالشيخوخة وملفات المدينة وضواحيها .. ؟ أم هو مجرد خرق يصدر عن خرقاء فيتعلق به كل من التهمه مصير رديئ مثلي .. ؟ كانت كلماتها اليوم حارة مركزة ، كانت مفتاحا لكلام أخر ..
خطت عبيدة في اتجاه المطبخ لتعد للعمة يامنة مشروبها المفضل ، فلاحقها صوتها :
" لا قنط من رحمة الله ..
هرولت بقية الخطوات . وقفت في وسط المطبخ تشد رأسها بين يديها ، صدرها يعلو و يهبط بعصبية ، وجذعها يكاد يقتلع من فرط اهتزازات في الوجدان ، ظل الصوت يلاحقها :
" سيأتي إبن الحلال كما أتى سيدنا سليمان الملكة بلقيس .. تساءلت عبيدة وهي تحط العجوز مكان الهدهد :
" أمعقول .. ؟ أممكن .. ؟ اللعينة .. كم تجيد عبارات المواساة و العزاء ، وكم تفتح للأمل من فجاج .. اللعينة .. هل يستعملها الواقع سوط عذاب .. ؟
تذكرت إبن الجيران فخفقت ألياف قلبها حتى شارفت على التمزق . الوطن كان محنة في خلاصته ، الرحيل منه خدع ميتة بأنها ستحيا ، والإستقرار بهولندة منذ ثمانية سنوات لم يحل المشكلة بعد ، ماذا كانت تنوي .. ؟ أشياء كثيرة .. إنها تتذكر لتهرب من مرارة الآن ، لكن فضاء الذكرى أمر ..
" رحلنا من بيتنا القديم الذي كان يوجد في قصبة المدينة إلى بيتنا الجديد بتجزئة الأندلس .. أسفت كثيرا على رحيلنا من بيت ولدت فيه وكبرت فيه ، وكل شئ فيه يرسم خطوة من خطواتي في عرض الأيام المرتبة في رفوف الماضي ،، البئر القديمة التي يصرخ فمها بأبجدية الأشباح ، أغصان الدالية لما تتعرى ولما تورق ولما تثمر الظلال والأعناب ،
الغرفة القبلية الموالية للباب الخارجي والتي كانت مخصصة للضيوف ،
" الغرفة التي تليها وكانت معدة كغرفة نوم للوالدين ، تنار كل ليلة وتفوح بأزكى الروائح لما يعود أبي إلى أرض الوطن ، وإذا ما سافر أغلقت ووجمت ، ولا تفتحها نانة إلا نادرا لتستبدل هواءها ، وتنفض بعض غبارها ، وتقتبس لها من شمس الضحى قليلا من الأشعة ، ثم تعيد غلقها ..
كنت أعرف أنها غرفة شبه مقدسة عند نانة ، لأني كنت أعرف ما يقع فيها ، بالمصادفة ، في جوف الليالي الصيفية التي لا تغلق فيها أبواب ولا نوافذ ، كنت أسمع الأنات المحمومة والتنهيدات المتسعرة والشهقات الدالة على قمة مجد الأجساد ، أحيانا أهرب من الأصوات المترامية إلي
فأدس رأسي بين وسادتين ، وأحيانا يعتريني الإستلذاذ فأرهف سمعي ، وأرخي بيني و بين الإستحياء كل الجدارات ، في كل صباح أسترق النظر في وجه نانة كأني أطمع في رؤية أثار ليل سمعت عنفه الجميل ، فلا أرى إلا خطوط سعادة و إطار بسمة كثيفة وواسعة ، السر مكنون بين الجدران الأربعة ..
" أعترف أني اختلست الخطوات كم من مرة إلى تلك الغرفة ونانة غائبة ، أغلق بابها علي
وأرتمي فوق السرير ، تتباعد الأطراف وتتسع الجهات وينشط الخيال ، وأحلم برجل معي ، أي رجل يعريني من وحدتي الصلبة ويضيئ الكون كله في عيني ، في جسدي المرتعش ..
" كانت هناك غرفة واسعة ملتصقة بالمطبخ ، نأكل فيها ونتحلق حول صينيات الشاي والقهوة ، ونسهر ، ونتجاذب أطراف الحديث النسائي فنتأثر يسرعة ونضحك بسرعة ونبكي بسرعة ، ربما نضحك وأخر البكاء في أعيننا أو نبكي حتى الضحك ، هو جنون أم وجه امرأة في كل مكان و زمان .. ؟ تكون أناملنا منشغلة في الطرز و الخياطة ، وبعض الأعمال اليدوية الأخرى ، وننام في نفس الغرفة أنا وأختاي اللتان تصغراني ، نانة كذلك تنام معنا طيلة غياب أبي .. أخي مصطفى يتخذ من غرفة الضيوف غرفة له ،
ولا يجتمع معنا إلا على مائدة الأكل ، نأخذ له قهوته أو شايه إلى مكانه فنجده يداعب تصاميمه الفسيفسائية أو مستسلم للتفكير ..
" أختاي تزوجتا . نعيمة تزوجت لما استقر بنا المقام في بيتنا الجديد بتجزئة الأندلس ، كنا لم نجئ بعد إلى هولندة ، تزوجت بأستاذ في مادة الفلسفة بالسلك الثاني ، وهي ليومنا هذا تعيش معه سعيدة كريمة .. نورا كانت أصغر من نعيمة بسنتين ، وأجمل منها بكثير ، خفيفة الظل سريعة الإبتسام والإشراق ، كنت أسميها ملائكة فوق الأرض ، ولم أكن أخاف عليها من البوار بل من عين بني أدم ، تزوجت هنا في هولندة ، خطبها أحد شبان تطوان المغتربين فرضيت به ووافقت العائلة عليه ، وهي ليومنا هذا ترتع معه في حياة رغدة ملأى بالحب والوئام ، وهذا هو المطلوب ..
أختهما الكبيرة ، أنا ، منكودة الطوالع سيئة الحظ تقطع قلبيهما كما تقولان في كل المناسبات ، هما صادقتان ، تدعيان لها بالخير والزواج إثر كل الصلوات ..
" ما أحسست بغيرة حوائية أبدا تجاههما ، وقد يقول قائل أنه لم يكن هناك سبب يدعو إلى ذلك ، لكن حذاري فالغيرة لدى نساء من نوعي تنشأ لأتفه سبب أو بلا سبب ، حرصت على ألا أقع في مثل هذا الإحساس وأفلحت ..
وأذكر أني عارضت بشدة عقلية الترتيب المستحوذة على أغلب العائلات ، تتزوج البنت الكبرى فالتي تليها ، فكرة خاطئة لم ينج منها الذكور أيضا ، فليتزوج الأكبر فالذي يليه ..
" لم يضرني أن يختل هذا الترتيب الوهمي ، ولم أفسره إهمالا لي أو تجاوزا لمكانتي في الأسرة .. أعترف أني بكيت بكاء مهولا يوم جاءتني نانة كمبعوثة من عند أبي تستشيرني في مسألة زواج نعيمة بالأستاذ ، وتجعل كل الأمر متوقفا علي ، إن رخصت لأختي زوجوها ، وإن رفضت أسلموها لرقمها في الترتيب و الإنتظار . هم أبرياء لأنهم ما قصدوا سوى أخذ رأيي كإبنة عزيزة كانوا يحلمون أن تزف هي الأولى ، لكني استشعرت موقعا أخر أتشكل فيه رغما عني فرفضت بشدة أن يعدلوا عن أمور كهذه إرضاء لي .. الزمن هو المتهم والقدر استفهام . بكيت حتى خلت دموعي مزيجا من الملح والحرارة والدم ، أفضل لي أن أقضي العمر كله بائرة من أن أكون شيئا يعيق تحقيق أحلام الأخريات ، ومن هن الأخريات .. ؟
نعيمة و نورا اللتان أحبتهما بصدق زكانت لهما أشبه بأم ثانية ..
كلنا نحلم ونكره العوائق ونلعنها سرا و علنا ، لذا اتقيت كره أختي ولعناتهما التي حتما كانت ستتوالى في غاية الجنون ..
" طبعا ألسنة الناس سوف لن ترحم عائلة أخلت بالترتيب المتداول ، وحتى العمة يامنة التي لم نتعرف عليها إلا عندما جئنا إلى هولندة ، قالت مرة لنانة :
أخطأتم لما سبقتم الصغيرة على الكبيرة ، حظوظ أفراد الأسرة تنزل لهم بالترتيب ولا ترجع إلى من أخرناه ، لقد تسرعتم ..
وعبيدة تساءلت يومها عن من أين جاءت العمة يامنة بهذا التأويل الأحمق . لا تعرف مرجعا لمثل هذه التأويل المجانية ، كل ما تعرفه هو أن تبور إبنة واحدة في الأسرة ، إن كتب عليها ذلك المصير ، خير من أن تبور كل الأخوات ..
أسفت عبيدة كثيرا لفراق البيت القديم الذي تتكدس فيه بصمات نشوئها الأول ، ذكريات جميلة يتعذر على السنوات أن تعود لتبعث فيها الروح ، وتجري فيها الحفيف الوجداني ..
وجوه أترابها من ينات القصبة .. فضاء الحياة اليومية بمللها و مستجداتها .. عيد عاشوراء والمولد النبوي ، وشهر رمضان ، وعيد الفطر وعيد الأضحى .. الدرب الضيق المؤدي إلى المسجد القائم بصومعته وقبته وتوالي الأذان .. وجه عمي خالف الأعمى وهو يتلمس الجدران والأعمدة للوصول إلى أبواب حفظ جودها وكرمها ، كان يحب أولاد القصبة ويسامرهم في الليل ساعات تحت ضوء فوانيس لبدرب الكهربائية ، ويكرههم إذا ما أتوا شغبهم ضده ، فيسبهم و يشتمهم ويعايرهم بما في أبائهم و أمهاتهم من عيوب وبما ليس فيهم ، ولا زال يردد بأعلى صوته أن الناس نسوا الله فأنساهم أنفسهم ،، ختى مات ، داسته عربة مهترئة ، ولا زالت تلك العربة تسير و تذكر أغلب سكان المدينة بالعم خالف ..
" جارتنا على اليسار تستعير منا المكنسة والإبرة والتوابل ، وجمرات متقدة في الشتاء ، جارتنا على اليمين نستعير منها قوالب لصنع بعض الحلويات ، ومراود الكحل ، والأسطوانات .. وجارتنا التي تقابلنا كانت جد متكبرة ، بلا مبرر ، لا تريد أن تمشي فوق الأرض وهي تمشي فوقها ، لا أرض أخرى هناك ، متكبرة ربما لأن زوجها كان موظفا بمحطة القطار ، لا ، ربما لأنها أخذت حصتها من ميراث هزيل تركه أبوها ، لالا ، ربما لأنها بنت فاس أصلا وفصلا ، لا بنت مدينتنا المردومة تحت الغبار والسنوات ،، علمي علمك يافاسية في الفوارق بين الناس ، ياإبنة الأصول نحن كذلك ناس .. كانت تتصورنا ناسا لا نصلح لأن نكون جيرانها ، وكانت تتصور القصبة كلها لا تصلح لها سكنا ، وأنها تستحمل البقاء فيها ظرفيا فقط ، فاقد الشئ لا يعطيه والكاذب الجميل من لا ينطق ، كبرياء الحلزون يفضحه جفاف سائلها ، والظرفية في عدادك ياجارتنا هل هي شهور قليلة أم كم من سنة مرت وأنت بيننا .. ؟ رحلنا نحن وتركنا لها المكان و الناس تتصورهم كما شاءت ..
أسفت لذاك الفراق ، لكنها لم تكن تملك أكثر من دمعة على كل الوراء ، وتمشي في الموكب صامتة ، إلى تجزئة الأندلس . سمعت أباها يغمغم :
" في استبدال السروج راحة ، وهذه القصبة لم تعد كما كانت ، ذهب رجالها فذهب معهم كل شئ ..
" بيتنا الجديد كان عصريا وجميلا ، يتكون من طابقين أحببت أعلاهما الذي يحتوي على شرفة تصلح للجلوس والإطلالة على شارع طويل و عريض ، تروج فيه الحياة بشكل مغاير لما ألفته في القصبة . سألف هذا التغيير وأنسى الماضي قطعة قطعة ، هكذا قلت لنفسي ، فالزمن وحده كفيل بأن يجعل بينك وبين العمر المنصرم هوة عميقة .. أحببت تلك الشرفة وما كنت أعتقد أن منها ستبدأ علاقتي بإبن الجيران . داره كانت تقابل دارنا فلا غرابة إذا ما التقت عيناي بعينيه مرة في اليوم أو مرتين أو ثلاثة ، لا غرابة في أن أضبطه يطيل النظر إلي ويبتسم لي . ثمة أحاسيس وأفكار تأسر كل فتاة تكتشف فتى يصوب إليها نظرا ثاقبا ، فلتنب عني أي فتاة في إجلاء شئ مما دار في داخلي .. وأنا أحس أن إبن الجيران يلتهمني بعينيه ، يتصيد صعودي إلى الطابق الفوقي وجلوسي في الشرفة ، يترقب إهلالي عليه فيبتسم لي ..
" لا غرابة في أن أطيل إليه النظر من جانبي لأجده شابا يافعا ، جميل الوجه ، تنضح منه خفة روح وعلامات نشاط وحيوية ، وتنحبس فيه أجمل عاطفة ، ترى من هي المحظوظة التي تطلع على فؤاده ورائحة أنفاسه وتستهلك نبض قلبه ، هكذا وجدتني أسأل نفسي . كان يحمل دائما في يده جريدة أو كتابا أو أوراقا منسوخة حتى شككت في أن يكون أستاذا كرجل أختي نعيمة ، أو يكون طالبا ذا مستوى عالي ، وفعلا كان طالبا في السنة الثانية أداب كما سأعرف ..
" لا غرابة في أن أبتسم له أنا الأخرى ، نحن جيران وكفى ، لكن الغرابة في أن يشير إلي ولا أفهمه ، أو أني تعمدت ألا أفهمه ، لقد وضع يده على قلبه حتى خلته ينتزعه من جذوره ، في الحقيقة ذلك ما أرادني أن أفهمه ولا أكون غبية ، ورماه إلي في الهواء ، وانسحب إلى الداخل تاركا وراءه أذيال ابتسامة سماوية ..
" بعدها لا غرابة في أن يستغل ابن الجيران أي فرصة في الطريق ليقترب مني ، ويتحدث إلي ، كنت أتوقع ذلك وخاصة أني قسوت عليه بأن حدجته بنظرة نقلتها ربما من نانة لما تغضب ، وبدوت له غير فاهمة بتاتا للغة العواطف ، متحجرة كأن كل العالم من حولي مذنب لا ترجى له شفاعة عندي ،،
وانقطعت عن الصعود إلى الشرفة أياما طويلة ، لذا اقترب مني يوما وأنا عائدة من وسط المدينة ، حياني برقة خلت نفسي معها أسمع صوت قديس خدعوني بصمته ، باح ، قال :
" لقد بعثت لك بقلبي مفاوضا فهل تسلمته .. ؟
ضحكت منه . تصنعت اللاكتراث وأعماقي تكذب وتقول لي : يا لعينة ..
تساءلت في حماقة وجدتها ممتعة :
" قلبك .. ؟ أنت إذن منذ ذلك الوقت تعيش بلا قلب ، معجزة ..
هز رأسه فسقطت منه ابتسامة قطرات :
" نعم ، وهل من رأى مثلك قادر على إبقاء قلبه بين ظلوعه ، لقد هرب مني إليك عنوة ، فرخصي لي أن أبحث عنه فيك عساني أسترد بقية منه ..
قلت له ونحن نقف على الرصيف ، انتظارا منا أن يتوقف سيل السيارات لنجتاز الطريق :
" قلبك لم يهرب منك ، أنت الذي انتزعنه ورميته ..
قال :
" الهروب بمعناه المجازي ..
تساءلت :
" المجازي .. ؟
وقبل أن أترك له فرصة الرد استطردت
أقول :
" على ما أظن أني دونك مستوى في التعليم والثقافة ، وربما بلا مستوى البتة بالمقارنة معك ، أراك تتكلم لغة صعبة وأحيانا تستعمل كلمات فرنسية ، فاعلم أن ما في حوزتي أكثر من مستوى الخامسة ابتدائي ، انقطعت عنده صلتي بالدراسة لظروف خاصة ..
تنحنح وبلع ريقه ، قال :
" أنا لا أتكلم إلا بلغة إحساس جميل اشتعل بين جوانحي وأنا أراك لأول مرة ، والإحساس لا يخضع للمستويات الورقية بقدر ما يخضع للإرادة و الجرأة ، وأنا أردت وتجرأت ..
قلت له :
" هأنتذا ماض في لغة أصعب ، أرجوك إني لا أفهمك ..
تصنع الإنكسار كما يفعل طفل أمام أم يعرف تراجعها عن كل قراراتها ضده . أنا لست أمه وهو يعرف هذا جيدا ، هكذا همست عبيدة في سرها . إنه يطمع . إنه يحلم . إنه .. قال وكأن الكلام انفلت منه :
" إنك تفهمين كل شئ ، لكنك تمارسين القوة لما استشعرتها ، شأنك في ذلك شأن بنات جنسك ..
" لن يكون مصيري أحسن ممن عرفت إذن ..
أسرع يقول وقد تنبه للخطإ الذي ارتكبه :
" صدقيني إن قلت لك أني لم أعرف الأنثى بعد ، أنت أول وأخر من أريد أن أعرفها وأبني لها صرحا من وفاء في صدري ..
قلت بيني وبين نفسي :
" عرف كيف يصحح هفوته ، ليتني أصدقه بسرعة فالصمود في أوصالي بدأ يفتر ، لكني أريد أن أتهاوى في حضنه كل عمري وليس ساعة ..
سألته في اعتباط :
" ومن أين لك بمعرفة طبع النساء الذي أعلنته إن لم تكن خضت تجارب .. ؟
ولم يجد صعوبة في أن يجيب :
" قرأته في كتب عدة ، وعندي مثله المزيد ..
أحسست أنه أقنعني وهزمني لما احتمى بالقراءة ، وما بوسعي أن أكذبه فلأصدقه ،
لكن ليس بسهولة تبرزني رخيصة في عينيه كامرأة التجارة ، اكتفيت بأن قلت له :
" افترضني كما شئت ، لكن لا تفترضني مشروعا يروج في رأسك ، دعنا جيران فقط ، هذا أحسن ..
ضرب الهواء بقبضة يده . ضحكت منه فأعادها . كان يعبر على أنه أخفق . ما كنت منتصرة لو علم . كان يعبر على أنه وجد عقبة متعبة في تحقيق مهمته . كنت جد مستوية وكان لا يعلم . ضحكت منه مرة أحرى زكنت في حقيقتي كشاة تضحك من السكين . قال في نبرة اختلطت فيها الأعصاب بالرجاء :
" وما المانع في أن نوسع دائرة الجوار ونغدو أعز الأحباب .. ؟
قلت له في شبه ضيق :
" لا أصلح لك كامرأة متعلمة تجاريك بسبل علمية ولا كمثقفة تواجهك بالأفكار الكبيرة ، لا تطاوع كل نفسك الآن وتهمل فوارق شاسعة بيننا ، حتما ستبدو لك أشسع لما تعتدل فيك الأحاسيس ، ويهدأ الصراخ ، والعناد ، والمشاكسة ..
قال :
" لاتهيني نفسك ، إنك لست أدنى من المتعلمات و المثقفات ، إنك على الأقل تصلحين لأن تكوني امرأة ..
توقفت عبيدة عن السير . تصاعد الدم في رأسها حتى خالت نفسها صارت نافورة حمراء . تمنت لحظتها لو كانت تملك القدرة على صفعه أو ركله أو دوسه بالقدمين . تفرست في وجهه فألفته يبتسم لها فقط ، احتقرته ، قالت له وقد غيرت من لهجتها السابقة :
" ماذا تعني .. ؟
أدرك الإتجاه الذي سار فيه اعتقادها ، قال :
" عنيت أنك تصلحين لأن تكوني امرأة يرغب فيها رجل رغبة أبدية ..
هدأت عبيدة . شيئا رائعا سمعت ، لكن غير معقول أن تلين له دون أن يصلي لها . ثالت ممثلة دور المتحسرة :
" رجل في مستواي نعم ، أما رجل من أصحاب الكراسات والحقائب فلا ..
كانت تجهر له بهذا الرأي وهي تحس صوتا عنيدا يصرخ في داخلها : إنك تكذبين ياعبيدة ، أو إنك تحبكين حوله خطة المرأة و الإمتناع الأول والمشروع ، أو إنك تسترخصين نفسك وقدرك ، فنعيمة أختك تزوجت بأستاذ فلسفة وهي دونه مستوى بكثير ..
سمعت إبن الجيران يقول :
" الحب إذا نشأ لا يؤمن بالفوارق المادية ..
قالت له :
" وما يؤكد ذلك .. ؟
وضح بسرعة :
" انا و أنت ، أنا أحبك فهل أنت كذلك .. ؟
ما همها أن ترد عليه بقدر ما همها ارتعاش لذيذ تدفق بين جوانحها . قال لها بعظمة لسانه :
" أنا أحبك ، يا سلام ..
كادت تطير . كفاية أن تدب الروح نحو المأل لكي يكتشف الحائر نفسه ويمشي ، ويجري ، ويسبح طوع الأمواج الرفيقة . إنه يحبها ، ذلك ما فهمته بسليقتها الأنثوية ، وذلك ما قد تفهمه أي فتاة لو وضعت مكانها ، لكنها أرادت أن تبدو أعقل من أي فتاة ولا تنجرف مع نغم سهل إنجازه ، خافت أن تذهب ضحية الغرام والعشق الذي بدأت الخوض في الكلام عنه مع أترابها من البنات في القصبة ، سمعت عنه حكايات جميلة ، الحب ، فتاقت إلى أن يشملها هي الأخرى ذات يوم ، وسمعت عنه حكايات محزنة فنفرت منه . كان هناك إلن عم يسمى المهدي ، نعم ، وكان هناك أروع من الحروف والذكرى الباقية ، لكن المرأة رضيعة في مطلع كل تجربة عاطفية ولو كانت قد خاضت تجارب كثيرة ، صبية ولو كانت قد امتدت في العمر عقودا ..
أعلنها بحبه لها ، لا بأس في ذلك ، لكن قد تكون في حياته أخرى . أجاب نفيا . لكن قد تزيغ عينه إلى أخرى فمدرجات الجامعة تعج بهن كما سمعت . أجاب أن ذلك مستحيل . لكن هل تعاطى الحب من قبل لتبني على ذلك قابليته للإحادة عن الإحساس بعد شبع أو ملل . أجاب أنه بدأ يعرف الحب لما سكنت هي جنبهم . لكن ياترى ما أخر الحب عنده .. ؟
تعارف وتفاهم واتفاق وزواج وبيت ، واستسلام لشركة الحياة حتى الموت . لا بد من الحذر . ذاك حقها وهو دون أن يتلاعب بالكلمات ..
إنه يفكر جيدا . قال لأنه يفكر بها ولها . قد يطول الإنتظار . قال لها أنهما سيتسليان عن الوقت بقبلة طويلة فلا يتعذبان . لكنها لا تصدقه لأبعد مما تأتيه أصواته وملامحه ،
لأن الإنسان قادر دائما على أن يخفي حقيقته وينسج الخطة خيطا خيطا ، علم الخفايا عند الله .. ترجاها أن تصدقه فالحب والشك لا يجتمعان . إذن ماذا يريد الآن وقد لاحت له الطريق .. ؟ قال أنه يريد أن يعرف شعورها نحوه . وإذا ما كان شعورا سالبا ، ماذا سيفعل المسكين .. ؟ قال أنه يريده شعورا موجبا من التي قضت مضجعه ، وأنها يجب أن تحبه .
يجب .. ؟ ثمة رائحة سلطة شمتها عاطفة تعصى ما تكره . عنى أن لا تظلمه إذا رأت فيه الرجل الجدير بها ..
ما إسمها وما إسمه .. ؟ ضحكا في عجب . كل هذا وقع دون الإطلاع على الأشياء الرسمية . هو الحب جبار . إسمها عبيدة . إسم جميل .. هل تقبله عبدا في مملكتها وتكون له مولاة .. ؟
لا إسم له . تناديه ياعبدي إن احتاجته ، مسموح .. أو تختار له إسما يروقها ، أو تكتفي بإبن الجيران ..
توقفت عبيدة ، وتمنت لو أن الطريق طالت أكثر من مسافتها . كانت قد اقتربت من الدار . المحبون دائما يخافون العيون ، لكنهم في الحقيقة أشجع على ممارسة كل مستحيل أو ممنوع لما يوعز القلب لهم بذلك ، هم دائما يحترسون من الفخاخ لكنهم ما سلموا منها قط .. رجعت خصلة من شعرها البني إلى الوراء كانت تضايق عينها اليسرى ، وقالت له :
" لقد أدركنا الديار ، فاسلك طريقا أخر يبعد كل اشتباه ، مع السلامة ..
أحست به يعاني فجائية الإفتراق وما كانت هي أقل منه معاناة . تمنت لو يخطفها إلى دنيا يعيش فيها الحوار والنظرات . قال لها في حيرة جاحظة :
" والجواب عن قلب مني غاب ، في حبك ذاب ، وعن هذا الذهاب هل له من إياب .. ؟
غمزته عبيدة بعينها . شع منها بريق الأنثى التي طزجت بعد النداء . لكنه لا يعلم فليبق غافلا إلى حين . صعب عليها أن تذهل فيه البسمة وتغير فيه الملامح الأولى . قسوة .. عليه أن يألفها . امرأة .. عليه أن يلهث وراءها مدة إضافية إن كان حقا يرغب فيها . وقسوة .. عليه أن يغفرها لها . وامرأة .. عليه أن ينحت طيفها في ذاته ويتعذب ، وينتظر ، ويفقد الأمل ويعاوده ، ويصبر حتى ينالها إن كان حقا يحبها .. ضحكت له في سلاسة وهي تقول شبه هامسة :
" الجواب على الباب ، سأبعثه لك مكتوبا على قلبك عندي ، أو على ..
وألجمت عن التتمة ، وضعت يدها على قلبها ، واستدارت ليبلعها شارع مزدحم ..
رقصت في داخلها خلايا الوجدان وشغف الروح . الحب على العتبة يستجدي بطاقة أو إشارة ، والسؤال يظهر ويختفي . تلك حالة طبيعية . كانت تحس نفسها كمتسلق الجبال الثلجية ، وهو يقترب من القمة ولا ينسى أبدا إمكانية حدوث انزلاق ، فهو حريص على استكمال الخطوات الفاصلة بكل حذر لكي يرى النجاح . إحساس بطعم اللذة يغري الشفاه ، وإحساس بالخوف مما قد ينزل بكل شئ إلى الأسفل . الحب يستأذن . لابد من قرار فالحبيب رهن الإنتظار . إذن ستعفي عبيدة الرقص الذي قام في باطنها من أي وقفة ، ستحمي قرع الأجراس من إطباقة الصمت ،
ستسعد كعصفورة صادفت سر الحياة ، وستحبه بعنف .. أي وقلبها الذي مال وهوى ..
به تقسم ، ستحب فيه الرجاء والرغبات ، الروح وجنون الشهوات ، وستكون هي العبدة وهو مولاها المطاع ..
وتداعت الأيام بعد تألق الأحلام ، وتداعى قلب عبيدة الذي أهدته لإبن الجيران ، ملفوفا في السذاجة والطهر و النبل . عرف الثعلب كيف يوقع الدجاجة بين الأضراس . حزنت ، وبكت طويلا وضاق الغد في عينيها لدرجة الإنعدام .
سقمت وذبلت بعد تورد مثير ويناعة ألفتت الإنتباه . مأساتها تضاعفت لما كان عليها أن تأتي أحزانها ودموعها في الخفاء كما أتت عمر الحب والفرح في الخفاء أيضا ، فلا مواساة .. تهور امرأة . ماذا بك ياعبيدة .. ؟
مريضة . ماذا بك يا عبيدة .. ؟ رأسي يؤلمني . ماذا بك .. ؟ أشعر بالغثيان . ماذا .. ؟ منهوكة القوة ، متعبة الجسد كله . دثروها . هاتوا الدواء . دعوها فقط ترتاح واخلوا لها المكان لتبكي . لا دواء ينفع مع دائها الذي يسمى نكسة ..
رماها بعد أن زركشها بعلامات الإلتهام ، وطبعها بمخالب النهش والإفتراس ، بعدها لم يعد ينظر إليها ، وإذا ما تشابكت عيونهما صدفة في الطريق .. وهو غالبا ما يكون مع زوجته التي اختارتها له أمه .. حدجها بنظرة خبيثة وأشاح عنها بسرعة كأنه يهرب من شيطان عرفه عمرا . ذكراها فيه ما عادت أكثر من امرأة عاهرة ، فاسقة ، فاسدة . هو نبي . ذكراها فيه وباء شفي منه . هو ممتنع . ذكراها فيه ميتة بلا مأتم . هو مقبرة لحياة امرأة . هل يذكرها .. ؟ نعم .. ومليون نعم .. لكنه بلا ضمير .. شماتة كما نقول ..
الجميع يعرفون كيف ينالون الوجبات ،
ولا يقومون عنها ، إلا وهي فضلة .. ولا يهممهم بعدها أن ترمى في المزابل ، أو تمكث في زاويتها تنتظر أول متسول يقف على الباب لتكون له صدقة .. مشكلة المرأة أنها تحررت زيادة ،، وحتى المتسول ماعاد يرضى بالفضلات ، أو العملة الرخيصة ،
هو العالم فاق ، فواحسرتاه على كم من وجبة أكلت ورميت ..
هو خائن لأنه نهب من عمرها سنوات بإمضاء مزيف ، هو غادر لأنه تخلى عنها بعد أن وعدها ، هو جبان ، هو نذل ، هو كلب .. وهي .. ؟ أضعف من أن تصنع من العدم رجلا بميزة المروءة ، أضعف من أن تملك رجلا يملأ الفراغ لديها ، أضعف من أن تنتقم من الذي يهينها ويضحك عليها .. أمه اختارت له زوجة ، لماذا لا يكون في الإمكان أن تختار لها نانة زوجا . معذرة عن اندلاع فكرة بلهاء كهذه ..
يؤلمها أن تذكر قبلاته ولمساته وأنفاسه فوق جلدها ..
يؤلمها أن تذكر كل شذوذه معها ، زما كانت لتمانعه أبدا ، كانت تظن أن طاعته هي أنجع وسيلة للإحتفاظ به مدى العمر ..
يؤلمها أن تذكر وشوكها على فقدان بكارتها معه ، ذلك ما أبقاه منها ولو تمادى قليلا في لعبته لنالها ..
يؤلمها أن تذكر تصديقها المطلق لكل وعوده وعهوده ، واغترارها برجولته الكاذبة ..
من علم الفتاة أن عليها الطاعة العمياء لفتاها .. ؟ من علمها أن تكون له بساطا سحريا يملك لوحه .. ؟ من علمها أنه لا يحب فيها أكثر من صورة عارية ، وقطف الأزهار .. ؟ من علمها كيف تجبن .. ؟ من علمها كيف تستعمل جسدها سلاحا .. ؟
ظروف .. اللعنة على كل ظرف يرسمها مهانة . في الأعماق رواسب والمجتمع كان مدرسة . ضروري تصحيح المسار . البحث عن الزوج مهمة أولى على العاتق . في حدود العقل يا ناس . الجسد ينفع لدى المرأة . عبيدة مثال فيه نتيجة مرة . يقولون أن البنت إن لم تخطب أو تتزوج أثناء طفر نهديها تدخل سوق البائرات ، لذا يجب فعل كل شئ لقاء الفوز برجل . ما هي إلا فكرة خاطئة . سل امرأة بائرة . لا وجود لها . وعبيدة .. ؟ ضروري تصحيح المفاهيم . هناك من يملكن رجالهن بتمائم وهناك من يملكنهم بحلمة نهد . طرق مرفوضة . الهدف واحد ونبيل . السحر وهم والجسد قد ينفق كله ولا يأتي الربح . ليت هناك طريقة بديلة . يجب على المرأة أن تبرر حريتها . نسعى إلى تربية امرأة تملك الرجل بعقلها ، فما رأيك .. ؟ لا يعرف الواحد في هذه الحياة أمخطئ هو أم مصيب .. ؟ إذن يجب النظر في العوائق قبل محاولة سل الشعرة من العجين . العجز بالمرصاد . هي القوة تتمثل في إلغاء الصداقة اللاشرعية بين العوائق والذات . الضعف .. اللعنة على كل ضعف أوهموا الناس به . الخروج من شتى أوجه الإستسلام يحتاج لوقفة وموقف . ذاك هو الطموح الكبير . جهل .. اللعنة على كل جهل يبيح إنسانا لآخر . يبقى جهل .. فليكن التفكير في تعلم الألف واللام زالنون والواو والراء إلخ .. وما عداه استغراق في الذل .
لتتوقف الذكرى هنا ، فعينا عبيدة بدأت تغشاهما بوادر العبرات . ماذا أجداها الحزن والبكاء والأسف .. ؟ لتوفر على نفسها كل الأحاسيس المعذبة وتحاول أن تنسى . أخر ما سمعته من إبن الجيران :
" أعترف أنك جميلة ومثيرة ، لكنك لا تصلحين لأكثر من تهيئة الشبان مثلي نفسيا ، وجنسيا ، لكي يدخلوا مؤسساتهم الزوجية بلا تخوف أو عقدة ، لا تصلحين لي والأسباب لا حصر لها ، فليأخذ كل واحد منا طريقه ..
" الصدق في الوقاحة ..
تنهدت عبيدة في ضيق كاد يخنق الروح . أسرعت فيها الذكريات لترفع النقاب عن نهاية مظلمة . كانت قد انتهت من إعداد المشروب الخاص للعمة يامنة ، كأس حليب ساخن معتدل الحلاوة ، وملأت صحنا بالحلوى وصحنا أخر بتمر تونسي ، وملأت كوبا بالماء فالعمة يامنة تعطش بسرعة لأنها لا تكف عن الثرثرة ، وضعت الكل في صينية كبيرة وخطت نحو قاعة الجلوس ..
عند عتبة المطبخ تسمرت واقفة ، مصغية في منتهى الإهتمام ، وقد انقلبت كل الألوان في عينيها دفعة واحدة إلى لون لم تعهده من قبل ، صامتة ، ممكن أن تحدث المعجزة ويتبخر واقع المعاناة ، ممكن ، لا يطرف بصرها خوفا من أن يحدث ضجيجا يعكر اللحظة المتمناة ، باتت أشبه بنائمة في بوتقة حلم لذيذ لم يسبق له أن اختصها طيلة الليالي والإنتظار .. لقد سمعت العمة يامنة تقول في وضوح :
" ورد ذكر عبيدة على لسان الحاج عبد الرحمان مرتين أثناء زيارتي لبيته ..
قالت لها نانة وهي عاجزة عن ستر بصيص أمل اختلط بصوتها :
" ولماذا يرد ذكرها على لسانه بعد أن اختار لإبنه عروسا ..
قالت العمة يامنة :
" لا تنسي أن له إبنا أخر أعزبا ..
غمغمت نانة :
" ولا أنسى كذلك أن زوجته ماتت منذ سنة ..
قالت العمة يامنة :
" الحقيقة أن الأمر أنا الأخرى لا زال ملتبسا علي ، خجلت أن أحرجه بالسؤال ، لكني لا أعتقده أبدا يفكر لنفسه لأنه ما فتئ يردد : إن ما يهمني الآن هو مستقبل كل أولادي ، أن أراهم عاملين متزوجين منجبين ..
قالت نانة وهي ترغب في تأكيد مصداقية الخبر بالحصول على معلومات أخرى وأبعاد أخرى :
" ربما كان هذا قبل أن تموت زوجته ، أما وقد ماتت فغير مستبعد أن يهتم بنفسه هو الآخر ..
قالت العمة يامنة محاولة طرد الإبهام عن بشارتها :
" اطمئني ، لا يزال هذا رأيه ، أسمعه لي فقط لما هنأته بنجاح خطبة إبنة السي الحموتي لإبنه ..
صمتت قليلا ربما لتعطي لنانة فرصة التعليق ، لكنها لم تسمع شيئا ، فأضافت تقول :
" بيني وبينك ، ولا تأخذينها عني قلة حياء فنحن نساء ، لقد سمعت على عهد المرحومة امرأته أنه رجل أدرك عجزه التام في لعبة الفراش ، أنفق أموالا باهضة عند أشهر الإختصاصيين في أوربا ولم ينفعه ذلك ، فكيف يفكر في عبيدة أو أس امرأة لنفسه .. ؟
أسقطي من حسابك هذا الجانب واستعدي للفرح ..
في هذه الأثناء دخلت عبيدة لتقطع حديثهما لحظة ، لتضع الصينية بين يدي العمة يامنة ، هذه الأخيرة لا تعدم صيغة للمداعبة ،
فتقول لها :
" أتمنى أن أشرب حليبي من يديك الكريمتين في بيتك الخاص ..
ابتسمت لها عبيدة ولم تزد على قولها :
" إن شاء الله ..
وانسحبت إلى غرفتها لتنزوي فيها صامتة ، وفي صمتها ذاك بزغت كم من مساحة للتخيل والتأمل . هل العمة يامنة صادقة فيما نقلت من خبر .. ؟ ومن ذا الذي يشك في وكالة أخبار متنقلة نشيطة ، محترفة ، ولها باع في التجربة .. ؟
إبن الحاج عبد الرحمان رأته مرة يمر بسيارته قربها ، رأته مرة مع جماعة من أقرانه يعبرون الطريق ، ورأته مرة ثالثة في محل الملابس .. هل هو رأها .. ؟ محتمل ذلك جدا ، لكن هذا يبقى جانب غير مهم ما دام كل الناس لا يسلمون من ألسنة الناس ، ومن لم ير يسمع ، ومن يسمع يتخذ على هامش الموضوع حكما أو موقفا أو ربما قرارا . الأذن تعشق قبل العين أحيانا ، ونفس الأذن تكره قبل التأكد أحيانا أخرى . عبيدة تبنت الحالة الأولى ، فهاهي تتمرغ في سريرها وتستعجل الغيب على الإنكشاف . أبوها لن يرفض مصاهرة رجل كالحاج عبد الرحمان ، ونانة كذلك رغم القيل والقال ولسان الحال .. وأنت ياعبيدة ما رأيك .. ؟ احمرت وجنتاها وخفضت بصرها ، ظلت صامتة وعيون في الخيال تحيط بها ، العدول يعرفون كيف يفسرون صمتها هذا ، فاسألوهم ..
عبيدة ..
هكذا ذكرها الحاج عبد الرحمان . هل ملأت فمه وعينيه أم انحبست في الحلق حزينة أو متوسلة او متملقة .. ؟ ذكرها بتركيز أم ذكر عابر .. ؟ ذكرها بلطف وحنا على حروفها أم ذكرها كباقي الكلمات العادية .. ؟ أرجوك يا أيتها العجوز أن تعصري شيخوختك وتقولي هل يريدها لإبنه الأعزب أو لنفسه الأرملة
.. ؟
ابن الحاج عبد الرحمان لا تعرف عنه أكثر مما قالته العمة يامنة عنه . إنه قارئ ومتعلم ، منذ جاء إلى هولندة وهو يقرأ باجتهاد حتى خرج إلى العمل في الإدارة ، نعم في الإدارة وليس كإبن فلان الذي يعمل في المعامل الملأى بالأوساخ والدخان والأوامر والتعب .
أخلاقه كريمة وهو إبن ناس ، وقلبه هش جدا فلقد رأته العمة يامنة يبكي يوم ماتت أمه ..
لا تعرف عنه عبيدة أكثر مما رأته بعينيها ذات مرات . وجه مدور تملأه إشراقة وابتسامة . يمشط شعره الأسود إلى الوراء في حين يدع بعضه مدلى فوق جبينه . مرة رأته يضع على عينيه نظارة شمسية ، ومرة رأته يلبس بذلة رمادية ، زكرة رأته يقلب نظراته بين قمصان حريرية بلا أكمام بهدف ابتياع واحد . بلا عاهة خارجية كان وبلا إيحاءات الجفاف والإنغلاق ..
أه .. لو كانت تعلم أن إسمها سيجري على لسان أبيه لكانت على الأقل أمعنت فيه النظر ، وعلى الأكثر تحاصره بابتسامة منتقاة أو ترنم له تحية رقيقة ..
أه .. لو كانت تعلم لوقفت وراءه لترى الدنيا بلون نظارته ، ثم أمامه ليراها هو دنيا تناديه ، ولمسحت كل الذرات المتساقطة على بذلته ، ولأعانته بذوقها على اختيار قميص بلا
أكمام ..
عبيدة ..
ليس هناك أساس متين لتعاطي كل هذا الكم من الخيال .. لكن الخيال دائما ينطلق خارج أسس متداولة ويستهين بالعجز الذي يردعنا في الواقع . إن يكن خيالا جاهزا يتملكنا فدعنا نغتنمه فهو جميل . لا ، فقط قد يكون الحاج عبد الرحمان ذكرك لنفسه فهو أرمل كما تعلمين ..
انتفضت عبيدة وقامت تذرع غرفتها جيئة وذهابا كالمجنونة . بعد لحظات هدأت وعادت ترتمي فوق سريرها ، وتتلمس شفتها السفلى بأصبعها كأنها تساعد كلاما أخر على الخروج من قرارها .. وماذا في ذلك .. ؟ الحاج عبد الرحمان ذائع الصيت تجارة ومكانة اجتماعية ، له مشاريع تجارية ضخمة في أكثر من ثلاثة مدن ، وله أملاك وعقار في المغرب أيضا ،
لقد سمعت العمة يامنة تقول عنه أنه يستعد لفتح محطة بنزين كبيرة في مكناس . له ذكر حسن عند الناس ، وكثيرا ما تكلم عنه أبوها بالخير وسداد الرأي والتجربة ، والحنكة ،
وقال أن الناس يقصدونه لكي يحل أصعب مشاكلهم الإجتماعية ، يقصدونه فتأتي على يده الحلول المرجوة ..
حمقاء البنت مثلي حمقاء البنت مثلي إن لم تتمنه أبا لها .. أو .. زوجا .. انفلتت الكلمة الأولى بسهولة فيما تعطلت الثانية لحظات قبل أن تنطق . ثمة فرق بين هذا أبي وهذا زوجي .. أه .. انزلقت دموع على خديها .
كم تردى حالك يا عبيدة .. ؟
أحست بألام عسيرة تتصاعد في داخلها . تقيأت فلم يخرج غير الوهم الذي ظلت تقتاته .
عقيقتها لا تغطى لذلك هي تتعذب بلا حدود .
وعادت تتلمس شفتها السفلى .. وماذا في ذلك .. ؟ لقد رأت الحاج عبد الرحمان مرات عديدة ، إنه لا يزال يمتلئ بالحياة وينضح برجولة موقرة . لكن العمة يامنة قالت أنه عاجز عن اللعب في الفراش . كلام نساء غالبا ما يكون كاذبا . كان ولا زال يسافر في أوربا ، ويغيب طويلا . ربما لأجل أغراض تجارية ، فهو تاجر كبير . على أي إذا تقدم راغبا في الزواج معناه أن ما قيل كلام نساء فقط . قد يكون أحسن من شاب يضع خطواته الأولى على عتبات التعلم والممارسة والحلم بالنجاح .
الحاج عبد الرحمان رجل حقق كل شئ والظفر به هدية من السماء ..
ليس مهما أن أكون زوجته هو أو زوجة إبنه ، المهم أن أنتمي لعائلته المحترمة ، ويكون لي بيت وأنا فيه سيدة مصانة ،، وأمسح بذلك رواسب الأسى الذي أثيره لدى نانة وأبي وإخواني ، وأهرب من كل نظرات إشفاقهم علي ومواساتهم العلنية لي ..
ستحب عبيدة العمة يامنة أكثر مما تحب نفسها إن صدقت بشارتها ، سوف لن تكتفي بأن تسقيها حليبا ساخنا ، ستعمل لها كل ما تشتهيه وترضاه ، ستعمل لها ما لم يخطر على بال جزاء على فعلها ، واعترافا بجميلها ..
وأحست عبيدة فعلا أن شعورها نحو العمة يامنة بدأ يتغير ، بدأ يتقدس بعدما كرهتها لحد لا يطاق ، وبدأت تأخذ على نفسها أنذارا ووعودا لفائدة عجوز تأففت من طلعتها كثيرا ، وأمطرتها في سرها باللعنات والشتائم .
وتذكرت نصائح نانة لها كلما طاوعت أعصابها وغضبت ، كانت تقول لها دائما :
" اصبري يا عبيدة ، استحملي ، فلسنا ندري من أين سيأتي الخير المنتظر وعلى يد من ..




الأيام تختفي هباء منثورا . الأيام تظهر رتيبة مضجرة ، تعدها عبيدة كما يعد الصائم الساعة الأخيرة التي تفصله عن موعد الإفطار . الأيام عادية . لا وقع خطوات تقترب ولا طرقات على الباب . ليأت هو أو إبنه أو رسول فصيح ينوب عنهما ..
كانت نانة تثقل زوجها بالأسئلة كلما عاد إلى البيت محملا بسلة المواد الغذائية :
هل اشتريتها من حانوت العربي .. ؟ من حيث تعود أن يشتري يا امرأة .. هل كان هو الحاج عبد الرحمان موجودا أم فقط مستخدميه .. ؟ هل تحدثت معه .. ؟ ماذا قال لك .. ؟ هل وهل وهل .. ؟ أسئلة فيها جديد وتركيز ، حتى كاد الزوج ينتبه إلى أن امرأته تدس عنه سرا مهما . لم يكن باقيا لنانة سوى أن تسأله مباشرة : ألم يقل لك شيئا عن عبيدة .. ؟ ألم تلمس في كلامه تلميحا أو مرمى .. ؟ ألم يخطبها منك .. ؟ له أم لإبنه الذي عليه
الدور .. ؟
شبه مسرحية قائمة على الفشل ، تستفز شخوصها والمتفرجين عليها . ربما كان الأب مطلع على الأشياء بواسطة نانة وكان يتظاهر بأنه لا يعرف ، وجه لا زال غامضا رغم الإستعانة بالمجهر ، كطفل سرق طبق حلوى وأكله ، ولما سألوه ارتدى حالة التقوى فانصرفوا عنه ، فظن أنه وفق في خدعهم وأنهم صدقوه .. ربما كان الأب يعرف ، فاكتفى هو الآخر بأن يستعير من الشحرور جناحيه ويحلق في سماوات الحلم والإنتظار ، ما أدراك ..
تجتمع عبيدة على نفسها بعد لحظات التفكك ، والإنشطار . تحاول أن تتحلى بعقلها أكثر .
أكيد أن أباها لا يعلم شيئا عن الفتنة التي أحدثتها العمة يامنة في بيت هو ربه . لو كان يعلم ما تردد في أن يرمي الحكاية في المزبلة ، ويعاتب نانة في قسوة وغضب عن تعلقها بثرثرة نسائية شائخة ، وعن تخليها ببساطة عن إيمانها بالله وقدره ..
شعرت عبيدة بارتياح طفيف ، وهي تؤكد لنفسها غفلة أبيها عما يجري في دولته .
نانة كانت تعتقدها لا تعرف شيئا ، لكنها كانت تعرف الخبر ومصدره ، وكانت تحلم بسرعة ضوئية ، وكانت تستبطئ الطرق على الباب كلما أعادت عد الأيام التي
مرت ..
والباب ظل صامتا ، لم يلح في الأفق أي قادم ، لا الحاج عبد الرحمان ولا إبنه .. وعبيدة عليها أن تفكر ، وفكرت ، واحتملت ، وافترضت ، وشكت ، وعضت على شفتيها مرارا ، وقضمت كل أظافرها ، وضربت يدا بيد عند التعقيدات ، ومسحت على وجهها كأنها تتيمم من الضيق ، وتنهدت بعسر ، وأخيرا اهتدت إلى وجوب تحركها .. نعم يجب أن تتحرك ، أن تفعل شيئا فهناك فلتة ضوء ،، وأول خيط ..
وفعلا كثفت من خروجها إلى السوق في أوقات مختارة ، ومدروسة ، أخذة زينتها وجرأتها على الإيقاع بالصيد في جيرابها ، وحامت حول إبن الحاج عبد الرحمان ، وأوصلت إليه نظرتها ورائحتها ، فمشى وراءها وحاصر ظلها ، وساومها على كلمة عطوفة ترد الأركان إلى وطن تهاوى ..
ماذا تريد بالتحديد يا ملاحقها بلا كلل أو ملل .. ؟
أريدها هي بشكلها المثير ، بقوامها المتناسق ، بلونها النضر ، بجمالها المهيب ، بعبيرها الزكي ..
بعد الإقتراب ستنكشف لك خفايا فترتد مملوءا بالنفور ..
أراني أعقل من أن أتنازل عن التمثال الذي أمالني ، ولو نطق ..
إنك تهزل في موضع الحسم ..
ياه .. إذا كنت قد اعترفت بأني وقعت في العشق من رأسي حتى قدمي ، وحسمت في الأمر بأن أبايع البدر ، فما تظن باقيا مني غير الهزل ..
هل تعلم مثلا أن عمر تلك الحمامة الرشيقة مأساة .. ؟
العمر الحقيقي هو الذي نرشف أقداحه طافحة بالحلاوة ، ونمتص رحائقه من صلب الزهور ، وليس العمر ذاك الذي ترتبه أعياد الميلاد في قعر الذاكرات ..
كأني بك تتكلم بلغة مثالية ..
إني أحب بكل عنفواني ولا تسأل عما يفعله بي طيفها الرفيع ..
قد تنقض اعترافك ..
إني عصري في بلاد عصرية ..
قد تخونك أحاسيسك بعد الآن فتتراجع وتسمى نذلا ..
لن يحدث هذا لأني لا أخضع لأي ضغط خارجي ..
فمن أين تكون البداية في مثل هذه المشاوير .. ؟

خالصة من القلب ..
جست عبيدة نبضه فوجدته يكتب ثورانه على واجهة والإستجداء . في عينيه قرأت قصيدة لأروع نداء . هل تقف هنا وتلبي .. ؟ لم تجد صعوبة لترسم الخريطة التي يتنقل فيها ، والأزمنة التي تتقاذفه مهووسا بالحياة . كان الإيقاع به في كمينها سهل للغاية ، هي امرأة مقتدرة ، هي كذلك مع كل من عرفت من الفرسان ، سهولة في الإيقاع بهم لكن صعوبة واستحالة في الإحتفاظ بهم وامتلاكهم ..
ألهذا الحد ضعفك يا إبن الحاج .. ؟ ألهذا الحد أنت جائع .. ؟
وذات يوم التقت عيونهما فدب التيار ، واتقدت الرغبة . سلكت عبيدة طريقا يؤدي إلى المسبح البلدي . كانت تلبس تنورة مسرولة زرقاء تحدها الركبتان ، فيبدأ لون أحمر خافت لجوربين رقيقين من النايلون ، فيبدو لون يسيل من لون على إثر الحركات ولمسات الريح النوفمبرية ، صورة أية في الإبداع . كانت تلبس قميصا يتخذ في الأمام لون الجوربين وفي الوراء لون التنورة المفضفضة ، ينحصر على صدرها كما تنحصر اللفافة على تبع فاخر . عمرة شعرها تألق فيها مشبك وردي ، واتسمت فيها بعض الخصلات بتمرد في محله . كل هذا كان قائما على حذاء أسود تناثرت فوقه ذرات لامعة ..
مشت طويلا وكان يمشي وراءها . كانت مطمئنة إلى أنه لا يرجع على عقبه ، فلقد أعطته ضوءا غشاه . غبرت الجسر وانعطفت بعده إلى شارع طويل تحفه أشجار وتناسلات لنباتات وورود . بزغت مشكلة ، هذا الشارع قد يمر به الأب أو الأخ أو عين تشي بما رأت ، لكنها سرعان ما نست الخوف في غمرة هذا المشي اللذيذ .. من يهمه من أمرها وشرفها شيئا يهدي إليها رجلا .. لا يقدر .. ؟ فليلجم لسانه ، وكفى الله الضحايا شر المتكلمين ..
أحست بخطواته تعلو في أذنيها . إنه يسرع ، إنه يدنو ، إنه يلهث ، إنه يوشك أن يعثر . كانت عبيدة سعيدة بهذه المطاردة ، كانت تلعب فيها دور الهاربة ، هروب ليس إلا ، فرضته قواعد اللعبة ، في الأمام محطة للإستراحة وأخرى للوصول وأخيرة للإستسلام .. وحاذاها فسمعت وجيب قلبه ، وعزف أنفاسه ..
سألها في جرأة خانته فتلعثم في وضوح :
" إلى أين أنت ذاهبة .. ؟
التفتت إليه . بذلت كل جهدها كي لا تبتسم ولا تطلق ملامحها . سألته بدورها :
" هل يهمك ..
أجاب وقد اعتدلت فيه الجرأة قليلا :
" لو لم يكن يهمني ما تبعتك وما سألتك ..
ضحكت في استعلاء كما تضحك أميرة من خادم موروث ، لكن في سريرتها كانت تنبت زغرودة ، كم ظلت تتمنى رجلا يحكمها ويحاسبها على غدوها ورواحها ، ليست لأنها عبدته ، بل لأنها حبيبته الغالية ..
قالت له بنبرة هازئة :
" لم أكن أعرف أن لي ولي أمر أجهله ، فبأي حق تقتفي أثاري ياهذا وتنبش في شؤوني الخاصة .. ؟
تردد قبل أن يقول لها :
" بإسم قلب اهتز لمرأك ، وأنت طالعة من رحم صباح رقيق ، فخاف عليك أن تتيهي في هذا العالم ، بإسم قلبي أود أن أرعاك ..
حكايات القلوب كثرت في عمرك يا عبيدة ، فها قلب جديد يحث الخطى في مرحلة التمهيد . هل الحب سهل أم الناس تركبه دائما لتنفيذ الأغراض الجسدية .. ؟
قالت له :
" وفر عليك تعبك يا عزيزي ..
أسرع يقول في ارتباك :
" اتطردينني .. ؟
همست في سرها :
" كيف أطرد من راودني في الحلم عريسا منتظر مجيئه ، العمة يامنة بشرت بك
يا أحمق ، ووطأت لك بين جوانحي دولة من العشق ، فامض في مسعاك فإنك موفق بعد حين ، هل أنت الذي ستأتي أم أبوك .. ؟ لايهم أن يختارني الأسد لنفسه أو لشبله ، المهم هو أن أنتمي إلى العرين ..
قالت له :
" أنا لا أطردك لأننا في طريق عام نملكه بالتساوي ، إنما قصدت أني أعرف أين أذهب ولن أتيه كما تعتقد ..
ضحك فبانت أسنانه البلورية ، وأفاض جبينه نورا على وجهه فبان أجمل ما رأت عينا عبيدة . بدا عليه الإستعداد لمواصلة المشي والحوار والمطاردة ..
تساءل :
" لو كنت في بيتك لطردتني إذن .. ؟
ونشطت الصور في ذهنها بسرعة قبل أن تحاول الجواب ، وكادت تصرخ من فرط الفرح الذي صفقت له دفائنه بحرارة ، كلامه يوافق ما خمنته من تتمات وما قامت عليه من قواعد ،، الملعون المنساب هل هو يعرف كل شئ أم هي عفوية تصادف خيال الملعونة الظمأنة .. ؟ لا ، لن تستفسره عن تلك الأشياء الرائجة فيها ، والأيام الآتية كفيلة بأن تعري المكنونات ..
قالت له :
" لست قاسية جافية إلى هذا الحد ، جرب أن تأتي لكي تعرف أني لست بخيلة ، لن أطردك بل سأكرمك وأفسح لك المجلس ..
قال في شبه خفوت :
" هأنذا أجرب الآن إتيانك ، أتمنى ألا تتراجعي عن وعد فهت به منذ لحظات ، أن تكرميني وتفسحي لي قلبك لكي لا تسع سعادتي كل هذه الدنيا ، إني أحببتك ..
تدافعت هواجس لذيذة في باطنها وكتمت رقص الفؤاد ، عادت نافورات الحبور إلى السيلان بعد أن جفت سنوات . قحولة ذات ألغاها انبثاق أمل ، هاهو يسير جنبها ..
هل أوقعته أم أوقعها .. ؟ هل هو صادق أم إن هي إلا لقطة ذئبوية تعطي نفسا للزيف والنفاق .. ؟ كانت هي المبادرة من حيث لم ينتبه هو ، وما عليها إلا أن تقبل النتيجة كيفما كانت . استسلمت للحظة ساكتة اندمج فيها إيقاع خطواته بإيقاع خطواتها . عليها ألا تشعل كل الأضواء فهي لازالت في البداية ، وغدا قد تفاجئها ظلمة قابعة في إحدى الزوايا ، عليها أن تراقب مدلول ابتسامتها ، ومدى حركاتها واتجاه الإشارات ، تجعل كل ما يصدر منها وعنها عاديا .. لكنها كانت أضعف من أن تصمد ، أضعف من أن تنتصر ، فهاهي ذي تبدأ الركوع رويدا رويدا ..
من تكون .. ؟ امرأة . فقط .. ؟ جميلة كبنفسجة . نعني مداها . إنها أشبه بعروسة تائهة في شوارع المدينة ، هاربة بكامل زينتها من مخدعها لأنها ترفض أن تتزوج ..
لم نسمعك يا هذا ، أعد ماذا قلت .. ؟
قصدت أنها تفضل أن تبقى حرة لا يقيدها ورق ولا إمضاء ..
ليست من ذلك النوع هي ، إنها تحلم بالزواج ليل نهار لتقتل اصطلاح البوار في سيرة حياتها ، فائت بكلام جديد وأعرض عن
القديم ..
إذن هربت من عريسها تلك العروسة الدافئة لأنها تكرهه ..
ذلك جمالها اليومي وليس معدا للمناسبات ، فتصورها في ليلة زفافها ..
أه .. ستكون ألماسة تسجد لها الشمس
والقمر ..
هل تحبها .. ؟
لحد الآن أنا متأكد ..
قل لها كلمة ترضيها ..
لن أتخلى عنها حتى أنالها ..
وصلا إلى المسبح البلدي . دعاها للجلوس قليلا في مقهاه ، يتناولان مشروبا ، ويبوح لها بالمزيد من مشاعره المتزاحمة ..
أي مشاعر يا هذا .. ؟
الحب ياعبيدة ..
أماه ، إنه يعرف إسمها كذلك ، نطقه بعذوبة فصيحة فكادت سامعته ، صاحبته ، تتقطر دموعا سعيدة ، كادت تفقد وعيها وتصيح :
" أنا مجنونة ..
من أين أتيت بإسمها يا جاسوس .. ؟ حق لك أن تعرف إسم الشئ قبل التولع به وطلبه ..
تماسكت عبيدة وهما منها أنها لا يجب أن تبايعه لقلبها قبل أن يرقى بها إلى مرتبة امرأة مستحيل التنازل عنها . كانت كشجرة الزيتون في قبضة إعصار ، يفعل بها ما حلا له ، يدغدغ فيها زهور الثمار ، ويلاطف أغصانها ما تحت اللحاء ، وفجأة يركعها حتى تصيب جبهتها التراب ، ويكون قبل نهاية الهجمة قد انتزع منها أوراقا وإصرارا ، وترك خدوشا وجروحا تسيل ماء ولعابا وحليبا ، فلا تقوم بعدها إلا دامعة القريحة ، لا تلتفت إلى الوراء فلقد كان رهيبا ..
لم تستفسره عن كيف عرف إسمها . خبر العمة يامنة أقرب إلى اليقين صار . توقفت . نظرت في عينيه فبدا لها كأنه يرتجف بترادف مع اختلاجاته المحمومة . تبادلا ابتسامة صامتة . داعبته بسؤال :
" من سيؤدي ثمن المشروب في حالة إذا ما شربناه .. ؟
أجابها في بساطة :
" الأجمل فينا ياسيدتي ..
لوت عنقها ومططت شفتيها دلالة على أنها جوبهت بعرقلة ، وقالت :
" قد نختلف ..
بسط يديه مقلوبتين كأنه اهتدى إلى الحل المرضي بسرعة ، وقال :
" نحكم فينا النادل الذي سيقبض الثمن ..
تعانفت ضحكتهما لحظة ، بعدها اعتذرت له عن الجلوس في المقهى واعدة إياه بأنه ممكن أن يحدث مثل هذا ذات فرصة . في سريرتها عقدت العزم على أن تواصل الجولة إلى مداها ، على حبل التمسك ونغمات الإرتعاش ، فاعتذرت له كذلك عن شعوره بالحب تجاهها .. إن تمكن منه حبها فعلا ، فليتمسك بها وليأت مزيدا من الرقص على دقات الرجاء ، وخطت إلى الأمام مدعية اللاكتراث به ..
ذعر المسكين . كاد يصعق . بعد أن ظنها نضجت هاهي لا تزال صلبة فولاذية . ذهبت وتركته للريح والدهشة . هل ترفضه
قطعا .. ؟ لم تعلن ذلك ..
أين أقدامك .. ؟هاهي تحتك تكاد لا تحملك ، امش ، إلحق بها وأعد التجربة والنداء .. وإن تجرأت عبيدة على أن تلعب أمامه دور امرأة لا تطمث ، فإنها في أعماقها عالجت خوفا جما لم ينزح حتى سمعت خطواته وراءها تلهث ، ولمحت ظله يلتصق بها رويدا رويدا ، خافت أن يغلق ملفها في إدارته الوجدانية في لحظة غضب واعتزاز ، ويعرض عنها كما يعرض الناس عن غذائهم العادي في أيام الأعياد .. لا .. خافت أن يرجع من حيث لحق بها ولا يفكر فيها أبدا ..
قالت له :
" أرى أنه لم يحن بعد وقت الإفصاح عن شعور من هذا النوع ..
اعترت وجهه مسحة أمل وعاوده الشروق ، ما دام الوصول إلى مبتغاه يحتاج إلى الوقت فقط سيصمد ، هذا ما استوعبه من كلامها الذي رن في أذنيه فأيقظ نشيدا رقيقا ، على ضوئه سيسير .. وسار جنبا لجنب بلا اتجاه كأنهما سيفران من المدينة كلها إلى خلاء يسع لهفة عيونهما المتدانية . كان يتمايل ذات اليمين وذات الشمال كأنه يزهو بالحمامة الفاتنة التي ترافقه ، هديلها كان يفعل فيه ما يفعله النقاش فوق لوح صنوبري ، ورفرفتها كانت تشجع على سفر أطول من المسافة ..
استحثها أن تحدثه عن الرجال ، واستحثته أن يحدثها عن النساء . هو كل رجالها وهي كل نسائه ، وهما يبدأن العلاقة مع بعض كالأطهار . غير معقول أن يفشيا أوراقا يضمها الماضي ، أن يعترفا بصراحة فيهدما لحظات تشيد لعمر طويل ..
بلغا الحديقة العمومية المهيأة لسكان غرب المدينة ، دعاها إلى جولة فيها وقد تأكد له أنها لا تقصد مكانا بعينه . أما هذه فنعم .. ودخلا مبتسمين تتلاقى مناكبهما مرة بعد مرة ، ومشيا في ممر طويل ترسمه أجذاع الأشجار وتظلله أغصان متعرشة . خفتت أصواتهما على مدى الإبتعاد ، صارت همسا ، صدى ،، صارا صورة تضأل بين التأمل والمناجاة ، وصار من العسير استبانة مذا يجري هناك ..
بعد سويعة مقتطعة من عمر الجنة الخالدة عادت عبيدة إلى البيت . كانت أسعد من صبية عثرت على حضن أمها بعد أن تاهت سنين . ما كانت كل الفضاءات تتسع لما استيقظ في وجدانها من أمل ذوى ، ما اتقد في مواقدها من لهيب خمد ، ما استرجعت من خفة شاخت في محنة الزمن ، وما تعالى في أعماقها من لحنة انكسر . كانت تشعر أن الروح التي يئست : تنبت في حاقون من فضة من جديد ، وأن الفرح يتوافد على صدرها من ثلمات كادت تنسد ، لينتشلها من براثن مصير رهيب .. حينا بعد حين تضع يدها على قلبها فتتأول لها النبضة نبضات ، كضربات سريعة لآلة كاتبة على ورقة بيضاء ، يؤرخ هذا القلب للحب ، يؤرخ هذا اليوم لبقية العمر ..
وجدت أباها يصلي فريضة العصر ، وأخاها مصطفى يأكل في المطبخ ، وأخاها الأصغر يجلس أمام التلفزيون ، والأخ الذي يليه في غرفته يرسم . سألته بلهجة مفتوحة :
" ماذا ترسم .. ؟
أجابها وهو يستبدل قلما بأخر :
" دجاجة رأيتها في خم فاستغرقت مني نظرة طويلة ، الآن هي تستغرق مني خيالي
الجنين ..
ضحكت وهي تعاود سؤاله :
" كم تبيض دجاجتك .. ؟
قال وهو يعض القلم : " لا أريدها أن تبيض ولو واحدة في العمر ..
خللت شعره بيدها وقالت ضاحكة :
" خلقت الدجاجة لتبيض ياأحمق .. أكيد ستغير رأيك لما تشتهي أكل بيضة ولا تجدها في الثلاجة ، أو ستغيره لما تكبر ..
همت بالإنصراف عنه ، لكنها تسمرت في مكانها برهة وقد انقبض فؤادها لما سمعته يقول :
" لكن هناك دجاجات لا تبيض ..
هزت له رأسها نفيا صعب تبريره :
" لا أعرف ، ربما أنت تعني الديوك ..
واتجهت إلى المطبخ وحالة الإنقباض فيها بلا تفسير . كان مصطفى لا يزال يأكل . قال لها دون أن يرفع بصره عن الصحن :
" تأخرت يا عبيدة ..
ولم يزد فوق هذه الملاحظة كلمة ، كأنه ألقى بجمرة مختصرة الإلتهاب وسط كومة من عشب يابس ، وسط ماء جرى باندفاع . حمل اللقمة إلى فمه لكنها سقطت . سمعته يهمهم بكلمات أكثرها لعنة . كان لابد لعبيدة أن تخاف وترتعد فرائصها ، وتنطلق عبر تخمينات قاتلة ، وتضرب الأخماس في الأسداس بلا طائل ، كان في سرها سلوك منحط باشرته ، عيب أو جريمة هو اختلاء رجل بها في حديقة عمومية سويعة من الزمان ، لكنها فعلت ، ولشئ في نفسها استقر وتمكن سوف لن تكف عن الفعل ..
مصطفى لا يفقد أعصابه إلا لأمر هام وجلل ، هكذا تعودت عليه العائلة منذ تشأته الأولى ،
فهل فضحها مع إبن الحاج عبد الرحمان .. ؟ هل رأها متلبسة بالإنحراف من حيث لم تره هي .. ؟ أم هل سعى إليه واشي بسرعة البرق .. ؟ عزت تأخرها إلى عدم استخدامها لدراجتها الهوائية ، بها عطب منذ ثلاثة أو أربعة أيام .
قال لها وقد هدأ نسبيا كأن الأعصاب خانته فقط لحظة سقوط لقمة كان يهم بالتهامها :
" سأصلحها لك ..
يعز على عبيدة أن تسيئ إلى العائلة التي تعزها ، التي لم تتنازل عنها رغم كسادها ، التي تعيش معها واقعها من الداخل . أحبوها واحترموها ، ورعوها حق رعايتها ، من يدري ، ربما لأنهم رأوها قطعة من شقاء فوق صفيح معاناتها ، أغدقوا عليها نبل مشاعرهم من صميم أحشائهم ، رجاء منهم أن يغطوا على جروح فيها تغور ، وكدمات تستعصي ،، ودموع امرأة تعطلت القسمة والنصيب ..
وربما لأن إقامتها بينهم طالت إجباريا ، فرصت لها علائق وشيجة ومتينة ..
عبيدة في عيون العائلة ، وقلوبها ، ليست هي نعيمة أو نورا ، اللتين حالفهما حظهما فانفصلتا بسرعة عن هرم العائلة . بقدر ما يسرها هذا الحب الأكبر من العائلة لها بقدر ما تحزن بسببه كثيرا ، لأنها تراه ناتجا عن مأساة يفهمها الكل ..
شرف العائلة والحرص عليه ، لذلك فعبيدة تجتهد دائما لكي تلعب أدوارها في منتهى الإحتياط والخفاء ، لكي لا تقع بين أشداق الفضيحة . ظروف بنت الكلب بلغت أوجها في التعقيد .. فلتعذرها العائلة العزيزة ، ولتغفر لها خطواتها خارج الصراط ، فهي تخطئ لكي تصيب حقها في الحياة ، هكذا تفكر .. الحياة لا توهب . تأخذ .. وهكذا تفكر ..
تتذكرهم وجها وجها في صلب نظرة أو لمسة أو قبلة ، أو طاعة عمياء ، فترتجف ، وتجفل قليلا إلى الوراء كمهرة رأت عثرة ، وتتعذب في ضميرها لأنها استغلت ثقة أعز الأحبة
فيها .. وما كان الفاعل ليشك أبدا في أن ارتجافها ، وجفولها ، وملامح عذابها ، من دواعي النار الرائعة المشتعلة في أحشاء امرأة ترتكب أول الحب ..
.. استر يا رب ..
" أين نانة .. ؟ سألت عبيدة أخاها مصطفى ..
أخبرها أنها انتظرتها لكي ترافقها إلى بيت نورا لكنها أبطأت . نورا اشتدت عليها الحال فأخذوها إلى المستشفى لتلد فيه مولودها ..
وقام ليغسل يديه ، كان قد انتهى من أكله .
فتح صنبور الماء وبلل يديه ، أراد تناول الصابون ليزيل الإدام لكنه انزلق منه وسقط أرضا . نهار أسود بعد بياض لاح واللعنة صارت بالجهر . عاود الخوف والقلق والتساؤل عبيدة . التقط هو الصابون بنرفزة غامضة ، ولم تلتقط هي أنفاسها المبهوتة ،
استحوذ عليها الشك في أن يكون رأها في أحضان عريس تود تركيبه من كلمة طاش بها فم العمة يامنة ذات يوم . تشجعت وسألته :
" لست على ما يرام يا مصطفى ، ماذا
هناك .. ؟
أجابها وهو يجفف يديه بفوطة أعطتها له كأنها ترشيه لكي يعترف :
" وقع سوء تفاهم بيني وبين رئيسي في العمل ، بسبب فرضه علي مزاولة ، الفوج الليلي ، مرتين في الشهر ، أعلنته بأني أجد تعبا في مزاولة ذلك الفوج مرة في الشهر عكس فوجي الصباح والمساء اللذين اعتدتهما وارتحت إليهما ، فما بالك بمرتين .. ؟
قال لي في برودة وجفاء :
" اذهب إلى منزلك إذن ..
شرحت له مصاعب أجدها في العمل أملا في أن يجد لي مخرجا وتسوية ، لكنه طردني ببساطة ، ضاعت معه ست سنوات من العمل والإنضباط والإلتزام ، لا يهمه ونظراؤه إلا الربح وجلدي أنا ، كل العمال ، ترمى في النار .. طبعا ، سأرفع به شكاية بعد الإستشارة الضرورية مع المحامي الخاص ، فقد يرد إلي القانون الإعتبار وقد يؤزم وضع الآن ..
ارتاحت عبيدة وتنفست الصعداء ، لأن أخاها غاضب بسبب بعيد عنها ، لكنها في ذات الوقت أشفقت عليه فهو هادئ الطباع ، ورزين ، ومتروي لا يستأهل أن تؤذيه الظروف .. حياة بمزاج الطقس تارة تصحو وتارة تكفهر ،، ألمجرد أن يشتكي الإنسان تعبه يطردونه .. ؟ ألمجرد أن يئن بفعل الأثقال يستغنون عنه .. ؟ أشياء يسمعون عنها تسمى حقوق الناس والعدالة ، أين هي الآن لتنصف أخاها في محنته .. ؟ ربما هي في مكتب المحامي الذي سيتبنى القضية ، ربما هي في المحكمة ، ربما هي زواق لا يفيد ما اكسر من نفوس ..
لم تلحق بنانة إلى بيت نورا . لحق بها أبوها فرأت في ذلك كفاية . بقيت هي تقوم على الأشغال المنزلية كالعادة ، نصفها يتملق السعادة ويشرد بلا جواز ، ونصفها الآخر كان يثور عليها وينعتها بالضعف .. الرجل هو الذي يجب أن يجري وراءها ل هي التي تسعى إليه راضية ، وترتمي بين يديه ليلهو بها زمنا وينساها ..
أليس كذلك يا أنسة .. ؟
قل يا عانسة لتقف على حقيقة الزراية المكتومة ..
منعت أخاها الصغير من إطالة الجلوس أمام التلفزيون ، عادة قبيحة دخلت كت البيوت ..
أمرته بمراجعة دروسه ليستفيد أحسن . أراد أن يعصاها حين تشبث بأطراف الأريكة ، لكن مصطفى أومأ له بإشارة واحدة فقط كانت كافية لكي يبارح المكان مسرعا صامتا . قارنت عبيدة نفسها بمصطفى ، في عيني البراءة تتراءيان كميزان العدل . ضحكت
سرا . أجمل ما في الرجل خشونته وقسوته ، وصرامته ، واعتداده بمزاياه . ضحكت علانية . أجمل ما في المرأة ليونتها وحنانها وضعفها ..
هيأت قهوة المساء ، ثم طعام العشاء . جمعت ما على حبل الغسيل من ملابس جافة وقعدت تطويها ، في نفس الوقت كانت تتحدث مع مصطفى . سمعت منه سخطا جما على أرباب العمل الذين يستغلون أمثاله الضعفاء والبسطاء
، يستهلكون أعمار الناس دون أن يؤدوا لهم الأجور المناسبة ، المستحقة ، وفي حالة ما إذا طالبوهم بحقوقهم رموهم خلف عتبات الأبواب الخارجية ..
بقدر ماى كان يحلم بالمجيئ إلى الخارج بقدر ما صار يكرهه ويبغضه ، بقدر ما كان يرى في السفر نجاة بقدر ما استحالت عليه البداية ، المشكل لم يحل رغم تغيير المكان ..
أه .. يا ماضيه المتراكم في إحدى ردهات
ذاكرته .. لو كان يملك رأسمال لا بأس به في البلاد ما فكر في مغادرتها أبدا ، كان سيشتري ألة سحل وبرد الفسيفساء ووسيلة نقل ، ويجتهد في تحسين مداخيله وبالتالي تحسين مستواه المعيشي ..
كان ولا يزال يحب الأعمال الحرة لأنه فيها يكون سيد نفسه وعمله ، ثم أنها تدر على صاحبها أرباحا مهمة ، بالمقارنة مع العمل في القطاعات الأخرى التي لا تفي أجورها أحيانا القوت اليومي ، وتسديد الفواتير المختلفة والتأمينات ، لكن الأعمال الحرة لكي تقوم تحتاج إلى رأسمال ضخم ، وكما يقول أبوه
في كل مناقشة من هذا النوع :
" ادفع الفلوس تكسب الفلوس .. لكن أين الفلوس .. ؟
قالت عبيدة بعفوية وهي تطمع في أن تخفف عنه ضيقه :
" ستأتي الفلوس إن شاء الله ، وستحقق كل ما تصبو إليه ..
ضحك مصطفى ضحكة مليئة بالإستهزاء ، كان يستهزئ من أسطوانة أمل ظل يسمعها منذ وعى ، وكانت تطربه وتبعث في أوصاله التعلق بأطناب الأحلام الجميلة ، لكنها صارت مملة ومتعبة حين انكشف له أن زهرة عمره تذبل في المعاناة والحسرات . غير وضع جلوسه ، والفكرة فيه مكثت على حالها المتردية ، عيناه لم تحيدا عن التلفزة المضاءة بالألوان ، وفي داخله كانت تتجزأ الكتل .
قال :
" أكاد أومن بأن الحياة حظوظ ، أكاد أجزم بهذا ، فليتعس التعساء وليسعد من احتكر الفرص .. فشلت في دراستي في وقت مبكر ، فشلت في صنعتي تبعا ليدي القصيرة ، وجئت إلى هولندة لأرقى بمستواي وطموحي وأفلح ، لكن هأنذا أهوي إلى قعر الحيرة التي تسبق الفشل ..
أشفقت عليه عبيدة إشفاق عاجز عن التدخل والإنقاذ . شق عليها أن ترى حلمه جميلا وعذابه أليما . لا يحلم جزافا أو باطلا أو حراما أو ممنوعا ، إنه يحلم أن يكون فسيفسائيا حقيقيا كبيرا ، فلم تعيقه الظروف بإصرار .. ؟
قالت له وكأنها تنبهه بشئ نسيه أو بالغ فيه :
" لست فاشلا يامصطفى كما توشك أن تصرح ، الحمد لله أنت في هولندة تعمل وتكسب رزقك بعرقك ، وتبني غدك حجرة حجرة ..
قال بصوت منزعج كأنه تذكر لتوه مأزقه الحالي :
" لا عمل الآن يا أختاه ..
قالت :
" لا تحمل هما ، سيتكفل صندوق الضمان الإجتماعي بدفع مصروفك حتى تجد عملا
مناسبا ..
قال :
" لا يكفيني مصروف كهذا ، أراه هزيلا جدا أمام إرضاء رغباتي وأحلامي على الوجه الكامل ، لا أريد فقط أن أكل وأشرب وألبس وأسكن ، عندي أمل أن أجمع قدرا من المال وأعود إلى البلاد لأنجز مشروعي الفسيفسائي ، ولكي يتسنى لي ذلك علي أن أعمل ليل نهار ، لا أن أقنع بعطية صندوق الضمان الإجتماعي التي لا تسمن ولا تغني من جوع ، بهذه الفكرة جئت إلى هنا ، لكن هاهي ذي تضمحل بإستمرار ..
سألته :
" قد تعود إلى البلاد إذا ما تحقق لك ذلك ، فتجدها تبدلت وتغيرت ، فلا شئ ثابت ..
أجابها :
" تجدينني أنا الآخر أفكر في هذا ، لكني سرعان ما أهرب من هذا التفكير لأنه يعجزني ، أتعلق فقط بالوجه الذي أحب : هو أن أعود إلى بلادي في يوم ما وأكون أنا الذي تغيرت ماديا ، وانتعشت اقتصاديا . أحسني أخدع نفسي حين أتوهم تغييري ، مع افتراض بقاء العالم من حولي على عهده الأول ، لن يحدث هذا يا نفسي .. أبدا . بين كل الأشياء علاقات جدلية وارتباطات تناسبية ككفات الموازين المقسطة ..
" السنوات والناس والعمران والأفكار والطبائع والأذواق .. كلها أشياء ترتبط بإيثاق وتتصل بمتانة ، وتخلق التغيير الذي يحدث يوما عن يوم . فلن أكون أقل من متغابي حين أعانق أوهامي بعنف في ميدان الحقائق الجلية ، ولن أكون أقل من متصابي حين أتجاوز مرارة الواقع ، هذا الواقع الذي جبل على التطور ، والذي يحتم علي أن أتطور أنا الآخر .. لكني في سري أستحسن أن تلفني الخدعة لأني عشقت أصلها ذات عمر سقط مني ، وأن أبقى وفيا لأوهامي لأني نهلت منهاى الخطوات والإستمرار والكفاح ،، وفي الأخير يبقى سؤالي مجرد لغة كلامية ، عابرة ، لا تصمد أمام طوفان يتجدد بتجدد الأيام : هل غادرنا الوطن لكي لا نعود إليه إلا سواحا أو ضيوفا ، أو زوارا لمراسمهم القديمة ، البالية ، على عجلة من أمرهم ، أو موتى لا ترضى بهم سوى المقابر ..
سألته :
" لماذا لا تبحث عن ممارسة صنعتك هنا ، توصل زمنا ولى وفات بزمن يتكور ويتضخم ، وتسير على دربك القديم .. ؟
أجاب في أسف :
" ليتني كنت أقدر على أن أجعل من الزمن صورة أرتضيها في أعماقي ، ممنوعة من الهباء والثرثرة والعلامات المهجنة ، محمية من الإنسياب الباطل والتفسخ تحت الهواء ، والتمزق بعنف الصدمات والإحباطات . هذه البلاد كما ترين تنشر السجادات والطنافس تحت أقدامها ، معناه أن حلمي تساوى مع الأرض فصار لا يصلح لشئ ، إذن كان لا بد من التنازل عن نغمات فارت في دمي ورقصت ، واستتبت لها لذة في ذروة التمسك ، إن هو إلا ماض ، الآن ، بارد في الذاكرة كما يبرد الرصاص في جثث القتلى الذين خلفتهم حرب طاحنة . فالتحقت بمعهد التلحيم لمدة سنتين وكلي أمل أن أستأنس وأنسى في ذات الوقت ، كنت كأعزل من أهم سلاح يتمنى نصرا ، كنت أكذب على نفسي .
حصلت على شهادة هزيلة ، لم أفكر أن أسعى إلى أكثر منها فبحثت عن العمل ، لحظتها كنت أحس أني تنازلت عن مجدي الفسيفسائي القديم ، فتعذبت ولا زلت .. ما يعزيني في هذا العذاب هو أن ذاك التنازل صدر مني تحت قهر الظروف . وما يقلقني هو أني أكبر بلا طائل ، عمري يجد السير بعد ثلاثة عقود ، ذكرى العمر رهيبة ..
قالت في اندفاع طفيف كأنها تجس نبض الطريق الذي ستنزلق فيه :
" إذا كنت تراها أنت كذلك فكيف أراها أنا التي أكبرك بسنتين ، أنا التي .. امرأة ..
عندما لفظت ضمير ، أنا ، أشارت إلى صدرها بسبابتها ، غرسته فيه ، قصد التأكيد . شعرت أنها تحاول حشر ألامها في ألام أخيها مصطفى وتطفو دفعة واحدة . لا يعقل هذا ، هكذا حدثت نفسها ، إنه يروم التنفيس عن سواد يعم ذاته ، فلم تصادمينه بسوادك المتفشي ، المعروف عند العادي والبادي ، وهذا أخوك لا زال يعترف بك أختا كبرى له ، يواسيك ، ويضمد جرحك الغائر بكلمات من عسل ،، فلا تحملي الناس أعباءك إلا بقدر ما ترينهم يطيقون ، لهم أعباؤهم فدعيهم لها إنهم مرة محزونون ومرة يستغيثون ، ولا أحد مسؤول عن مصابك ولا أحد بقادر على نفعك ، انظري إلى السماوات الطباق ، تطلعي بمزيد من الرجاء ، وأقيمي الصلاة ..
سمعته يقول :
" لعبة العمر يستوي فيها الرجل بالمرأة ، تنطبق عليهما بلا تمييز ، وتبعث في كليهما حسرات على الذي جرى عليه الهدام ، وندما على ضياع يتمدد .. ربي ما خلقت هذا ظلما ، سبحانك إن في علمك ما كنا وما نحن وما سنصير .. الرجل والمرأة يشتركان في محنة الآن ، وعلى أي إني إني أقدر ظروفك أنا القريب منك ، وأدعوك لصبر جميل ..
قالت :
" فاصبر أنت الآخر لأتمثل بك ، وسيفتحها الله كما يريد ..
قال مصطفى :
" لكن يجب أن أعمل وأشعر أني نافع ، وأكسب وأشعر أني في أمان من نوائب الزمان ، إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة يا أختاه ، وأرباب العمل ، حتى في البلدان المتقدمة ، يكذبون ويمكرون ويسرقون جهد الناس ، لا يؤدون الأجر الكامل عن عياء العامل وعرقه . يفضلون استئجار المهاجرين الغير قانونيين على المهاجرين القانونيين ، لكي يأكلوا حقوق الطبقة الأولى في وضح النهار ، ويؤزموا وضعية الطبقة الثانية باتهاماتهم المتتالية . كل مهاجر يعرف مكانه الآن ، ويعرف أنهم يضحكون على أذقانه عسفا وحيفا ، ماذا يريدون أكثر مما أخذوا ويأخذون .. ؟ هم الذين يصنعون للهجرة وطنا داخل وطنهم ، العملاق ، هم الذين يخلقون المشاكل من تحت لتحت ، ويقولون في الأخير عنا أننا السبب ، ويمسحون فينا الموسى ..
أخاف أن يقولوا لنا في يوم من الأيام : مزقوا بطائقكم القديمة ، وانسلخوا من هوياتكم ، واخدموا أسفل هذه البلاد التي تطعمكم من جوع وتأمنكم من خوف .. صاروا يمنون علينا أرزاقنا ..
" أريد أن أعمل وأحصل على المال لقاء تعبي ، وأضمن غدي وغد التي سأرتبط بها على سنة الله ورسوله الكريم ، وغد أولادي الذين سأنجبهم منها .. وبعدها ، لتنتحر كل الأفكار ..
وهنا قفزت عبيدة . الزلزال بدأها من تحت ، من وراء ، ليسري في كل جسمها ، ويقذف بها في أفواه من تراب تطبق عليها في رمشة عين ، سهل أن يحدث أمر كهذا ، لكنه لم يحدث ..
قفزت لأن ذكر الزواج ورد وهي عانس ، كما يرد ذكر النجاح في حضرة فاشل ، ذكر الإنتصار في حضرة منهزم ، ذكر الأمل في حضرة يائس ، ذكر الماء في حضرة يابس ، ذكر الحرية في حضرة سجين ، ذكر الكرامة في حضرة مستعبد ، ذكر الفضاء في حضرة مهيض الجناح ، ذكر السعادة في حضرة شقي ، ذكر اللقاء في حضرة مشتاق ، ذكر الراحة في حضرة متعب ، ذكر الوصول في حضرة مسافر ، ذكر الحياة في حضرة ميت ..
موهت قفزتها وغطتها بغطاء الإعتياد . ماذا هناك .. ؟ لاشئ ، فقط تمرد على الوضع الواحد لما تنملت الأطراف ، وامتطت ظهر ذكرى خاطفة ..
خطبت له نانة في العام الماضي ابنة السي عاشور على أمل أن يتم الزواج بعد تدبير الأمور . عليه أن يتدبر المهر ومصاريف العرس ، والسكن ، وكل شروط الحصول على التجمع العائلي الذي يتيح التحاق الزوجة بزوجها حيث البلد الذي يقيم ويعمل به . زواج ليلة تدبيره عام كما يقولون ، وزواج هذا الزمان تدبيره يطول .. أكثر من عام .. تبعا لظروف جديدة انضافت ..
مرة سألت أخاها مصطفى بين مازحة وجادة عن السر في موافقته على إبنة السي عاشور . أجابها في اقتضاب :
" لأنها امرأة ..
وصمت ..
في حين علت الصيحة في صدر عبيدة وانكتمت بصعوبة . رفرفت عليها ذكرى إبن الجيران وهو يقول لها :
" على الأقل تصلحين لأن تكوني امرأة ..
اللعين ، تناولها مجرد امرأة لبضع سنوات ، وكف عنها لما فكر جادا في المرأة .. هل الرجال يا ترى سواسية في تفكيرهم وعواطفهم تجاه الأنثى وقرارهم المتخذ فيها .. ؟ هل نفس مصيرها مع إبن الجيران ستناله امرأة أخرى على يد مصطفى .. ؟
لولا أنه أخوها الذي تعرف طباعه لراودها الشك في أنه لا يعدو شخصا من تلك العينة الكبيرة ، إنه أنأى من أن يفكر في الإذاية أو الخداع . ذلك ما توحي به مظاهره على مدى العشرة العائلية الطويلة ، أما ما يختفي منه فهي لا تطلع عليه . الرجال أصناف متباينة ، تفو على صنف إبن الجيران .. النساء هن الأخريات أصناف متباينة ، فلأي صنف يا ترى تنتمي عبيدة ، لا تجهر الآن ولا تبصق بحنق في الخيال .. أهي من صنف .. ؟
شقيات ..
خطيبة أخيها ليست ذات جمال وافر . جمالها يتميز ببرودة أو بأناة في مفهوم الإثارة والجاذبية ، لا تكتشفه العين إلا إذا كررت النظر إليه مرات ، إلا إذا أطالت التحديق والتأمل فيه . كيفية تزينها ونوعية اختيارها للملابس والألوان ، وطريقة حديثها ، وحسن أخلاقها ومعاملتها ، كل هذه أشياء باهرة فيها تعوض عندها نقص الجمال ، فتبدو في هيأة امرأة تفرض وقارها وهيبتها ، وتصنع لشخصيتها قوة ملفتة للإنتباه ..
كثيرات هن البنات اللواتي عرضتهن نانة عليه ، منهن بنات العائلة أو بنات القصبة أو من خبرت بهن المخبرات ، ومنهن بنات المهجر .. لكنه ظل يرفض بأدب ، طبعه أنه لا يسيئ إلى الناس سواء كانوا حاضرين أو غائبين . كان يقول في
اختصار :
" لم يحن الوقت بعد يا نانة للتفكير في هذا الموضوع ..
ويركن للصمت أو ينسحب من المجلس تاركا نظرات نانة تجهر بالأمومة الفياضة وتبرر الإستعجال في ذاك المجال :
" أريد أن أفرح بك ، وألثم خدود أحفادي بالقبلات قبل أن أموت ..
هل الإنسان لما يتقدم به العمر يصير حتما عرضة للتفكير في الموت .. ؟ يتقدم بك عمرك يا عبيدة فتفكرين في الفشل وتلومين إدارة الحظوظ ، الفشل أفظع من الموت ..
وفكرت ، الرجل يملك دائما أن يختار المرأة التي يقبل أن تشاركه الحياة ، يملك أن يرفض ، يملك أن يؤجل الكلام في الموضوع . المرأة لا تملك شيئا كأنها تعيش الحياة هراء شاملا ، تعيشهاى كعروض في الواجهات : إما أن تقتنى أو تكدس ، هي رهن أذواق الناس المتمخضة عن نزواتهم ، يجب أن تنتظر وأن تطيع الأقدار المتحالفة مع بني البشر ، وأن تسلم بما يراه لها الناس ، الذين يتولون أمورها الشاذة والفاذة ، وألا تقع في الخطإ أو الخطيئة ، الرجل وحده هو الذي يملك أن ينغمس في الأوحال من أعلاه إلى أسفله ولا يدان .. أخ من هذه المفارقة بين أرواح في نفس الحياة .. ك
قارنت ..
المرأة الهولندية أكثر تحررا من العقد والقيود ، تملك زمام أمرها بنسبة عالية ..
أوه .. يا للذكريات المؤدي اجترارها إلى أفكار تعاني الإختناق .. سمعت مصطفى يقول :
أحب أن أجمع المال ، ليس لكي أطغى وأتجبر وأنسى الله ، فقط لكي أؤمن وجها من المستقبل . كنت أسمع عن الخارج روايات كثيرة مغرية ، ومشوقة ، أنت الأخرى يا عبيدة سمعت وأغريت وتشوقت ..
" ولما جئت مملوءا بالحلم والوعد ، أحلم بأن أبيع شقائي في سوق التحف الأثرية ، وأعد نفسي بالخروج من عنق الزجاجة إلى رحابة الأرض ..
لكن للأسف انقلبت شتى الصور الجميلة في عيني فركبني الوهن ، كانت المحنة الجديدة تتلاقى مع المحنة القديمة لتطرح الخبز المنشود قضية دائمة للبطون ، والإغتراب اللامتناهي قضية دائمة للذاكرات التي بدأت من الوطن ، والمستقبل قضية مرافقة لكل حاضر ، والمصير المجهول قضية ملتبسة لبقايا الأمل ..
لما جئت ورميت نظراتي هنا وهناك ، وزعتها بين الأركان وفي الوجوه ، لم أعثر على ما كنت أنتظر أو أتمنى أن أراه ، شئ يستحيل شرحه أو استجلاؤه تحت الضوء . لم أجد ما يطابق تصوراتي التي استندت فيها لحكايات الصيف وأخباره ، فإما أن يكون الخارج تبدل في مدة قصيرة ، وإما أن الذين حكوا وادعوا وكذبوا وزيفوا ، وهم في كل الحالات غير معذورين لأنهم لم يختاروا سبيل الحكمة ، ويصمتوا ..
.. سأوجز قصتي بمنتهى الغباء ، الصدق ، والفخر والإعتزاز لأنها قصتي . جئت إلى هولنده صحبة حلم وردي يفوح شذاه . خيبة أمل انجلت عنها الأيام الأولى . لم أصدق ، فقلت لنفسي :
تريثي زمنا إضافيا فما أصاب قط من تسرع ..
الأيام الآنية . بدأت أصدق أن تصوراتي انبنت على هشيم الألسنة والكلام ، على رماد النيران . الأيام الآتية .. علمها عند العليم ..
وجدت للناس عيونا وألسنة وشفاها ، مثلنا ، لهم جلود وشعر ، لهم نفس الهيأة التي للناس الذين ودعوني من شرفة المطار .. هل يظن الذين يسمعونني أني غبي إلى هذه الدرجة .. ؟ هل كنت أظن أن أرى ناسا يمشون على بطونهم كالزواحف ، أو على وجوههم ، أو على رؤوسهم كسحالف مقلوبة .. ؟ هل كنت أظن أن أرى ناسا بلا رؤوس مثلا ، أو بلا أجذاع ، أو بلا أطراف .. ؟ يسعفني كل الخيال وتعوزني أبسط حقيقة . هل كنت أظن أن أرى ناسا بأجنحة أو بخياشيم التنفس تحت الماء .. ؟ هل كنت أظن أن أرى ناسا لا ينطقون ولا يضحكون ولا يبكون ولا يفكرون ولا يخطئون
ولا يصيبون ولا يحبون ولا يكرهون .. ؟
إنهم يشبهون الناس هناك في كل شئ ، هكذا وجدتني أهمس لنفسي بعد تأكد ميداني . اختلاف في اللون . نعم . في العادات والتقاليد . نعم . في الثقافة . نعم . في إنتاج الأفكار . نعم . في صياغة الحلم . نعم ..
ماذا كنت أظن أن أجد غير هذا .. ؟ ألا كم كنت غبيا حقا ..
بودي لو كنت قادرا على أن أحوز تأشيرة سفر إلى الوراء العميق ، لأفق على حقيقة الحياة التي عبرت الوجود ، وأقارن ، ما كنت لأتردد لو كسبت القدرة ، لكن غير ممكن ..
وهو يضحك خلسة ..
أرجوك يا عبيدة أن ترخصي لي ، وأعدك أن لا أعود إليك في يوم من الأيام وأنا أجتر ادعاء سمعته مرة : الإنسان كان قردا .. والسفر إلى الأمام على وتيرة غير عادية .. ؟ غير ممكن إلا على مهل صار عادة مضجرة . أوه .. لماذا خلق الإنسان محصورا في حاضره ، ولا شئ غير حاضره ، ينسى ماضيه بسرعة ، يتنكر له أحيانا لأنه يراه ماضيا غير عزيز ، ويعجز عن فضح أسرار الأمام ..
اللحن هناك هو نار متسعرة تبحث عن وفاق مع المياه الملوثة . اللحن هنا هو جمرة حمراء بطيئة التوقد ، تؤذي كل جسد لا يكترث ، وما أكثر الأجساد اللامكترثة .. في وعي الأحداث الجارية عذاب لا يتنازل عنه الذين أمنوا بأن الغد ممكن أن يأتي ، وأن التغيير ممكن أن يحدث ، وأن أجمل الورود ممكن أن تزرع في الأحراش البئيسة . في اللاوعي راحة عميقة يعتنقها الخانعون ..
الكلام القصير حالة يختصرها الحجم فيقصر فيها الزمان ، ويضيق فيها المكان ، وتتركز المضامين في ما هو خاص أو مثير أو غريب أو مهم . الكلام الطويل يصنع للجزئيات قيمة ،
ويعري التفاصيل بجرأة ..
مرة سألت أبي عن الفرق بين خارج البارحة واليوم ، فأجاب :
" ذهب الخارج وذهب خيره . كان يوم كان المعيل وحده هنا وعائلته باقية في البلاد ، يعمل ويكدح ويجمع قدرا من المال ويدخل به إلى البلاد ، الفلورة في سوق المال تساوي عددا من الدراهم ، يزكى المبلغ ويكون في الإمكان أن يأكل الأولاد ويشربوا ويلبسوا ويسكنوا ، ويبقى فضل من الله يشجع على التفكير في مشروع ما .. أما اليوم بعد أن جئنا بأولادنا إلى هنا فكل ما تكسبه تستهلكه ، أحيانا لا يكفيك فتضطر إلى السلف ، كل شئ صار يموت هنا ولم يبق لبلادنا فينا سوى عطلا صيفية خاطفة فارغة ، نغطي عليها ببهرجة كاذبة ، نجحت سياستهم ضدنا ، لم تبق عملة صعبة ولا هم يفرحون ، المهاجر كان يربح في الصرف يوم كان ينزل ببلاده بمبلغ مهم ، الذي ربح ربح زمن الغفلة وأغلقت الأبواب ، في الحقيقة حتى بلادنا فرطت فينا بشكل أو بأخر ، بسهولة ، الآتون كانوا كالهاربين من الرمادة أو قل عنهم كذلك فعلا ، لا عمل ولا قراءة ولا تشجيع ولا تسهيل في الأمور ، فلم البقاء هناك .. ؟ هؤلاء يستغلوننا هنا استغلال الدواب ، كان خيرا لنا وأفضل أن تستغلنا بلادنا مرحلة انتقالية ثم تفتح لنا طرقا بمادة الوضوح ، ما كرهنا هذا ، لكن للأسف الشديد لم يحدث هذا ..
والله يا عبيدة أبي عنده حق في مسألة الفلوس ، إنها هنا تطير كأخف الريش يلهو به الهواء ، نقبضها باليمنى مجموعة فنفرح ، ونصرفها باليسرى سنتا سنتا ولا تكفي . فتحت الحساب في البنك الشعبي على أساس أن أوفر فيه مرة مرة مبلغا أحتاجه لوقت من الأوقات ، لكن من أين .. ؟ ويظل السؤال بلا جواب ، ويظل الحساب على عهده منذ تاريخ الفتح ، بلا
إضافة ..
اهتزت عبيدة هزة خفيفة كأنها تنفض عنها لحاءات توالت عليه أوشام غير مرغوب فيها . شبكت يديها وراءها وتمطقت . طال القعود في الوضع المعهود . أجمل خلوة حالمة تدعوها . تثاءبت دلالة على أن الفراش ينادي . نظرت إلى مصطفى نظرة عطف ومساندة ، وابتسمت على هامش ما في الكيان من غصص تدور . قالت وهي تستقيم واقفة :
" اصبر يا أخي ولا تقطع رجاءك في الله ، سيأتي يوم تحكي لي فيه عن أمنياتك التي تحققت .. فأفرح لك من كل قلبي ..
ظل صامتا مبحلقا في الفراغ ، فيما تململت عبيدة ومشت نحو غرفتها وهي تهمس في
عياء :
" تصبح على خير ..
أطلت على أخويها في غرفتهما ، كانا مستغرقين في نوم عميق ، مسبغة ملامح وجهيهما بهدوء وحلم . نظرت للذي كان يرسم دجاجة وابتسمت ، وأغلقت الباب ..
وهي ترتدي منامتها البيضاء التقت بوجهها على المرأة . وقفت مدة طويلة . ركزت النظر كأنها تنظر إلى صورة جديدة عن بصرها . أهذه هي أنا .. ؟ عودة الأمل أعادت للدماء لونها وللجسد هوسه ، وللجمال بروزه مشعا جذابا . أأنت هي أنا .. ؟ سبحان الذي يبعث الأشياء الميتة من رمسها .. حررت شعرها من مشبك بنفسجي فتهالك على كتفيها أسودا ناعما ، بدا كوحي فنان مقتدر يخلق من السواد الكث معنى وروعة في مساحة بلون الملائكة . أبقي مني ما يوقع برجل في سجني وأكون به رفيقة ، وله صديقة ، وفي عينيه أتضخم أسمى حقيقة .. ؟
والحقيقة أن عبيدة كانت تتمتع بقسط مهم من الحسن والجمال . عينان واسعتان تغريان دائما بالأنس والإحتضان . خدان ينحفر فيهما ثغران ناضجان ويتسع فيهما فضاءان لإستقبال اللهيب . شفتان مكتنزتان إن انفرجتا فكأنهما تناديان ، وإن انطبقتا على بعضهما البعض فكأنهما سحابة يتيمة في قبضة الشفق . خال على يمين أنفها يستقر كأنه ختم سلطان عظيم على وثيقة سلام جاد . عند ناظريها بعض شعيرات شائبة تبدو كحواجب القاعات الهامة ، الإجتماعات الهامة ، تتضايق منها عبيدة أشد الضيق . لا تنفع الحناء ولا المساحيق مع فعل الزمن ، ولا اقتلاع العلامات المريبة من منابتها ، اقتلاع الشيب شعرة شعرة ، حمق ..
كل مرحلة تفرض نفسها بالإزميل والصباغة والرقم ، والعاقل هو من احترم عمره مرحلة مرحلة . في كل تسريحات شعرها تأخذ عبيدة الشيب الطفيف بكامل عين الإعتبار ، تعمل على إخفائه . الشيب وقار كما قالوا . لو علمت أنه قد يوظف في تزكية الزينة والجمال لما هزمها شعور الحزن والسخط . تسريحات شعر ينسجم فيها الأبيض القليل مع الأسود الكثير ، وانتهى المشكل .. إنها لا تبالغ في استعمال المساحيق كأنها فهمت أن أكثر الكيمياء يرهق الجلد بعنف ، يؤذيه ، يشوهه . لا تلبس الملابس الخليعة حياء أو شيئا من هذا القبيل كانت تظنه ..
أهذه هي أنا .. ؟
أأنت هي أنا .. ؟
أبقي مني ما يوقع برجل .. ؟
دفعت بصدرها إلى الأمام لتزن مدى قدرته على الإنغراس في سمك الجلد ، واقتحام دهاليز الذات المخطط لإمتلاكها ، فبدا لها أنها تملك مدفعيتين باسلتين قد تبليان بلاء حسنا في المعركة إذا نشبت ، وحمي لهاثها . واطمأنت قليلا وهي تستكشف هذه القوة وتستطلع هذه الواجهة الرائعة . وضعت يديها على أطراف خاصرتها ورأت نفسها من اليمين إلى اليسار ، ثم من اليسار إلى اليمين ، ثم جربت أن ترى نفسها من الوراء لكنها فشلت ، فارتمت في فراشها بعد أن أطفأت النور ..
كل هذه الفتنة الصارخة تكسد .. ؟ أين أصحاب الأذواق التي لا تخطئ المليح اللذيذ ، أين عشاق اللوحات الفنية الناطقة بالقيمة والمعنى .. ؟ سحروها عند أمكر السحرة ،
هكذا يبرروجه التناقض . جميلة .. كل هذه الأنثى يعزف عنها كل هذه السنوات الطويلة .. ؟ في الموضوع شئ غير طبيعي . غامض . معقد . نسأل عبيدة فلربما نجد عندها إشارة أو صوتا مسهبا . لا ، لا يجب أن نفعل ونسأل ، إنها تريد أن تنام على طريقتها الخاصة ، ثم أننا سوف لن نجد عندها سوى الدموع والإصرار على المغامرة ..
صدقوني ..
بمجرد ما أسلمت رأسها إلى الوسادة عانقها طيفه ، بشوق ، كأنه كان في الإنتظار تحت السرير ، أو خلف الباب ، أو في الدولاب ، أو في ثنايا الكبد الدافئة . هي لم تتنازل عن طيفه ذاك الوديع لحظة واحدة .. منذ أن تكلمت العمة يامنة . كانت ترى في مجرد التنازل عن طيفه لحظة شاردة خيانة عظمى
، وكانت ترى في استحضاره كل الوقت الفاصل ، والتمسك به ، ومناجاته ، كل الوفاء والرجاء . فلن تكون غدا كاذبة وهي تسر في أصداغه حروف عاطفتها :
" بت أيها الحبيب تسكنني ، تملكني ، تسعدني ، تشقيني ..
قلب أشرف على يبابه هاهو ينشأ من جديد ، أمل مات هاهو يولد ثانية ، الأرض الملأى بالأحجار الصلفة وبالأشواك الظالمة وبالألسن المتطاولة هاهي تصير خثراء ، صالحة لزراعة السوسن وزهور الأرطنسيا . الإنسان لما يحب يتألق في حضور الحبيب ، وفي زمن الغياب يصلي لطيفه من بين سائر الأطياف ، ذلك ما تباشره عبيدة الآن ، لكن هل تحبه حقا أم تريده فقط رجلا ينهي أزمة الحرمان ويطوي ملف البوار .. ؟ غنها لا تفرق بين الحالات ، فالذي يختار أن يكون رجلها هو حبيبها ، والذي يختار أن يكون حبيبها هو رجلها ..
كان طيفه يمتزج بطيف أبيه في رأسها ، فكانت تشقى كثيرا وهي تحاول أن تنفرد بواحد . لكن منذ تحركت وقعت الفرز
بين الطيفين ، فبات طيف الإبن حبيبا غاليا تجتهد في أن تحوزه في دنيا الواقع لؤلؤة مكنونة ، وبات طيف الأب لا يزورها إلا كما تزار زوجات الأبناء المصونات من أبائهم الطيبين ، ليسبل عليها أيات الرضاء وتتدفقات الإحترام ..
عملية الفرز اعتمدت فكرة بسيطة :
" لو كان الحاج عبد الرحمان يرغب فيها لنفسه لكان أول من يعلم هو إبنه . إنه لا يعلم .
يبقى هذا مجرد افتراض هش . لا ، إنه الحقيقة التي اتضحت .. لم لا تسأله عبيدة وتتأكد .. ؟ ليست لها كل تلك الجرأة الجريئة ، إنها تخاف أن تطيره بعد أن اصطادته ، تخاف أن يبتعد إن فعلت ، أن يهجر بعد أن أجرى في الفؤاد خفقانا شهيا ، ونشيدا بريئا . خوفها ذاك يمنعها . لو كان يعلم أنها المرأة التي ستصبح زوجة لأبيه لما رضخ لعاطفته ، لما ناداها بعينيه ، لما لاحقها من درب لدرب ، لما عرض عليها حبه ، لما اختلى بها في زاوية نائية لحديقة عمومية ، لما ضغط على صدرها بلهفة ، لما دس شفتيه بين شفتيها ..
الحاج عبد الرحمان فاتت أيامه كما أسرت بذلك العمة يامنة إلى نانة . ذكرها إذن كما يذكرالأب مشروع امرأة لإبنه الأعزب ، وهاهو إبنه يسهل المأمورية بعد أن تحرك المفتاح حركته الواثقة .. هو الإبن ، هو الحبيب ، هو الطيف الذي تعانقه الآن متخلية عن كل حياء ، وهل تستحيي امرأة من رجلها .. ؟ ألا ما أغباكم حقا إن استحوذت عليكم مثل هذه الفكرة المتسائلة .. ما أقساكم وأنتم تضعون بين الملك وصاحبه شتى الجدارات .. تسقط أفكاركم المتزمتة ، وترتقي عبيدة حياتها من وجهة نظرها .. هو الطيف الذي يقيم ضجيجا في سكون الليل ، الذي يتولع بالعبث كطفل مدلل ، الذي تجب عليها طاعته في كل شئ .. كل شئ ..
أحلام واسعة تمهد لما سيقع . نحن أنفسنا نتيجة أحلام غيرنا ، أباؤنا حلموا بأن ينجبونا فوفدنا على الوجود ونحن أبرياء ، ذنبنا أننا انزلقنا من الأرحام ونحن مشدوهين أو باكين .
ما المانع لكي لا نحلم في تمادي .. ؟
نانة حلمت كذلك بأن تتزوجي وتكوني ربة أسرة سعيدة ، لكن هذا لو يقع بعد . ثمة إذن أحلام صعبة الوقوع أو لا تقع بتاتا . أوه .. مر طعمك أيتها الهواجس المخيفة وأنت تتخللين نومها مع طيفها ، وأنت تقطعين حلمها بشفرة الرعب ..
استحضرته من أول طعم ابتلعه إلى أخر قبلة حلوة أودعها بين شفتيها . عبيدة ..
ماذا هناك أيها النداء المستمر على الضفة الأخرى ، ألا تفتر .. ؟
إن العاطفة محمل إلى النار ، والدمار ، إذا لم تستخدمي المنطق والأفكار ..
أنا خلقت امرأة وكفى ..
لحد الآن هو المستفيد ، وأنت ماضيك يضم كم من تجربة ولم تكوني المستفيدة ..
ليتني خلقت مفكرة ..
انقلبت على جنبها الآخر ، وانقلبت . حراس الليل شهدوا جميعا أنهم سمعوها تتنهد . هل تعاتب نفسها على ضوء الشارع المتسرب إليها عبر الزجاج . لم تعطه أكثر مما أرادت هي . لا بد أن تلقمه غلة عام لقمة لقمة ليتمكن منه عشق أرض الغلات ، وغلات كل الأعوام الباقية ، هكذا فكرت .. عليها أن تتراءى له أرضا معطاء ، تثمر التفاح والبرتقال والعسل والإشتهاء المتدفق .. لم تعده بأكثر مما وعدها هو ، أن يسافر بها مثلا إلى الجنة قال . أجمل ما في وعوده أنها تدور حول الإستقرار والأمان والسعادة ، والحب ..
ليل الشتاء طويل . حين تعتقد الأسماع أن الديك سيصيح للفجر يدق بندول الساعة الدقة الحادية عشرة ليؤكد الوقت .. ارتعاشات جسدها تنفلت منها بموازاة مع الزفرات .. لزلت يا حبيبها طيفا رغم كل الإقتراب الذي تحقق ، إنها تريدك ضيفا .. ضيفا .. ضيفا ..
واختطفتها مردة النوم وعلى شفتيها
دعاء ..





كانت ترتدي فستانا أبيض ، شراشفه ذهبية اللون ، أذياله طويلة ، يبيح رؤية جزء من ظهرها وجزء من صدرها ، مشدود بخيطين جد رقيقين يتقوسان على كتفيها فلا يكادان يظهران . بدا الفستان كأنه مشدود فوق تمثال فاتن . وسطها ملفوف بحزام لامع اتخذ شكل ثعبان ساذج . على رأسها إكليل ساطع . منها تنبعث رائحة وإثارة ..
انطلقت زغرودة أعقبتها موسيقى حنونة . تقدمت منها صبية بهية وضعت لها الحناء في راحة يدها اليسرى . قبلتها بامتنان وانسحبت . انطلقت زغرودة أخرى ، فارتفعت حدة الموسيقى محافظة على الحنان فيها . ضحكات صبيان تنغزهم أنامل الملائكة . أرواح ترقص وأخرى تبتسم . كانت عبيدة أكثر من سعيدة ، وكان كل الكون يبارك لها فرحها ويقدم لها أحر التهانئ . هو عرسها . هي ليلة زفافها ..
في تلك الأثناء دوت صرخة في الأسفل أربكت الأنغام . ماذا هناك .. ؟ ودوت صرخة في الأعلى . ماذا هناك .. ؟ الصرخات تكاثرت فأسكتت كل ما كان من أصوات ومقامات موسيقية . ماذا هناك .. ؟ تقدمت نورا من أختها عبيدة وأجهدت نفسها في أن تمسك دموعها إلى ما بعد الإعلان عن الفجيعة ..
قالت لها :
" أنت مؤمنة بالله ياأختاه ..
كادت عبيدة تسقط أرضا . أدركت أن قدرا رهيبا نزل . ماذا هناك .. ؟ لينطق كل الناس مرة واحدة . لا يهم اختلاط الأصوات . ارتمت نورا فوق صدر أختها وقالت في انتحاب :
" تعرض إبن الحاج عبد الرحمان لحادثة سير .. و ..
تساءلت عبيدة مبهوتة وهي تشد على أختها نورا بقوة ، كأنها تستخرج أصعب معلومة من مصدر لا يقوى على النطق :
" و .. و .. وماذا .. ؟ تكلمي ..










استيقظت من نومها تعالج الهلع والفزع ، وجفاف الحلق . غادرت سريرها بسرعة كأنها تهرب من فم جسور على اللقمات المطهوة فوق صفائح كابوس . أشعلت الضوء ووقفت في وسط الغرفة تشد على رأسها بيديها تارة ، وتدعك عنقها تارة أخرى ..
" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ..
ترقب فراشها صامتة النبض . تحاول أن ترى أثار ما رأت . للحقيقة دليل ، أين
هو .. ؟ للمنام تأويل ، أين هو .. ؟
بعد برهة وجدت نفسها تتمتم :
" كابوس بكل هذا الحجم من القمع والردع ، رباه ..
وعادت تجلس على حافة السرير ، تختنق ولا تجرؤ على الإنفجار ، تسقط ذقنها بين يديها وتفكر بلا عقل .. المرأة ، فعلا بلا
عقل ..
رن الهاتف في قاعة الجلوس . الرنة الأولى كذبة أتية من أعماق الليل المتباطئ . الرنة الثانية استوجبت قدرا من التركيز . الرنة الثالثة اندلعت على إثرها رجفة بين جوانح عبيدة المستغرقة في التفكير ، المفتشة بين ما سمعت عن الأحلام عساها تجد لما رأت في المنام تفسيرا مقنعا ، يطمئنها أو يبيعها لمزيد من القلق والحيرة ، والإستفهام ، عساها تجد حالة مماثلة لحالتها ..
قامت مذعورة ، وهرولت إلى قاعة الجلوس حيث لا زال الهاتف يصدر رنينه ، كصبي عليل يبيت الليل بين الأنين ، والبكاء ، وأمه ساهرة بين الخوف والدعاء . كانت تحمل مخلفات كابوس مهول ، وكانت تعثر في الأجسام وفي الخواء . نظرت إلى الساعة الحائطية فوجدتها توشك أن تكون الثانية صباحا . صباح الخير أيها البؤساء .. صباح الخير أيها السعداء ..
تذكرت أن نانة وأباها في بيت نورا ، وأن نورا تلد في المستشفى ، وولادتها صعبة إذا ما استندنا إلى ولادتها الأولى التي مات فيها المولود فور نزوله ، وعادت إلى بيتها بعد أيام استشفاء طويلة بخفي حنين ، قريحة الفؤاد ، مكلومة الخاطر ، دامعة العين ، حزينة لحد التلاشي . ولادتها الثانية كانت لا تقل صعوبة عن الأولى ، لكنها مسحت على الجروح والآلام لما أسفرت عن طفلة جميلة فيها من نورا نظرة ومن أبيها بسمة . وولادتها الثالثة .. ؟ لا زالت مبهمة في ظلام تغالبه بعض الأنوار ، وبعض التحدي . تعوذت بالله من الشيطان الرجيم وبسملت ، وحملت سماعة الهاتف ..
" ألو .. مع عبيدة ..
" ألو مع زوج أختك نورا ..
" خير إن شاء الله .. ؟
" كل الخير والحمد لله ..
" من أين تتكلم .. ؟
" من المستشفى ، لم يهن علي أن أبرحه دون أن أطمئن على نورا ، إنها غالية عندي واليوم هي تتألق درة نفيسة ، لقد ولدت لي ولدا جميلا وافق أمنيتي ،
يا خالته ..
قسوت عليها أيها المتكلم على الطرف الآخر ، أنت في غاية السرور والإبتهاج تنفلت منك الكلمات بلا بعد نظر ، وهي في غاية الحلم المفزع .. أنت معذور لكن لا تنسى نفسك أكثر . همست المقهورة تحت بلعومها :
" عندما تضيق الأرض بكلمة ، عندما لا يموت الكابوس بأول طلقة من اليقظة ، عندما ينعدم الإستئناف في متاهة ليل شتوي طويل كالأبد ،، خالة عانسة ..
لم لا .. ؟ ممكن هذا جدا ، هي خالة من قبل رغم أنفها ، لشقيقة الذي ولد الليلة بنجاح ، وخالة لأربعة أبناء ينادون أختها نعيمة : " يا أمي ..
ويتناوبون على حضنها أو يجتمعون فيه ، أو يتشاجرون عليه ..
هل يضر عبيدة أن تصير أصلا في العائلة التي بدأت تتسع .. ؟ لا قطعا ، إنما شعور من الحرمان يجوس خفاياها فيورثها ديناميت الألم . للتذكير هي بكر الأسرة . هي عانسة . هي خالة . قريبا ستصير عمة فمصطفى يضع رجله في ركاب الصهوة . الناس من حولها أبرياء لم يسيئوا إليها ، وليس بأيديهم أن يحسنوا إليها بأكثر من الإشفاق البادي والتنديد بالحظ ، فلا يجب أن تظلمهم ..
الفاصل بين الشهقة والزفرة يشسع للتخيل والتأمل ، للتذكر والتفكر ، للبكاء والتجلد ، للتلاشي والإنبعاث . الإستعراضات الذاتية تمر بسرعة لا تضبط ، تشذ عن تطورات الكرونومتر .
سمعت زوج أختها يقول :
" لقد استسمحت الطبيب المسؤول في أن أراها فلم يمانع ، رخص لي ببضع دقائق ، تكلمت معها فأجابتني ، ابتسمت لها فابتسمت لي ، إنها بخير ماعدا بعض الدوخة والإنهاك ، أنت عارفة هذه الأمور النسائية يا عبيدة ..
ضربة مقص في جوفها قطعت كم من خيط توهم متانته وصلابته . أهرقت الحروف المنتظمة في زجاج الحكمة :
" يا غبي ، أنا لم أتزوج بعد ، لم ألد بعد ، فكيف أكون عارفة ، لزلت أتمنى رجلا يقبلني في دنياه امرأة ، يزرع في خصوبتي أطفالا أغدق عليهم أمومتي وحبي ، ورعايتي ..
" طمأنني الطبيب بأنها مجرد أشياء عادية تعقب كل الولادات . زففت الخبر إلى نانة فحمدت الله بارتياح ، ورأيت أن أزفه إليك ، غلى كل العالم ، إني أكاد أطير من فرط الفرحة ، فلا تندهشي إن رأيتني في السماء ..
.. وهي تضحك ..
" إني أشاركك فرحتك بقلبي ، ألف مبروك ..
" الله يبارك فيك والعقبى لك ..
إنه يتمنى لها أن تكون أما ويكون لها أولاد . بلغة أي زمان نطق ، لا تدري ، كل ما تدريه أنه بلغة الآن يتمنى لها الزواج بإبن الحلال ، فهل ياترى يقع شئ مثل هذا .. ؟
" إن شاء الله ، وإلى اللقاء ..




شيلك مشدود لعروش مزركشة اللحاء ، تجذبه أرض متواطئة مع الإنزلاق . السماء بعيدة تتراءى ، أبعد من يدي عبيدة إذا امتدتا إلى فوق ، من بصرها إذا ترامى في فضاءات مغمورة باللاشئ . أصبحت اللذة عندها عادة ، عطر إبن الحاج عبد الرحمان عادة ، اللقاء عادة ،، والصراخ عادة ..
على بساط الأحلام الناعمة تسير أم على شفافية الواقع ولا تحس .. ؟ لا تريد أن تحس خوفا من اتخاذ موقف يدمر باقيها .
صارت ملك ذوقها تجذبها الوجبات جذبا لا يقاوم . تعشق الحلاوة . تعشق عبق الشذى وبريق الندى . صارت تحبه ولا تسأله لقاء حبها قلبه . ربما اطمأنت إليه كما تطمئن عصفورة مطاردة إلى عشها . ربما ألفته كما تألف الروح نشا حياة رائقة . ربما تغامر معه بأخر الأوراق مستبعدة كل نهاية معقدة ..
لكي تروق الحياة لبد من إسقاط التعقيد ، وتجاوز بشاعة المأزق ، والضرب بعرض الحائط كل كلام الناس . عبيدة عمدت إلى نسيان كل الماضي ، وجنت في غمرة اللعب بفقاعات الحاضر كما يتفق ، بعيون الحبيب لما تناديها ، لما تشتاق إليها . توهمت أنها تستطيع ذلك ، وكانت تثور على نفسها في اللحظات الحرجة :
" ماذا أعطاني الماضي غير البوار الجلي وسط أفواه تنفث السم والنار .. ؟ ماذا أهداني لكي أعترف بجميله وأخلده في فناء الذاكرة .. ؟ لما أذكر أن كل أترابي من البنات لهن بيوتهن وأزواجهن وأولادهن ، لما أقف على حالتي المتفاقمة ، أتأكد أن كل الماضي لم ينصفني ، كان ظلاما . لا أحسد أحدا يا نفسي ، لكني أغار ، وألوم الماضي بشدة ..
النسيان . لكن قلبها كان يستيقظ على صيحات تطلع من تحت التعتيم ، وعقلها كان يجبرها على التفكير بعمق ، وذاكرتها ما كانت لتغسل باللعاب . كان ضميرها يتذبذب وكانت توقفه بتهجي الإستغفار ..
فقط الإستغفار ..
شيلك مرسوم بالغواية المتقنة ، رأسه يحمر كلسان يسيل بالدم ، وكل أطرافه السفلى بيضاء . شيلك باعث على الإشتهاء المطاع ، وعبيدة كانت تحمل بين جوانحها جوعا لا تفيه كل الحقول . ما نكرت قط حالتها هذه وهي تبكي في خلواتها ، وصمتها ، وهي تحاور ملائكة السماء بنبرة الإستجداء والتوسل ..
شيطان جميل المحيا ، بليغ اللغة فصيح اللسان ، كان يجهر دائما في صدرها :
" عبيدة .. أيتها المخلوقة التعسة بيدك أن تسعدي فلم لا تفعلي .. ؟ ماذا تنتظرين أكثر مما انتظرت .. ؟ كلي الشيلك حين توفر ، استفيدي من فرصة في الحياة ، لا تسمي الحب خطيئة فخطيئة الحظ في حقك أكبر ، لا تسمي النوم عثرة فنامي ودعي الحلم يهيج ويفعل ما يشاء ، ارمي عن جسدك أخر مفتاح معيق ، انفتحي ، لم يعد إحكام غلق الأبواب أو التمنع عن الإستقبال في صالحك ..
ظل الشيطان يقبع فيها قبوع صنارة وسط ظلال الماء ، ولذة الطعم . يمتطي أصواته المحرضة إلى مخازن قوتها ، ويمشط فيها فلول التردد . امرأة ثابتة مقابل شيطان يحضر ويغيب ، لا يفتر ، لا ييأس ، احترافه مهنة الشر علمه أن النتيجة المتوخاة تأتي بعد استمرار وتعب .. حتى الشيطان يتعب لأجل نشر مبادئه وكسب أنصاره ، وإشاعة الدمار في الإنسان ..
وأخيرا ، أخيرا كبت المهرة وكبا فيها المهر ، واتضحت صورة الرعاف حمراء قانية ، فكان ما كان ..
أول عضة على الشيلك كانت بكل الجنون . اكتشف الذوق مرارة كبرى تحت القشرة . عودي يا عبيدة إلى أول الطريق .. هيهات يا أعزائي .. المرارة علقت بالأسنان ، سرت بسرعة ، اختلطت بالدماء ، دم كان يسيل ورائحته كانت تميع . مرارة ارتعش لها اللحم الحي ولم يملك أكثر من أن يذوب ، والمدامع سخت بالعبرات ، والهلع ما وجد له رفيقا فيها فشكل الصدمة بحذافيرها .. هيهات يا أعزائي .. المرارة وطنت لها مساحة كبرى في ذات صغرى ، فمستحيلا الرجوع صار ..
" بلغوا نانة عن أمري شيئا مرعبا ، أرجوكم ان تعتمدوا أجدى الطرق لكي لا تصعقوها ، قولوا لها أن عبيدة فعلتها وهذه هي فحوى البلاغ ، انتظروها حتى تبكي قليلا ، ثم التمسوا لي عندها عذرا أو عفوا ، واسألوها برفق أن ترتجل زغرودة في حق حمرتي التي ساخت بلا ثمن مقبوض ، بلا وعد موصول ، ساخت خارج الفرح حين أثخنت الأيام حظي بالإنتكاسات .. زغرودة قدر ما تسمح به حنجرتها المعرقلة بالغصات ، زغرودة ظلت تتمناها ولم تجئ بها عصافير الصباح .. زغرودة فقط ، بأي لحن وأي لون وأي معنى ، فكم يعز علي الآن أن أنزف شعاري بدونها ..
" بلغوا أبي أن عبيدة ابنته ذبحوها وهي في منتهى الطاعة والتلذذ بشفرة الخنجر بين أحشائها ، فجرى دمها دمها دمها .. دمها .. وامروه بصلاة لا تنتهي .. سيقتلني لو عرفني كما أنا اللحظة ..
" بلغوا مصطفى أني في غاية الخجل منه حتى وأنا لا أراه . كيف أنظر في وجهه الذي يحترمني .. ؟ من أين أبتاع عيوني الجديدة لوجهه القديم .. ؟ لا زال يحمله وثمة مصيبتي ، لأن وجهي سقط مني ، أنا ، ظل يراني أختا كبيرة وطيبة وقادرة .. وشاربة عقلها .. ومؤمنة بالله .. سيظل يحترمني وثمة شقائي سأذوقه أضعافا مضاعفة ، لأني سأحسني أخدعه ، أنا ، وتحت جلدي تختفي أسوأ امرأة باعت شرفها مقابل العبث ..
" بلغوا أخي راسم الدجاجة أن دجاجته لن تبيض ، كما أرادها فعلا ، لأنها تناولت حبوب منع البيض اتقاء واحتياطا لأن تنزل منها بيضة لقيطة ، وتفرخ فضيحة ..
" بلغوا العمة يامنة دعوتي المستعجلة لها ، أن تأتيني على جناح السرعة لتشرب حليبها المفضل في بيتي الوهمي . تمنت العجوز اللعينة يوما هذا ، قودتني إلى هذه النهاية بطريقة بسيطة ، تدخل إلى البيوت من أبوابها في رداء التقوى والورع ، وتباشر مهمتها بحروف عادية .. تبدو عادية لكنها في حقيقتها تنسج كلاما خطيرا في نفس مشرعة للحلم والوهم .. هكذا أفهم الأشياء الآن ، الآن بعد فوات الأوان ..
قولوا لها أنها هي كل السبب بأساسياته وحيثياته ، صدرتني للحالة بكلمة شاردة في عالم البله والشيخوخة ، صدرتني لحقل مزروع باللذة والعطور فهأنذي أكلت الشيلك والمرارة ، هأنذي سأظل أخاف بحجم فضيحتي لو انكشفت اليوم أو غدا ، أو في نهاية حياتي .. وصمة عار ..
" قولوا لها ، العمة يامنة ، أني موجودة في بيت إبن الحاج عبد الرحمان ، طريحة فراش وردي ودم مني خرج .. له بيت خاص به في أطراف المدينة . كنا في بداية علاقتنا نرتاد الحدائق العمومية وبعض المقاهي النائية عنة عيون تعرفنا ، تعرفني .. دعاني مرة إلى بيته فلبيت الدعوة رغبة في الإستطلاع . وجدته بيتا جميلا يضم أثاثا ثمينا ، وله جدران وستارات تخفينا عن كل العالم المتطفلة أبصاره وألسنته ، وتصنع لنا عالما بعرق الحمى المرعشة واصطخاب النبضات ، جدران تتستر علينا ونحن في أحضان بعضنا البعض نهمس ونهذي ، ونصدر أصواتا من صميم احتراقنا .. أعجبني البيت . قلت في نفسي هذا بيتي من الآن ، وعلي أن أوطد التعارف والحب والعلائق بيني وبينه ، فلم أتردد بعدها في أن أختلس إليه الخطوات في مواعيد مضروبة أو خارج المواعيد ، أكون في الإنتظار كزوجة تنتظر زوجها على حافة الحشية والشوق ، زودني الحبيب بمفتاح خاص وبحرية التصرف ، فأحسستني بت نصفا حميما لا غبار عليه ..
انتهت إلى البكاء ، إلى ماء المدامع يتفجر من صلب مشاعر وهواجس مهولة . المرأة بكاءة والرجل منتحر ، والظروف ضاحكة ، والأسباب منسحبة من الميدان ..
بعد الواقعة ماذا أنت فاعلة يا عبيدة .. ؟ تساؤل أحمق يغير على إنسانة لم يبق منها أي قرار . ما بقي لها ما تفعله . لن تفعل شيئا . ليتها تملك ما تفعله . ليتها تملك طريقا تلقي بها خارج الحياة جمعاء . ليتها تملك الشجاعة والجرأة على اتباع طريق كذاك ، تدفنها معالمه بسرعة ، ولا تعود إلى الوراء ، ولا تهتم بالشماتة الموخزة
والتعزية الساخرة . ليتها .. هل عندك سم ناقع يا إبن الحاج عبد الرحمان ، أي وسيلة تنزل الموت فورا ليخطف روحا تتعذب في غياب كل الصبر .. ؟ لم يسمعها لأنها لم تنطق جهرا . ستظل جريحة والدم يقطر . ستظل مدامعها غائمة ، هاطلة . هذا كل ما تملكه . هذا ما بقي لها . دموع لا تجف ..
ممددة فوق السرير في نفس الوضع الذي تم عليه التهام الشيلك . عيناها باتتا حمقاوتين لا تستوعبان ما حولها إلا خطوطا متقطعة ، ونقطا بمختلف طرافها ارتخ

الأحجام . أطرافها ارتخت عن أخرها كأنها شلت ، كأنها فرغت من عظامها ، كأنها انفصلت عن إدارة الجسد كله . بدت كسيارة بلا عجلات ، قائمة على أحجار جامدة تحلم بالطريق اللاحب والسرعة المعتدلة ، تتسلى بذكرياتها الرائعة ، بيد أن محركها كان يزأر ناشدا الغوث
والإسعاف ..
غثيان . تريد أن تتقيأ شيئا . أشياء كثيرة . تلك أعراض تلي أكل المتعة المحرمة . نظرت إليه ، إبن الحاج عبد الرحمان ، جالسا على حافة السرير يدخن سيجارته ويوليها ظهره العاري . هل أخذ كل ما أراد .. ؟ صارت امرأة بلا زوج . الرجل الذي صيرها كذلك لا يزال بعيدا ، أبعد من واقع جميل في دنيا حالمة ، شقية . ما تمنت هذا أبدا ، ولو في الخيال ، لكن الرجل ، الحبيب ، بدا عنيفا معها في هذه الدائرة ، حام حولها كالمجنون راكبا كل اللغات ، اتهمها بأنها متخلفة ، معقدة ، تتوهم الشرف في غير محله ، أسخف كل أفكارها في هذا المجال ، ورد على كل استدلالاتها بالهزء القاطع ، تعجب من إخلاصها لكلام غابر وقائلوه غابرون هم الآخرون .
قالت له :
" كانوا صفوة عهدهم ..
أجاب :
" كانوا .. كانوا ، ياعزيزتي ، في عهدهم الذي انقرض منذ سنين وقرون ، لم يخبروا الغيب ليفتوا ناسه التوجهات ، اليوم عهد جديد ، عهدنا نحن لا نسلمه لفكر أحد مهما نبغ ، نعيشه كما نريد ..
أيها اللسان اسكت ، اخرس لحد هنا ، فأنت تفتت فيها كم من صلابة وجلمد ،
وإن استمررت ستحيلها رغوة تحت توالي الأنفاس الحارة .. أيها الشيطان كن عاقلا وتجنب وسطها الممتلئ بالنزوة . سألها وهو يضحك :
" هل سألت مرة النساء عن امرأة لا زالت تغلق بابها الرئيسي بإحكام .. ؟ امرأة في عمرك وجمالك ونضجك ، امرأة تعاني شرور الحرمان وهي تستطيع أن تسعد بإشارة واحدة منها ، هل سألتهن .. ؟ حتما سيضحكن ، منك أيتها المغفلة الفاتنة سيضحكن ، كأنك حكيت لهن نكتة طريفة . العمر قصير يا عزيزتي وما أفلح إلا من جرى فيه بسرعة ، إلا من ركب أطوع صهوة ، إلا من أهدى نفسه للتيار الذي يركع الجميع ..
تكاد تدركها في وطن الضعف يا رجل ،
يا رجلها ، اسكت ، كف عن مطاردتها بالإغراء ، ستهرب منك ، إلى أين تهرب الروح من صاحبها .. ؟ هروبها أخره عراء وانهيار . عبيدة تتعلق به أكثر ، قبل هذا كانت قد قررت أن تمنحه كل شئ ، لكي تربطه إليها بحبل رفيع ، فلم تتردد .. ؟ خوفا مما ليس في الحسبان . لكن قصاصة العمة يامنة ترسخ فيها ، تكون مرجعا لحظة التيه ، تكون دعما لحظة التراجع ، تكون دافعا لحظة الإحجام . عليها أن تقرب المسافة في خضم بعاد يتمدد فوق خرائط الضياع . عليها أن تستغل الوهم في خضم جفاء يفيض خارج حدود الإحتمال . بهذا المفهوم كان تحركها . بهذا المفهوم لازال ..
بذل لها كل الوعود والعهود والإغراءات ، ماذا تريد أكثر .. ؟ غبية ، بنت أفكار رديئة لا تصلح إطلاقا مع من تربى تربية هولندية . لتبدأ عبيدة إذن الرقص على أنغامه ، على نزواته البنفسجية ، على رغباته ، كل رغباته ، وتمشي في اتجاهه عارية من كل الإمتناع والعصيان ، وتضع كل أنوثتها في طبق من ذهب وتقدمه بين يديه في أزمنة النداء ، هو الآكل طبعا ، هو الأكول ، هي أكلة يجب أن تستغل جوع الآخر لقضاء مأرب ، وخلاصة مأربها كلها رجل يتنسك في محرابها مدى
العمر ..
هي لك سيدي .. ؟ من هي .. ؟ أنا . من أنت .. ؟ عبيدة التي لم تعد تحوي من قوتها وصبرها إلا ذكرى ، تسألك سيدي أن تكون رفيقا بها ، ألا تهجرها لما تفور .. لا تهجرها لما تفور .. تهجرها لما تفور .. لما تفور .. تفور .. ددددددد .. د ….د…. ما ..
تحاسب نفسها . هل سهلت له عملية اصطيادها ، أم لا زالت تعتقد أن عليها أن تعطي وتجزل العطاء حتى تصيره طائرا في قفصها .. ؟ أقبح ما في النساء أنهن يعمدن دائما إلى توظيف أجسادهن في المعارك أكثر من عقولهن ، ربما هذه هي خليقتهن منذ خلقن . أقبح ما في الرجال أنهم يستغلون ضعف النساء متى تمكنوا منه ..
لكن هذا الرجل يا عبيدة لم يصدر عنه بعد ما يوجب تصنيفه في خانة أقبح
الرجال .. ؟ ..



استدار إليها وعلى وجهه ابتسامة وحيرة . كانت تعلم علم اليقين أنه أقل منها تفكيرا فيما حدث لأنه رجل وهي امرأة ، لأن الحمرة منها أهرقت وليس منه . تمدد جنبها وجرب في أن يعيد للأنفاس حؤرارتها ، للجمرة التهابها . قبلها فوق جبينها . لم يحس رد فعلها . مسح دمعها الذي جرى بمناديل دهشته . سألها :
" هل أنت حزينة يا عبيدة .. ؟
أصغى فلم يأته أي كلام . أضاف يقول :
" من حقك أن تحزني إذا كان حزنك يسعدك ..
انتفضت عبيدة . استقامت نصف جالسة وهمت بأن تنطق تعليقا مرا ، لكن الكلمات ذابت على شفتيها فعادت إلى وضعها صامتة ، فاشلة . على أي ستحتفظ لنفسها بحق الكلام لما تمر اللحظات الولهاء ،
لما تفيق من ذهولها ، متى تفيق .. ؟
حين يئس إبن الحاج عبد الرحمان من أن يسمع منها كلمة واحدة ، أدرك أنها حزينة فعلا ..
قال لها :
" إني أحترم حزنك يا حبيبتي ، لكن هذا لا يمنعني من أن أقول لأك : أنت مخطئة في تقاريرك الباطنية التي أنتجها مرأى دمك فيك ، هو دم غير الدم وأنا أعرف هذا
جيدا ، وتقاريرك تلك هي ضدي بكل تأكيد ، لكني لست رجلا يغدر .. بكل مسؤولية وصدق أقول : لك أن تفرحي كل الفرح فتعلقي بك زاد اليوم أكثر من الأمس ،
توثق الرباط بيني وبينك ، لا تتوهمي التطورات باطلا ، لا تحتقري نفسك وكيانك ، أنت ، نعم أنت ، لا تنظري إلي كما تنظر الشاة المنحورة إلى جزار محترف في اللعب بالأرواح والدماء ، إني بعيد عن كل تصوراتك السالبة ، إني بريئ من كل إداناتك الخفية ، صدقيني ، أنت ، لقد تبديت لي اليوم امرأة صعب علي الكفر بها مدى حياتي ، ليس ذلك مني شعور شفقة ، بل لأني أمنت بك وأحببتك حبا عميقا ..
كلامه جميل . عذب في رنته ومعناه . ليته يواصله ولا يقطعه أبدا . لا يصمت . متكلم وهي سامعة وسط هديل أخرس . مسامها تبلع حروفا وتقذف بحروف أخرى . بدأ يحرك في جنباتها روحا تقلصت دفعة واحدة أمام حجم النار ، ويعيد إليها اعتبارها الذي ارتطم على وجه الحقيقة التي فاحت رائحتها في غياب الحكماء ..

كلامه جميل ، جاء في الوقت الذي كانت عبيدة تنتظر أقبح لهجة من لسان لاك المعسول من الأناشيد والأشعار ليوقع بها في هستيريا الطرب ، أوقعها والدليل على ذلك دمها . كانت تنتظر منه تلاوة بيان خيانته وجبنه وتنفيذ الهروب . التهرب . لم يحدث شئ من هذا . هي مخطئة إذن كما قال لها . بدل أن تفرح هي حزينة . سبب الفرح الذي يدعوها له قائم . سبب الحزن الذي تكابده قائم كذلك . من يؤكد لها حالة من أخرى .. ؟ من ينقذها من بين أمرين لكليهما دواعي .. ؟ من يجعلها تستقر على فرح أو على حزن .. ؟
إنه يعترف بها امرأة . بلغة الإيمان اعترف . لم يتنازل عنها بعد أن رسم فيها جرحا لا يلتئم . إنه يطليه الآن بمرهم مهدئ . إنه يغدق عليه كل المراهم الناجعة . معناه لم يتخل عنها ولم يفكر في ذلك . على الأقل لم يفكر بعد في ذلك . ثمة فرصة في أن تجعله لا يفكر في ذلك قط . ما أغباها إن استسلمت ليأسها ودفعته للنفور منها دفعا . سوف لن يطيقها إن استمرت في عزف التأوه وتقديم لوحات دامعة واجمة . لم تسقط السماء من حالق ولم تذب الأرض تحت الخطوات . هو يريد أن يعيش ويسعد ، وهي يتوجب عليها أن تهدي له نوعية العيش الذي يريده ، ونوعية السعادة التي ترضيه ، هذا إن كانت حقا تسعى للظفر به ، أما إن كانت تريد له الإسراع في الذهاب عنها إلى غيرها فلتطع مدامعها ..
إنه يعترف بها حبيبة غالية . ستكون مبالغة إن طلبت أكثر . ما يمكن أن يعطيه أعطاه بسخاء ، الحب بكل عنفوانه وامتداده عبر الصدر ، لم يبخل به ، وما لا يمكن أن يعطيه سابق في علم الطالبة ، تطلع عليه بهوامش عينيها وبوصلة فؤادها . قد تشعره بعجزه إن ألحت عليه ببذل ما يفتقر له أو يستحيل عليه ، وقد تدفع به إلى البحث عن زاوية أخرى أكثر عقلانية وأكثر تفهما ، في حين تبقى هي زاوية مهجورة ، خربة ، تمتلئ بأصوات البوم وخيوت الرتيلات . بعدها لن تتيح لها الأعوام المتبقاة إعادة صباغة الجدران باللون الأخضر ، لن تكفيها دموعها لتغسل طبقات المصير ..
سعادة ناقصة .
كل سعادة بني البشر كذلك ، فما اكتملت قط في رحاب أحد . إدراك الحالات يجب أن يتم من جوانبها المتقاطعة ، المتناقضة ، كما من جوانبها المتوازية المنسجمة . الحب يفتح كم من خيال وشرود وتأمل .
العاقل من استنفذ خياله عندما يتاح له ، واستنفذ واقعه عندما يطبق عليه . التوازن والإعتدال في معترك الحياة مسألة ضرورية . لا دخل لكلام الناس في اتخاذ القرار لمن أراد أن يصيب الأفكار ، والمسارات . كلام الناس يساوي الريح ..
هو إنسان .
الحب صوره في نظرها قديسا منذ البدء . يبقى مجرد إنسان . في اعماقها يختلط الحب بالزواج . تحتار . ترى هذا طريقا إلى ذاك . ترى ذاك امتدادا إجباريا لهذا .
تتوزع بين تفكيرها واستسلامها . لذة الحياة تكمن في الصراع . ربما هذا صحيح وربما فقط هو ملجأ المعذبين ..
هو في حاجة لمن يقبله كما هو ، بظروفه وميزاته ، وأنظمته ، ومزاجه وتقلباته بين الصباحات والمساءات . يؤلمه أن يزيفه أحد . يؤلمه أن يتذمر من خطئه وضعفه . يؤلمه أن يصفق لنجاحه . يؤلمه أن يمنعه من استنشاق رائحة عطر في متناوله . يؤلمهة ألا يقنع بعطائه ويستصغره . يؤلمه أن يطلب منه المستحيل . هذا الأحد .. ومن يتألم يبحث عن فراق مستعجل بينه وبين بواعث الألم . هي نتيجة حتمية ..
لماذا تندم إذن .. ؟ لم تفعل شيئا سوى أنها رخصت له الدخول من باب الجنة ، ليقع ىفي الأسر الأبدي . نجحت . لماذا تحزن إذن .. ؟ لم تمنحه سوى وجبة كان سيتناولها ذات ليلة حمراء . تناولها مسبقا هذا كل ما في الأمر ..
كانت تحاول أن تبرر الحوادث من أصغرها إلى أكبرها بمنطق الإيجاب ، وتحاول أن تقنع نفسها بأن ما حدث اليوم هو حلقة طبيعية ، أو حلقة ضرورية في مشروع إنجاز الحلم ، وقطف ثمرة الأمل .. لكن هواجس فيها كانت تنبثق متكتلة في باحة الذات ، وتسمي كل ما وقع خطيئة كبرى ..



ستة أشهر مرت في علاقة وحب ، أثمرت انفتاح الجسد عن أخره للرياح ، وكشفت عن الجرح العزيز محتواه في منأى عن الزغاريد والتهانئ والهدايا . عبيدة كانت ترغب في أن تثمر العطاءات أخذا صريحا ، أن تثمر العلاقة رجلا ويثمر الحب المبذول زوجا تعلنه للمدعوين والمدعوات ، للأقربين والبعيدين ، بصوت خافت خجول . كانت ترغب في أن ترفع عنها نقاب العنس ، وتخرج على المجتمع امرأة كبقية النساء ، تكذب مصيرها المشكل بأظافر النسور ، وتدفع به إلى اصطلاح التلاشي . انتهى كل شئ فباتت لا تعرف منتهى الطريق والآفاق في غور المسافات الباقية ..
أشعل إبن الحاج عبد الرحمان سيجارة وبدأ يدخنها بطريقة تنم عن ضيقه . قام إلى المطبخ وأحضر كأسين من الليمونادة . لما عاد وجد عبيدة جالسة على حافة السرير كضيفة وفدت عليه لأول مرة ، نصف فخذيها عاري ، وبقعة حمراء قانية ماعت فوق إحدى ركبتيها . شعرها في غاية الإختبال ، وعيناها مغرورقتان بالإنكسار ، تسيل منهما دموع مدرارة . ساورته شفقة صادقة نحوها ، وأنب نفسه على أنه ظل يزين لها المدى بالضوء حتى استجابت له..
مد لها بكأس الليمونادة . بدت كأنها لا تشعر بوجوده ، إطلاقا . ما في نفسها كافي لأن يشغلها عن المصائب لو نزلت لتوها ، عن الكوارث لو قامت من مرابضها ، وعن الصواعق لو تكلمت برعبها . ثورتها الداخلية هوجاء : لو رفعت عنها الجلد والحصار لنسفت إبن الحاجة عبد الرحمان نسفا ، لكنها ما كانت لتظلمه كل الظلم فأكبر يد في المأساة كانت يدها ، كان في إمكانها دائما ألا تفتح الباب إلى الجنة ،
لم يستعمل معها العنف والإرغام والإكراه ، كل ما استعمله نوع من الكلام المشبع بالإغراء ، أه .. كم كانت ضعيفة ، كم كانت أضعف ..
لتلتزم الآن بالهدوء غصبا ، لتتحل بالرزانة وتمنح عقلها فرصة تطويق الذات ، لتكبت النار التي تصطليها وتمنع الدخانة من التصاعد ، لتنتقم منه إن تبين لها أنه نذل ، لتنتقم من نفسها إن كانت عادلة ، ليتوقف التفكير ، لا تستطيع ، لتبك فقط فهي حرة في استنزاف مدامعها ..
ضمها إلى صدره في حنان دافق . ضغط عليها كأنه كان يود فرزها عن همومها التي لا يعرف منها إلا هذه النهاية . استسلمت له لحظة ، بيد أنها فجأة دفعته عنها برفق أقرب إلى الوهن وهي تقول :
" دعني الآن أرجوك ..


قامت كما تقوم البقايا من تحت زمن سلطوي جائر . بدت في نظر نفسها مجرد أثار لمجد كان . استندت إلى الجدران والفراغ لكي لا تتهاوى . وقفت أمام الهاتف شبه مترددة ، كأنها كانت ستخاطب الموت وترجوه أن يسرع إليها ، كأنها كانت ستودع حياة موجودة على الطرف الآخر..
وداعا أخيرا ..
تغلبت على شعورها وأفكارها وحملت السماعة . غرست أصبعهاى في رقم وهم وغم وسم .. ودم ، وانتظرت برهة استجمعت فيها صوتها ، ونطقت :
" ألو .. نانة .. أنا عبيدة .. رجتني صديقتي أن أسهر معها الليلة .. التي قلت لك أني ذاهبة إليها .. ستعرفينها قريبا إن شاء الله ..
.. لن تعرفيها أبدا فماى أكذبني على عزيزة في القلب ، تخاف علي من الأشباح ..
" هي الأخرى ترغب في التعرف عليك ..
.. وهم يرغب في أن يكون حقيقة ..
" وقتها يستغرقه البيت والعمل ولو ترينها عن قرب لعذرتها .. نعم نعم .. حاولت جهدي لكنها تعلقت بي وحلفت علي بالله ثلاثا أن أبقى في ضيافتها هذه الليلة ..
.. من يكذب يتعذب ..
" كانت هي التي تريد أن تكلمك وتستسمحك في بقائي معها .. امرأة طيبة بكل تأكيد ، وإنها الآن تشير لي بشكرها لك عن الإعجاب والمديح ..
.. إتيان الكذب يحتاج للضحك واللامبالاة والهدوء ..
أساعدها في ملئ صدر فستان بالعقيق والمرجان .. قلت لك ستأتي هي الأخرى عندنا .. وجهت لها الدعوة .. نعم .. غدا ستأتي أو في أقرب فرصة ..
.. لن تأتي أبدا فما أخبث الكذب ..
" نعم نعم .. إلى اللقاء غدا ..
وضعت السماعة مكانها . تنفست الصعداء بلهفة عميقة ، كأنها كانت مسجونة مع جيفة . لامت نفسها بقسوة على أنها لا زالت تتقن الكذب والمراوغة مع نانة ، الساذجة ، البارة ، تصدقها وتضع فيها ثقة كبيرة . لكل تأخير كذبة ، ولكل ليلة خارج البيت . ما أحقرها ..
انتهت من تمثيل دور يناهض سريرتها ، تحملت فيه سخرية النفس وثورة الضمير ، عادت إلى وجهها الحزين ، فأطبق عليها طقس قاتم بئيس . لم تقاوم خزات الأسى وضغوط اليأس ، وحمم ضراوة ذائبة في باطنها . استسلمت . بكت . جلست كالمشلولة . تمنت أن يخرج القيح والصديد من عينيها عساها ترتاح . قامت كالحمقاء . تمنت أن ينفصل رأسها عن بدنها . عادت تجلس . عادت تقوم . ما وسعها المكان وما
أسعفتها الأوضاع والمتمنيات . تمنت أن يسقط عاليها على سافلها وتصير كومة يغشاها النسيان . شدت على رأسها بيديها . تمنت أن يفر منها عقلها الفاشل ..
أدرك إبن الحاج عبد الرحمان أنها ستقضي الليل معه . فرح في سره . عرسهما سيتواصل على مدى ظلام ذا زرقة مشبعة . سيوقد شمعة . سيجعل اللحظات في حضورها شيقة . حزنها يقلقه . يخاف أن تستديمه . يخاف أن تعصى الإنشراح ، ألا تطاوعه وتظل ملتزمة بذهولها . يريد أن يبكي هو الآخر في حضنها عله يسعدها . دخن في شراهة كأن وجد نفسه للتو أمام نظرية صعبة . متى ترتاح الأعصاب في أوطان التوتر .. ؟ صعب الرجوع إلى الوراء لتصحيح اللامعنى المرتكبة ..
ألقت عليه عبيدة نظرة خاطفة مسروقة من ويل الصراع ، فلم تستوعب منه شوى خيوط دخانه تتمزق فوق قممه المطأطأة .
وجدت نفسها تتساءل :
" ما ذنبه هو إن كنت أنا التي خططت للحركة والمقاومة ، وإدراك الدم كوجه للإنتصار .. ؟
يقولون أن النيكوتين يحرق جذور الألم المستعصي على الإندثار أو الخفوت .
قالت له عبيدة وهي لا تلتفت إليه :
" اشعل لي سيجارة ..
نظر إليها نظرة ممانعة . سألها بعد أن اغتصبته انتفاضة واضحة :
" ماذا قلت .. ؟ سيجارة .. ؟ هل تريدين التدخين .. ؟
لم تسمعه . لم تفهمه . صوته كان عبارة عن نغمة يرتجل عزفها وتر متقطع . ظلت مبحلقة في شئ مجهول بعينين تغور فيهما شتى الإستحالات . الحبيب الذي تمكن من أخر أسرارها هو شئ مجهول . تنهدت .
تململت في مكانها . انفطر قلبها ففاح الإستغراب منها ، من عمر يتمرد على الإنتهاء والدنيا من حوله شقاء في شقاء . لم تتكلم . طلبها ما زال معلقا على حيطان الإدارة العليا . لم تنبس ببنت شفة . في حلقها موانع . إذا كانت قد ارتكبت أعظم الأخطاء فماذا تعني العصمة أمام أخطاء صغيرة .. ؟ تظنه سمعها وفهمها واستسلم لتعجب ضخم . ستلبي لنفسها الخطأ ما دامت عليه قادرة ..
قامت إلى علبة السجائر وأخذت سيجارة . جاءها صوته محذرا :
" ستعتادينها يا عبيدة ..
لم تلتفت إليه . أشعلت السيجارة وعبت نفسا طويلا كأنها تريد أن تعوض خصاصة فيها . في محاولة لزفر الدخان على طريقة المدخنين المحترفين حاق بها السعال . بدأت تسعل بلا انقطاع ، وتفقد التوازن ..
رثى لها إبن الحاج عبد الرحمان ، فود لو أنه يستطيع شد الخناق على دوافع الألم وبواعث الوجع . أدركها قبل أن تسقط هشيما . أسعفها بجرعات من كأس الليمونادة لينقي حلقومها من أسباب الإختناق . ثمة أسباب أخرى تبدأ فكرة وتنتهي غصة في غاية الإنجاب ، لا يزيلها سائل معتاد تناوله ..
استراحت على صدره برهة . صبية تهرب من صدى الرزية . أي هروب يا دروب ، أي دروب قبل مجيئ الغروب .. إليه ، نعم إليه وحده . إنه يعرف بكل تأكيد حل المشكل . عالم من الرحمة أم خدعة توشك أن تعلن بشاعتها .. ؟ عالم من الوفاء أم فم يستعد لرمي الفضلة .. ؟ والإنسان ، أي إنسان ، ليس فضلة إطلاقا . دموع على خدين تغرق ثغورهما . صدره دافئ . لو يدوم .. ؟ حنت عليها نبضاته وربتت عليها يداه . هدهدها كصبية غريرة ، مدللة . استكانت إليه . تباعدت سعلاتها بشكل يتيح لها أن تخرج الكلام قليل التقطع ..
قالت له :
" أريد خمرة ..
تسقط قمم الجبال في قعور الأودية . لا صوت . صمت . تعصف رياح عاتية في أجوف ناي كبير . لا لحن . صمت .. فما بالك يبالخطوات الماشية تيها ولا وقع ..
تعطى إشارة الركض .. ولا ركض ..
ما تمالك نفسه فصاح فيها :
" هل جننت يا عبيدة .. ؟
لم تعر صيحته المتسائلة أي اهتمام . كانت تتملق صورة قديمة كادت تتلف ، خرجت عليها من سراديب الماضي ، سكير نحيل ، ومتوسط العمر يمشي في دروب القصبة في عز تمايله . تذكر منه أنه كان يحمل قيأه على أطراف شفتيه ..
كان يقول :
" الخمرة نديمة جميلة ، ملعونة ، إما أن تخرجك من اعتقال الأسى لك ، أو تعدمك على مراحل ..
تذكرت نماذج من السكارى الذين رأتهم في الأعراس والأفراح ، والحفلات ، والمناسبات ، وعلى هوامش بعض الشوارع التي عبرتها . كل نموذج تفرزه ذاكرتها يشجعها على العوم في أجواف كؤوس مطلوبة بإلحاح . لا يوجد نموذج سكير في عائلتها الصغيرة . عائلة محافظة . أبوها رجل متدين . أخوها مصطفى إنسان غامض من جوانب كهذه . سمعت أن زوج أختها نعيمة ، الأستاذ في الفلسفة ، يشرب الخمرة ، لكنها لم تره قط سكرانا ،
ولم تسمع قط كلمة من نعيمة في هذا الصدد كما تفعل زوجات السكارى ..
حاولت أن تتذكر نساء يدخن ويشربن ، هناك واحدة ، هناك الثانية ، هناك الثالثة ، هناك .. لماذا نعقد المسألة ونبحث عن الذرات وسط هواء العاصفة .. ؟ هناك هولنديات بعدد الحصى يفعلن ما شئن أنى وحيث شئن .
لا يصلحن للإستدلال يا بليدة ..
لماذا .. ؟
لأنهن ..
لا أفهم وعقلي تقلص بعدو أن تحققت مأساتي .
لأنك لست هولندية
وما المانع في ألا أكونها ، وأنا أشاركها الإنتاج والإستهلاك وزليج الأنفاق والجسور ..
ولو شاركتها في عنق الرحم الذي جاءت منه فلن تكوني أكثر من هولندية من الدرجة الثانية ..
لا يهم الترتيب ما دامت كل المجتمعات تقوم على طبقات ..
سيلومك المختصون في ملفات الهجرة ..
لا أفهم في هذه الأشياء ، ولم أبحث عن فهمها قط
أخطأت إذن
أريد أن أكون إنسانة قبل أن أكون فاهمة ..
أريد خمرة الآن
أريد أن أجمد الزمان
أريد أن أتلاعب بكم من مفهوم بين هذه الجدران
أريد أن أنال إبن الحاج عبد الرحمان ، بأي وجه كان
أريد أن أكون له ضوء المكان
إن ظللت معه استشعر سر الأمان
إن غادرته استشعر أقسى الفراغ والحرمان
جرى ورائي وطابني كما يطلب الفرسان ، أعز الأوطان
عبيدة الآن تطبق في حقها المرحلة التنفيذية في حكم الإعدام . لن يضيرها بعدها أن تجرب وتخفق ، فلم لا تجرب .. ؟ كررت تقول في حزم وجزم :
" أريد خمرة ، أجود خمرة تساعدني على الإحتفال بأجود أيام عمري ، أليس كذلك يا روحي .. ؟ وقامت لتشعل سيجارة أخرى ، وتأخذ منها نفسا عميقا .. وتسعل ..
ضرب إبن الحاج عبد الرحمان يدا بيد دلالة على أنه فشل ، أو ضاق لحد الإنفجار . غمغم يقول :
" ليتني أملك شيئا أفعله من أجلك يا حبيبتي ، شيئا يرضيك ، شيئا يسعدك ، شيئا يديمك في حياتي كما أشتهيك ، شيئا يبقيك جنبي إلى الأبد .. عجبت من تمنيه لشئ يملكه ، هي ترى أنه يملكه . يملكها . قالت له في اندفاع كأنها كانت تنتظر الإشارة
المناسبة :
" تزوجني ..
سكتت لحظة كأنها تفكر في بقية الكلام ، في صياغته بأسلوب مقبول ونافذ ، ثم استطردت تقول :
" نعم تزوجني ، اعلن أني امرأتك لكل العالمين إذا كنت حقا تريد إسعادي وإبقائي بجانبك ،، إن كل الظروف تساعدك ، وإنك تملك كل شروط المباشرة والفعل ..
لم يقل رأيا . لم يقل نعم أو لا . هل يرى له وجها أخر في مرأة الأمر الواقع .. ؟ انتظرت منه رأيا يهدئها أو يصعد زئبقها المر ، أي رأي . صار أخرسا . تحول لغزا . تحول سؤالا ممتنعا ..
ترامت عبيدة في صمته بين الأوجه السالبة والأوجه الموجبة له . بدا صمتا شاسعا معقدا . بدت الأوجه متداخلة بشكل فوضوي . عند كل وجه كانت تقف مخاطبة نفسها :
" ما أتفه المرأة التي تطلب من رجل أن يتزوجها ، تلح في الطلب لحد التسول ..
عند منتصف الليل كانت عبيدة في قمة الغياب
في ذروة اليباب
يكتبها الخراب
لا عبيدة بلا معنى ولا معنى بلا عبيدة ، صاحت بحنجرة رهلها الدخان والخمرة ، واللهاث . امرأة في بداية الإفلاس . كم من مرة نمنا يا أيها المحاسب ، القائم على مصداقية الأرقام .. ؟ أي الأوضاع منا أغرتك يا أيها الرسام بالألوان .. ؟
سمت عبيدة الحالة انتشاء وحرصت عليها بكأس ثم أخرى . إبن الحاج عبد الرحمان كان يبدو أنه يعاقر المرأة أكثر من الكأس .
تعتقد عبيدة أنه لم يعرف كنه الجنس إلا معها . كان سعيدا بها في غمرة الخدر الكحولي الذي أنساها همومها جملة ، وأسلمها إلى انشراح بلا كدر وانطلاق بلا قيد ، فناغته بهمس رائع وعينين خاملتين ، ساحرتين ، وشفتين طائعتين ،وجسد تفوح منه روائح التبغ الأشقر ، والأنوثة المكهربة ، وتنضح كل تضاريسه برحائق عذبة . جذابة .. عجيب هذا السائل . جيد . ساحر .. كانت عبيدة عروسة في يومها ذاك ، أبعدت التمزقات والأحزان قسرا وأقامت احتفالا وفرحا على الأنقاض .
غدا ستعود الأوجه الحقيقية للأشياء الحقيقية . لا يهم الغد ما دام الآن رائقا . نهل منها إبن الحاج عبد الرحمان ثمالة
عرس تأجج بعيدا عن المراسيم والضوضاء ، ولون الحناء ، وجدها مجتمع طرق بلا موانع ولا سدود فتولع بالأسفار ، سافر عبرها غلى فلوات يستبدل فيها الحلم بالواقع ، بسهولة ، والواقع بلحظات مختفية بين الجدران المموهة بالليل ..
كانت تضحك بلا تردد ولا تلكؤ ولا عقدة . كانت تتكلم بصوت نبرته مخمورة كأنها على بعد بعيد ممن ترجو منه إصغاء ، فكانت تكشف له عن جمال فيها قلما يوجد في بنات الأرض . لكنه كان يرتعب في قراره حين يتذكر وجهها في قبضة الصحو ، غدا ستفيق وتفكر بأعمق مما فكرت اليوم ، غدا ستبكي بحرقة مهولة . كان ينفث في صدرها تخوفاته دون أن يزعجها ، ويقول في نفسه :
" لو خلق الإنسان سكرانا ، ويعيش الحياة سكرانا ، ويموت سكرانا ،، لو خلق الإنسان غير مفكر وغير متذكر ، لو خلق الإنسان بلا مشاعر ، لو لم يخلق الإنسان بالمرة ..
وكان يضحك لأخر احتمال ، فتكتشفه عبيدة متلبسا بضحكته ، تسأله عن باعثها .
يضمها إليه حفنة من ضوء مختلف الألوان . يقبلها فوق جبينها قبلة جد بريئة . يقول لها :
" تذكرت أنك معي فعبرت عن سعادتي المثلى بضحكة خالصة من الوجدان ..
تقول له :
" هل يحدث أن تنساني وأنا معك .. ؟ وأنا فيك .. ؟
يقول لها :
" أبدا ياحبيبتي ، إنما يحدث أن أشرد وتشتريني دروب التأمل ..
غيرت عبيدة مجرى الحديث فجأة كأنها أحست خروجا عن الموضوع . لا وجود للنسق في الذات المخمورة ، لكن يوجد مركز دوران لا تبتعد عنه الدائرة . الأرض تدور . لا زالت تدور عكسا . أين هي وكيف هي ومن هي .. ؟
قالت له :
" تزوجني فلقد بت محسوبة عليك .. لم يقل رأيا . ترامت هي في صمته تفتش فيه عن وجه عاري تقرأه وتفهمه . اتهمته بشجاعة سكيرة . دافع عن نفسه ..
قال لها :
" نحن نباشر عرسنا الآن يا غبية ، نحن تزوجنا ، ولك من الآن ألا تبرحي هذا البيت ، هو بيتك ، ولك ألا تبرحيني ، أنا رجلك ..
قالت له بحدة :
" أنت تفهم الزواج الذي أقصده ..
ضمها إليه . أفعمها بالقبلات ، وقال :
" نعم ، لن أفرط فيك يا روحي ، أبدا ، فاهنئي بي وقري عينا ..



مشت عبيدة في الطريق ، تحت الطريق ، خارج الطريق . أحست كأن عيون المارة تقع عليها من كل صوب وحدب ، تلعنها وتكيلها أبذأ الصفات وأنفه النعوت . أهون عليها أن يقتلوها من أن ينظروا إليها كما تحسهم . هم يفعلون ما يستطيعون . يملكون عيونهم ولا يملكون السيوف . كفوا عنها أبصاركم وكونوا بها رحماء . هي امرأة ضعيفة ، فماذا كنتم تنتظرون منها أكثر من الإنهزام .. ؟
بدت لنفسها ساقطة ، سافلة ، تنكرها الأرض والسماء . بدت لنفسها تجر وراءها تاريخا من الخطيئة يقرأه الناس بتقزز . عيونهم تلاحقها ، تفتش فيها عن فرصة للمشاهدة ، تكتشف ثغرة ن تطل على الداخل المغطى ، على ما تحت اللباس ، تطاردها ، هي تهرب وتتمنى لو ينشق لها التراب عن مخبإ أبدي ..
تطاردها ، هي تسرع ، تطاردها ، هي تجري بعيدا ، تطاردها ، هي تلهث وتنبعث منها استغاثات ، تطاردها ، هي تنبعث منها استعطافات وتوسلات ، تطاردها ، هي تسقط وسط بحيرة من الدموع ، تطاردها ، هي تستسلم .. أنذاك تحس بكل صور البطش التي توجستها .. حرام عليك يا أيتها العيون ..
ارتجفت وهي تكتشف نفسها أمام عمود كهربائي . كادت تصطدم به كما يصطدم الأعمى بكل العوائق . كانت إذن ساهمة وكانت لا ترى ، وكانت الروح فيها بلا حراسة ..
مشت في الطريق . تركت وراءها الدم والماء ، وقصيدة سائخة الحبر . تركت وراءها كل ألبستها التحتية . تركت وراءها حكاية دوى فيها انفجار فخلف أكبر الأضرار . فقدت بكارتها يا أيها الصباح . لم تعد عذراء يا أمها .. نذلة أو كلبة أو لتقل الأفواه ما شاءت . ستجتهد لكي تظل مأساتها دفينة في أعماقها . دنيئة . سوف لن تفشي فضيحتها ولن تزيح عنها الجلد ، فهل تستطيع .. ؟ فاجرة . ستعاني حزنها لوحدها ولن تشرك في ذلك أحدا . داعرة . لا يهمكم فالمصير مصيرها . عاهرة . ستحرص على أن يظل وجهها القديم هو وجهها الجديد . كاذبة . لن تقول الصدق لأنها تخاف ..
مشت تحت الطريق . الناس لا ترحم . الله يرحم . الناس لا تعذر . الله يعذر . الناس لا تغفر الذنوب . الله هو الغفور . تخاف الناس . تشكو إلى الله حالها وترجوه المخرج ..
مشت خارج الطريق . شعرت أنها صارت منبوذة . سبت الضعف الذي أبدته . سبت كل امرأة أضاعت شرفها تحت ضغط الأحلام والأوهام . كم من امرأة تشبهها في الصنف والضعف .. ؟ كم من امرأة وقعت في فخاخ الجسد المطهو فوق نار النزوة ، والأمل .. ؟
مشت هكذا . تركت وراءها مشروع رجل . ومشت . تركت وراءها زوجها في مستقبل مشكل بالأبيض والأسود . هي تحب الألوان الأخرى وتطمح إلى أجملها . انعدام اللون المرجو قهر لعينيها . تحب الرجل الذي يذيب فيها جليد الحرمان . انعدام ورقة الزواج في ملفها الحياتي يلحق بها وصف امرأة على الهامش . تحب الحب . انعدام الرنين في القلب ككتابة الرجاء فوق رمال في قبضة العاصفة ، هي ، من جانبها ومن قلبها ، تحبه لأنها أحست معه بأنها امرأة قادرة على إتيان كل معاني البكاء . هو يحبها .. نعم نعم .. يحبها .. ها .. هكذا قال ..
ارتفعت فيها الحرارة فودت لو تتعرى ، وتجلس تحت صنبور يسيل بالبرودة . ودت لو تتجمد . لا زال لخمرة الليل أثر في بطنها . تريد أن تشرب نهرا . تغرق بعد الإرتواء . لا زال لإنفجار البارحة أثر في أسفلها ، ذكرى في رأسها غير بعيدة وغير قديمة ، خراب
وطن خلا من الأحباب
دمها يا حبيبها ألا تعود إليها .. ؟ ضحية تندم . رجلها يا حبيبها ألا تعجل باتخاذها لباسا اجتماعيا لك .. ؟ تزين بها فلقد قلت لها أنها جوهرة ودرة ، ومرجانة ، وياقوتة ، تزوجها فلقد قلت لها أنها أجمل النساء ، تزوجها فلقد وعدتها ، هي على وعدك تعيش وتأمل .. هل تعلم ماذا سيقع لو أخلفت وعدك معها .. ؟ الغيب .. إن بعض الغيب سهل ..
تذكرت عبيدة نشوة السيجارة ونشوة الخمرة . السيجارة أسكتت ميكروبات التوتر ، والخمرة صنعت للعقل دوائر من نسيان وغياب ، وانفصال ، وأظهرت كل الدنيا المحيرة في شكل ملهاة لا يختلف فيها الضاحك والمضحوك عليه ، ولا يعلو فيها الجاد على العابث إلا بالخداع المتقن أو القوة الحادة ..
فكرت لو أنها تستطيع أن تمشي الآن وهي تدخن علنا سيجارة شقراء . ما المانع .. ؟ تشمئز منك العيون المهاجرة ، يا عبيدة ، وتوصمك بوصمة بنت الزنقة ، فلا تطيعي جرأتك ، لا تطيعي أهواء المغامرة أكثر مما أطعتها . العيون العيون العيون ، دائما العيون ، في كل زمان وفي كل مكان ، ظنت أنها تركت عقدة العيون في البلاد . ستكتفي بتدخين كل أنواع التبغ في الخيال ، وفي أرجاء الإختفاء ..
فكرت لو أنها تستطيع أن تمشي سكرانة لا ترى الطريق ، تتضبب المتحركات في عينيها . يلعنك الناس والسماء ، فاحتمي بالإختباء إذا ما كررت قهرك الخطايا . امرأة مقهورة . فكر غريب يستولي على ذات انهارت أبراجها وحصونها بفعل الحمى . لماذا يفعلها الرجل وتدفع الثمن امرأة .. ؟ لم يكن هناك عنف فلا تكوني ظالمة له . شارك في الفعلة لذا يجب عليه أن يتحمل نصف المأساة ..
فرضت عليه أن يفعل وهأنتذي تفرضين عليه أن يكون مسؤولا ، نصف مسؤول ، ربع مسؤول ،، يا لك من عبيدة ..
لماذا يملك الرجل كل الشوارع ، ويملأها فوضى وضجيجا ويقصي المرأة .. ؟ هذا موضوع انتهى بانتهاء أزمة الجوع الجسدي . هذا خطأ ولمزيد من الإيضاح فالرجل رجلنا والمرأة امرأتنا . تفعلينها بحجم رأسك وتنبشين في مواضيع أخرى قصد التغطية وكسب الأعذار ..
تريد عبيدة معرفة الأشياء . مثلا .. ؟ الرجل يملك المرأة والمرأة تملك الوهم والضعف . ابتعاد فاحش عن الموضوع . هي تريد أن تعرف . اسألي أباك . لا ذنب له . اسأليه . لا علم له . لماذا يدخن الرجل ويسكر ويذهب عند نساء يسكنن الزجاج ، ويدين المرأة من كل نوع .. ؟ اسألي أخاك مصطفى الذي يرقبك متأسفا من على شرفة في رأسك المتثاقل . النفس الهازئة ، ألا ينقطع لسانك .. ؟ اسرعي قبل أن تسقطي . مسكينة اختلطت عليها الأوراق ففكرت في الإحتراق . اسرعي فالعيون مجموعة تدينك . حلال على الرجال وحرام على النساء . اهربي قبل أن يلحق بك الخواء ، الوراء ..
ستعود وسترتمي في أحضان إبن الحاج عبد الرحمان ، وستهمس في صدغيه ألف مرة :
" تزوجني ، تزوجني ، تزو ..
المرأة الذل . لقد فتح بابها الرئيسي بمفتاحه الرجولي فممنوع النسيان . ليت التي ساءت لنفسها تضع نقطة نهاية للغلطة وعفا الله عما سلف . هي البداية بكل عنفوانها وأوارها ، فمن ذاق من الشهد مصة لا يمكن أن يفارقه حتى يشبع أو يموت . يمكن .. عبيدة غير مستعدة لمواصلة عمر الجوع والحرمان ..
ستعود إليه . عند مدخل بيته سترمي معطفها أرضا ، وتدع حذاءها ينخلع تلقائيا ، في قاعة الجلوس تفتح أزرار تنورتها ، في غرفة النوم تتعرى من أخر لباس تحتي . سوف لن تضيع أي فرصة . يجب أن تصير في حياته عادة ، أكثر من عبادة . تلعنك السماء يا عبيدة .. عبيدة تثور على عبيدة ، تتحاور مع عبيدة ، تعارض عبيدة ، لا تطيع عبيدة .. لماذا يخطئ الرجل وعلى المرأة أن تصيب دوما وإلا عقروها ودمدموا عليها .. ؟ اسألي نانة . ما أتى الله بهذا من سلطان ..
مشت في الطريق ، تحت الطريق ، خارج الطريق . مشيها يعني أن أيامها تمر ، وأن تعسف الزمن لم يوضع له حد ..

فكرت عبيدة مليا . يذهب الناس إلى الجحيم . يأكلون ألسنتهم العاشقة للتجريح والتشهير بمن ظلمتهم الأقدار . لا يهمهم . ليس شغلهم . لو كانوا إنسانيين لدعوا لها بالخير من أعماقهم ، ولقالوا :
" الله يحسن عون المسكينة ..
لو كانوا يفكرون لاعتنوا بشؤونهم وتركوا للناس شؤونهم الخاصة ، ولا يتكلمون ..
عبيدة ، ستعيش الحياة هادئة كشمعة مشتعلة داخل زجاج متنفس ، لاتهم الرياح المزمجرة في الخارج . ستؤمن بالنار التي في صدرها متقدة ، ستألفها . ستعتاد الفراغ الذي حدث . ستعطي للعيون الفضولية مظهرا مرسوما بالوقار والتعفف . ستعاود الحب . ستعاود الخطأ . ستعاود الأمل . ثمة لا يزال مجال لربح فارس الأحلام ، إبن الحاج عبد الرحمان ..

.. ذات يوم مسجل في ذاكرتي بخليط من السواد والخوف والحزن ، ذات يوم منحوس ، ذات يوم فجعت في ذخيرتي ، رأيت جمالها يتشوه ، رأيت حمرتها تتلوث ، ورائحتها الزكية تبددت في متاهة الهواء ، أه .. يا أحزاني ما ملكت أن أذود عن فرح أفرغت منه .. أرجوك يا نانة ، اسمعيني حتى الآخر وبعدها اصرخي إن رأيت في الصراخ جدوى ، أو عضي على شفتك السفلى واسكبي العبرات بهدوء ..
.. فعلها كرسي دراجتي الهوائية ، أو فعلتها حركة عنيفة صدرت عني ، لست أدري ، أو ربما تعفنت ، بكارتي ، وتحللت فماع السائل قسرا ، كما يحدث لجرح مهمل ، كما يحدث لثمرة تجاوزت فصل نضجها ، ولم تمتد إليها يد قاطفة ..
الصراخ
.. حكيت لك همي لكي تساعديني ، لكي تخففي عني ثقلا عجزت عن حمله لوحدي ، لا لكي تزيديني هما ،، مللت الصراخ لأنه ما نفعني ..
انسكاب العبرات بهدوء
اعترفت عبيدة . باحت بأنها ذبحت . كذبت . شعرت أن السكين كان يبتسم لها في الخيال . شعرت أنه يضمها إليه بقوة ، ويطبع فوق جبينها قبلة امتنان . شعرت أنه يغمغم في أذنها قائلا :
" أنا كرسي دراجتك الهوائية ، أنا حركة منك عنيفة ، أنا الفصل الذي أفسدك ايتها الثمرة البائرة ،، أنت امرأة أفعى يا عبيدة ..
ارتجفت . تمنت لو تذيب السكين في الماء القاطع . عادت تشعر سلبا . شعور شد عليها النطاق لحد أنها ركبت من حروفه كلمات ضدها :
" أنت امرأة بنت الحرام ، من يثق فيك كمن يثق في البخار ..
بكت نانة . بكت عبيدة لأنها سبب بكاء الآخرين . ما استطاعت أن تبقي السر في موضعه ، ما استطاعت أن تعاني ثقله مزيدا من المسافة ، فارتكبت الإفصاح والإنزال والكذب ..
شكت نانة وجربت أن تتهمها ، غدا .. ؟ قد ينزلق من الأسفل لحم صارخ ، لحم ناطق ، فوافضيحتاه بين الناس .. لا يا نانة أرجوك ..
إنه قدر عقيم ، وأنا أنقى من الفضة .. إنه قدر ، صدقيني .. قدري .. وحدي ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكرا على التعليق