وانتهى الأمر
سهل فقدان العقل ، كما تفقد أرخص بكارة أمام جاذبية الإغراء .. وصعب التشبث به ، واستغلاله وسط أسوار الحصار وأنفاق الإختناق ، لأجل أن تشع الأنوار .. أبسط الفعل هو إشعال شمعة في ظلمة ، وأعظم الفعل ألا تطفئها فجأة ،، يا عقل ..
قال لجلسائه وهو يتفحصهم واحدا واحدا : سأجن .. وقبل أن يأخذوا قوله مأخذ الجد ، وقبل أن يسألوه كيف ولماذا ومتى ، جن فعلا وانتهى
الأمر ..
بدأ ينظر إليهم وهو صامت ، ملامحه تغيرت فتأكل دفعة واحدة تحت قرار العلة .. الجنون ..
لون دمه صار كالرماد لونا فتهدل جلده ، وأخذت التجاعيد السابقة لأوانها أمكنتها المناسبة . الهم موزع في كل ركن . لا ينطق كما كان ينطق . النضارة احترقت والعقل صار ذكرى ..
الوقت مر طويلا ، وهو يبحلق بعينين تتراوحان بين الدموع والواقع . لا تحاول فهو لا ينطق . قد ينطق ربما . لكنه لم يعد يفكر ..
حار جلساؤه أشد الحيرة . تشاوروا فيما بينهم وقرروا في الأخير أن يحضر الطبيب ، فحضر فعلا . كان شابا يحتفل بعيد ميلاده السابع والعشرين ، يحمل جريدة مطوية مائة طية ، ويضع على عينيه نظارة طبية ، وفي فمه سيجارة منطفئة منذ زمن بعيد . نظر إلى الذي جن ثم رفع عينيه إلى السقف . أعاد النظر إليه أطول من الأول ، ثم أخرج قلما وورقة ، كتب شيئا مهما بإيجاز وطوى الورقة ، ووضعها فوق الطاولة ، وذهب ..
حمل الجلساء الورقة المطوية . فضوها بلهفة .قرأوها بسرعة . تبادلوا نظرات الإندهاش والذهول :
لقد جن فعلا وانتهى الأمر ..