07 فبراير، 2009






محمد عطاف هولندة

وأنا لا أنساك ، أحبك بجنون قسري ، وأحلم أن أباغتك بشمس أو قمر ، أو حبات نجم من سماء العشق الأزلي ..
أنا لا أنساك ، أهواك ، وأنثرني فوق الرمل كالهباء فداك ، وأنتظر ، فقل لي متى بين الحمايا من مدينة تتألق بطلعتك تظهر لي بهيئة نبي .. ؟





انعطف خالد إلى شارع الدب الصغير ، المفضي إلى وسط المدينة الضاجة بالحمق . كان يبدو في غاية الأعصاب .
يعثر ويحمد الله على أن الرأس لم يسقط منه ، ويتدحرج على الرصيف ، فتنكشف ميوعة أفكاره وأبعاده .. وعلى أنه لم يرتطم فوق الصلابة ، وتصرخ فيه الأنات على مسمع من عالم يتصنت ..
وعلى أن قنابل كدره و أساه لم يشتعل ضوؤها الخطير ، فتنفجر ، ويستوجب الموقف أنذاك إعلان الطوارئ والسرعة ..
" ويلي .. كم من إنسان هو حالة غموض في عينيه ، قبل أن يكونها في أعين الناس ، يرونه ويطرقونه ، ولا ينفتح عن وضوح .. ويعجزون ..
هكذا حدث نفسه ، ومضى .. بلغ منتصف الشارع حيث يتفرع زقاق ضيق على اليسار ، يغري بانعطاف وجلوس وشرب وفقدان عقل ساعات ، بيد أنه عدل عن فكرته وتابع السير .. من ادعى أن الخمر والعبث يستبيحان هموم الصدر .. .. .. .. فقد أخطأ ، بل هما يجليان حيثيات المأسي داسها العقل لحظة صحوته ، ويجعلان لها سوطا و لسانا ..
خمن وهو يسمع وقع خطواته يترامى إليه مرة مختلا ومرة رتيبا ، إذا كان المرء ينهزم وعقله في كامل الصخو و الحيطة والجرد و المكر ، فما بالك بنهاية المعارك والعقل فاعل مطلق لسكر أو غياب .. كاد خالد أن يضحك ، لكن منعه شئ بين الحياء والخوف من أحزان مزدحمة مسيطرة فيه ..
ساحة عمومية صغيرة تغوي ورودها العين رغم اغروراقها بالدمع ، ثم مدخل رئيسي لسوق ممتازة مشهورة في المدينة . كم تمنى أن يدحلها وهو يستظهر ما توصي به ربيعة من مواد تموينية : زيت ، زهر ، صابون ، عطر ، زيتون ، أحمر الشفاه ، لحم .. وينسى عن عمد أو عن غير عمد مادة واحدة ، أو يجلب مادة من نوع غير الذي تشترطه ربيعة بناء على تجربة ، أو اقتداء بالجيران أو إشهار التلفزيون والمجلات والجرائد .. ينسى ليعطيها فرصة الغضب ويعطي بالتالي لحياته الزوجية لونا من الضجيج يقره المنطق ، وتفضفض فيه النفوس فتعلن المسكوت عنه طوال دوامة الوئام الروتيني ، والكلام الممل .. الحياة يجب أن تكسر إذا ما سارت في اتجاه واحد ، لأن أحادية الإتجاه لن توصل إلا إلى انغلاق تتعذب فيه الأرواح ..
الحياة كالآلة الموسيقية يعرض عنها الناس مع الزمن إذا ما ظلت تعزف نغمة واحدة ، فكل نغمة إذن يجب أن تطور أو تغير ، حتى وإن بعثت على الطرب اليوم .. فغدا سيأنف منها الذوق ، ويبدأ التوق إلى جديد .. وهذه ليست دعوة إلى التفريط في الآلة الموسيقية ، بل الإحتفاظ بها من أوجب الواجبات ، لأنه في إمكانها دائما و أبدا أن تعزف نغمة بديلة .. تلكم هي الحياة ، فأين العقل المبدع .. ؟
هكذا يرى خالد ، وهذه فكرته ، وربيعة عرفت فيه عددا من الرؤى وعددا من الأفكار فاحترمتها فيه ، وانسجمت معه في علاقة واسعة النطاق تدل على أنها قبلته كما هو ..نعم ، كما هو .. وربما أشياء فيه غريبة كان يفصح عنها في بعض اللقاءات التي كانت تجمعهما في إحدى الحدائق العمومية ، أو إحدى المقاهي ، أو في أعماق المدينة ساعات تماوجها وثورانها ..
لما كان يحدثها عن كيف سيعيش معها لما يجمعهما بيت واحد ، وتزفهما وحشة كل ظلام إلى أنس اللذة ، كيف ستصبح صباحاتهما وكيف ستمسي مساءاتهما ، كيف ستبرد العلاقة بحكم تعقل الغريزة فيهما ، وكيف يتداركان قسوة الشتاءات في رحلة العمر والحب وفق نظريات العلم الحديث ، المتطور ، أو وفق الإجتهاد .. اجتهاده هو ، لأن أناه كانت دائما في أسلوب المثنى المتكلم ضخمة ، ثقيلة .. كيف ستنطفئ الشموع في ليالي جميلة بمناسبة الفرح ، وأخرى تنطفئ بحكم تعب أو عاصفة أو أعطاب في الأيام ،، وكيف سيشعل فيها أضواء مخزونة في الذات .. وكان ما يفتأ خلال كل حديث أن يؤكد قدرته على عراك الحياة ، والإنتصار ، فكان في كل مرة بشير إلى نفسه حتى لتخال ربيعة أن سبابته انغرست في صدره .. وكانت في قرارة نفسها حائرة : هل يعني قلبه أم رجولته أم أناه .. ؟
ربما أشياؤه الغريبة ، واعتداده بنفسه بأنه قادر دوما على القفز فوق كل الموانع قرب ربيعة منه أكثر ، وإلا ماذا يبقى من طموح امرأة وجدت رجلا أهلا لأن تحبه وتحتمي به ، وجدت رجلا اعتصر لها القلب وصاح :
إني الجدار حولك أرد عنك كل الشهب والسهام . ماذا يبقى إذن من طموح امرأة أهدى لها الحظ حقيقة بعد حلم .. ؟
أحبته فعلا ، واصلت يحق مجيئ ذلك اليوم الذي تصير فيه زوجة له ، ثم مجيئ تلك الأيام الرائعة تلفهما بدفء الشمس وضوء القمر ، وتلك الأيام الصعبة يتصدى لها بما ينطوي عليه من عقل كبير ، وتحد صارم .. إنها مجرد أضغاط أحلام تداعب ذهنها المتأزم ..

لا .. لا .. لا .. إنها الحقيقة بكامل براهينها ، وهاهو ذا خاتم الخطوبة في بنصرها الأيسر ..

انفتح له الباب الأوتوماتيكي الرئيسي للسوق . الأفكار تمشي في الرأس أسرع من الخطوات فوق الإسفلت . لا بأس من أن ترافقه ربيعة كلما أرادت اقتناء متطلبات البيت و الجسد سويا ، هكذا قال لها مرارا ، مثيرا في كل مرة تزمت بعض الأزواج وتخلفهم الشنيع .. أه .. كم تمناها الآن ترافقه حقيقة ..
دخل . لفحته برودة ثلاجات المواد الحليبية والمواد الطرية ، فاصطدمت فيه
بحرارة المشي و التيه ، والحكاية التي لا تبتر .. حكاية أصلها نبتة انتظرها الذوق بفارغ الصبر ليتمتع و يشبع ، لكن الأيام فجأة لقحتها بجذر الدفلى فسرت المرارة في الجذع والعروش ..
مرقت إليه الوجوه تختلط فيها التعابير فتعذر عليه أن يقيس وجهه استنادا لمرأة الواقع .. أليس في هذا العالم زجه واحد صافي وواضح .. ؟ فرك عينيه وعاد يبحث بلا نتيجة .. هل هناك من أخطأ مثله إن سماه خطأ .. ؟ هل هناك من ظلمه العمر مثله إن سماه ظلما .. ؟ وهل هناك من هزم مثله إن سماها هزيمة .. ؟
صعب أن يجد المرء شبيها له في الموقف إذا كان قاسيا ..
إيقاعات الأحذية النسوية المترامية إليه بين حين وأخر تؤكد له أنه بلا ربيعة صار ، وإلى الأبد ، وتؤكد له أحاسيس مسمومة تفتك به : أقلها إحساس بأنه سجل نذلا في ذاكرتها .. ربيعة .. أحدث هذا فعلا .. ؟
يتبخر الدفاع عن نفسه كلما ركب عزته مجازفا ، وحاول أن يكون غير ذاك النذل .. وتذةب في أعماقه كل ثورة قد يشعلها ضد ضميره البارع ..
" كل الرجال قد يتصرفون كما تصرفت لو وضعوا مكاني ..
" صه أيها النذل ، كل واحد مسؤول في حدود امتحانه ، لا تحاول أن تسلي نفسك بتعميم تراجعك لحظة النذير على الجميع ، فهناك رجال تأبى نفوسهم وضمائرهم أن تتجاوز كلمة واحدة هينة نطق بها قاضي مشاعرهم ، تأبى أن تنسى ، وأن ترتد ولو خيالا عن عهد ووعد ومبايعة ، وتأبى أن تولي ظهورها في كبرياء ونكران لمن تولعوا بهم في الرخاء والسلم والجمال ، إذا ما حاقت بهم الشدة والحرب والعاهة ..


" كل شئ بقضاء ..
وكما تدين تدان ، ضميرك أول من يدينك يا خالد فاكتم صراخك الأليم أو أظهره ، لا يهم .. كنت رجلا مخادعا لأنك عيشت ربيعة في الوهم سنين وهي سعيدة ، صادقة ، وقررت التخلي عنها في ثانية واحدة ، ولم تفلح علاقة كل تلك السنين في أن تصمد أمامك ثانية واحدة إضافية .. ألا ما أظلمك ..
كان عليك أن تنتظر قليلا ، على الأقل ، لتعلم المستجدات ، لا أن تعلن هروبك منها فورا ، فتضيف إلى قدرها الأسود قدرك الرهيب .. كانت تترقب زيارتك وأنت تبتسم وتحمل وردا ، وتسألها ، وتمسح دموعها ، وتكون لها كل الدعم ، لكنك كنت جبانا وكنت غادرا .. هو ذا أنت ، فهل أنت راضي عن نفسك .. ؟
بقلق كاد يمزق جلده ويسيل كحمم بركان ، وضع سلته الحديدية حيث تصادف لها أن توضع ..
أنفاسه تتلاحق كأنه جاد في تحقيق نجاة من عمق الأسوار ، أسوار سجنه بلا أخر ..
مشى لاهثا صوب الباب الخارجي ماسحا على حنجرته بشدة ، كأنه يمنع اختناقا من أن يحدث .. احتواه الخارج كما يحتوي الفضاء البعيد عصفورا نجا من أيادي أطفال لئام ..
مشى ، وفي مشيته ما يدل على أنه يعرف مقصده ، عاد من حيث أتى حتى بلغ ذاك الزقاق المتفرع هذه المرة عاى اليمين . انعطف بلا تردد .. ابتلعته الجدران الشاهقة كما ابتلع أعماقه الضمير والعذاب . دخل الحانة . شرب كأسا وثانية وثالثة .. حتى فقد عقله .. فاستباحه الموضوع بكل شمولياته وجزئياته ، فأورثه كل نبش عثرة .. وكل عثرة سقطة ..
وكل سقطة ندما على أنه شرب .. الحقيقة .. ؟ هو الندم على أنه تخلى عن ربيعة ، وهي محاصرة بالمحنة واليأس والدموع .. ألا ما أحقره .. فليشرب بحرا .. فلن يجدي ..
في مقلتي ربيعة كانت النظرات ذابلة ، والعبرات ثقيلة ، كأنها لم تعد ترى من الأضواء إلا انعكاسات باهتة في ماء أسن تهزه أنفاس العفاريت ، أو على زجاج مشوه . أين تختبئ مصادر الأضواء .. ؟
أين دلائل الحقيقة على كل ما فات ..
ومات .. ؟
حدقت في المرأة هادئة ، بيد أنها لم تكن ترى رواسب أحزانها وعناوين الأهوال التي مورست عليها حينا من العمر ، كانت هناك تسكن زاوية مظلمة في ذاكرة لم تغسلها الدموع ،، ولم تغرقها الأمطار ، وربيعة ، منذ زمن ، لم ترد أن تحمل السراج وتنزل إلى إلى الزاوية المظلمة ، وترى الماضي الجميل الذي انهار بسرعة كبنيان على الرمل .. على شاطئ البحر ..
يبول عليه طفل بعد أن يمل اللعب به ..
تريد أن تنسى بأي ثمن ، وتفرح وتمرح كما لا يشتهي الذي وضع لها نقطة نهاية من بعيد ، وهرب .. لكنها عاجزة على أن تولد من جديد ، وألعن ما في الذات البشرية أحيانا ذاكرتها الممتنعة ..
كانت تحس .. تحس فقط .. وتحس تحت إشعاعات باهرة تجلي خريطة العمق بمنتهى الوضوح .. لو كانت المشاعر فينا أعضاء كسائر الأعضاء المعرفة ، كان الحب عضوا وكان الكره عضوا ، وكان الوفاء عضوا ، وكان الغدر عضوا ، وكان الجبن عضوا ، وكان الكذب عضوا ..
" ماذا يعجبك في يا خالد .. ؟ قل و لا تكذب ..
" جمالك ، أراك أجمل النساء حتى أني أفكر بعض المرات في أن أنحت لك تمثالا ، أركع أمامه كلما غزاني الشوق إليك ..
" فقط ..
" ثم روحك الخفيفة كأنفاس الصباح ..
وكانت ربيعة تنقبض كلما سمعته يطري على جمالها ، ويبالغ ، ليس لأنها كانت ترفض منه ذاك ، فأية امرأة بالسليقة تغبط نفسها إذا ما أحرزت على غزل أو كلمة ثناء في حق جمالها .. ولم توجد المرأة بعد التي تستهين بعنصر الجمال فيها أو تلغيه ، فكل امرأة تتجمل وتتأنق لتكتمل فزيونوميتها ..
لكنها كانت تخاف ، فالجمال إن افترضنا بقاءه في مأمن مما قد يقلبه إلى النقيض ،
فما هو في الأخير إلا فصل من الفصول العمر ، حتى إذا ما أفل بريقه وذوى غصنه فتر العاشق وفر .. وصار ذاك القصر العامر بالرائحة والحسن و البهاء مهجورا .. وهي ، ربيعة ، لا تستطيع الإحتفاظ بجمالها أكثر من أجله بقدر ما تستطيع الإحتفاظ مثلا بخفة روحها أطول مدة ممكنة .. وكان يحيرها هذا النوع من التفكير ، وكانت تتعب ، لكنها في الأخير كانت ترتاح ،، فخالد على الأقل يحبها مناصفة بين ظاهرها وباطنها ، فماذا تريد أكثر .. خالد .. ؟
أتحزن ربيعة أم تفرح .. ؟ يا للذكرى ..
الرجل بات أدمى من النذالة نفسها ، بعد أن وشحت صدره بقبلة ووفاء . أخفت وجهها يراحتيها كامرأة باغتها الخجل من صورتها ، كامرأة تشرع في الإنتحاب إعلانا لضعفها في مواجهة ظلم اختارها ،
كامرأة اعتصرها إرهاق أو دوخة ، كامرأة تقتفي أثار فكرة لعينة .. وكانت ربيعة فقط تفكر على غرار الذكرى والراهن والرغبة في الإنطلاق ، والإنشراح . لولا صنف من الرجال نادر لم يتخل عنها في مصابها لنادت بإحراق الرجال بالغاز في احتفال نسوي رائع .. هل أتاكم حديث بعد الغاشية .. ؟ باتت ربيعة من أنصار حرية المرأة وفلسفتها التحررية في الحياة بين عشية وضحاها ، وندمت عن عمر وثقت من هذه الحرية كم من موقف ضد ..
اليوم من حق المرأة أن تفعل ما يفعله الرجل على قدم و ساق ، ما دام لا يزال ينظر إليها كمتعة ، كشيطان جميل نأكل ولائمه ونتقيه بالتوبة ، كجسد يشوى تحت الأنفاس ويشبع النزوة ..
وما دام لا يزال يستغل حبها وولاءها وولاءها وطاعتها له مطية للشر .. لكنها كثيرا ما كانت تتساءل :
" هل اعتنقت أفكاري الجديدة انطلاقا من أرضية اقتناع أم فقط هي رغبة مني في الإنتقام من خالد في شخص كل جنس خشن .. ؟
" ربيعة ، كذلك هناك ألاف الرجال الأبرياء اكتووا بغدر المرأة ، ولم يستسلموا لطريقة تفكيرك ، فيأحذوا كل الجنس اللطيف بذنب امرأة واحدة .. ارجعي إلى الوراء قليلا ، قليلا جدا ، فنحن لا نزال حديثي العهد بامرأة فسخت خطوبتها من رجل أقر الطبيب أنه مصاب بمرض السل .. هكذا الحياة ..
" شئ محير للغاية فعلا ، أذكر ، وكانت إصابته خفيفة شفي منها في ظرف ستة أشهر ، لكنها أصرت على ألا تتزوجه ولو نادى مناد من السماء .. وصفتها بالكبرياء ، ازدريتها في صمتي ، وأشفقت على الرجل .. أذكر .. لكن ..
كانت تحدث نفسها ، ثم سحبت راحتيها عن وجهها إلى أسفل ، ببطء ، كأنها ترفع الستار عن معجزة :
هذا الوجه احترق بالزيت المتسعرة أثناء كانت ربيعة تقوم بقلي البطاطا . تذكر أنها انحنت لتلتقط الفوطة التي سقطت منها على الأرض ، ودون أن تنتبه صدمت مقلاة الزيت بأمامية كتفها ، فانقلبت المقلاة بكل محتواها على خدها الأيمن وأذنها اليمنى ، والجهة اليمنى من عنقها كذلك .. تذكر أنها في صلب الألم والغيبوبة تساءلت كم من مرة : هل انتهت ربيعة ، وإلى الأبد .. ؟
" خالد ، تعال ..
" لا ، لن أجيئ ، فكفي عن نداءاتك وطلقي أحلامك ..
" لماذا .. ؟
" رحمة بعيني أن تشمئزا ، لم يعد فيك ما يعجب ، لقد قيل لي أنك احترقت ..
" نعم ، لكن بقي لي خد وأذن ، ونصف العنق ، وكل الجسد الرشيق ..
" لا يكفي ..
" وبقيت لي روح خفيفة كنت مولعا بها ..
" رفرفي بها على أنقاض الجمال والحكاية والعمر ، واصمتي ..
" أكنت تحبني بعينيك فقط ، حتى إذا ما شوهت أغلقتهما وهربت ..
" وهل كنت تعتقدنني أعمى .. ؟
" أبدا ، لكنني الآن أمنت بك أعمى من كل جهة ، فأرجوك ، ابحث بسرعة عن دليلة لك عمياء مثلك تعينك على السقوط .. فأنا لا أصلح لك ، وعلى أي حال أحمد الله على أنه لم يحكم علي بأن أعيش طول عمري عصا لأعمى مثلك ، أعلاها في قبضتك وأسفلها في الوحل .. إنك لا تستأهلني ، يا جبان ، لا تستأهلني ..
سامع .. ؟
مدت خنصرها الأيسر إلى فمها ، مصته بهدوء كما يمص الرضيع ثدي أمه ، كأنها كانت ترمي بذلك إلى محو أخر أثر .. وابتسمت وهي تغمز لنفسها بالعين اليمنى ..
أخوها الأصغر منها بثمانية أعوام يداعبها اليوم قائلا :
" أريد بطاطا مقلية ..
فيكمل أخوها الأكبر منها بسنتين الدعابة :
" حقا يا أخي ، أنا كذلك أريد بطاطا مقلية ، لكن بشرط أن تقوم ربيعة بقليها كتلك البطاطا اللذيذة التي تعشينا بها ذات عشاء .. فيصيح أخوها الأصغر :
" البطاطا المقلية في الزيت الحامية ..
وتجاريهما هي كذلك مداعبة :
" وعليه يا سادة ، أنتم قشروها وقطعوها ، وأنا أقليها لكم على راسي و عيني ..
ويضحك الجميع . الألم نفسه بات ذكرى حولها مرور الزمن جميلة ، أو على الأقل يعتز بها أصحابها لأنها عبرت أعمارهم ذات يوم فأورثتهم البكاء و الدعاء ..
لماذا تحزن وقد جاءت سليمة ، والذين رأوها في أول الحرق وأخره هتفوا من أعماقهم :
" سبحان الذي يشفي ..
ربما ، و لا أحد أبدا كان يظن أن تبرأ ربيعة بلا عيب خارجي ولا أثر للتشوه ، وأن ترجع إلى صورتها القديمة الجميلة ..
" أليس الأجدر بي أن أفرح كل الفرح .. ؟ عدت كما كنت ، بل وأجمل مما كنت .. ظهر خالد على حقيقته في حياتي ، جبانا ونذلا ومخادعا ، فانتهى من حياتي كما ينتهي كابوس شتوي ..
أليست هذه نعمة .. ؟ افتضح الوجه الحقير لرجل أحببته روحا ، وأحبني مجرد شهوة في إطار جميل .. أه .. ما أكثر الأخلاقيات الدنيئة في عالمنا ، لكنها متوارية لا تظهر إلا في الشدة و السواد ..
كيف كنت سأقضي معه عمري وهو أتفه من أن يحظى بحشرة ليلية ، كيف .. ؟
بودي لو أبصق عليه الآن ، وأصفعه ،
و .. أه .. أتركه لضميره فهو يكفي ..