07 فبراير، 2009

لا وجود لليأس

إليها .. وهي تمزق قلبها شعرا ، وذكرى ..
كان الوجود من حوله يستضيف الهدوء اليومي المتكرر ، الذي يختم صفحة جديدة من عمر قديم . وكانت بقايا الشمس تتحول جمرات توهج وجه البحر ، وتخفت ببطء كما تخفت شعلة الأرواح في أجسام تعلق بها السقم . داخلته رهبة . أحس أنه يسمع فحيح تلك الجمرات ، وأنه يشم رائحة الإحتراق ،، رائحة الإنطفاء .. لا أمل .. فهاهو الزمن بدأ يصير شفقا ..
حانت منه التفاتة عفوية . رأى شبحا يقصده من بعيد ، يتخذ من رمال الساحل سبيلا ، ويفتش بعصاه عن أمام لخطواته المتعبة . ألقى التحية عند الوصول :
" أهلا بك يابني ..
" أهلا بك أيها الشيخ الوقور ..
" يبدو أنك لست على ما يرام ، وإلا ما سبب بقائك في مكان موحش كهذا والغروب شاع ، هل أنت رومانسي يعجبك الإنصات لهدير الأمواج في غياب النوارس والناس .. ؟
" لست كما قد تظنني أيها الشيخ الطيب .
وسكت . رمى بصره في البحر ، ثم استطرد
يقول :
" امتداد رحلة العمر هو الذي أوجدني في هذا المكان والزمان ، الجري وراء أملي كان له أجمل طعم ، وكان يغمرني بنزوة الإشتهاء ، ويدفق في أحشائي وقود الحركة والبسمة والمغامرة .. من ضواحي الأفكار إلى مدن الدواوين اقتفيت أثره ، من شوارع تعرض الدماء إلى مقصورات شهرزادية ، من جنون إلى امرأة وغموض ، من ليل إلى نهار ، من داخل إلى خارج .. وكنت سعيدا بأن أديم هذه الملاحقة ولو حتى الموت مادام هناك أمل .. لكني لم أفكر أبدا أن يتجه أملي في يوم ما إلى البحر ، ويدخله بلا تردد ، بلا خوف ولا وجل ، وأقف أنا هنا مفجوعا ..
لم تهدني أيامي وأعوامي ، يا سيدي ، سوى اليأس ملفوفا في رهبة الطبيعة كما ترى ..
قال الشيخ وهو يبتسم :
" قد أرثى لك يابني فأزيدك غما أنت مثخن به ، أريد أن أفيدك فاسمعني ..
تطلع إليه في رجاء . لم يتبينه جيدا ، كان قد عم الظلام . لايهم مادام ليس هناك عائق أمام الكلام والإستماع .
قال الشيخ في رقة :
" لا يجب أن تنهزم يا بني وتضع باقي حياتك في الوغى ، كما يضع المقاتل عدته ويرفع يديه ، ويخفض هامته .. موضوعك قابل للإستمرار وفق رضائك ما دام لا وجود لليأس إلا في الأوهام الخانعة ، والذوات الجبانة ..
" كيف أيها الشيخ .. ؟ وأنى لي لا أيأس وأملي دخل إلى البحر ، وتوقفت أنا هنا .. ؟
" تعلم كيف تسبح ، أنذاك ستجد نفسك قادرا على ملاحقة أملك ، إنه لم يضع بعد ..
ألفى نفسه زحيدا بعد أن ذاب الشيخ في الظلام . ابتسم وهو يحدث نفسه في ثقة عارمة :
" لم لا أتعلم كيف أسبح مادام أملي صار في البحر.. ؟