06 فبراير، 2009

عبر الليل

عبر الليل

الوقت ظلمة ثقيلة يتهادى فيها الحرمان
الشيطان
بدأت الخطوات المبعثرة من النشاب
لا الماضي رفل في عباءة الفرح والهناء
ولا استطلاعات المستقبل تعيد الروح
تجربة تنضاف إلى الإخفاق
تتراكم في الزوايا كرماد أفران الحومات الشعبية
من السبب في تأزم أزمتي يا كل مصالح الجواب ؟
أنا أم هم أم أنتم ؟
سهام تخطئني وأخرى تخترقني
صدري شاهد
وحيدا مشيت في اللاترتيب
منذ جئت إلى هذا الوجود وأنا أشعر بالوحدة
أركن إليها
رغم كثرة الحركة والأصوات والناس
منذ جئت إلى هذا الوجود وأنا أجهله
" والله ما ينفعك غير ذراعك ..
لهجة معقولة
لهجة قاسية
في رأسي تدور كلمات أبي في منتهى الوضوح
مشيت على حافة الزفت ولعنت الدنيا وما فيها
تذكرت البذور الصالحة للزراعة
والتربة الخصبة وكميات الأمطار المتساقطة
تذكرت موتي كل سنة مرة
تذكرت ميلادي كل سنة مرة
حتى ولو تغيرت فلن أكون أحسن مما أنا الآن
التغيير النوعي ليس هو التغيير الكمي
ثمة قدر يجب أن يتبخر
ثمة جدار يجب أن ينهار
ضربت الخواء بقبضة يدي
ضربة من وهن
وددت لو يخرج علي شرير من أحد دواليب الليل
فأنتفم فيه لنفسي المكلومة
متى تطلقينها يا نفسي ضحكة من الأعماق ؟
لا دمعة من الأحداق ؟


وقفت عند باب مقهى الحسيمة
أو مقهى المغاربة كما هي معروفة
خارج الوطن نعرف بالوطن
داخل الوطن نعرف بالمحن
أوليت ظهري لمدخل المقهى الضيق
ولاحقت بنظراتي المتعبة أضواء بعيدة
توهمت أن تلك الأضواء تنط بين قمم الأشجار
وفوق سطوح البنايات ، باحثة عن حالات الشغب
تكلمت مع نفسي
لم أسمعني
كرهت الظلام وتولعت به في ذات الوقت
معاني الظلام لا تعد ولا تحصى ، فيها النافعة وفيها المضرة
ضحكت كما يضحك المحكوم عليه بالإعدام
كرهت رائحتي
وفكرت عبثا في كيفية الإنفصال عنها
رائحة كريهة في صراع ضروس
مع نشوة قائمة على الكذب .. وكنت الحلبة
كنت حزينا
وكنت أذكر المرأة التي خانتني
للنسيان باعتني
أخرجت صورتها خلسة من جيبي الموالي لقلبي
أطلت فيها النظر ، وطرحت سؤالا
ابتسمت بلا سبب
ما أزال أتعاطى الحب كالأطفال أو كالمراهقين
لاعيب في ذلك ، فامتطاء أجمل وأسمى المشاعر
يقصد به كنه الحياة من وجهة نظر، و ذوق
والروح تظل شابة يافعة يانعة
متى ظلت تخفق من جراء مبرر

نعم . ثمة ناس بلا وجهة نظر ، ولا ذوق
وخفقان أرواحهم يتبع الرياح
الحب شعور جميل وسامي
الحب مبرر قاطع على مسألة الوجود
عدت أملأ عيني بوجهها ، المرأة
الملعونة صبيحة ومغرية
لكنها ضربتني بركلة عشوائية


" مين تخسذ = ماذا تريد ؟
سألني شخص ذا قامة فارعة
بعد أن حقق دنوا ملحوظا مني
لم أبذل جهدا لكي أفهمه
أحسسته شبحا رخيصا شرد عن موكب الليل
فقاطعني وأنا أحلم
شتمته في سري
تساءلت في صمتي :
" ما دخل الناس في الناس ؟
ما هذا التطفل السافر ؟ أين الأدب ؟
أين الأخلاق ؟
خلتني في أعماق محاضرة أصرخ
لكني حين فتشت عن الحضور لم أجده إلا هو هو صاحب القامة الفارعة
" ماذا ؟
أحسسته ظلا خانقا غطى على كل أبعادي
ففصل بيني و بين رؤاي
وعطل رقصي القائم على ذؤابات في داخلي
أين الماء ؟ أين الهواء ؟ أين الأضواء ؟ أين الفضاء ؟
أحيانا أعترف بنفسي
وألغي جميع الكائنات الرائجة من حولي
وأحيانا يحدث العكس
عندما أفرح تتشنج كل الألحان
وعندما أحزن يشدو الموال
" ماذا تقول ؟
أحزن لوحدي . أفرح لوحدي
يحيق بي الليل لوحدي
تشاكسني الأيام . تؤرخني الأعوام
أنا ابن الأحلام
أنا ابن الآلام
من لا يصدق حلمي عليه أن يصدق ألمي
الإغاثة .. ذاك صوتي وهذا موتي
ابتعد من أمامي يا صاحب القامة الفارعة
فإني أختنق حقا
كان يرتدي قميصا أبيضا وسروال الدجين
وجهه فيه بثور كثيرة
شعره كث وتسريحته مقتبسة من ثقافة لا ينتمي إليها
لا ثقافة له على وجه التحديد
لأنه ولد كرها ما وراء بحره
ربما ، هكذا بدا لي بلا لون ولا شكل ولا طعم
بدا لي معرقلا بأحجار لا يراها
مشوها . يحتاج ليد خبيرة ترممه ، أو تصححه
تحيي فيه مجدا هوى ، غصنا ذوى
لا يكفي أن نعرف المشكل ومرابضه
يجب أن ننطلق ونفعل
أنت تحدس وتبالغ
أنا هكذا منذ تجاوزت أطوار النمو الأخير
أشتهي أن أعود
أشتهي أن أنمو من جديد
أشتهي المستحيل . هيهات
هو صاحب القامة الفارعة مشكل متكلم
سأنضم إليه لما أرى وجهي في المراة ، ولا أعرفني
سأجرب أن أتأكد من نفسي ، من أنا ، وأفشل

سوف لن يمانع في الترحيب بي في دولته الخربة
حشرة ترحب بحشرة في عالم تعمره الغوغاء
لا مانع من جانبي أنا أيضا قي أن أدخل عبر
أي باب يفتح لي
لكن علي أن أسأل نفسي أولا
كيف يمكن أن أصير حشرة دون أن أسيئ لجنسي الأصلي ؟
كان صاحب القامة الفارعة
يبعث على الشفقة ، والتحسر حينا
ويبعث القيل والقال ضده أحيانا أخرى
لابد من هذا الضجيج لكي توجد الحياة
لكي تستمر ، لكي تستقيم ، لكي تعوج
لكي تربي فينا حس الرفض على غرار
حس القبول الموجود فينا فطريا
خلقنا مستسلمين أكثر منا مقاومين
وسنموت عكسا .. عكسا .. سنموت
تصورته يطلع على قارورة أفكاري
أفكار ضده ، وأخرى معه ، وأخيرة غامضة
الناس لا يهتمون إلا بما هو ضدهم
ليصنعوا منه أزمة عويصة ، لا لكي يستفيدوا منه
لو حصل منه ذاك الإطلاع لحدثت بيني و بينه
مشادة من نوع اخر ، من نوع رخيص ، غابوي
مشادة تتراوح بين تلاوة الكلام البذيئ
واستعراض العضلات المفتولة . إحساس غابوي ..
في يوم ما كان حلمي أن أتعلم العنف في إحدى قاعاته
لكن كان ينقصني المال و الدعم
صاحب القامة الفارعة : مثل هذا الصنف من البشر
صعب استعراض مجهود الدماغ معه
لأنه صنف بلا رأس البتة ، أو رأسه معطل
أو مغيب في ردهة العجز المبين
أنا الدماغ الملوث ، أنا الدماغ المتسخ ، المتقيح
سأمشي على أطناب هذا القدر ، سأمشي


مثل هذا الصنف من البشر . لاتعني إشارتي له
بأنب انسلخت عنه ، محال أن أحقق تلك الرغبة
إني منه وثمة كل العناصر المشتركة بيننا
لكني أتأفف منه ومني ، مني ومنه
هو الذي يعتقد أنه انسلخ عني ونحن كل لا يتجزأ
والليل الذي يحتوينا يشهد أننا كذلك
لماذا يشوش علي وأنا أحلم أو أتألم ؟
المشاعر التي تخرج من رحم واحد حققت الوئام على مضض
أنا مرتاح إلى الوفاق لما يحدث بين الأضداد
أنا أغالط الحقيقة
الحقيقة تأتي دائما بعد ارتكاب الأغلاط
هل أقبل الزيف أم أعيش بلا مشاعر ؟
سيدي ،
ذاك النائم في روضة من رياض بلدي القديم
قال لي :
اقبل السيئ بدل الأسوء
في الواقع هذا كل ما كنت أملك
لذا لم أناقشه ولم أطارحه ارائي
سمعته وأطعته
وكثيرا ما كنت أعيش الوقت خارج نعمة الإختيار
هذا كل ما بيدي
سأصف كل كلامه ، صاحب القامة الفارعة
بالنباح النشاز ، لو تجاوز معي حدودا ظاهرة
لن أكترث بالعاقبة التي تورثها كلمة كهذه لأن نفسي أولى
نفسي كلمة . نفسي
حشرة أبحث لها عن حق في المزبلة الكبرى
لو تموت في دفائني مردة التفكير
أنا أفكر فعلا
لا أدري لفائدة من
لكني متأكد أني ما أقصيت قط الجهل
والفقر ، والأمية ، والمرض من مشاريعي الحالمة
ما نسيت أبدا الزيوت الممتازة التي تقلي الأسماك الرخيصة
ما رميت أبدا الماضي وراء ظهري
ما صدقت أبدا الإعلام الرسمي لأني كنت كذبة في يده
كنت حقيقة في يدي


لعبة الحرام لا يلعبها إلا أولاد الحرام
أنا نفسي امنت . في نهاية المطاف أن الحرام مدخل رحب ورئيسي لغاية
يرجوها كل عبد مستضعف ، ولا يدركها .. موقف جديد
أصله قديم
كل ما في الأمر هو أنه كبر الآن ، وصاح
كما يحدث مع الأمراض الخطيرة التي
تتطور فينا تحت رعاية أعضائنا و جوارحنا
ونحن غير عابئين بها
تفاجئنا في الأخير ، وتطرح أمامنا الداء العضال
أعضاؤنا وجوارحنا تغشنا
موقف ظللت أجره ورائي حتى بلغنا المحطة والمكاشفة
كان هذا نوعا من المعارك التي خاضها في أغواري الأضداد
ظللت أجره ورائي كما ظل الكلب يجر ذيله
ويبصبص به للقادم العزيز ، للقمة العزيزة
كان الفرق بيننا هو نفس الفرق بين الوضوح والغموض
بين النهار والليل ، بين العدل والظلم ، بين الحق و الباطل
الكلب كان ولا يزال يزهو بذيله
ويستخدمه في مشوار حياته بذكاء
وأنا ، الآن فقط ، أزهو بأني ذيل لأبدان اندثرت تحتي
ولأبدان ترتفع فوقي شاهقة
كنت أجره . لم يحدث أن اعتقدت أني أنا هو
لم يحدث أن زهوت . لم أفعل لأني كنت أراه نقيصة
يجب أن أنفصل عنها
يجب أن تسقط مني ، أو أقطعها بخنجر
لم أكن أعترف به . ذيل ..
لم أكن أراه طريقا إلى إحراز الأخبار
وانطلاق الأفكار ، وإجادة الإنفجار
ما أقسى أن يكتشف الإنسان أن ألكلب
كان أذكى منه في مسألة خوض الحياة
لا تحتقر الكلب إذن ما دمت يائسا أو شقيا أو .. حزينا .. مثلي

" إنك ترمي نفسك في هوة سحيقة
أمات فيك الإنتباه ؟
" إني مرتاح لذلك المصير لأني لا أفعله متعمدا
هو الذي يفعلني
" أنقذ نفسك قبل تدني الحال . انج ببقاياك
" ما بيدي بديل
" قالوا : ابحث تجد ، استثمر كل قواك
الإستسلام مكروه ومبغوض
هناك كل أنواع الصدف متاحة
قد تعلق بإحدى خطواتك أجمل صدفة ، المهم لا تتوقف
" التوهج لا يعود بعد حلول مواسم الصدإ
كان من نصيبي هذا العذاب الذي
أنزفه ولا أقبض لقاءه جزاء
إني مرتاح في أوكاره
فلن أغامر بتسلقي جبالا من وهم
" نحن في هولندة ، فهل نسيت ؟
" كرهت كل الأرض ، أتمنى لو أرحل مع غزاة الفضاء
رحلة واحدة لأبول على كوكب لم ينفعني
" حتى هولندة
" حتى هي . غير معصومة حين أسمي كل التراب جريمة
فيها قرأت من الخذلان حرفه الثقيل
ها حلمي تقوض
لما جئتها كنت كمن يجيئ الجنة بعد رؤدح من عمره
قضاه في جهنم الكحلة
لكني أصبت بخيبة أمل
ما هولندة هي الأخرى إلا جحيم
يؤدب أنا الذي لا يعرف ذنبه
جحيم يتواصل في سيرة أنا
" من أنت ؟
" لا أعرفني ، وأنت ؟
" أنا شئ منك


ممكن أن تتزلزل الأرض بنا فنغدو في قبضة الإنهيار
عظامنا مرتضة ولحومنا معصورة
وأمخاخنا متدفقة على جنبات شفاهنا
وذكرانا المفردة في التاريخ مطموسة
تكون لنا ذكرى جماعية
.. ذات زمان ابتلع المكان كم من إنسان
ممكن أن يقع أكثر من هذا ضدنا
نحن ضعاف لا نملك إلا أن نكون ضحايا مجروحين .. أو .. قتلى


" بلد الديمقراطية والعلمانية ، هولندة
" الإنتباه ضرورة
" بلد الحرية و النشيد والبرهان ، هولندة
" الحرية حكاية غرام جارفة ، بدأتها وأنا جنين
" الحرية الآن ما عادت رهن الناقص و الكان
هي حياة ألفتها الشوارع و الساحات
صارت عادة عند الطيور التي لا تطير
صارت فضاء في متناول كل القفزات العلوية
اخلع عنك غشاوة الخيال
البس بذلة الواقع الجاهز
اقفز على قدر جهدك وطاقتك .. واقفز .. إلى .. الأعلى
" ما ظننت أبدا أن مجرد سفر جوي قصير
قد يقلب الدنيا في عيني قلبا على عقب
دعني الأول أعثر على نفسي ، وأتأكد
ثم ساومني على الطاعة العمياء
" تخل عن عشقك الأسطوري ، واعتنق اليقين
" أخاف من الخدعة ، أخاف
ليس في إمكاني أن أصفي كل حساباتي مع الشك
الشك جزء مني ، نعم
الحرية تضمن لي أقداحا من قربة اللذة
لكنها لا تضمن لي السلامة
اعطني يدها لأقرأ طالعها ، وأكون فكرة
" هدية . وها الجميع مؤيد إلاك
" انتظر لحظة
" الوقت يمر
" عبد لي الممر إلى القلب . قلبها
" أنت حر ، سقتك بمائها وسحرتك دفعة واحدة
اقتل نفسك إذا أردت
" أنا لا أريد . أنا أعارض
" الحرية تستغلنا إذن
" لذا وجب التفكير في استغلالنا لها
" هل عندك فكرة أخرى تصلح للمد و الجزر ؟
" ساءني أن أرى الإنسان يشقى بالحرية
" أنت إنسان اخر
" بفتح الخاء أم بكسرها ؟
" يصح الوجهان . أنا لست بمتعلم
فناقشني على حسب ما أنا
" هذا نقص أول بحجم الواقع الأخير
نهايتي حتى الآن كلفتني زهرة عمري
نهاية المطاف ستكلفني روحي
" ماذا تعني ؟
" أعني الهراء
" تكلم بوضوح
" كرهت أستاذي السمين لأنه كان يعاملني بنفس المنطق
لأنه لم يستوعبني ولو مرة
" أنا مستمع
" إذن فهولندة مقرونة بخيبة الأمل في ذهني
بحثت فيها عنكم قبل أن أبحث عنهم
" وجدتنا ؟
" وجدت لكم بعض الآثار ، وهأنذا أقتفيها
" أنحن مهمون عندك لهذه الدرجة ؟
" وأكثر .. أيها الأشقياء لو كنتم تعلمون
لكن من أنتم ؟ ذكروني من تكونون
" نحن أشياء منك
" أنتم فئة لها مكان شاغر في الوراء . شرخ
غدكم ينادي : لا حياة لمن تنادي
" إنك تحاسبنا بقسوة
" لأني أحبكم
" والدليل ؟
" هذه الكلمة التي أستعذبها ، وتعذبني
" لن يفهم أحد مراميك ياإبن الغموض
لا أرمي إلا إلى الإفتخار بكم
فلا تكونوا الأداة التي تقطع لساني
لا تكونوا الحبال الشانقة التي تلتوي على عنقي
لا تكونوا الرصاصة التي تسكت تغريدي
بكم أنا موجود
" الحب الذي ينبع من القسوة مدعاة إلى الإستفهام
" هل أتاك خبر النقد الذاتي ؟
" قلت لك ما أنا بمتعلم
" تذكرني بعيبك
تعري لي عن حدبتك بلا حياء ولا حشمة
أفلا تخجل ؟
" أعرف أن باب المدرسة مفتوح ، وأعرف أن وقتي فات .. ومات
" على أي دع كل الأشياء تسقط أمامك إلا شيئا واحدا
" ما هو ؟
" من يحمل ملامح وجه عليه أن يحمل المسؤولية بالمقابل
وإلا كان مجرد حمار يحمل .. ..
" حمار ؟
" ماذا تقول ؟


ألقيت نظرة مملة على صاحب القامة الفارعة
كان ينتصب وسط ضخامته المغرورة
كجذع شجرة منخور ، يراوغ يقين الإنقراض
ويتوهم مزيدا من الخلود
نهاية كل سائر وصول
وبعد الوصول أفول و ذبول
العاقل هو من احترم أطوار عمره
ما كنت أعقل الناس لأن الأطوار التي بنت عمري :
إما موسومة بالحمق أو ذائبة بلا صفة
كان صاحب القامة الفارعة يمز أثداء خاوية ، وينتظر مني
أي كلام .. أي كلام
صورته كانت كاريكاتورية مضحكة ، لكني لم أضحك
تجهمت . تمثل لي فيه صراعا بين الدلالة و الإعتباط
إن تدل أو أرميك في بحيرة ملآى بالديدان
خاطبته في سري :
ما أظلمك لي .. فلقد فتحت لي بابا لكل هذه الهلوسة
لكل هذه الدوامة
ووقفت كالصنم الفاجر تتفرج بلذة
عبى تراوحي بين الهلاك والنجاة
من تكون في حقيقة أمرك ؟
موضوع إلهام مغشوش أم حشرة ضوئية عرفت نقطة ضعفي
رأيت مقلتيه هاربتين منه
لم أستطع أن أخمن بعد النظرة فيهما
لأن الظلام كان يرتديهما
والهروب كان قدرهما
قلت لنفسي الحيرانة :
سيجارة أفضل من الزمان والمكان والإنسان
فلأحترق إلى حين
وبدأ فعلا يتصاعد مني الدخان


أنت الآن تظن نفسك بستانا
تنبت الثمرة التي تنضح بالحليب
والثمرة التي ترضي ذوق الحبيب
تجرد من كل ظنونك ، وعد إلي فإني ما زلت
أنتظرك وأعقد عليك أملي
انزل إلى الأرض التي أنا فوقها أصدر الأنين
انزل إلى الأرض التي فارقتها
من كثرة الإيهام الذي ركبك
من كثرة الغرور الذي استخفك
ألا ترى خطواتك فوق الثرى
التفت وراءك لتتأكد أني لست بمنافقك
انزل إلي من برجك الخرافي . وكن حشرة
مثلي لكي يتسنى لنا الحوار والتفاهم
ثمة قضايا نشتركها وأخرى ينفرد بها كلانا
انزل . لك علي ألا أكون معك صعبا
بشرط أن تعترف بأنك كنت .. تغير ..
قهوتك بدمي لا بالحليب
وكنت تحتسيها وتمصمصها متلذذا
وكنت أنا لذتك عن كره
أنت الآن تظن نفسك بستانا
أنا ما أزال أظنني حشرة ذات جناحين
على أحدهما أحمل الموت وعلى الآخر أحمل الحياة
أنت الآن تظن نفسك بستانا
وأنا حشرة تتحدى مبيدك ، وأسوارك


شخص يقف على الطرف الآخر لمدخل المقهى
كأنه كان يوازن بين أثقال متحركة لكي لا يميد المكان
عيناي أهملتاه لأني كنت أعتقد أنه بعيد عن الطرف الذي أثقله
الذي أتحرك فيه
بعيد عن حوار أنا فيه المسؤول والسائل
وصاحب القامة الفارعة غامض ، بعيد عن خيالي
عن هويتي ، عن النفق العميق الذي ألعب
فيه لعبة انزلاق مسلية
ذلك الشخص ؟ لا أعرفه . لا أعرف أحدا
بدا لي العالم من حولي خليطا من الأبدان
والآذان ، والأعين ، والإندفاعات الفوضاوية
أين العقول فيكم ؟ أين عقلي ؟
أنا الآخر كنت بدنا وأذنا وعينا
وكنت أندفع بفعل البنزين الذي يحترق في بطني
ذلك الشخص ؟ سأسميه الفضولي ، وأكون قد أنصفته
أخطأت حين اعتقدت أني وحيد في عالمي أسيره كما أريد
تأكدت من خطئي حين أدركت أن الفضولي كان يشاركنا بالإستماع
وكان يتحين الفرصة لكي يتدخل ، ويصير طرفا في الحوار
وفعلا سمعته يقول لصاحب القامة الفارعة :
" إنه يتكلم العربية
انطبقت السماء على الأرض
ادخل سوق راسك
ضاع الهواء
جاء الإختناق
حضرتني مشاهد من الجوطية في البلاد
فرت مني تلك الأضواء
حضرتني صور أصحاب الصرف ، وبائعي الماء
والوسكي ، والحشيش
بقي الظلام
استدار إلي صاحب القامة الفارعة
وقال مبدلا لهجته :
" ولماذا تقول لي .. لماذا .. بالهولندية
لما أنت تعرف العربية ؟
" شغلي
" إني أتكلم معك
" ليس باللسان الذي تكلمت به معي من قبل ، هل تذكر ؟
" اه ..
قد نتيه إذا ما نشدنا الحقائق في هذا الليل المدلهم
لا فائدة من أن يلوم العاجز عاجزا أكثر منه
دائما العاجزون فيما بينهم يتناحرون
تخطيت عمدا كم من عارضة ، وقلت له :
" يقع لي خلط كبير بين المغاربة والأتراك وبعض رجال البلاد
لذا وجب علي النطق بلغة البلاد المضيفة
لا يقتنع بتبريري . عنيد
يشرب من بيرته التي كان يحملها معه من حيث لا أدري
أبدى سخطه علي بالأنفاس
قلت له في سري :
ارم نفسك من حالق إن شئت
صمت لحظة انتقالية ، ثم قال في الأخير :
" ظننتك تريد شيئا أو تبحث عن شخص ، فقلت أعينك
" يا أخ ، كنت سأسأل وعندئذ هات شطارتك
كنت سأستغيث وعندئذ مد لي يدك
" نحن معروفون بالصمت حتى ونحن في المأزق
" من نحن ؟
" نحن معروفون بالكذب
" من نحن ؟
" مين تخسذ ؟
" .. .. ..
" ماذا تريد ؟
" أهذه مقهى ؟
" نعم " أمسموح أن يرتادها العموم ؟
" نعم .. نعم
" أنا واحد من العموم
فلم تريد بالضبط معرفة سبب مجيئي إلى هنا ؟
التزم بالسكوت
غبطت نفسي على أني أفحمته بالهراء
أحسسته يفكر ويضغط على قنينة البيرة
قلت له في سري :
تفرقع إذا شئت ، فأمثالك مروا بنا ومررنا بهم
فعرفنا سر القوة وسر الضعف
قال صاحب القامة الفارعة للفضولي :
" أنا أتكلم الأمازيغية ، وأحب أن أتكلمها مع الناس
رد عليه الفضولي للتأكيد :
" إنه يتكلم العربية . إني أعرفه
" أنا الآخر أعرفه ، إنه يسكن تحت موسى
صرت ضميرا غائبا و أنا حاضر
قلت له ضاحكا ملء جهري :
" أنا أسكن تحت الطايق الثاني وليس تحت موسى
عاد للغضب مرة أخرى
عاد للضغط على قنينة البيرة مرة أخرى
زمجرت أنفاسه
قلت له في سري :
أنت مخطئ ، لأنك تعتبر كل الناس سواسية
يمكن أن تركعهم بعقلية واحدة ، وأحادية
أخبارك فاحت وشقت كل أجهزة التنفس
وصلتني عبر ليل وويل وذيل ، وليتها ما وصلت
من تثق فيه قد يتبدى لك عن جريدة تفضحك
أكثر مما تسترك ، أو تتستر عليك
وتندم ، ولا ينفعك الندم
أنت مشهور في فينندال لأنك ترتكب المخالفات التافهة
تصفع خد امرأة في شارع عمومي
تزني بالعنف
تسكر وتشهر خنجرك في وريد رجل
تسرق أرخص المتاع
تقلب موائد الحانة الزرقاء
تقطع الطريق
القانون غول يمهل البعوضة ولا يهملها
سهل أن يأتي كل واحد مثل تلك المخالفات ، لكن ماء الوجه عزيز
قلت لك القانون غول
سهل أن نخالفه وصعب أن ننجو منه
ثمة صراع بين التخلف ووعي الأشياء الجديدة
التي تصنع الحياة الجديدة
كن معي هنا ، واشحذ كل أدوات الإصغاء فيك
ارهف كل مسامعك . احترم الناس ما داموا لا يؤذونك
واعلم أن الناس أنواع
وأن على عقليتك أن تتنوع هي الأخرى
لا أن تظل جامدة في معنى واحد ، يعرفه البريئ الذي يولد الآن


التفت إلى الفضولي . سألته :
" كيف تعرفني ؟
" أبوك حاج يضع شاشية بيضاء على رأسه
لم يسعفني الضحك
تعبت ربما من تمثيل هذا الدور الأصفر
حزنت بالمقابل
كيف يفكر الناس ، وإلى أي نتيجة يريدون الوصول ؟
يا لها من دنيا مليئة بالخطإ
قلت له :
" يا صاحبي ، هناك كثيرون يضعون شاشيات على رؤوسهم
فلو أصدقك فورا سأظل أبحث عن أبي
وسط الجمهور ولا أعثر عليه ، يكون قد ضاع
سمعت صاحب القامة الفارعة يقول :
" لا تعتقدني سكرانا أو شيئا من هذا القبيل
نظرت في وجهه
يمنع تجليه بعض الظلام
تخيلت شفتيه الغليظتين طبلا منشطرا إلى جزءين
تضرب عليه أيادي عابرة . قلت له :
" أنت سكران وأنا سكران أكثر منك
لكن لندع الإحتجاج بأخطائنا المرتكبة الآن ، فهي لا تنفع
قال في شدة :
" أنا لا أخطئ
قلت كأني أخاطب شبحا في جوف الحلكة الدائرة :
" ملاك معصوم ، يا سلام ..


في تلك الأثناء خرج من المقهى شخص نحيل وهو يقول :
" ماذا تتكلمون ؟ الأمازيغية أو الإسبانية ؟
أحسسته يقصدني بكلامه ، وإن كان أتاه بصيغة الجمع المخاطب
لأنه وقف قبالتي
نظر إلي كوجه جديد زار المكان ويستوجب الفحص
انتظر مني جوابا خاصا . قلت له :
" لا أتكلمهما معا ، العفو
" يا للأسف
" ولم الأسف يا صاحبي ؟ يكفيناأننا نتكلم لغة واحدة الآن
تفهمني و أفهمك
ضحك . تمادى في الضحك
بان شعاع في فمه . سألني :
" هل تتكلم الإنجليزية ؟
لم ينتظر مني أن أجيبه
واصل يسألني بإنجليزية ركيكة :
من يدري ، ربما كان لا يعرف أكثر من تلك الجملة المتطفلة
كل لغة جميلة ومحترمة إلا أن يسيئ إليها ناطقها
قلت له : إني أبحث عن الحشيش
انتفض صاحب القامة الفارعة
كأنه كان يتجسس على إحدى نقط ضعفي ليقارعني بها
هاهي ظهرت له أخيرا ، وسوف لن يرحمني
قال لي بقوة :
" قلها من الأول وبلا لف ولا دوران
قال لي الشخص النحيل :
" كل شئ موجود ، أهلا بالأحباب و بالأصحاب
السماء راضية منذ ادم ، عيونك ياليلي مرضية
انتظر .. اتبعني .. أهلا .. ومرحبا
واقع ساكت أم مسكوت عنه ؟
إذا حاولت أن أجد حلا لكل مشكلة سأحمق حقا
هممت بالدخول
أشار إلي صاحب القامة الفارعة يريد أن يقول شيئا
كرهت الهراء منذ جئت إلى هذا الوجود
لكني في كل مرة أجدني طرفا مهما فيه
قلت له قبل أن ينطق :
" أرجوك ، ما عندي يبيح لي ذبح كل الدنيا من رقبتها
لكني لا أستطيع ، أخوك عاجز
فلا تزدني أنت همك
خطف عني بصره إلى جهة معاكسة
فيما دلفت أنا إلى الداخل
المقهى بدأت تشطب
تعودت على نهاية الأيام بهذا الشكل
جلست بمحاذاة الكونطوار . قريبا من عصارة القهوة
اخر الرواد كان فريسة ساهمت في مصيرها
كان يؤدي ما عليه لصاحب المقهى
أكثر من خمسة وأربعين فلورة
كان وجهه مقطبا وأعصابه مكتومة بعسر
ونبرة كلامه مرتجة
من يخسر ماله يفقد عقله
النزوات إذا ما تحررت من رقابة التفكير
فلن تذهب إلا إلى الخسارة
لا ينفع البكاء في الأخير
كنت أتمنى أن أصير فقيها أيها الخاسر ، فما رأيك ؟
ربما أنا الآن زنديق
نظرت إليه من تحت لفوق
انصرف مكشرا عن أنياب سوداء
بعد أن جمع بعض القطع النقدية الهزيلة من على الكونطوار
أرجعت له بعد قطع الحساب الضخم . تساءلت :
من سيجني جنون غضبه الذي كان يتراقص في عينيه ؟
امرأته ؟ أغلب الظن هي ، إن كان متزوجا
راودني حلم قبيح
حلمت بأن تكون لي امرأة تسع غضبي . المسكين
ربما لحقت به هزيمة كبيرة هذا اليوم
في الروندة ، أو الرامي ، أو المامي
ادفع ما عليك يا عزيزي ، ولا تنس كل هزائمك
قد تفيدك ذكراها لما تجتمع ، لما تكبر
لعبة القمار حرام
الخمرة التي تخثر في بطني حرام
هل يسمع المفلس لمفلس ينصحه
إياكم والصمت فإنه جبن
قولوا حقيقتكم جهرا ، فالجميع يعرفها قبلا
يا لها من دنيا
دنيا تختلط فيها كل الأوراق ، وتعجن الطرق الممكنة
ويصير البحث عن القناعة ، والإقتناع ، أمر مستحيل
عش الدنيا عرجاء ، واعرج أنت الآخر لكي تناسبها
واسيت الخاسر في سخرية صامتة :
يوم لك ويوم عليك . لا تفرح ولا تحزن
يجب تعويد نفسك على نكران هذه
المشاعر المتبدلة فيك قهرا ، وعسفا
المتعاقبة فيك كتعاقب الليل والنهار ، في كون بلا أسوار
حياة لا تستقيم على صراط
ليستقيم في باطنك شعور واحد خاص
حياة يتداولها الإشراق ، والإخفاق ، وهكذا دواليك
الشخص النحيل ، الذي سألني وقال اتبعني ، وسيقضي حاجتي
يعمل في المقهى كنادل
لأني رأيته يدخل خلف الكونطوار بلا استئذان
لأن لافتة معلقة عند مدخل الكونطوار
كان مكتوبا عليها بحروف عربية واضحة :
ممنوع الدخول بدون إذن ، وشكرا
لأني رأيته يراجع الحساب هو وزميله في العمل
لأني رأيته يراقب عصارة القهوة
قلت له :
" هأنذا جئت
" لحظة من فضلك
دخل إلى المرحاض . خرج
بدأ يصفف بعض الكراسي
عاد خلف الكونطوار . أشعل سيجارة
بدأ يغسل بعض الكؤوس . قال لزميله :
" أرجا ، أنراح مارة = انتظر ، سنذهب معا
قلت له ممثلا دور من تذمر :
" هل عندك ما تعطيه لي
أو دعني أذهب فبل أن تذهبوا
قال لي مبتسما :
" إذن فهمتنا ونحن نتكلم بالأمازيغية
" قليلا جدا . أنا الآخر أمازيغي
لكني لا أعرف الأمازيغية ما عدا كلمات محدودة
خرج من الكونطوار وهو يضحك ، كأني حكيت له نكتة
لله في خلقه شؤون
دفع بيده في وسطه كأنه سيحك الجربة
أخرج كيسا بلاستيكيا صغيرا فيه حوالي غرامين من الحشيش
مده لي وقال :
" خذ ما تكمي ياصاحبي ، نحن أولاد البلاد
شممت السلعة بحثا عن عنصر جودة ضئيلة
أنف الكلب دليله . سمعته يقول :
" إنها سم ، حاجة زوينة ، لا تجافيني ، لا تعاديني
ثم سألني :
" من أين أنت بالضبط ؟
" من عيون سيدي ملوك . هي وبركان ووجدة
يرسمن شبه مثلث متساوي السيقان ، جميل
في تصميم الوطن الأجمل
" أعرف عيونك . هل تعرف مجيوة
ضحكت من هراء يجتبيني ، وأنا رافض بلا طائل
وأنا مطيع خارج إرادتي
بدت لي إرادتي مزيفة
سأظلم الناس إذا ما لمتهم ولم ألم نفسي
تجمعنا الغربة حين مزقنا الوطن
أسماء وألقاب وحكايات وذكريات مرة ، صارت غالية
" نعم أعرفه ، هو صرح في ذاكرة عيوني جمعاء
لكن ليست لي به علاقة شخصية
" من أي قبيلة أنت ؟
" أظن من قبيلة بني يزناسن الممتدة من
مشرع حمادي إلى غابة الكربوز
ربما تكون سمعت عن سلسلة جبال بني يزناسن
وعن مكانتها في التاريخ الذي ساهم في التاريخ
أنا أمازيغي لكني لا أتكلم الأمازيغية
قال لي زميل الشخص النحيل ،
وهو يحرك مجموعة مفاتيح في يده :
" لايمكن أن يحمل المرء انتماء لشئ وهو عاري من صميمه
وعلاماته
إن الأمازيغي القح هو الذي يتكلم اللغة الأمازيغية
" هذا خطأ ، مع احترامي لك ، فهناك مغاربة لا يتكلمون
لا اللهجة العامية المغربية
ولا اللغة العربية ولا الأمازيغية
فهل تحرمهم من تعلقهم بأصلهم
وهويتهم وانتمائهم بسب اللغة فقط
تساءل :
" وما منعهم من أن يتعلموا ؟
إن لم يكن منهم هروبا متعمدا من النص الحقيقي
وعزوفا سافرا عن المهد والوصايا
وتعلقا بالوهم الذي لا يطمث أبدا
هل تجد مثلا هولنديا في مكان ما ، وفي زمان ما
لا يتكلم لغته قبل أن يتعلم لغة أخرى
لنكن واقعيين يا صاحبي
ولننفض الغبار عن جوهرنا
ونعلقه على صدورنا ، ونفتخر به
لنعد إلى حقيقتنا ولو مجروحين
ذلك أفضل من أن نعود إليها جثثا تقبر في صمت
فلسفة . ما عدت أفهم
أسعفني يا ليل
أنت حكيم لأنك تعي الألم ولا تدمع . قلت :
" أنا لا أتكلم الأمازيغية ،
ورغم ذلك فأنا أمازيغي أبا عن جد
" لا أصدقك
" تصدق أن سكان المغرب الأقدمون هم البرابرة أبناء مازغ ؟
يكفيني إذن أن أكون مغربيا لأكون أمازيغيا
" حتى اليهود الموجودين في المغرب نسميهم أمازيغيين ؟
" بل نحن نسمي الأشياء بأسمائها الكاملة ، ونقول :
اليهود المغاربة .. ونقول المغاربة
" ولماذا لم تتعلم أنت الأمازيغية ؟

ماسينا في جذورنا . أحزاننا في حلوقنا
من يداوينا ؟
ما عدت أفهم حقا
لكن لا يجب أن أعلن عيبي يا صاحبي
الإنسياق مع التيار الرائج قدر ، يبقى الأمل
يبقى وضع السباحة الناجحة مطلبا
أنهزم لأنطلق
الصواب كان أن يسألني السائل من أنا ، وأنا من ؟
تصورته سألني :
لماذا لا تستطيع أن تكون حضاريا
وفق فصيلة دمك القحة ؟
لماذا لا تنبت وفق بذرتك الأصيلة ؟
لكي أكون اجتماعيا علي أن أروض نفسي
على كم من وجه للخطإ . وكم من وجه للنفاق
شئ من الخطإ شاع
شئ من النفاق ذاع
شئ من المفاهيم ضاع
ادعي لي يا أماه بأن ينجيني الله
من الأفكار بنات الحرام
سأضحك من نفسي
قبل أن أصير ضحكة على أطراف الشفاه
الهراء من المصنفات الرديئة لكنه حل لحد الآن
لأن بعض الصمت خرس
فتحرر إذن من كل عظامك الوهمية ، يا لسان
عظام أوهام . عظام بلا مفاصل


كانت هناك ظروف ساهمت في ألا أتعلم الأمازيغية
تربيت في دوار أولاد احسين
وسط دواوير كثيرة من قبيلة السجع
ناس هذه القبيلة لا يعرفون الأمازيغية
ثم أني لما دخلت إلى المدرسة انجذبت إلى اللغة
العربية بمفعول سحري جبار
ما استطعت أن أقاوم
فوقعت في غرامها بكل ما ملكت من رغبة ، وميول
الفصحى ذات الفتنة الفصيحة
قصة غرام طويلة رائعة ، بلا أجل مسمى
كلما ظننت النهاية عرت لي عن إغراء فيها جديد
وكانت البداية
وكم هو صعب التفرقة بين حبيبين
اشتركا الرضاعة من أثداء طرية
كنت لا أسمع الأمازيغية إلا إذا زارنا
بعض الضيوف ، كبار السن
ليتكلموها مع أبي أو أمي
إلا إذا زرت عمتي في وادي بورديم
أو خالي في جبل ماسين
في البادية يتكلمون الأمازيغية كبيرا وصغيرا
لغتهم اليومية . وفي المدينة لا تكاد تسمعها
لما كنت أسمع الناس يتكلمونها كنت لا أفهم كلمة واحدة
ماذا يقولون ؟ فيم يتحدثون ؟
هل يفهمون بعضهم البعض
أم يطنون فقط كالنحل أو كالذباب ؟
أبواي فيما بينهما ، أو ناس اخرون فيما بينهم
كثيرا ما كانوا ، ربما لا زالوا ، يتداولون بها
أحاديث ويطرقون بها مواضيع لا يريدوننا أن نسمعها
أن نطلع عليها . أن نشاركهم فيها لسبب أو لآخر
على وجوههم تتبدل العلامات
وتتغير الإيحاءات بسرعة تراجيدية مثيرة
يتكلمون . يهمسون . يصرخون
يضحكون . يغضبون . يستفهمون
تنطلق أساريرهم . تنكمش . يغمزون
تتلوى شفاههم . تتمطط . تنطبق
تنفرج . يحارون . تجحظ عيونهم
تغمض . تشرق . ينطفئ شعاعها
تدمع . يستغيثون ..
نجرب الإلمام بمحاور الكلام . نفشل
نكون كالضحية المعلقة من أرجلها بالطلاسم
نكون حاضري لغة لا نعرفها
لغتنا في الأصل و الفصل
متكلموها في مأمن من إرهافات
اذاننا لأنهم ضمنوا عجزنا
تصور نفسك وسط ناس يتكلمون بلغة .. أي لغة .. أنت تجهلها
تحاول قراءة المعاني في وجوههم ولا تفلح
ستتضايق ، أول اعتقادك يذهب إلى أنهم
يدردشون ضدك . يضحكون عليك ، يحتقرونك
أنا أنفجر بعد تراكم الضيق
لنتكلم بلغة واحدة تتمكن منها جميع الألسنة
أحيانا غير ممكن
لنتكلم بالإشارات ، ساد الصمت
لم يكن هناك ما يشجعني لكي أتعلم الأمازيغية
لأسأل عن معاني الكلمات وأنطق بها ، وأكرر النطق
وأكرره حتى أحفظه
كنت أقول لنفسي الغضة في طفولتها :
ما جدوى أن أتعلم الأمازيغية التي لا يتكلمها إلا كبار السن ؟
أم ، أتحدث بها ، مع أولاد عمتي الذين لا أذهب إليهم
إلا مرة واحدة في العام
ولا تستغرق المرة أكثر من يوم ؟
لن أتعلمها . لا حاجة لي بها
الأطفال من حولي ، وكل أقراني ، يتكلمون العربية .. و .. الفرنسية ..
ذابت تلك اللغة ، الأمازيغية ، في ظروف أقوى مني .. ومنك .. ومنكم
ما أروع الحياة لولا الأفكار الصعبة ، لولا الضعف ، لولا أنا
أنا بالأسود الذي أردت محوه
فوسعت دائرته حتى عم
كما الذي أراد إطفاء حريق غابة بسطل ماء
أنا بالروح التي كتبت فصلها الأول بدمعة
وإني الآن أتساءل بأي سائل سأكتب فصلها الأخير
وإني الآن مجرد حبر رخيص يخاف من ماء رخيص
ابعدوا كل المياه عني
لكي أكون اجتماعيا علي أن أقرأ مجتمعي بالجهر
القراءة بعد نوع من الفهم
والجهر بعد نوع من القهر
نكبر وعلى قوتنا الإدراكية ، والتأملية
والتفكيرية ، والإستنتاجية
أن تكبر على الجانب الآخر
الزمن يتبدل فعلينا أن نواكب دائما تبدله ، في ذلك شقاء
الهروب من المؤخرة يتطلب كل شقاء
كبرت . حصلت على مستوى الرابعة إعدادي
ووجهوني شعبة التقنية التجارية ، اختصاص محاسبة
كان علي أن أنتقل نهائيا من إعدادية البكري بوجدة
إلى الثانوية التقنية بنفس المدينة
حيث التقيت بأولاد الناظور وأولاد الحسيمة
لأول مرة ألتقي بهم . كانوا كثرة
يتكلمون الأمازيغية في كل شؤونهم .. كل شؤونهم
حتى مسائل الرياضيات كانوا يحلونها فيما بينهم بالأمازيغية
أثار انتباهي هذا للوهلة الأولى
أخذني العجب من ناس يتكلمون ولا أفهمهم
فتشت بين الذكريات عن شئ وجدتني ضيعته
تعودت على الوجوه الجديدة
توطدت العلاقة بيننا
سهل أن يتالف الإنسان مع أخيه الإنسان
ثلاث سنوات اشتركنا فيها الحلو والمر
الهموم و الأحلام ، العبث و الجد ، الغضب و الإنشراح
الإتفاق والإختلاف
كنا نتبادل الزيارات
في كثير من أيام السبت كان يذهب معي واحد منهم
قصد التعرف على العيون سيدي ملوك
ذهب معي حسن ورشيد والجيلالي
والميلود وسليمان و يوسف .. وغيرهم
أنا ذهبت مع حسن مرة إلى الناظور
كان يسكن في أزغنغان التي تركت عندي انطباعا جميلا
المقهى التي كنا نرتادها اهلة بالناس والضجيج
يتسلون بلعبة البارتشي و الشكامبة
كنا نرشف كؤوس الشاي أو القهوة ، وندخن الحشيش
الكل يدخن .. الحشيش
هناك السعيد وهناك الشقي
هناك المحظوظ وهناك المنحوس
لكن الكل يطيع الزمان ويعشق المكان
كذلك قلت في سري وأنا أجرد
الوجوه بنظرات يعلوها الضباب
شارع الناظور يمتد تحت الأقدام بساطا إلى حلم لذيذ
بدا لي كفم البحر المتوسط تشكل الأشجار
في وسطه لسانا أخضرا
في ذلك الشارع هربت مني قصيدة
واستعصت علي ثانية
وحصلت على مصة حلوة من ثالثة
كانت تتويجا للأمومة
أروع ما في الناظور أنها كانت تحت بصري
تقاوم لكي لا تفنى ، لكي تبقى
كانت بين مخلبين ضاريين
تمنع أعلاهما بسقف من التطلعات من
أن يهوي فوق رأسها ، ينغرس فيه
ويعبث بقداسة المخ
وتمشي فوق أسفلهما بحذر ، فكل الإنزلاق ممكن
حياة يومية لا تختلف عن أخواتها ، لأنها هي
الأخرى كانت تدور في حلقة من فراغ ومصير
سحنات ريفية مدبجة برائحة جبال طود
ونغمات أمازيغية تسترعي الفؤاد
وبسمة لي أنا الذي وفدت عليها ضيفا من ظلعها
رغبة طفولية جامحة كنت أقتفيها في أحشائك يا الناظور
أجوس قلبك بحثا عن علاقة ، وأعقد جلسات حب فريد
وكنت كريمة
أهديتني دفئك فما وسعت فرحي السماء ، ذكريات ..
في تيبراقين التقيت برشيد . قال لي :
تذهب معي إلى الدار
لكن مسبقا أمي لا تعرف سوى الأمازيغية
ضحكت . أم حسن تعرف العربية
لمست ذلك واضحا في كلامها
قالت لي أن أصلها من تاوريرت وليس من الناظور
قال حسن لرشيد : لن يذهب معك لأنه جاء معي
تهيأ رشيد للغضب . ضحكت منه
كان كثير النرفزة يحمل أعصابه بين كفيه تارة
ويحملها في فمه تارة أخرى
اعتذرت له أني لن أستطيع الذهاب معه
وعدته بمرة أخرى خاصة به ، فهدأ
ذهبت مع الجيلالي إلى رأس الماء
أحببت في هذه القرية الهدوء والبحر
والصخور العالية ، والبساطة
ولست أذكر كم من مرة ترددت عليها بعد أن أحببتها
ضاع مني الحساب بعد التكرار
تعلمت كلمات أمازيغية من كثرة ما كانت تتردد حولي
كلمات جميلة . زد على ذلك الكلمات الخارجة عن الحياء
والتي هي من أول ما يتعلمه كل طالب لغة جديدة
التفكير في المرأة يعادل التفكير في كل الحياة التي يحياها المرء
لم توجد بعد حياة بلا حضور المرأة يا عزيزي
بنات الناظور جميلات
عيونهن كبيرة توحي بنفاذ لحد العاطفة
حركاتهن المدللة توحي بحرارة الدم في الأوصال
وعلى خدودهن تعلق عطور البحر المتوسط
قاطعني يومها مضيفي حسن :
قف عند هذا الحد يا المسخوط
قلت له :
لا . فقط أنا أكتب قصيدة مقفاة بالراء
كما
كتبت أنت قصيدة مقفاة بدمع النون
ضحكنا . مشينا . ركبنا . نزلنا
فرخانة النابتة وسط البخار . القابعة في رأس ورك
كفكرة خجولة تريد أن تتعلم السباحة دون أن تتعرى
امليلية السليبة ترقبك بطرف عين ، تغمزك
تغريك بالإرتماء فيها من عال
وإعادة مجد الحب الذي كان
تعطيك قلما جديدا وورقة قديمة
عند مدخلها
وتنتظر منك تصحيح الخطإ ..





علي أن أعود إلى نفسي فورا
كلما ضاعت مني الطريق صمتت
الكلام دليلك إلى الناس ، ودليل الناس إليك
وجوه يومئذ بئيسة تتعاطى الإنشراح نفاقا
الزيف مؤلم
لكن كيف يعيش المرء كل ساعاته بعقل واحد ؟
أخرجت محفظة نقوذي لأدفع ثمن الحشيش للنحيل
قال لي :
" لا داعي ، سر ، دخن مع راسك ولما تحتاج عد
نحن جميعا أولاد البلاد
" أشكرك ، لكن عندي الفلوس الآن
خذ واقطع حقك
مد يده وقبض مائة فلورة وهو يقول :
" نعم ، ما دام عندك فلوس ساخذ ثمني
ظننت أن ليست معك فلوس
وليست هناك أي مشكلة ، مرة أخرى إن شاء الله
قلت له في سري :
" بكرمك هذا أيها الثعلب تراهن على كسبي زبونا مدمنا
كما يحدث في كل التجارات . هذه كذلك تجارة
إنما فقط جلها يتم في الخفاء .. في .. الليل
اهتز الموكب ليتفرق ، ويتخذ كل واحد وجهته
سمعت صاحب القامة الفارعة يقول لي :
" يا صاحبي ، هل أنت غاضب عني ؟
" لم يصدر عنك ما يغضبني
سألني النحيل :
" كيف رأيت الأمازغيين ؟
أحسست أنه لا يزال ينتفيني خارج هويتي
ينتزع مني أمازغيتي ليحتكرها لوحده
يصعب علي في مثل هذه الحالة أن أؤكد نفسي
لذا لم أجرب أن أقول شيئا . كل ما قلته هو :
" هذا سؤال صعب لأنه يهم فئة عريضة من الناس
سأكتفي بأن أقول لك أنه في أي مكان توجد الطيبة و الخبث
وهذه هي الحياة
إنما المكان الذي أعترف شخصيا أنه مكان موجب
هو الذي تكزن الطيبة فيه أكثر من الخبث
لا مكان بلا إنسان
القمر مكان اخر
لا مكان بلا حياة
القمر بلا هواء
المكان إنسان
لا يجب أن ننسى أننا نعيش فوق الأرض ، رغم امتداد الخيال
المكان مملوء بالإنسان
فوق الأرض مشكل و حل
تجلى المشكل و .. غاب .. .. الحل
أنا أمازيغي ، منكم ، مثلكم
ولست أدري هل أنا طيب أم خبثي فاح ؟
مع السلامة
تصبحون على خير
" .. .. ..
" .. ..
" ..













وبدأت قضم طريقي بخطى مبعثرة ، ورأس يثقل
تصورت رأسي أثقل من طاقتي
أعجز عن حمله و السير به أقداما إلى الأمام
أو الرقص به فوق الحلبة
أدهك تحته وأصرخ باخر لسان
وأضيع في غياب قبس من نجاة
انعطفت على محل لبيع الأثاث المنزلي
ثم أثنيت الخطو إلى موقف السيارات
لأختصر المسافة إلى منزل أقصده
ليس منزلي لكني أملك مفتاح باب من أبوابه الخلفية
عندما وصلت إلى بلدية فينندال وجدت الساعة الواحدة
إلا عشردقائق
لا يهم الوقت في الليل ، هكذا همست لنفسي ، وعثرت
على الأقل لا يهم عندنا ، عندي
لقد تعودت أن أعد الحياة بالضوء و الظلام وليس بالعقارب
أمام بناية البوليس توقفت لحظة
نظرت إليها
غرفة واحدة من مجموع البناية مضاءة
قد تكون غرفة الحراسة أو غرفة المحروسين
الضوء حق للجميع
أطلت نظرتي قليلا كأن بي سهمت
كان ممكنا أن أبكي وأصف الدنيا كلها بالعهر والفجور
لكن كانت بعض الخلايا تستأنف لي
داخل الجسد وتكسب لي بعضا من قوة
لماذا يوجد الضغط ؟ لأن اللين موجود
لماذا يوجد الخوف ؟ لأن العنف موجود . لماذا ؟
لا أذكر على وجه التحديد فيما كنت أفكر
أذكر فقط أن وجه المرأة التي خانتني حضرني
قطع علي الطريق . أعرضت عنه فلاحقني
أسقطته فتعلق بي . مشيت في طريقي
في الحقيقة هربت من ذكرى اهلة
بالقساوة أوشكت أن تبعث
أحسست برغبة في الغناء
دندنت فأصغى إلي الليل لحظة ثم انتهرني
تحديته ورددت :
ماشي صال أراب أنا
أنا عز العرب أنا
أصلي و دباغ أمي
بنيانكم من دمي نعطيكم الأمارة
واه ياعدياني ما نبقى براني
رافض نبدل إسمي ولا نحمل شعار عجمي

وصلت إلى بناية كبيرة كتب عليها
بحروف لاتينية بارزة :
carrefour
بلت على العشب وعيناي في الأسر
كنت في أعماقي أطلب إطلاق سراحي
كنت أحسني مقيدا . والقيد يذلني
انتهى البول و الإحساس معا
ثمة علائق بين الأشياء التي تجتمع فينا
فلا عيب إذا ما جربنا توضيحها
استرحت . عدت أمشي . عدت أتمايل
عاد إيقاع خطواتي يصعد مختلا إلى اذاني
عدت أغني
الطريق خالية كأن سابلتها دعيت إلى مأدبة مرح
فلبت جميعا
ولم يبق إلا الفتات والفضلات على قوارع الطرقات والليل
مرات قليلة متباعدة مرت فيها سيارات متثائبة
وراكبي دراجات هوائية ، مروا فرادى ومثنى و ثلاثى
بعضهم يلتزم الصمت احتراما للنيام
أو لحرمة ليل مملوء بالسكون
وربما لأنه وحيدا كان
والكلام مع النفس جهرا حمق
بعضهم كان يثرثر في تعب حتى لتخال كلماته
تخرج منه كما يخرج القيئ من بطن صائم
أحدهم كان يقلد عواء الذئاب فذكرني بالغابة
أحدهم كان يقلد مواء القطط فذكرني بالفئران
يكتسيها رعب و ذهول
وأحدهم لم يأت صوتا ولا حركة فذكرني بالعجز
فقط عبارات التوديع هي التي كانت تصدر قوية و جهورية
كأنهم كانوا يعبرون عن النجاة من بعضهم البعض
كل يبتلعه اتجاهه . يختفي في الليل
أحيانا يصير الصديق حملا ثقيلا
لما ينتهي مخزون المجاملات
اعترض طريقي خيال المرأة التي عذبتني
أشد عذاب لأني كنت عبدا لها
عبوديتي كانت مني عن طواعية . امنت بها إلهة
اتضحت لي جرحا متعفنا
بصقت عليها لكن فمي كان ناشفا
تكفي النية .. تكفي
يجب أن تحضر امرأة بدل المرأة
يجب أن تحضر الحقيقة بدل الخيال
هل أذهب عند نصف امرأة متاحة ؟
وقفت . فكرت بنزوتي خالصة
قفلت راجعا خطوة .. خطوتين .. خطوات ضاعت في الحساب
وقفت . فكرت ببقايا عقلي المتمردة على التغييب
مجانين هم الناس الذين مثلي
أو يشبهونني كثيرا
الوقت ابتعد عن منتصف الليل
بيني وبين نصف امرأة متاحة مسافة نصف ساعة تقريبا
أود أن أقول لها : صباح الخير ؟
نصف امرأة متاحة خير من لاشئ
أحلم بامرأة كاملة . حلم صعب
نصف امرأة بالموعد
حتما ستعتذر عن النزول معي
وإذا ما نزلت سترفض مرافقتي
وإذا ما رافقتني سترفض عبثي
ستعرف أني سكران
وستأمرني أن أذهب إلى البيت حيث يجب أن أنام
كما تأمر أم صغيرها
تسقط الفكرة
المرأة إن لم تصنع لك السعادة تصنع لك أكبر شقاء
المرأة إن لم تهدك الحل تهدك رزمة من المشاكل
المرأة إن لم تعطك ما تطلبه منها تعطك مفعول العذاب
المرأة إن لم تكتمل في حياتك معناه أنك ناقص
المرأة سجن فاحذر أن ترتكب جناية أو جنحة
تتكسر الفكرة على ساحل اخر معقول
المرأة حرية فانعم بها
لكن لها حدود فاحذر تجاوزها حتى لا ترى الشرور
تتلاشى الفكرة عن الآخر
أعود إلى المشي الأول
أمر على خيال الجرح المتعفن
لا أجرب البحث عن موضع بصاقي منه
المرأة بنت الحرام
هكذا سمعت الناس يقولون وأنا غر صغير
نصف امرأة متاحة ؟
ما موقعها من التهمة يا من قلتم ؟
أنا سمعت فقط
تذكرت أني اشتريت الحشيش . لويت سيجارة
الطقس كان يستوحي معناه من شهر يوليوز
الهواء كان متحررا من حركة المرور وسعالات المسلولين
لكني كنت أحس أن عملية تنفسي تتم بشكل شاذ
وكنت أتصورني أشهق سبع مرات متتالية
وأزفر مرة خاطفة
أو أزفر عشرين مرة كاملة وأشهق نصف شهقة
وكنت أتصورني أهدم بعض الأنظمة التي عهدها
جسدي في رتابة وملل
وألغي بعض القوانين في مبالغة وسخرية
سعدت بتصوراتي والدليل على ذلك أني استغرقت
فيها حتى تصورت دمي يجري خارجي
وقلبي بين يدي ينبض
وكبدي فوق رأسي يقطر
والحياة في أوج جريانها لا تركد ولا تهمد
كنت باردا في خارجي وحارا في داخلي
كبيت من زنك تداولته الشمس
رنوت بنظري إلى السماء
الأضواء فوق رأسي مشعة وأخرى بعيدة
تتراءى لي كبثور فضية فوق خد عذراء
لا معنى للأضواء إلا في الليل
ولا معنى لليل إلا بالأضواء
متى تمطر السماء يراعا
وتثمر الأرض كل نمرات الأرجل الحافية ؟
قالت لي نصف امرأة متاحة ذات مرة :
" إنك تتخيل كثيرا
" وماذا في ذلك ؟
" لا ، فقط خيالك يبدو لي أحيانا صعبا ، وغير مفهوم
ضغطت على صدرها الأيمن
ثم على شفتها العليا
في عمق القبلة كنت أتسلق الغصن المؤدي إلى الثمرة المرجوة
وكنت أغمغم قائلا :
" الحرمان يفتح شهية التخيل ، ويرخص بكل الجموح
ما كنت أظنني أنطق كما أنا الآن
لو لم أكن محروما . الحرمان يطلق اللسان


وصلت إلى نقطة تتقاطع فيها الطرق
اتجاه على اليمين يؤدي إلى محطة القطار
واتجاه إلى اليسار يؤدي إلى الحي الصناعي
اتجاه ورائي يمتد كثعبان أعوج ، وأنا صممت على اللاعودة
خوفا من استقامة الثعبان
خوفا من عصيان نصف امرأة متاحة
خوفا من تمسكي بالمحال
خوفا من غضبها الذي لم أذقه بعد
خوفا من تهوري
خوفا من الأزمة
إذا كانت لك نصف جنة فلا تضيعها في لحظة جنون مفرطة
فنصف جنة خير من لاشئ
اتجاه أمامي يؤدي إلى الغابة
وأنا أريد أن أنام
وأنا لست على ما يرام
أضواء كل السطوبات تشتعل برتقالية
تشتعل وتنطفئ . أمعنت النظر فيها
قارنتها بشهقاتي وزفراتي
أحسست رأسي يعالج دوخة ، فكففت عن النظر والمقارنة معا
تصورت سيولا من السيارات تتدفق
من كل الإتجاهات بسرعة حمقاء
لم أتصور ماذا سيحدث . ثمة هروب من المأساة
الضوء البتقالي يعني الإنتباه
يعني تبرئة الطريق من زعفان أو زربان
أو حيران أو نعسان أو سكران
هذا ما أخذته عن معلم السياقة
رشفت نفسا عميقا من سيجارتي المحششة
نزلت إلى الطريق أعبرها خلف دخان لم يستوعبه صدري
اعترضتني صورة المرأة التي غدرت بي
بشعة كانت . كلبؤة شرسة على حافات شفتيها تسيل الدماء
وبين مخالبها فريسة ممزقة
اللعنة عليك وعلى أمك التي بزقتك
لتكوني شقائي فوق كل الأرض
بعد أن قلدتك عرش الذات
اصطدام عنيف وقع
التوازن مال والفرامل لم تفد على بقعة الإنزلاق
لم تعلمني كيف أنجو من هذه يا معلمي في السياقة
عذرك الآن معي أني بلا سيارة
على قدمي أمشي وسط العثرات
وإلا كنت اتهمتك ، وظلمتك


من الأشياء التافهة تنشأ أعوص المشاكل
فتعلم أن لا تهزأ بما يحدث لك أو لغيرك
المشاكل لا تجلي سوى العجز وأحواض الدموع
ولا أحد يريد أن يبكي أيتها الأرصاد الجوية
لن تفيدك مثل تلك الأرصاد إلا في عد دموعك الآتية
وقياس الضغوط التي تنزل عليك من فوق
عمرك يعرقل اليوم أكثر من الأمس
فخمن فيما سيحدث غدا . الموت ..
تذكرت الجنازة التي كانت تسرع بها الأقدام إلى المثوى الأخير
وتذكرت المرأة التي كانت تنتحب
وتحاول التعلق بالنعش والناس يحولون دونها و ذلك
وتذكرت الطفل اليتيم الذي كان يلهو في غفلة ساذجة
تامة ، عما يجري حوله
ماذا أريد أن أصبح ؟ لاشئ
يبدو أني بت طوع رياح بلهاء أينما مالت ، أميل
أحسني يائسا أكثر مني ذا أمل
ما معنى الأمل ؟
أحسني متشائما أكثر مني ذا تفاؤل
ما معنى التفاؤل ؟
من باب الكذب قد أخفي كل النقائص . وأدعي وجه الأسطورة
كل الناس يرتكبون مثل هذا الإدعاء الباطل
يرون أنفسهم سيوفا بتارة تفتح في الضباب أبوابا
حبالا .. بالحاء .. تتصاعد عالية طالبة ذروة
على أي حال هو كذب مباح لأنه يقصد من ورائه
تزكية شئ سماه اللغويون :
العزيمة
وهي مغالطة طبيعية الوجود في كل ذات بشرية
محاربة السيوف للفراغ ما هي إلا صورة للجبن
والحبال لم توجد لتقوم واقفة ، إنما لتتدلى
الذي يفهم يتعذب أضعافا مضاعفة
أنا لم أفهم شيئا ..
أمام المدرسة المسيحية راودتني فكرة أن أكتب إسمي فوق الزفت
بظلي أكتبه أو بقام لم أكن أملكه
ببولي أكتبه كما كنت أفعل في صغري
من يثق في الحال كالذي يثق في فقاعة
بين أيادي الأطفال المشاغبين
حاولت قصارى جهدي أن أكون إنسانا نافعا
ضاع المجهود بلا طائل
استنزفت عمري في اللاشئ وكنت الخاسر دوما
أريد أن أبكي الآن لكن الدموع تعصاني
بدأت أشعر بالتعب
سمعت لهاثي يتوالى كأني عدوت
أطول مسافة في أقصر وقت
في صغري كنت أجري بسرعة فائقة
كالأرنب ، كنت أحب الجري
كانت أحلامي هي الأخرى تجري أسرع مني
كنت أحلم أن أصير عداء مرموقا
لهاثي يصل إلى مسامعي
شيخ في الثلاثين من عمره . فواظلماه ..
يجب أن يصدق الناس الشيخوخة الجد مبكرة
وأن كم من إنسان يعيش خارج عمره الحقيقي
تصورت أن هناك من يولد شيخا كهلا
مرة قال لي الطبيب :
عليك أن تتخلى عن كل أفكارك هذه لأجل الشفاء
خرجت من عنده وأنا أصب عليه اللعنة تحت جلدي
تلك الأفكار هي أنا . فكيف أتخلى عن أنا ؟
كيف أحيا بلا أنا ؟
هواجسي تبدأني من أسفلي كأن أجملها يريد
أن يكون لي بساطا ناعما
وأردأها يريد أن يكون لي عرقلة
بعضها يؤلمني لأنه يظهرني إنسانا بلا تأكيد
يعريني من الجدوى




انفتحت على درب ضيق
تصورته ثعبانا فتاكا خرج علي بعد رصد
طويل ليصفي معي حسابا قديما
بين البشرية والثعابين عداوة وصراع
رميت بصري في الدرب
يخفت ضوؤه وينتهي عند موقف للسيارات
أشجاره حزينة أو هكذا رسمها الليل في عيني
في اعتقادي القابل للإرتشاء
لن أمر به . سأمضي إلى الأمام
كل الطرق تؤدي إلى البيت الذي أقصده ، فلم أعقد الأمور ؟
سأرمي بخطواتي وأتبعها لأرى إلى أين سأصل
خطواتي مرة تلقي بي في الممنوع
ومرة تسلك الإتجاه الصحيح
هذه هي الحياة
فلم أفكر في قلبها وفق مزاجي الخاص ؟
رائحة ورد لا أعرف إسمه وصلتني
رائحة زكية ملفوفة في أنفاس ليل قيد الزمن
هولندة بلد الورود والأزهار
لما جئتها رأيت من الواجب علي أن
أحفظ أسماء كم من وردة وكم من زهرة
انتعشت بالرائحة وعدت أحلم
أجمل هدية ممكن أن تقدمها لك هولندة هي باقة ورد
أسهل هدية . فلا تطلب أكثر
وما هولندة إلا بلد كباقي البلدان
كانت بالأمس حلمي ، اليوم هي همي
وغدا يعلم الله ماذا ستصير بالنسبة لي . يالطيف ..
السكر علمني كيف أمشي مترنحا ولا أسقط
المرض علمني كيف أمشي متباطئا بالرغم من أنفي
وأصل بالرغم من اليأس الذي يراودني
فقدان العقل حالة طبيعية
واليأس حالة طبيعية . والمرض ؟
من لا يأكل مريض
من لا يشرب مريض
من لا يبول و يقعي مريض
من لا يفكر مريض
من لا يتأمل مريض
من لا يحب مريض
من لا يكره مريض
من لا ينام مريض
من ينام مريض
من لا يغني مريض
من لا يهوى المرأة مريض
من لا يعمل مريض
من لا يحلم مريض
من لا يقرأ هذا الكلام جهرا مريض
من لا يقنع بنصف امرأة متاحة مريض
من لا يقول الحق ولو على نفسه مريض
من لا يكتب عن حياته ولو صفحة واحدة مريض
من لا يعرف قيمة الليل مريض
من لم يشرب الخمرة مريض
من يشرب الخمرة مريض
من يثق في المرأة مريض
من لا يحب المال مريض
من لا يصلي مريض
من يكره التناقض والتضاد في الحياة مريض
من لا يقرأ الكتب والجرائد والمجلات مريض
من ينخدع بمظاهر الرجال مريض
من لا يعرف كتابة إسمه مريض
من يصدقني مريض
من يكذبني مريض
من يقع في حب امرأة من صنف التي دمرتني مريض
من يتزوج مريض
من يعيش بلا أمل مريض
من يقبل كل شئ مريض
من يرفض كل شئ مريض
من لا يؤمن بالحظ مريض
من يفضل أن يبقى طول حياته أعزبا مريض
من يهزأ من الناس مريض
من يتدخل في ما لا يعنيه مريض
من لم يدخن الحشيش مريض
من يدخن الحشيش مريض
من لا يخطئ مريض
من لا يصيب مريض
من يغتاب الضمائرة الغائبة مريض
من لا يتعاطى السياسة مريض
من لا رأي له مريض
من لا يعشق الفن مريض
من يتكلم كثيرا مريض
من يصمت كثيرا ؟
أردت أن أرشف من سيجارتي رشفة
مع كل رشفة تمادي في الإبتعاد عن العالم المألوف
عالم المثول مطلب
لماذا تغلب الحشيش الخمرة ؟
حاضر بالجسد فقط والرغبة في سحقه . أين عقلي ؟
وجدت سيجارتي منطفئة
أعدت إشعالها فتلذذت بمنظر النار التي أشعلتها
في الليل ، أكثر من تلذذي بالتبغ المحشش
فكرت في أن أعاود إشعالها مرة بعد أخرى
فقلت هذا هبل
هل كان لا يزال لي عقل لحظتها
وكنت لا أزال أتخذه قاعدة ؟
المرأة التي شجت قلبي فوق لوح متسخ حاضرة ، غائبة
تعثر وتقوم ، تلحق بي ، تمشي جنبي
تسبقني ، تعثر ، تتألم بصوت مسموع
لا أشفق عليها
أتلذذ لما تناديني في غاية الإستعطاف و الإستنجاد
نحن بشر أكثر منا حيوانات أو تماثيل تشخص الأدوار
نحن بشر أقل من أن نصير أنبياء
أنا هنا . هي هناك
أنا هناك . هي هنا
لماذا تطاردينني أيتها الكلبة بالنباح ؟
لقد مزقتني حتى يقين الإنعدام
هل يؤلمك أن يبقى مني شئ
ولو كان هذا الشئ لا يصلح للحياة ؟
كم أنت سادية ، فاللعنة عليك كلما تذكرتك



في هولندة بقر كثير
ضحكت حتى اكتشف الليل نواجذي ، حتى استوعبني
ولم يقل لي في فظاظة :
أعد ماذا قلت
كل العالم لحظتها كان يحمل عندي ذلك التصنيف
لكن هولندة كان يؤكدها لي الإقتصاد الليبرالي
بقر يتكلم بفصاحة و ديمقراطية
وبقر لا يتكلم لأسباب عدة
وبقر لا يتكلم لأنه بقر
ينتج الحليب وجنون البقر
حلمي ، يا ذاك القديم ، الجديد ،
أن أرى الإنسان في كل زمان و مكان
كم من حلم في حياتي كان كذبة أو استحال ؟
عندي خلفية لصالحك يا هولندة ، فلن أؤذيك
اطمأني ، كنت لي رغيفا منذ صغري
واليوم هأنذا فيك أجوس الليل
ينفلت مني كل الكلام . ويستهويني رعيل الأحلام
رأيت بيتا واحدا لا زال ساهرا وسط بيوت
تصورتها قبورا ذات ظلال رهيبة
في ذلك البيت كان ضوء أخضر ، باهت
ورؤوس ادمية تتحرك
" لا تنظر في بيوت الغير وكن متأدبا
" لم أنظر فيه عمدا ، كان في الطبقة الأرضية
قريب من الرصيف المهيئ للسابلة
وكان أشبه ببيت من زجاج
" نقلت التفاصيل . معناه أنك ركزت النظر بكل وقاحة
" قلت ضوء . والضوء يهين زجاجهم و عيني
وقلت رؤوس ادمية تتحرك
ومقدار الخطإ هنا أكثر من مقدار الصواب
كنت قابلا لأن أقول عنها رؤوسا
ترقص ، أو تتناطح ، أو تتباوس بالحمى
" نصيحتي إليك ألا تكرر فعلك المشين هذا
وأن تغضض من بصرك ، وتحترم اداب الشارع
" ياه .. أخذت مسألتي من عرقوبها وأنا عنك لاه
أو لك مطاوع
قلت لك أنه كان بيتا يستفز العين
" اضبط عينك ما دمت أقررته استفزازا
" لم أقرره كذلك حتى استقرت الصور في البؤبؤ
" هراء
" أنت لو مررت من هناك لهربت منك عينك أبعد من عيني
إني أعرف أمثالك : البركاكة
" احترم نفسك أيها الصعلوك ، واعرف مع من تتكلم
" لن تكون أكثر مما أعرفك
ثم أن من لا يريد أن يراه الآخرون الماشون جنبه
عليه أن يرخي الستائر العمياء . أو يسكن في كوكب اخر
" أنت تافه حقا
" وأنت ، من أنت ؟
" أنا شئ منك



سرت مترنحا ، بطيئا كسلحفاة محمد زفزاف
حزينا في باطني . ضاحكا في مظهري
طليقا أريد أن أحلق وسط أسراب الوطاويط
معقدا من فرط أزمتي
أريد أن أختفي بعيدا عن هذا العالم الملاحظ
ما اكتملت الحياة لكائن من كان
لذا سأرضى بها ناقصة
لذا سأقتنع بالعجز البشري
تصورت نفسي في البحر أنشد الأمواج قصيدتي العذراء
وأرغب في أن تصفق لي بحرارة
تصورت نفسي في السماء أقتعد الفراغ
وأقرأ جريدة جريئة
وأحتسي بين الفينة و الأخرى قهوة لذيذة
فعلا رفعت عيني إلى السماء كأني أريد الإطلاع
على مدى إمكانية تحقيق تصوراتي الغريبة
إذا رفعت عيني إلى السماء . فمعناه أني ضقت
السماء بعيدة عني
هكذا تبدو لي كلما جربت مسكها من نهدها الجواد
أطلت فيها النظر مسكونا بشساعتها
فبدت لي تارة تضم كل الأرض
وتارة تنفصل عنها تماما . وتسقط كل العلائق بينهما
انضمام ثم انفصال ، ثم حيرة
ثم تمنيت لو كنت فلكيا يتوهم معرفة كل الكون
وكل النظام الجاري فيه بلا اختلال
كانت هناك نجمة وحيدة تظهر وتختفي
قلت لها مناجيا :
" ألا نتصاحب يا نجمة ؟
قالت لي في غنج :
" ممكن جدا ، لكن ليس قبل أن تلمع أنت الآخر
وسط الليل و السحاب
نظرت حولي فوجدت ركامات من الصدإ والغبار
فأدركت أن اللمعان مستحيل
من الجهة الأخرى جاءني صوت مباغت :
" احذر أن تنزلق
تساءلت بعد أن ارتجفت ن وسحبت الرؤية من الجهة المغرية :
" من هناك ؟
" أنا الطريق التي أمامك . انظر علامة المرور
الطريق الكبيرة في الطريق الصغيرة
" من له حق الأسبقية ؟
" طبعا الذي يشغل الطريق الكبيرة
لكن لابد دائما من الإنتباه
هل ليست معك رخصة سياقة السيارة ؟
" بلى ، لكنها ما أفادتني في شئ
أريد رخصة سياقة الحيلة برمتها
قالت منهية الموضوع بعد أن تمددت ولحبت :
" اعبرني في سلام . هيا ..



قابلتني السكة الحديدية ممددة كمصيدة عريضة عتيدة
ذكرتني بالقطار والسفر
وجدة مدينة عنفواني
الرباط مدينة تسولت فيها الكدح ، فلم تمتد لي يد
طنجة مدينة بدأت مني وانتهت بامرأة .. متعفنة الضمير
الدار البيضاء مدينة لا أذكر منها إلا أشطرا من العربدة
.. واسم فتاة موجز
فاس مدينة الماء الساخن والطين المتقادم
بحكم أني كنت أسكن قربها ببضعة أمتار ، في الوطن الغالي
ذكرتني .. السكة الحديدية .. بالأرواح التي انتحرت
ذات صباح استيقظنا على نبإ رديئ . معلمة انتحرت
جرينا إلى المكان
المخزن موجود ، والفضوليون مثلنا سبقونا
كنا فضوليين متأخرين
أول ما وقعت عليه عيناي الناعستين شلو من فستان أحمر
كانت إذن تلبس فستانا أحمرا وجلدا أحمرا
ودما أحمرا
باتفاق يجلي نيتها في الخروج من الدنيا
على هذه الطريقة الموجعة ، أم صدفة ؟
تلك الحمرة أنتجت عندي سؤالا عسيرا
ماتت المعلمة ولن أحصل على رد
كانوا يجمعون أجزاءها و أطرافها في بلاستيك كبير ، أسود
أحد الجامعين كان يضحك بلا تحفظ ، وكان يقول :
" والله لقد فتتتها تفتيتا
قلت في نفسي :
إنه إنسان لا يحترم جلالة الموت
راجعت نفسي بسرعة قائلا :
إنها ميتة لا توجب الإحترام
راجعتها مرة ثانية ، وقلت :
لا هذه ولا تلك
بحكم مهنته تعود أن يرى الموتى كل يوم
لم يعد يتأثر كعامة الناس
لذا هو يضحك أمام جسد متمزق
جسد منتحر . جسد ميت ..
للموت جلالة كيفما كانت الموت
كم من الناس ماتوا على هذا الشكل ؟
لا أذكر الرقم المزعج . كثيرون
هل هم محقون في ما فعلوا بأرواحهم ؟
الفقيه قال أنهم ماتوا كفارا ، والعياذ بالله
لأنهم قتلوا أنفسهم بغير حق
والطبيب النفساني قال أنهم أماتوا أنفسهم
حاولت أن أتبعه حتى نقطة النهاية ، الصمت
لأفهم بعض الأشياء
لم أفهم وقد أبنت عن رغبتي ، وشحذت دماغي
العطشان يرتوي بالماء لا بالسراب
كانت ترد كلمات كالعجز واليأس والحرمان وفقدان الثقة
في جمل صعبة . لكني كنت أحار
كل ذات بشرية هي ضحية لمثل هذه المشاعر المتوحشة
وإن كانت بدرجات متفاوتة
فهل مال الجميع إلى الإنتحار يا إله الأفكار ؟
ثمة أسباب أخرى طي المجهول لأنها تذهب
مع الذي أهدى روحه للموت جبانا
أنا ؟ لا أدري . أقول ماتوا وكفى
هل الإنتحار ضعف أم شجاعة ؟
سؤال طرحه علينا أستاذ مادة اللغة الفرنسية
ذات مستوى دراسي إعدادي ، كموضوع إنشائي
لا أذكر بالتحديد ماذا كتبت عنه انذاك ، وكيف عالجته
أكيد لم أقل عنه أنه شجاعة وأن المنتحر بطل
و إلا كنت فكرت فيه في لحظات أشبعتني شقاوة وقساوة
وإلا كنت أفكر فيه الآن فما أراني أقل
يأس ، وتعاسة من الذين هانت عليهم أرواحهم فأزهقوها
الشجاعة هي أن تمتطي صهوات الهجوم والمقاومة
والصبر في عمق الوغى
لا أن تركب صهوات الفرار و الإنسحاب
ماتوا والسلام ..
ربي ارحمهم إن رحمتك وسعت كل شئ
ما ارتكبوا ذنبا سوى أنهم ضعفوا
أنت الذي خلقت فيهم الضعف
ربي في ضعف كل البشرية أمام الظواهر أرى قوتك بعين اليقين
نحن الضعفاء
أنت القوي
أحيانا أنفطر يأسا وقنطا
لا الدنيا ابتسمت لي لحد أن أغتر بها
ولا الآخرة تبشرني بالمفاز
وأذكر رحمتك ربي فأنشرح ، وأهمس لنفسي جذلانا :
لن يفرط فينا من إسمه الرحيم الرحمن ..
خطوات معدودة بعد عبوري للسكة الحديدية
ويرحب بي حي الغابة
أسماء الأحياء جميلة مأخوذة من سحر الطبيعة
أراها كذلك . ربما لأني أترجمها للغة العربية
الساكنة في ظلوعي
ففي لغتها الهولندية أراها أقل جاذبية
ربما لأني لا أزال أتعلم اللغة الهولندية . وأمنحها ركنا في ذاتي
ثمة لغة تعبدها لأنها تجري في دمك
وثمة لغة تحرك بها شفتيك فقط :
خوفا من أن يقولوا عنك أبكم
بقدر ما يأخذ منك الشئ عمرك
يكون مقدار العمر المأخوذ هو مقدار حبك ، وتولعك بالشئ
الساعة لسيت هي السنة
والسنة ليست هي الطفولة
والطفولة ليست ما يعقبها
الإنسان بطبعه ابن ألفة و استئناس
أشياء كثيرة منك يا هولندة لا زالت تنأى عن عقلي و قلبي
لازالت مكتوبة في عيني بالحيرة ، والإنبهار ، والتساؤل ، والإستفهام
الوقت شرط مهم
أنا في البداية
سنتان هي كل البداية
خارج الوطن ليس هو داخله
ترى كم يكلفني الوصول من سنوات ؟
كم يكلفني الفهم الأهم ؟
رميت بعقب السيجارة لما افتقدته فوجدته انطفأ
صراع بين الإشتعال و الإنطفاء
في الليل يتجلى هذا الصراع ضخما مهولا
عدت أرنو إلى السماء
ضاعت مني نجمتي
احتوتني عثرتي
انظر أمامك لأنك لا تستطيع من دون عينيك مشيا سليما
راقب التراب ففيه ألغام تهوى الأعمى


هناك من ينادي
استمع جيدا
سكوت الوقت في كل الأرجاء يؤكد أن ثمة نداء
سمعته بكل وضوح ..
حولت وجهتي إلى المصدر
النداء حقيقة تؤكدها كل خطوة إلى الأمام
تباطأت و حذرت
كل مصير جائز في ليل مطلق
لفائف نبات وأشجار وأشواك ، وورود تتكلم
صرت على مشارف العجب وفي عيني حضرت كل الإحتمالات
" من هناك ؟
" تقدم . هل أنت خائف ؟
" لم أخف قط من الظلام
فيه ولدت وفيه ترعرعت وفيه كبرت
وفيه لا أزال أبحث عن ضوء أوزعه على الحزانى
فتاى منبطحة فوق العشب
عاري أسفلها وممزق أعلاها
أمعنت فيها النظر
شقراء من قوم عيسى
من أباح لها النوم هنا في هذا الوضع المائع ؟
شمعة فتيلها شديد الصفرة . هذا حلم
عيناي تراها من خلف الشدة والحيرة . هذا حلم
أذناي تسمع أنينها بالهولندية ، هذا حلم
سألمسها لأتأكد . لا
لا . لن ألمسها لكي لا تلصق بصماتي فوق جلدها
ربما في الأمر جريمة
في الليل جريمة
في حياتي جريمة
قلت في نفسي :
أنا لا أخاف ، ولم أتعود الخوف
بيني وبين كل الأشباح صداقة قديمة حميمة
كلهم يعرفونني
ويلقون علي تحايا من صميم الدجى
استدركت فجأة :
لكن للشجاعة حدود
وما بعدها يسمى إما مغامرة أو
إلقاء النفس في التهلكة ، صحيح
ومن معه عقله لا يخطئ ، ولا يضيع
كان معي إذن شئ من عقلي تمرد على مبارحتي
احتيط عقل سميته
" من أنت ؟
" فتاة ، في مقتبل الحياة
" أنت من الجن أم من الإنس ؟
" من الإنس ، سيدي
" أشك فيك ، وهذا منتهى صراحتي
" من حقك أن تعتنق كل الشك
وما كان غيرك ليقف مني أكثر من موقفك الآن
" ماذا تقصدين ؟
" مروا من هنا قبلك
فأسلموا أرجلهم للريح لما وصلهم ندائي
أشجعهم مضى في مشيته العادية مغلقا أذنيه
ما كنت أملك صوتا أرعبه به
وأفك تماسكه وإلا ما تهاونت عن فعل ذلك
" أشجعهم ..
" كان يلتفت بين الخطوة والأخرى إلى الوراء
كأني به كان يتوهم الطر ملاحقه
" أنت تكذبين حين تتهمين كل العالم بالخوف
" سأصدق فقط حين أقول لك أنك لحد الآن أشجعهم حقا
" أنا ؟
" لأنك لم تقف عند الشك ، أو ساورتك رغبة الهروب
بل بحثت عن النداء حتى وقفت على وطنه
" أنت كذبة محبوكة . فترى إلى أين ستؤدين بي إن
صدقتك و أطعتك ؟
" أنا فتاة حقيقية ، عندي روح
عندي رقم وإسم وعنوان ، وتاريخ ميلاد
كل هذه المعلومات عني و أكثر منها
مسجلة في حاسوب البلدية
" أكدي لي نفسك الآن
" المسني وصدق حاستك
" أخاف من عاقبة بصمتي في مكان جريمة لم أقترفها
" لا تخف . وكن شجاعا كما سجلتك
اقترب . المس مني هذه القطعة التي تدق
هذه القطعة التي تنفتح وتنغلق بتناوب
هذه القطعة التي تنفث دفئي
هذه القطعة التي تحترق
هذه القطعة التي تؤلمني
" لا " قلت لك لا تخف
سأشهد ببراءتك إن وضعوك تحت المجهر
سأقول الصدق لصالحك
فأنا إن مت في الليل أحيا مع إشراقة الصباح
لن أغادر هذا العالم إلا لكي أعود إليه
ثق بي وتجرد من اخر ترددك وخوفك
" لا يمكن أن أثق فيك
" لماذا ؟
" لأني لم أعرفك إلا اللحظة . أقصد لم أعرفك بعد
" أنا فتاة تتكلم الهولندية أحسن منك بكثير
" ليل اللغة .. لا دخل للغة في المسألة الآن
فنحن نبدو عرايا إلا من أهم نقاطنا المشتركة
هي لغتك لذا فأنت تتكلمينها أحسن مني
لكن لا تنسي أني بلغتك أحاول إفهامك المقاصد والمرامي
وبلغتك أرغب في أن أضحك عليك ، غدا ، ولا تفهميني
كذلك أنا لي لغتي الفصيحة
وأنا أتكلمها أحسن منك
بل أنت لا تتكلمينها بالمرة
" بودي لو أتعلم العربية ذات يوم
" تجاملينني أيتها المخلوقة
" لماذا لا تصدقني حتى في أحلامي
" الأحلام أحلامك حقا واللغة لغتي حقا
" أجدها صعبة علي في النطق
" مثلا ؟
" حرف العين والحاء والقاف والضاد
" انسي كلامي وتذكري كلامك
" أنا فتاة في ربيع العمر
" عقرب جميلة . ما سبب وجودك هنا ونداؤك على السابلة المنعدمة ؟
" أتى بي إلى هنا برضائي ، واغتصبني بالعنف
لحظتها قلت : لماذا لا نتصاحب فقط ؟
" من فعلها ؟
" رجل يحبني لحد الجنون
" انتهى الأمر
" كيف ؟
" لقد اعترفت أنه يحبك
لم يغتصبك إنما أخذ ثمن عواطفه تجاهك
" لكن أنا لا أحبه
" لا يهم
" أليس لي اعتبار ؟
" الإعتبار في مثل هذه القضايا للذي يحب لا للذي يكره
بغض النظر عن جنسه
" أبهذا الفكر تتعاملون ؟
" من ؟
" أنتم
" من نحن ؟
" أنتم .. نعم أنتم
" اوه .. دائما الجنسية موضوع ، واللون موضوع
واللغة موضوع
والظروف الإقتصادية موضوع
ليتك علمت قبل أن تولدي أننا نلتقي
في فضاءات الإنسانية العاقلة
ونفترق في أنفاق السياسة الرديئة
فليتك فتاتي تكفين عن الإشارة الموخزة لي
" ما قصدت أن أؤذيك ، وهذا الليل يعلم سري
" اغتصبك ؟
" نعم ، وها على فخذي وطأته القاسية
" كيف اغتصبك ؟
" نام فوقي
" ثم ؟
" هل أنت غبي ؟
" إني أسأل لأني كذلك ريما ، غبي
لكي لا أكون كذلك ربما ، غبي
لكي أعين بعض الأغبياء أمثالي على
معرفة كيف يتم الإغتصاب
" نام فوقي ، شقني ، فتشني
عبث بنظامي وبعثر كل متاعي الداخلي
جمع أثمن محتواي في جوفه وراح
راح على صدى انتحابي وشظايا حقدي عليه
" ما تلذذت إذن
" لا أنكر أنه كان ثمة دبيب حلو
خلف الصراخ دام لحظة معينة
لكن صعب أن يحضرني التلذذ في غمرة ممارسة أكرهها
مستحيل
" كان في إمكانك أن تصرخي حتى يسمعك الأصم البعيد
لو كانت نيتك في النجاة خالصة
" كنت مسدودة الأبواق يا سيدي
صدقني ، النذل هيأ لكل محاولة مني فشلا ذريعا منه
" بدأت أصدقك نوعا ما
" هذا يدل على أنك إنسان نوعا ما
" بدأت أشفق عليك بتحفظ
" لا تنفعني شفقتك ولو اكتملت
أوجد لي حلا قبل أن يدركني الغضب فأغتصب
شعبا من الرجال لقاء رضائي عن نفسي
ضحكت . تشكلت لضحكتي أصداء وسط
انعراجات الصمت واستواءاته
مرة داخلني الخوف لحد التراجع ، ومرة استهنت بكل روحي
قامرت بها مقابل الخسارة
تقدمت منها لا لكي ألمسها
إنما لكي أحملها بين يدي وهي متراخية الجسد
سألتني في استغراب :
" ماذا تفعل ؟
قلت لها في اقتضاب :
" وجدت لك حلا
عدت بها إلى السكة الحديدية
مددتها فوقها كما تمدد الجثة الهامدة في قبرها
غمغمت في ضيق :
موتك أفضل من حياتك
كررت السؤال علي بنبرة كبر فيها الإستغراب :
" ماذا تفعل ؟
" امكثي كذلك . لا تتحركي
سيمر عليك قطار السابعة و عشرين دقيقة القادم من راينن
سيحملك إلى الحل الذي رأيته لك
وعلى الساعة التاسعة والربع ستكنسك
عربة النظافة كما تكنس كل الأزبال
وتمحو منك اخر الآثار عادة الأمطار
سألتني في استسلام :
" هل جربت الموت سيدي ؟
حمقاء ..
لو كنت جربت الموت لكنت ارتحت . قلت لها :
" حضرت موت ناس فمت مع كل واحد منهم
بكيت بعضهم وضحكت من بعضهم
وزغردت أعماقي لبعضهم
أما البكاء و الزغردة في الماتم فهي حالات طبيعية و مألوفة
وأما الضحك فيأتي بلا مبرر
يولد ضحك كذاك من رحم الحزن الهستيري
ومن عمق دموع مجنونة
وعندنا نقول :
لا يخرج الميت من داره إلى قبره حتى يضحك الناس
.. يوم سأموت أنا لن تبكي عني عين
ولن يحزن علي قلب
وذلك ما يفرحني
" هل أنت رخيص ؟
" ربما نعم وربما لا
" أوجد لي حلا ذا عمر مديد لأبقى حية
وأبكيك يوم تموت
أقيم لك مأتما يليق بروحك
" موتي ، موتك أقضل من حياتك
" لي رجاء
" من حقك . فإني ما أزال أحترم اللحظات الأخيرة منك
" أريد أن أرى الربيع القادم
وأعدو فيه مأخوذة بألوانه وعطوره
وأقطف وردة من كل روض
وأهديك الباقة في الأخير
" غير ممكن ، هذا يتطلب مزيدا من العمر
وأنا رأيت لك نهاية مستعجلة
" هل أثقلك لهذا الحد ؟
" تثقلين الكرة الأرضية التي رشحتني لفك الأزمة
لنفك الأزمة علينا أن نتكلم عن الأزمة
" أنت أعجز من أن تفك أزمة نفسك
فما بالك بأرض متأزمة
هو غرور منك ليس إلا ..
" عندما أسأل نفسي : ما المانع في ألا أخوض تجربة مماثلة
يكون ردها محفزا : افعل ..
" لي رجاء بعد الرفض
" من حقك ، لكن كوني أعقل من عاقلة
" أريد أن أرى أمي
وألفظ اخر أنفاسي في حضنها
" غير ممكن . لأن أمك في مهمة عمل في العالم الثالث
انتظار عودتها يستغرق وقتا طويلا
ثم أنها قد تعود أو لا تعود
قد تتزوج سبعا يحكم غابة . تفهم أنها منهوبة
قد تتزوج نمرا يحكم أدغالا فيها الحقوق مهضومة
وقد تتزوج ضبعا يستولي على
كل شئ برائحته الكريهة . التي لا تقاوم
" أمي علمتني أن امتلاك الفرائس
يتم عبر البحث عن نزواتها النهمة
هي التي تقرر النزوة والضحية
وأرجحتها بين التجويع و الإغراء والإشباع
تبعا للمصالح والفوائد . ولا يتم عبر العقول
" كالكلاب تتبع من يلقي لها اللقمة
في إطار استعمال زمني مضبوط
فما أحقر التابع والمتبوع معا
يبدو لي العالم منافقا
وتبدو لي أمك شيطانا
ضحكت كأني مدحتها في مبالغة
أرادت أن تغير وضعها ، وربما أرادت أن تقوم
أمرتها زجرا أن تظل كما هي
أطاعتنب وما كانت تملك أن تعصاني
جردت السماء بنظرة حالمة . قالت :
" رائع أن تظفر أمي بنزوات كبار الغابة على حساب صغارها
" قولي رائع أن تزرع أمك نسلها فيس أنابيب التبعية المقيتة
قد تكون أمك محظوظة ، فتنال ورثتها أوطان الناس
وثقد تكون شقية ، فيفتك بها حيوان بئيس
ارتفعت فيه درجات الزعاف
" أمي جميلة ، أجمل من القمر ، فاتنة و لعوب
تعرف كيف تستغل زواقها و نفاقها
فلا يساورني أدنى شك في أنها
ستصنع حظها المرغوب فيه صنعا

تجشأت رائحة الخمرة و الكفتة
فكرهت نفسي قبل أن تكرهني ملائكة الليل النظيف
هل يوجد ليل نظيف في ليلي ؟
زفرت الحشيش من فمي أكثر من أنفي
أردت أن أتهجى الدناءة والبذاءة
كرد فعل لحالة تجري في أعماقي
لكن ما طاوعني اللسان كأنه تحول لحظة
الحاجة إلى حديدة صدئة
أو كأني نسيت جرأتي تحت وسادة مبقورة
أعلنت مقتي لعالم يسيئ لعالم
أعلنت رفضي لحقائب سوداء
تحمل البارود والسياسة الخادعة
أعلنت موقفي من كم من منظمة ومجلس ومركز واتحاد
قلت لها بحدة :
" اللعنة على أمك إن وقفت ضدي
اللعنة عليها إن كانت تسعى لقطع
حلم تقتاته فئة عريضة
ألف لعنة عليهل إن صادقت هراوات
تنزل على ظهور البؤساء
أسواطا تمزق جلود الأبرياء
" لي رجاء سيدي ، رجاء أخير
" من حقك
" قبلني في شفتي قبلة ملتزمة وامض إلى حال سبيلك
" أما هذه فنعم ، هات شفتيك يا فتاتي
ولتكن شفتاي شفرتين تجرحان .. تدميان .. لأجل .. اللذة .. العابرة
بعد القبلة مباشرة وضعت ما تبقى من سيجارتي المحششة
بين شفتيها
وضحكت في نشوة حين تذكرت أنني كنت أعبث
في صغري بنفس طريقة الآن
كنت أضع أعقاب السجائر المشتعلة
بين شفتي كم من ضفدعة
وأتفرج عليها وهي تدخنها بسرعة ، ولا تسعل
ولا تتوقف حتى تحرقها النار
كنت ساديا مع بعض المخلوقات ، كنت طفلا
ربما لا زالت تنشط في أعماقي تلك الطفولة
فأمارسها بين الحين و الآخر
مازلت طفلا إذن
طفلا لن يكبر أبدا ، لن يعقل أبدا













ذهبت عنها ولم أفكر في أن ألتفت إليها
رغم نداءاتها المفزعة خين شعرت بالوحدة و الوحشة
بقايا القبلة كانت لا تزال تعيش حارة بين شفتي
كنت أتلمظ طعمها وأحاول أن أقارنه بطعم الكباب
الذي أكلته في مطعم مصري مغترب
هل سأتجشأ القبلة كما أتجشأ المود الإستهلاكية النافعة والضارة ؟
يا ليت ذلك يحدث
تمنيت . تذكرت أول قبلة غرامية في حياتي
أطاعتني فيها فتاة طرية كعود الزيتون النضر
تستطيع أن تقوسه أو تصنع منه
دائرة ، أو أي شكل هلامي يروقك ، ولا ينكسر
بعد القبلة الخامسة و الأربعين قالت لي
" أريدك أنت . أحبك أنت . أموت فيك أنت
لا أحد غيرك . فلتكن حبيبي اليوم وزوجي غدا
عاهدني . وسأقتل نفسي لو وافقوا على تزويجي من أحد سواك
عثرت في حافة الرصيف ، فاستمسكت قبل السقوط
ابتسمت لنفسي و لذكراي
الفتاة التي كانت طرية تهرأ سحنتها الآن
بفعل الولادة الفصلية والومن
هي متزوجة بعد القبلة الثالثة والثمانين
لست زوجها . ما تصورتني أن أكونه أبدا
لم أعدها بشئ لذا لا أسمي نفسي خائنا أو مخادعا
إن كنت أضطر إلى مجاراتها أحيانا
في حلمها بي فلكي لا أقهرها
لكي أحافظ عليها في مواعيد مراهقة ، ضرورية
فألعب معها أو بها أو فيها أو كل الحالات مجتمعة . لست أدري
كنت لا أزال تلميذا في الإعدادية ولو كانت فتاتي الأولى تفهم قليلا
قليلا جدا .. لما علقت علي أبسط أمل
كانت لا تزال باقية على ذاك الكلام سنوات ثقيلة
لو كانت ، قبلتي الأولى ، تفهم لاتخذتني كما أتخذتها
حبيب يصلح لتجربة في عز الفراغ
وبعدها يمشي كل في الطريق الذي تفتحه له الأيام
أعرف دائما أنه جد صعب الإنعطاف في أوج
رحلة حميمة مكتوبة بالنار اللذيذة
لكن لا بد أن نهيئ أنفسنا لإحتمالات التغيير والإنقلاب
مصير كل شئ أن يتغير
لو كانت حياتنا تسير على وتيرة واحدة ، فلا مشكل
لكنها كالحرباء لها اليوم وجه يروقنا
وغدا لها وجه يفزعنا ك
لها اليوم وجه الألفة وغدا تعلنك بالفراق
لها اليوم وجه التعب وغدا وجه الراحة
الفتاة الطرية تزوجت
وأنا مازلت بعيدا عن فكرة الزواج
بل الأصح أنا غير مهيئ لها
الحالة الأخيرة الصحيحة تحتم علي إهمال الحالة الأولى
لها زوج وأربعة أبناء ، وهي اليوم حامل كما أوفدت ذلك وكالة الأخبار
وأنا لا أزال أكتب وصاياي لأبناء لم أجد لهم وطنا بعد
النمو الديمغرافي مشكلة العالم الثالث
لأنه يعيق إجراءات التنمية والتقدم
لكن تصور نفسك تعيش في بلد يبيح الإجهاض
وفي كل شارع منه محلات تبيع العقر الإصطناعي
وهرمه السكاني حاد في موضع الفتوة ، أو منعدم
أبدو متخلفا لما أعارض مشاريع تحديد النسل بطريقة أو بأخرى
أليس كذلك أيها الليل الذي لا ينتهي ؟
والله لقد بيعت أجمل الأفكار بعملة رخيصة
فاستبدلت بأرخص الأفكار
أقول لك يا ليلي :
" خير لي أن أعيش بمشكلة من أن أنقرض
أقول لك أن البشر طاقة
وليسوا عائقا . لأنهم منتجون متى توفرت لهم سبل وحرية الإنتاج
وأنهم نافعون بقدر ما هم منفعيون
أقول لك أن الأبناء خير من الكلاب
ياه .. متى يطلع علينا مفكر عجيب نجيب
بنظرية منع تربية الكلاب ، تبني الكلاب ؟
الكلاب ملأت مكان الأبناء الذي شغر تلبية
للتعليمات الصحية في تنظيم الأسرة
الكلب يستهلك ما يعادل استهلاك جماعة
من الأطفال عندكم أيها المتخلفون ، ويأخذ كل الإعتناء
وله طبيب خاص وله حنان مغدق
وله قبلة ادمية عميقة من أفواه ادمية
وله دموع حقيقية إذا مات
من يدري ؟
ريما سينشؤون له عيد الكلب فيما قريب
أو اليوم العالمي للكلب
أقول لك أخيرا : الطفل منتج مستقبلي
والكلب مستهلك كل عمره
دفنوا الإنتاج وتبنوا الإستهلاك وسموا الإنقلاب نظرية لا تكذب
وصدروها إلى عالم ثالث لكي يصير سابعا أو عاشرا
لكي لا يخرج من عنق الزجاجة أبدا
أنا جد مخطئ . أتمنى ذلك
لكن لماذا أعارونا حبوب منع الحمل بسهولة
وكانوا ولا زالوا يكتمون عنا التيكنولوجيا والإنتاج النووي



أنا مجنون
أنا مغبون
أنا محزون
الناس فيهم الأحباب وفيهم الذئاب
حين يسقط المطر سأغسلك يا جروح
سأنظفك من القروح
وسأعيد البريق إلى الروح
" الناس تنظر إليك الآن بنظرة محتقرة
" لماذا ؟
" لأنك تقتل نفسك
" إني لا أقتلني فأنت مخطئة
" إنك تقرب أجلك إليك
" هي طرق مشروعة
أو صارت مشروعة لخوض معمعة الحياة
" الناس لا يفهمون الأشياء كما تفهمها أنت
" هل أنا عبقرية ؟
" أعني أن الناس لا يتصورون الأشياء كما تتصورها أنت
" تفرحني أيها الصوت ثم للتو تحزنني
" أعني أن الناس لا ترى الأشياء كما تراها أنت
" نحن متفقون على اللون
" أنتم مختلفون على دلالاته
" نحن متفقون على الشكل
" أنتم مختلفون على مقاييسه
" نحن متفقون على الطريق
" أنتم مختلفون على بدايته
" كلمة عسيرة تحت حلقومي
" احذر أن تتقيأها
" اللعنة عليك أيها الصوت
" العن عجز الآخرين شريطة أن تكون من بينهم
" لن أستطيع تجاوزالخوارق
ولن أستطيع أن أكون أكثر من إنسان
" الناس تتابعك وتحاسبك ، في كل لحظة تفكر فيها
أن تكون أرقاهم أو أعقلهم أو رئيسهم
" من أنت ؟
" كم بت تنساني وأنا عادة فيك
" قلت لك من أنت ؟
" شئ منك ..
مرت سيارة تجر وراءها عربة صغيرة
وتحدث صوتا مشنجا في عمق ليل هادئ ساكن
أحسست الليل بأسره يسد نوافذه وأبوابه
ويتوعد سائق السيارة بانحصار
جلست على الرصيف
قلت أن ليس بإمكاني أن أمضي إلى الأمام أو أرجع إلى الوراء
هولندة
رغم اعتراضك على حلم جئت به إليك
فلن أرسمك في الأخير إلا بالورود
وأنت ، ياامرأة غدرت بي ، أرجو لك الخير
ليهنأ بك المحيط وترتاح منك البيئة
وأنا ، أتمنى أن أقدم عشرين هدية في شكل :
هدية من الله الكريم .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..
" هل أنت عمر بن الخطاب ؟
" ما أنا إلا إنسان بسيط عادي
أحب أن لأرى الفرح في عيون محرومة
أن أبعثه فيها
إن استطعت
" أنت تريد أن تخدع الناس الذين
استفادوا من الخدع السابقة
" يا صوت ، يا صوتها ، عفا الله عنك
قد أخدع لما أقهر أو أجبر
أنا الآن اتي كلاما وشعورا بلا ضغوط ولا شروط

.. .. .. .. .. .. .. .. .. .. مرجعها إحدى مطالعاتي الإبتدائية
موجزها ، إن أسعفتني الذاكرة ، ما معناه :
طفل يتيم و فقير
رأى الأطفال من حوله يستعدون للإحتفال بالعيد
يشترون الملابس الجديدة ، واللعب الجميلة ، والحلويات اللذيذة
اغتم الطفل . تألم . فكر طويلا
استقر تفكيره في الأخير على أن
يكتب رسالة إلى الله الكريم
كتبها فعلا
وطلب فيها من الله الكريم أن يعطيه
مثل ما عند الأطفال الآخرين
ورمى بالرسالة في صندوق البريد
وأسلم نفسه للإنتظار
بينما ساعي البريد يفرز الرسائل
وقعت بين يديه رسالة الطفل
العنوان الموجهة إليه هو : إلى الله الكريم
وعلى ظهرها عنوان الباعث كاملا
حار ساعي البريد . فض الرسالة . قرأها
تأثر لمضمونها تأثرا بليغا
ذهب إلى السوق
لشترى كل ما يسعد طفلا في يوم العيد
ويشعره أنه مثل بقية الأطفال
وذهب إلى حيث يسكن الطفل اليتيم
طرق بابه وصلم له ما اشتراه له
بصفته ساعي بريد فقط
فرح الطفل أشد الفرح
وشكر الله الذي استجاب له
وكان العيد عنده كما عند باقي الأطفال
وكان يسأله الناس : من أين لك هذا ؟
فيجيبهم :
إنه هدية من الله الكريم .. .. .. .. .. .. .. .. .. ..
هولندة
ما رعيت بذرتي رغم أنك بلاد منبتة
كنت مملوءا بالأحلام الجميلة
هل يهمك أن يحيق بي إفلاس مفجع ؟
لا يهمك مصيري
لكن يهمك ضياع أبي فيك عمرا بعد عمر
ظننت أني لن أتجاوز لحظاتي الحاضرة
كان ثمة إحساس بالسكتة القلبية
تولد عنه استسلام عريض
لكني كنت جد مخطئ ، فلقد قمت و سرت
أردت أن أنفصل عن الليل . هذا محال
أردت أن أنفصل عن نفسي . هذا محال
أردت أن أنفصل عن الإقتصاد . هذا صعب
أردت أن أعيش بدائيا . هذا مستحيل
ضحكت من نفسي حتى غضبت ، وقالت لي :
أثقلتني .. تمزقاتك تتعمق وأنا امل أن أجتمع
إيقاع حذائي فوق الزليج بدأ يصلني
إيقاع متهدج لدرجة أني خلته أصداء مرعبة
لمردة خبيثة تحدثني عن نهايتي في شماتة
من قعر بئر مقفرة كانت تحدثني
وكنت أوشك أن أهوي في تلك البئر
يا أمي أنقذيني
خلت أسفلي لا يحمل أعلاي
خلت نفسي إثنين بدل واحد ، نصفين
نصف بلا قاعدة ونصف بلا صومعة
الإيقاع متواصل ، إذن أنا أمشي
نعم أمشس في حي الغابة
تساءلت : لماذا الغابة المتوحشة في الغابة الأليفة ؟
لماذا سمي بحي الغابة ؟
استحضرت خريطة المدينة بإيجاز
تبعت المعالم والإشارات
فتوصلت إلى أنه سمي كذلك لأنه يؤدي إلى الغابة
أوه .. وما دخلي أنا بالأحياء وأسماء الأحياء ومنتهيات الأحياء
ربما هنا أريد أن أخدع الناس يا من قلت
لكنهم أذكى مني
الحي يمشي في الحي . الحي يتوزع في الحي
الحي سينعطف إلى حي اخر
الحي لا زالت تلفظه الأحياء
الحي لم يجد حيه .. كأنه تاه
الحي وجد فقط حي الصنوبر المحاط بأضواء
تبدو كأنها حجاب يحرسون انغلاق جلسة تتعلق بالعموم
مدرسة النشئ في عطلة
ساحة فيها بعض ألعاب الأطفال
تستغرق مني نظرة جانبية
شعرت حينها أن نظرتي تلك اغتصبتني
تذكرت أن المرأة الغادرة سألتني يوما :
هل تحب الأطفال ؟
هل تحب أن تكون أبا ؟
أما نصف امرأة متاحة فقرارها ألا تلد أبدا
تذهب إلى الجحيم
على يساري صندوق بريد أحمر
تمنيت أن أبرد عبره خطابا بمداد أحمر
أقول فيه :
أنا الإنسان ما غرضي في هلاك
اه .. أفين يمكن نلقى مرادي
اه .. أفين يمكن نلقى اللي بغيت
اه .. أفين يمكن نلقى ما ناوي

على يساري دائما قمرة هاتف خضراء
تمنيت أن أصرخ عبره قائلا :
سالني الغريب على معيشة الهوال
جاوبت وقلت راه الورد ذبال
عنق بنادم في سلاسل ثقال
دم بنادم ولى في السوق حلال

ثمة فائض من الصراخ عندي
فلا تقطع بعد أرجوك :
قاطعني الغريب وقال بمجهود
اسكت واعمل تعديت الحدود
اسكت واخدم توصل المقصود
راه الكل على القبر موجود

انتظر يا من تسمعني على الطرف الآخر
لا تتعجل القطع علي . لا أطيل عليك
طيب ، سأصرخ للمرة الأخيرة فاسمعني :
جوبت وقلت يا الغريب
باش من حق الدار تريب
عصرونا وخذاو الحليب
لا قوت لا مال في الجيب

هل أحب ناس الغيوان أم غيوان الناس ؟
التفكير لا يتعقل في رأس رهن الإعتقال
في بطني معركة قائمة بين جهازي الهضمي والأشياء المهضومة
بدأت أتصور كيف يعمل جهازي الهضمي
من مضغ اللفمة ، الكلمة ، ختى خروجها من الوراء
لم أفهم الأشياء لدرجة الإقتناع
لم أتعب نفسي كثيرا . وقلت :
سأسأل عن ذلك جزارا أو بيطريا
ذات مرة ، وتتبين لي الأمور
تراءى لي خي الصنوبر ، الذي ينتهي عند الكنيسة
كامرأة هاربة في زمن إسقاط الجنين من بطنها
في الحقيقة كانت كل الأشياء جامدة . هامدة . إلاي
كنت أمشي على الأقل
كانت تفصلني عن البيت ثلاثة حدائق منزلية جميلة
تمنيت لو وجدت جاري في حديقته
أو عند مدخل الباب
أو مع كلبه على الرصيف
فأتحدث إليه قليلا
أمنية لم أراع فيها فرضية الزمن
وإلا ما كنت لأتمناها . أمنية مرفوضة
الوقت كان يقارب الثانية صباحا
وجاري يبدو مهتما بالوقت على طريقة الشيوخ والعجزة
سألته مرة عن إسم كلبه الشرس
قال لي : بورس بيكر
قلت له : هذا إسم لاعب مشهور في كرة المضرب
قال لي : نعم ، لكن كلبي لا يعرف لعبة كرة المضرب
فكرت . هاهي فصيلة أخرى من المخلوقات الكونية
تقتسم حصة الأسماء مع الإنسان
فوق أرض هو السيد فيها ، هو المكرم فيها
هو الخليفة فيها
فكرت . ضربت الإنسلن في الكلاب
وضربت الكلاب قي الإنسان
تساءلت في ثورة :
من أباح للإنسان أن يسمي الكلب بإسم الإنسان ؟
حلم بالجواب المتوخى
هذيان حي في الحي
لكني وجدت شيئا اخر ، فلم تضع عملية الضرب هباء
وجدت أن بعض الإنسان كلب ، وبعض الكلب إنسان
بعض الإنسان ينبح خوفا على نفسه
والناس تصدق أنه ينبح عليها
بعض الإنسان إن تحمل عليه يلهث
وإن تدعه يلهث
بعض الكلاب أمين
وبعضه يرمي الأمانة وراءه كما ترمى التوافه من الأشياء
ويلحق بمنتهى وقاحته أول نباح أنثوي ذا معنى
تذكرت حادثتين في شأن الكلاب
الأولى حدثت لي أنا وأخي
والثانية حكيت لي فصنفتها مع الطرائف المستفهمة
الأولى شعرت فيها بنوع من الإهانة
والثانية ضحكت لما سمعتها
ذهبت مرة مع أخي إلى فلاح هولندي لنشتري منه حليبا
كان لم يمض على إقامتي في هولندة أكثر من شهر
كان لذلك الفلاح كلب كبير ، شكله مخيف
نباحه يعلن شراسة حادة
كأني به يتزين بملامح افتراس لم أطالعها من قبل
ضخم كجحش
أخي يخاف من الكلاب . يتخلف
يتزقف ويطلب مني أن أتوقف
فالكلب يسير نحونا على غرار خطانا المتقدمة
الكلب يعرف الذين يخافونه والذين لا يخافونه
كان صاحب الكلب واقفا يتحدث لشخص
وينظر صوبنا بطرف عين
نتقدم خطوة . يتقدم الكلب خطوتين
نتأخر . لا يتأخر هو
لا يكف عن النباح والتحرك بكل جسمه
قلت لأخي :
نتقدم ولا نبالي به ، فإنه لن يفعل شيئا
تقدمنا . تقدم منا الكلب أكثر وفي عينيه
كانت تتربى وثبة الهجوم بسرعة
جرى أخي إلى الوراء . هرب . جرى الكلب
هجم . جريت أنا الآخر . هربت
تصورت أنياب الكلب مغروسة في لحم الإنسان
احتميت بالخواء
تصدعت حقيقتي وحقيقة الآخر أمام مخلوق هش
مزقت تصوري ، ولعنت الكلب وصاحبه الذي تعمد اللاكتراث بنا
كان يرانا منذ نزلنا من السيارة
كنا موجودين بالقرب منه لكنه أراد أن يتجاوزنا
داخل زواياه البصرية
وأخيرا سمعناه ينادي كلبه نداء انتهاريا
وينادينا أن تقدموا ولا تخافوا
تصورته يخاطبنا في سره :
تقدموا إذا شئتم أو امكثوا حيث أنتم
أو عودوا إلى الوراء . تقدموا إذا استطعتم
تقدموا أيها الجبناء
كان الكلب قد أخلى سبيلنا بأمر صاحبه
الحمد لله أن الحيوان لازال يطيع أوامر الإنسان
تكلم أخي مع الفلاح الهولندي لحظة
ثم تناول منه القنينة البلاستيكية ليملأها بالحلييب
قلت لأخي : ماذا قال لك ؟
فيم كنتما تتحدثان ؟
أجابني : لاشئ ، فقط إبداء التحية والسؤال عماذا نريد
قلت له : فقط ، التحية والسؤال عن الغرض
يتطلب كل ذلك الكلام الطويل
ما أصعب الهولندية علي إذن أنا الذي
مفروض علي تعلمها في أوجز مدة
قال لي أخي أن صاحب الكلب استغرب خوفنا من كلبه
وقال :
لا يخاف من الكلب إلا من فعل فعلة
قلت في نفسي :
هذا اتهام بأصبع الإبهام
لم نفعل أي فعلة ، فنحن لا نستحق أبسط
نبحة في نظر الضمير المعتدل
لم نفعل أي فعلة سوى أننا لم نؤمن بعد
بتربية الكلاب كوجه من أوجه التمدن والتحضر
تحضرني الحكاية الطريفة فأضحك
" كانوا جلوسا في بيت يؤدي بابه إلى
فناء الحوش المشرع على السماء
يبدو الحوش كفم دخلت عبره المردة
إلى الأعماق ، ولم تخرج بعد
اختلفوا عن هل سقط المطر أم لا ؟
أو عن هل يسقط المطر أم لا ؟
قالوا لأحدهم : اخرج ، وأكد لنا حالة الطقس
كان قبالته في فناء الحوش كلب يتظاهر بالنوم
ناداه : بيسي .. بيسي
جاءه الكلب متمسحا بالفراغ
املا أن تكون فضلة سمينة في فمه
لا ضحكا على ذقنه
مسحه بيده ثم أغلظ له النهر
فجفل بين يديه قبل أن يهرب
قال لهم الشخص وهم يجلي راحة يده :
لم يسقط أي مطر بالمرة
وإلا لكان بلل جلد الكلب الذي
يسكن العراء ، أو جنبات الحيطان


عدت أتمنى لو يخرج جاري فأتحدث معه
في أي شئ
الهولنديون يثرثرون هم الآخرون
كل إنسان ثرثار إلا المريض أو الأبكم
هناك أنواع شتى في الثرثرة
وبئس المثرثرين من ينضوون في النوع الرديئ
سمعت الزمن يقول لي : أنا موجود
سمعت جاري يهذي في وضوح :
أنا نائم ، أنا حالم ، ممنوع الإزعاج
سمعت نفسي تقول لي :
انتبه ، هناك أشياء تفصلك عن بابك
خطوات معدودة . ظل سميك يرسم نصف دائرة
يتوسطها هيكل عالي تنحدر على يساره وعلى يمينه
هياكل أخرى تترتب من الأكبر إلى الأصغر
تبدو الصورة في عينيك كسلمين يؤديان إلى قمة واحدة
جاءني سؤال :
" من أنت ؟
" أنا مواطن في الأرض
" قد نحاكمك بهذه الهوية فنقسو عليك
" من أنتم ؟
" نحن حكام الأرض
يهمنا فيها النبات والحيوان والإنسان
وما يعيش في البحر ، وما يطير في السماء
" مع كامل احتراماتي لكم أسبكم وأشتمكم
فأضيفوا في لائحة التهم الموجهة لي السب والشتم
في حق ناس لحظة قيامهم بواجبهم الوظيفي
سأدافع عن نفسي بالسخرية منكم وتحدي نصف دائرتكم
سأبرر لكم سخطي عليكم . لاتسمعوني
اضربوا بي عرض الحائط
تحبون أن تعلنوا أنكم حكام الأرض
وأنا أقتات فيها الشقاء والأحزان
أنا بضعة مليارات فقط
قارة زائد قارة تساوي نصف الدائرة
قارة لوحدها هي كل الدائرة
قارة على حواف الدائرة
قارة خارج الدائرة
" من أنت ؟
" مواطن في الأرض العاشرة تنازليا
" أنت سكران
" نعم
" أنت محشش
" قليلا ، لا زالت الكحول تغلب في مفعول الحشيش
" أنت جبان
" إذا كانت هناك شجاعة أكثر من أني سببتكم و شتمتكم
فدلوني عليها ، سأفعلها بلا تردد . وردوها علي إن استطعتم
" أنت مريض
" الدواء مرة في يدي ، ومرات في أيادي محتكرة
" احتفظ بصحتك فإنها عرشك الذي تتربع عليه
" لو أصدقكم فورا لقلت أن مصلحتي تهمكم فعلا
" ما دافعك إلى تكذيبنا
" إني شهادة مزقتها توقيعاتكم على البياض
حرقتها بصماتكم ، نيرانكم .. دمرتها







كفى من حوار مللته
كفى من جدال ضاري
أنا بعده الآكل أظافري
أنا المتمزق
إني أشم رائحة صراخي الآتي
كفى من الشكليات
اخلوا طريقي
ابتعدوا عن الباب الذي أشحذ له مفتاحي
أريد أن أنام
النوم هو كل ما أفكر فيه اللحظة
وسادتي المؤقتة تنتظرني
هيا تحركوا لتحل محلكم خطواتي
سمعت صرير الباب وهو يفتح
أنا الذي فتحته بعد أن ضحكت من الهياكل السوداء
وهي تتوزع
كان ثمة ختم متشابه ذيل كل الأوراق
أوراق القضية التي لا أعرفها . لا يهم
الليل يملك أن يظلمك دائما فانتبه
يملك أن يدينك وأنت بريئ . هذا أيضا لا يهم
أيها النوم إني قادم حالا فهيئ لي حلما
سمعت صوتا يلحق بي قبل أن أغلق الباب
كان أشبه بالصدى الذي يلحق
ممن يباشر الرحيل الأخير
" انتظر
" ماذا تريد ؟
" أين المرأة ؟
أنت مسؤول عنها منذ رأتك العيون الواشية
" نصف امرأة متاحة أم المرأة كاملة ؟ من تعني ؟
" لا تتغابى
" المرأة الأولى أم الثانية أم الثالثة أم .. ؟
" المرأة المغتصبة
" ادركوها قبل أن يأتي القطار
" سنعود إليك هيكلا ملتحما لا تبدده جهوريتك إن لم نجدها
المرأة . أنت مسؤول . سنعود إليك غدا
" غدا .. اه .. غدا .. عودوا .. غدا
ادركوها .. غدا .. قبل أن بأتي القطار .. غدا


أيها النوم أين الحلم ؟
بدأت الوسادة تقبل خدي
وتنفثني بعض الدفء المشكوك فيه
وامتدت إلي أيادي من شمع
تلاطف جلدي ، وتخلل شعري
اشتعلت الوسادة في لحظة بدأت أغيب فيها
ذابت الأيادي
لما أستيقظ .. سأحكي لكم كيف كان الحلم
لا من جراء فراغ أو عادة